اقتصاد لبنان في محنة الحرب: من دعم دولي في 2006 إلى فراغ مالي في 2024

خسائر تقدَّر بـ10 مليارات دولار... وتراجُع عائدات السياحة بنحو 50 %

تصاعُد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية خيام الجنوبية (أ.ف.ب)
تصاعُد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية خيام الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

اقتصاد لبنان في محنة الحرب: من دعم دولي في 2006 إلى فراغ مالي في 2024

تصاعُد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية خيام الجنوبية (أ.ف.ب)
تصاعُد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية خيام الجنوبية (أ.ف.ب)

شهد لبنان عبر تاريخه الحديث عديداً من الحروب المدمِّرة التي تركت آثاراً كارثية على اقتصاده واستقراره الاجتماعي، أبرزها حرب يوليو (تموز) 2006، حين اندلعت حرب شاملة بين إسرائيل و«حزب الله»، ويتجدَّد المشهد اليوم بين إسرائيل و«حزب الله»، لكن بقواعد مختلفة جداً على صعيد المؤسسات والاقتصاد.

ففي أيام الحرب الـ33، عام 2006، كان لدى لبنان رئيس للجمهورية وحكومة فاعلة، وكان اقتصاده واعداً بنمو متوقع يتراوح بين 4 في المائة و5 في المائة، معزّزاً بتدفق استثمارات مرتفع ساعَد على تحقيق ميزان المدفوعات فائضاً مالياً، وبسيولة عالية لدى القطاع المصرفي الذي كان في ذلك الوقت يلعب دوراً أساسياً في الثقة باقتصاد لبنان، وفي الوقت نفسه، كانت السوق المالية في لبنان تتمتع بزخم إيجابي بسبب ارتفاع الاستثمارات الخليجية التي استفادت من ارتفاع أسعار النفط.

وأثناء حرب يوليو، هبّت الدول العربية، والخليجية خصوصاً، لمساعدة لبنان؛ إذ بلغ مجموع الأموال التي تسلّمَتها الحكومة في ذلك العام من الدول الشقيقة والصديقة والمؤسسات الدولية ما قيمته 1.174 مليار دولار.

كما حظي لبنان في تلك الفترة بدعم دولي، ومساعدات مالية عربية، ما ساعده على الصمود إلى حد كبير في وجه التحديات التي أفرزتها الحرب، حيث تمكّن مصرف لبنان المركزي من التدخل لحماية الليرة، والحفاظ على سعر صرفها، فقد تلقّى مصرف لبنان بعد وقت قصير من اندلاع الحرب وديعة بقيمة 1.5 مليار دولار من الكويت والسعودية، كما تم عقد مؤتمرات دعم دولية لمساعدة لبنان، حيث نجح مؤتمر المانحين في ستوكهولم أغسطس (آب) 2006، وباريس 3 يناير (كانون الثاني) 2007، في توليد دعم كبير من المجتمع الدولي، الأمر الذي خفّف العبء على المالية العامة في لبنان. وخصّص مؤتمر باريس 3 للبنان مِنَحاً وقروضاً ميسّرة بلغت قيمتها 7.6 مليار دولار، بهدف تحفيز القطاع الخاص على النهوض بعد الحرب، وتنفيذ خطة الإصلاح الاقتصادي التي وضعتها الحكومة اللبنانية.

أما اليوم، فيواجه لبنان تحديات اقتصادية غير مسبوقة مع دخوله حرب 2024، حيث تعاني البلاد من أزمة مالية خانقة. فالليرة اللبنانية انهارت، مما أدّى إلى فقدان أكثر من 90 في المائة من قدرتها الشرائية، بينما ارتفعت معدلات التضخم بشكل حادّ، والأهم أن لبنان بات يفتقر إلى الدعم المالي الدولي والعربي، وتراجعت احتياطيات مصرف لبنان بشكل ملحوظ، وتجاوزت خسائر القطاع المصرفي 70 مليار دولار، وانخفض الناتج المحلي بنسبة 50 في المائة، ليجد 80 في المائة من سكان لبنان أنفسهم تحت خط الفقر.

هذا التباين الكبير بين حربَي 2006 و2024 يعكس الفارق الهائل في قدرة لبنان على الصمود، حيث يبدو في موقف أضعف بكثير أمام هذه التحديات المالية والاقتصادية.

هشاشة الوضع الحالي وتغيُّر الظروف

تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الحرب في لبنان عام 2006 كلّفت البلاد خسارة تقدَّر بـ10.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع أضرار مباشرة وغير مباشرة بلغت 3.1 مليار دولار. واليوم، يبدو لبنان في وضع أكثر هشاشةً، وعلى عكس حرب 2006، يُحتمل أن تفتقر البلاد إلى التمويل من الموارد المحلية، أو من دول الخليج، كما أن استعادة البنية التحتية المتضررة ستتطلّب وقتاً طويلاً، خصوصاً مع التحديات الجسيمة في إدارة آثار أي تصعيد في الصراع، فضلاً عن تلاشي مقوّمات الصمود المعيشية للبنانيين، مما يزيد من حدة التداعيات.

وخلال حرب يوليو 2006 تدخّل مصرف لبنان لضخّ نحو مليار دولار في الأيام الأولى؛ لتهدئة الطلب على الدولار، والحفاظ على استقرار سعر الصرف عند 1500 ليرة، وكان احتياطه من العملات الأجنبية 11.7 مليار دولار. واليوم، تراجَع هذا الاحتياطي إلى 7.5 مليار دولار، معظمها توظيفات إلزامية لأموال المُودِعين، وفي عام 2006 تلقّت الحكومة اللبنانية مساعدات مالية بلغت 1.174 مليار دولار من الدول الشقيقة والصديقة، حيث قدّمت السعودية 734 مليون دولار على شكل هبات نقدية، وساهمت الكويت بـ315 مليون دولار، وسلطنة عمان بـ50 مليون دولار، والعراق بـ35 مليون دولار.

كما أن المقارنة بين حربي 2006 و2024 تُظهر تبايناً كبيراً في الظروف السياسية المحيطة بهما، ففي حرب 2006 كان لبنان تحت قيادة رئيس جمهورية وحكومة فاعلة تعمل على إنهاء النزاع، وتوفير الدعم المالي لإعادة الإعمار، مما أسهم في تحقيق استقرار نسبي بعد انتهاء العمليات العسكرية، أما في حرب 2024 فيعاني لبنان فراغاً رئاسياً ومؤسساتياً، وحكومة تصريف أعمال ذات صلاحيات محدودة، مما يُضعف قدرته على التعامل بفاعلية مع تداعيات الحرب، أو الحصول على الدعم الدولي الضروري.

لبنان تحت وطأة الحرب... وأرقام مقلقة

منذ بداية الحرب في 7 أكتوبر، سادت حالة من الخوف في القطاعات السياحية والخدماتية التي كانت تستعد لاستقبال المغتربين، وتراجعت حركة الوصول في المطار 33 في المائة، وارتفعت مغادرة المسافرين 28 في المائة، ووفقاً للمنظمة الدولية للهجرة، نزح حوالي 29 ألف شخص من الجنوب اللبناني.

أشخاص يسيرون بحقائبهم في مطار رفيق الحريري الدولي بعد يوم من انفجار أجهزة «البيجر» في بيروت (رويترز)

ومع دخول الحرب شهرها الثاني، توقعت وكالة «ستاندر آند بورز غلوبال»، أن يؤدي انخفاض السياحة إلى خسارة تصل إلى 23 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، كما توقع البنك الدولي عودة الاقتصاد اللبناني إلى الركود، بعدما كان متوقعاً له نمو طفيف 0.2 في المائة هذا العام.

وفي ديسمبر (كانون الأول)، حذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن لبنان قد يخسر ما بين 2 و4 في المائة من ناتجه المحلي الإجمالي نتيجة للحرب، وتأثر اقتصاد القطاع الخاص سلباً، حيث انخفض مؤشر مديري المشتريات إلى 49.1، وشهد أكتوبر (تشرين الأول) 2023 انخفاضاً بنسبة 60 في المائة بمعاملات العقارات مقارنةً بالعام الماضي.

وفي يونيو (حزيران)، رفعت شركة الأبحاث «بي إم آي» التابعة لوكالة «فيتش»، توقعات انكماش اقتصاد لبنان إلى حوالي 1.5 في المائة، مع تراجُع ملحوظ في عائدات السياحة مقارنةً بحرب 2006، حيث تكبّد خسائر فادحة تقدَّر بحوالي 3 مليارات دولار، في حين تشير تقديرات نقابات السياحة وأصحاب الفنادق والمطاعم إلى تراجع عائدات القطاع بنسبة 50 في المائة مقارنةً بالعام الماضي الذي حقّق فيه 6 مليارات دولار.

وحسب صندوق النقد العربي، فإن كل زيادة بنسبة 1 في المائة بالإيرادات السياحية تُسهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.36 في المائة، وهذا يعني أن لبنان الذي لا يتجاوز ناتجه المحلي الإجمالي حالياً 20 مليار دولار، يفقد فرصة هامة لتعزيز اقتصاده.

وتشير أحدث بيانات أغسطس (آب) إلى أن الحرب منعت المزارعين من زراعة 17 مليون متر مربع من الأراضي الزراعية. ومن المتوقع كذلك أن يشهد القطاع الصناعي تراجعاً يتجاوز 50 في المائة، مما يعادل خسائر تُقدَّر بحوالي مليارَي دولار. كما أن تعطُّل الموانئ سيفاقم الأزمة المعيشية، مما سيؤدي إلى خسائر إضافية تُقدَّر بـ 1.5 مليار دولار.

رجل يَعدّ أوراق الدولار الأميركي بجانب الليرة اللبنانية في محل صرافة ببيروت (رويترز)

18 عاماً على حرب يوليو 2006

أدّت الحرب إلى خسائر اقتصادية تقدّر بحوالي 7 مليارات دولار، منها 3.6 مليار دولار نتيجة تدمير البنية التحتية، و1.6 مليار دولار خسائر في المالية العامة، و2.4 مليار دولار طالت الناتج المحلي.

وقبل الحرب، حقّقت الحكومة اللبنانية فائضاً أولياً بلغ 660 مليون دولار في النصف الأول من عام 2006، لكن الحرب أضعفت الاستقرار المالي، كما تأثرت الاستثمارات الأجنبية التي حققت أرباحاً بقيمة 4.8 مليار دولار، سلباً، مما غيّرت من شهية المستثمرين.

وعلى الرغم من القروض ذات الفوائد المنخفضة لإعادة الإعمار، فقد ارتفعت قيمة الدَّين العام إلى 41 مليار دولار، ما يمثل 183 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع تراجع النمو إلى 1.6 في المائة، وتكاليف خدمة الدين بنسبة 3.02 في المائة بنهاية 2006.

شلل اقتصادي شامل

وبرغم غياب إحصائيات دقيقة عن الخسائر الفادحة الناجمة عن الصراع المستعِر، فإن المؤكد أن التكلفة الحقيقية تتجاوز التقديرات بكثير، فالشلل التام الذي أصاب القطاعات الاقتصادية الأساسية يهدّد بانهيار البنية التحتية، ويدفع بالاقتصاد إلى الهاوية، وتشير التقديرات الأولية إلى أن الخسائر تجاوزت بالفعل 10 مليارات دولار، وهو رقم يفوق نصف إجمالي الناتج المحلي، مما يعكس عمق هذه الحرب وخطورتها.


مقالات ذات صلة

كيف تستخدم إيران مواقع التواصل سلاحاً في الحرب؟

شؤون إقليمية لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

كيف تستخدم إيران مواقع التواصل سلاحاً في الحرب؟

أجرت إيران تغييرات جذرية على استراتيجيتها في وسائل التواصل الاجتماعي، في حرب معلوماتية شاملة شنَّها حكامها رداً على الهجمات العسكرية الأميركية والإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (طهران)
الولايات المتحدة​ صورة عامة لمبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن (أ.ب)

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

تلقي الحرب الدائرة حالياً على إيران بثقلها على الناخبين الأميركيين المستقلين وهم فئة حاسمة يُرجح أن تحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيحتفظ بالسيطرة على الكونغرس 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا جانب من المؤتمر الصحافي الختامي للقمة الأوروبية ببروكسل... يوم 20 مارس الحالي (إ.ب.أ) p-circle

أوروبا محبطة من «فيتو» أوربان وتبحث عن بدائل لتأمين قرض لأوكرانيا

أوروبا محبطة من «فيتو» أوربان وتبحث عن بدائل لتأمين قرض لأوكرانيا، وزيلينسكي يؤكد استئناف المحادثات مع واشنطن لإنهاء الحرب الروسية.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
شؤون إقليمية أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الراحل علي لاريجاني (رويترز)
p-circle

كيف يمكن لاغتيال لاريجاني أن يطيل أمد الحرب؟

بصفته المسؤول الأول عن الأمن القومي الإيراني، برز علي لاريجاني كمهندس رئيسي للاستراتيجية العسكرية والدبلوماسية للبلاد منذ بداية الصراع مع واشنطن وإسرائيل.

«الشرق الأوسط» (طهران)
تحليل إخباري سفينة الحاويات «سورس بليسنغ» التي أصيبت بمقذوفات أصابتها بالقرب من مضيق هرمز راسية في هامبورغ (رويترز) p-circle

تحليل إخباري البدائل الأوروبية لمطالب ترمب بشأن أمن مضيق هرمز

البدائل الأوروبية عن دعوة ترمب بشأن أمن مضيق هرمز والرئيس الفرنسي يرفض دعوته لكنه يترك الباب مفتوحاً للمستقبل

ميشال أبونجم (باريس)

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
TT

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)

بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية التي جعلت الذهب والفضة يتصدران المشهد الاستثماري، شهدت أسواق المعادن الثمينة موجة بيع عنيفة وتسارعاً في هبوط الأسعار، لتصبح آخر ضحايا توقعات التضخم المتزايدة.

ففي يوم «الخميس الأسود»، سجلت العقود الآجلة للذهب والفضة واحدة من أسوأ تراجعاتها اليومية على الإطلاق، حيث هوى الذهب بنسبة 5.9 في المائة (ما يعادل 289 دولاراً للأونصة)، بينما فقدت الفضة نحو 20 في المائة من قيمتها خلال سبع جلسات فقط. وواصلت أسعار الذهب تراجعها يوم الجمعة، مسجلةً أسوأ أسبوع لها منذ 15 عاماً، وسط مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإيرانية.

ويتجه الذهب نحو تسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008. ومع ذلك، لا يزال المعدن مرتفعاً بأكثر من 5 في المائة في عام 2026، مما يؤكد ارتفاعه الكبير قبل حرب الخليج.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

ولكن لماذا تنهار «الملاذات الآمنة» في وقت تشتعل فيه الأزمات الجيوسياسية؟

السبب الرئيسي خلف هذا التراجع يكمن في تحول توقعات التضخم وتلاشي آمال خفض أسعار الفائدة العالمية. فبينما يزدهر الذهب عادة في بيئات الفائدة المنخفضة، أدت صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط إلى تعقيد المشهد أمام البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا.

لقد أشارت المصارف المركزية هذا الأسبوع إلى أن الفائدة قد لا تنخفض بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، مما رفع «تكلفة الفرصة البديلة» لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً، ودفع المستثمرين نحو السندات التي باتت توفر دخلاً ثابتاً ومغرياً في ظل استمرار سياسة التشدد النقدي.

تخارج الصناديق

لم تقتصر الضغوط على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار فحسب، بل امتدت لتطال «نبض الشارع الاستثماري» المتمثل في المستثمرين الأفراد. فلليوم السادس على التوالي وحتى تعاملات الجمعة، سجلت البيانات تخارجاً صافياً للمستثمرين من صندوق «إس بي دي آر غولد شيرز»، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين. ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة خلال هذه الفترة - التي بلغت حوالي 10.5 مليون دولار - تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية بلغت 36.8 مليون دولار في يوم واحد العام الماضي، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في «التحول النفسي» وليس في الرقم ذاته، وفق «وول ستريت جورنال».

هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية يعكس تحولاً جذرياً في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذاً لا يُقهر. فالمستثمر الذي اندفع للشراء عندما تجاوزت الأونصة مستويات 5300 دولار في يناير (كانون الثاني)، بدأ يدرك أن الذهب بات «ضحية» لتوقعات التضخم بدلاً من أن يكون وسيلة للتحوط ضده. هذا الفتور في الشهية يعني أن المستثمرين الصغار لم يعودوا يبحثون عن الأمان في المعدن الأصفر، بل باتوا يفضلون «تسييل» مراكزهم والهروب نحو الدولار القوي أو السندات التي تمنح عائداً ثابتاً، مما يضع ضغوطاً إضافية على أسعار الذهب التي فقدت زخمها التاريخي.

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية وهما يقفان خارج متجر مجوهرات في السوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

البيع الاضطراري و«تغطية الخسائر»

يرى محللون أن جزءاً كبيراً من هذا التخارج الصافي ليس ناتجاً عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة «حاجة ماسة للسيولة» في أسواق أخرى متعثرة. فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كـ«حصالة طوارئ» لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات «هامش الربح» من قبل الوسطاء. هذا النوع من «البيع القسري» يثبت أن الذهب، في لحظات الأزمات المركبة، يتحول من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق العالمية.

«الأموال الذكية»

بالتوازي مع تراجع استثمارات الأفراد، لم تكن المؤسسات الكبرى بمعزل عن هذا المشهد. ففي الكواليس، بدأت «الأموال الذكية» - المتمثلة في صناديق التحوط والمستثمرين المحترفين - في تقليص مراكزها من المعادن بشكل كبير. ويرى محللون أن التقلبات الحادة في الأسواق الأخرى، مثل تراجع الأسهم، دفعت بعض المستثمرين لبيع الذهب والفضة لـ«تسييل الأرباح» وتغطية خسائرهم في أماكن أخرى من محافظهم الاستثمارية، أو لتلبية طلبات «هامش الربح». وبحسب خبراء السلع في «ستاندرد تشارترد»، فإن الحاجة إلى السيولة في الوقت الراهن تفوقت على علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الذهب تاريخياً.

البنوك المركزية... حارس استراتيجي

في مقابل تخارج صغار المستثمرين، تواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر توازناً. فوفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي لشهر مارس 2026، استمر «بنك الشعب الصيني» في الشراء للشهر السادس عشر على التوالي، حيث أضاف نحو 25 طناً في فبراير (شباط) وحده، ليصل إجمالي حيازاته إلى مستوى قياسي جديد. ويعكس هذا الإصرار السيادي على الشراء استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى «تنويع الاحتياطيات» وتقليل الاعتماد على الدولار، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة التي أعقبت صراع الشرق الأوسط.

سبيكة ذهبية وزنها كيلوغرام واحد وعملة ذهبية مختومة معروضتان في متجر مجوهرات بدبي (رويترز)

دخول لاعبين جدد

لم تعد المشتريات مقتصرة على القوى التقليدية مثل الصين وروسيا؛ فقد شهد الربع الأول من عام 2026 دخول لاعبين جدد إلى الساحة بشكل مفاجئ. فقد أعلن بنك كوريا المركزي عن خطط لدمج صناديق الذهب المتداولة في محفظته الدولية لأول مرة منذ عام 2013. كما سجل «بنك ماليزيا» أول عملية شراء رئيسية له منذ سنوات. هذا التوسع في قاعدة المشترين السياديين يشير إلى أن الذهب لم يفقد قيمته كأصل استراتيجي، بل إن البنوك المركزية تنظر إلى التراجعات السعرية الحالية كـ«فرصة شراء» لتعزيز مرونة اقتصاداتها الوطنية أمام تقلبات العملات الورقية.

رغم هذه المشتريات، يشير محللون إلى أن بعض البنوك المركزية قد تتبنى نهج «الانتظار والترقب» في الأشهر المقبلة. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل الإمدادات في مضيق هرمز، قد تضطر بعض الدول الناشئة لاستخدام سيولتها النقدية لدعم عملاتها المحلية بدلاً من زيادة حيازاتها من الذهب. ومع ذلك، يظل التوقع العام لعام 2026 هو بقاء صافي مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة تتراوح من 750 إلى 900 طن، مما يوفر «أرضية صلبة» تمنع انهيار الأسعار بشكل كامل رغم موجات البيع التي يقودها الأفراد وصناديق التحوط.

عدوى الهبوط

لم تكن المعادن الثمينة وحدها في ساحة النزيف، بل امتدت الموجة لتشمل البلاتين والبلاديوم اللذين فقدا نحو 17 في المائة و15 في المائة من قيمتهما هذا الشهر على التوالي. كما تراجعت المعادن الصناعية مثل النحاس والألومنيوم، وهو ما يفسره المحللون بإعادة تقييم المستثمرين لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي. فرغم إغلاق مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً لشحنات الألومنيوم والغاز، فإن الأسعار تراجعت مع ازدياد القناعات بأن الركود العالمي القادم قد يؤدي إلى «تدمير الطلب»، مما جعل التحوط بالمعادن خياراً أقل جاذبية في ظل تباطؤ اقتصادي وشيك.


الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
TT

الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)

سمحت الفلبين بالاستخدام المؤقت والمحدود لنوع من الوقود أرخص ثمناً، ولكنه أقل جودة وأكثر بعثاً للملوثات؛ وذلك لضمان استمرار الإمدادات في ظل سعيها إلى إيجاد حلول لمواجهة تداعيات أزمة الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة الطاقة، الأحد، أنه سيُسمح فقط للمركبات المصنعة في عام 2015 وما قبله، وسيارات الجيب التقليدية، ومحطات توليد الطاقة، وقطاع النقل البحري، باستخدام منتجات البترول المتوافقة مع معيار «يورو2».

وأوضحت الوزارة في بيان: «يهدف هذا الإجراء إلى المساعدة في ضمان استمرار إمدادات الوقود بشكل كافٍ ومتاح، مع إتاحة مرونة محدودة للقطاعات التي قد تتأثر».

وأصدرت الوزارة توجيهات لشركات النفط التي ستوفر وقود «يورو2» بالحفاظ على الفصل التام بينه وبين وقود «يورو4» في جميع أنظمة التخزين والنقل والتوزيع.

وفي عام 2016، تحولت مانيلا إلى استخدام وقود أنظف متوافق مع معايير «يورو4» بدلاً من «يورو2». ويحتوي وقود «يورو4»، الذي لا يزال ساري المفعول، على نسبة كبريت تبلغ 50 جزءاً في المليون، مقابل 500 جزء في المليون لوقود «يورو2».

وفي الأسبوع الماضي، خرج آلاف سائقي السيارات إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل المحلية بأكثر من الضعف، وذلك بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومثل كثير من جيرانها في جنوب شرقي آسيا، اتخذت الفلبين خطوات، مثل تقليص أسبوع العمل وتقديم دعم للوقود؛ لمواجهة آثار ارتفاع التكاليف. كما منح البرلمان الرئيس صلاحيات طارئة لتعليق أو تخفيض ضرائب الوقود.

وقال الرئيس الفلبيني، فيرديناند ماركوس، في رسالة مصورة يوم الأحد، إن الحكومة تجري محادثات مع الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وبروناي بشأن ترتيبات محتملة لإمدادات الوقود. وتستعد الدولة، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها من الوقود، لاستيراد النفط الروسي هذا الشهر لأول مرة منذ 5 سنوات.


سريلانكا ترفع أسعار الوقود بـ25 % مع تصاعد حدة الحرب

ينتظر الركاب وسائل النقل العام على طول طريق مهجور في كولومبو (أ.ف.ب)
ينتظر الركاب وسائل النقل العام على طول طريق مهجور في كولومبو (أ.ف.ب)
TT

سريلانكا ترفع أسعار الوقود بـ25 % مع تصاعد حدة الحرب

ينتظر الركاب وسائل النقل العام على طول طريق مهجور في كولومبو (أ.ف.ب)
ينتظر الركاب وسائل النقل العام على طول طريق مهجور في كولومبو (أ.ف.ب)

رفعت سريلانكا أسعار الوقود بنسبة 25 في المائة يوم الأحد، في ثاني زيادة خلال أسبوعين، استعداداً لمزيد من تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.

وارتفع سعر البنزين العادي إلى 398 روبية (1.30 دولار) للتر الواحد، بعد أن كان 317 روبية، بينما ارتفع سعر الديزل، وهو الوقود المُستخدَم عادةً في وسائل النقل العام، بمقدار 79 روبية ليصل إلى 382 روبية.

وكانت الحكومة قد أمرت، الأسبوع الماضي، بزيادة أسعار الوقود بالتجزئة بنسبة 8 في المائة، وفرضت نظام تقنين للحد من الاستهلاك.

وقال مسؤول في مؤسسة «سيلان» للبترول: «نأمل أن نحقِّق انخفاضاً في استهلاك الوقود بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة مع هذه الزيادة الأخيرة».

وأضاف أن الرئيس، أنورا كومارا ديساناياكي، أبلغهم الأسبوع الماضي بضرورة استعداد البلاد لصراع طويل الأمد في الشرق الأوسط قد يؤثر على إمدادات الطاقة في الجزيرة.

وكان الرئيس أصدر قراراً بتطبيق أسبوع عمل من أ4 أيام بدءاً من الأربعاء الماضي، وطلب من أصحاب العمل إعادة العمل بنظام العمل من المنزل حيثما أمكن.

وأغلقت إيران فعلياً مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي يمرُّ عبره نحو 20 في المائة من صادرات النفط العالمية في زمن السلم، رداً على الحرب الأميركية - الإسرائيلية التي تشنها ضدها، والتي دخلت أسبوعها الرابع.

وتستورد سريلانكا كامل احتياجاتها من النفط، كما تشتري الفحم لتوليد الكهرباء. وتستورد المنتجات النفطية المكررة من سنغافورة وماليزيا وكوريا الجنوبية، بينما تستورد النفط الخام لمصفاتها، التي بنتها إيران، من الشرق الأوسط.

وحذَّرت الحكومة من أن القتال في الشرق الأوسط، واستمرار الحرب لفترة طويلة، قد يُقوِّض جهودها للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بها عام 2022. وكانت سريلانكا قد تخلفت عن سداد ديونها الخارجية البالغة 46 مليار دولار في عام 2022 بعد نفاد احتياطاتها من العملات الأجنبية. ومنذ ذلك الحين، حصلت كولومبو على قرض إنقاذ من صندوق النقد الدولي بقيمة 2.9 مليار دولار.