اقتصاد لبنان في محنة الحرب: من دعم دولي في 2006 إلى فراغ مالي في 2024

خسائر تقدَّر بـ10 مليارات دولار... وتراجُع عائدات السياحة بنحو 50 %

تصاعُد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية خيام الجنوبية (أ.ف.ب)
تصاعُد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية خيام الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

اقتصاد لبنان في محنة الحرب: من دعم دولي في 2006 إلى فراغ مالي في 2024

تصاعُد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية خيام الجنوبية (أ.ف.ب)
تصاعُد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية خيام الجنوبية (أ.ف.ب)

شهد لبنان عبر تاريخه الحديث عديداً من الحروب المدمِّرة التي تركت آثاراً كارثية على اقتصاده واستقراره الاجتماعي، أبرزها حرب يوليو (تموز) 2006، حين اندلعت حرب شاملة بين إسرائيل و«حزب الله»، ويتجدَّد المشهد اليوم بين إسرائيل و«حزب الله»، لكن بقواعد مختلفة جداً على صعيد المؤسسات والاقتصاد.

ففي أيام الحرب الـ33، عام 2006، كان لدى لبنان رئيس للجمهورية وحكومة فاعلة، وكان اقتصاده واعداً بنمو متوقع يتراوح بين 4 في المائة و5 في المائة، معزّزاً بتدفق استثمارات مرتفع ساعَد على تحقيق ميزان المدفوعات فائضاً مالياً، وبسيولة عالية لدى القطاع المصرفي الذي كان في ذلك الوقت يلعب دوراً أساسياً في الثقة باقتصاد لبنان، وفي الوقت نفسه، كانت السوق المالية في لبنان تتمتع بزخم إيجابي بسبب ارتفاع الاستثمارات الخليجية التي استفادت من ارتفاع أسعار النفط.

وأثناء حرب يوليو، هبّت الدول العربية، والخليجية خصوصاً، لمساعدة لبنان؛ إذ بلغ مجموع الأموال التي تسلّمَتها الحكومة في ذلك العام من الدول الشقيقة والصديقة والمؤسسات الدولية ما قيمته 1.174 مليار دولار.

كما حظي لبنان في تلك الفترة بدعم دولي، ومساعدات مالية عربية، ما ساعده على الصمود إلى حد كبير في وجه التحديات التي أفرزتها الحرب، حيث تمكّن مصرف لبنان المركزي من التدخل لحماية الليرة، والحفاظ على سعر صرفها، فقد تلقّى مصرف لبنان بعد وقت قصير من اندلاع الحرب وديعة بقيمة 1.5 مليار دولار من الكويت والسعودية، كما تم عقد مؤتمرات دعم دولية لمساعدة لبنان، حيث نجح مؤتمر المانحين في ستوكهولم أغسطس (آب) 2006، وباريس 3 يناير (كانون الثاني) 2007، في توليد دعم كبير من المجتمع الدولي، الأمر الذي خفّف العبء على المالية العامة في لبنان. وخصّص مؤتمر باريس 3 للبنان مِنَحاً وقروضاً ميسّرة بلغت قيمتها 7.6 مليار دولار، بهدف تحفيز القطاع الخاص على النهوض بعد الحرب، وتنفيذ خطة الإصلاح الاقتصادي التي وضعتها الحكومة اللبنانية.

أما اليوم، فيواجه لبنان تحديات اقتصادية غير مسبوقة مع دخوله حرب 2024، حيث تعاني البلاد من أزمة مالية خانقة. فالليرة اللبنانية انهارت، مما أدّى إلى فقدان أكثر من 90 في المائة من قدرتها الشرائية، بينما ارتفعت معدلات التضخم بشكل حادّ، والأهم أن لبنان بات يفتقر إلى الدعم المالي الدولي والعربي، وتراجعت احتياطيات مصرف لبنان بشكل ملحوظ، وتجاوزت خسائر القطاع المصرفي 70 مليار دولار، وانخفض الناتج المحلي بنسبة 50 في المائة، ليجد 80 في المائة من سكان لبنان أنفسهم تحت خط الفقر.

هذا التباين الكبير بين حربَي 2006 و2024 يعكس الفارق الهائل في قدرة لبنان على الصمود، حيث يبدو في موقف أضعف بكثير أمام هذه التحديات المالية والاقتصادية.

هشاشة الوضع الحالي وتغيُّر الظروف

تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الحرب في لبنان عام 2006 كلّفت البلاد خسارة تقدَّر بـ10.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع أضرار مباشرة وغير مباشرة بلغت 3.1 مليار دولار. واليوم، يبدو لبنان في وضع أكثر هشاشةً، وعلى عكس حرب 2006، يُحتمل أن تفتقر البلاد إلى التمويل من الموارد المحلية، أو من دول الخليج، كما أن استعادة البنية التحتية المتضررة ستتطلّب وقتاً طويلاً، خصوصاً مع التحديات الجسيمة في إدارة آثار أي تصعيد في الصراع، فضلاً عن تلاشي مقوّمات الصمود المعيشية للبنانيين، مما يزيد من حدة التداعيات.

وخلال حرب يوليو 2006 تدخّل مصرف لبنان لضخّ نحو مليار دولار في الأيام الأولى؛ لتهدئة الطلب على الدولار، والحفاظ على استقرار سعر الصرف عند 1500 ليرة، وكان احتياطه من العملات الأجنبية 11.7 مليار دولار. واليوم، تراجَع هذا الاحتياطي إلى 7.5 مليار دولار، معظمها توظيفات إلزامية لأموال المُودِعين، وفي عام 2006 تلقّت الحكومة اللبنانية مساعدات مالية بلغت 1.174 مليار دولار من الدول الشقيقة والصديقة، حيث قدّمت السعودية 734 مليون دولار على شكل هبات نقدية، وساهمت الكويت بـ315 مليون دولار، وسلطنة عمان بـ50 مليون دولار، والعراق بـ35 مليون دولار.

كما أن المقارنة بين حربي 2006 و2024 تُظهر تبايناً كبيراً في الظروف السياسية المحيطة بهما، ففي حرب 2006 كان لبنان تحت قيادة رئيس جمهورية وحكومة فاعلة تعمل على إنهاء النزاع، وتوفير الدعم المالي لإعادة الإعمار، مما أسهم في تحقيق استقرار نسبي بعد انتهاء العمليات العسكرية، أما في حرب 2024 فيعاني لبنان فراغاً رئاسياً ومؤسساتياً، وحكومة تصريف أعمال ذات صلاحيات محدودة، مما يُضعف قدرته على التعامل بفاعلية مع تداعيات الحرب، أو الحصول على الدعم الدولي الضروري.

لبنان تحت وطأة الحرب... وأرقام مقلقة

منذ بداية الحرب في 7 أكتوبر، سادت حالة من الخوف في القطاعات السياحية والخدماتية التي كانت تستعد لاستقبال المغتربين، وتراجعت حركة الوصول في المطار 33 في المائة، وارتفعت مغادرة المسافرين 28 في المائة، ووفقاً للمنظمة الدولية للهجرة، نزح حوالي 29 ألف شخص من الجنوب اللبناني.

أشخاص يسيرون بحقائبهم في مطار رفيق الحريري الدولي بعد يوم من انفجار أجهزة «البيجر» في بيروت (رويترز)

ومع دخول الحرب شهرها الثاني، توقعت وكالة «ستاندر آند بورز غلوبال»، أن يؤدي انخفاض السياحة إلى خسارة تصل إلى 23 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، كما توقع البنك الدولي عودة الاقتصاد اللبناني إلى الركود، بعدما كان متوقعاً له نمو طفيف 0.2 في المائة هذا العام.

وفي ديسمبر (كانون الأول)، حذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن لبنان قد يخسر ما بين 2 و4 في المائة من ناتجه المحلي الإجمالي نتيجة للحرب، وتأثر اقتصاد القطاع الخاص سلباً، حيث انخفض مؤشر مديري المشتريات إلى 49.1، وشهد أكتوبر (تشرين الأول) 2023 انخفاضاً بنسبة 60 في المائة بمعاملات العقارات مقارنةً بالعام الماضي.

وفي يونيو (حزيران)، رفعت شركة الأبحاث «بي إم آي» التابعة لوكالة «فيتش»، توقعات انكماش اقتصاد لبنان إلى حوالي 1.5 في المائة، مع تراجُع ملحوظ في عائدات السياحة مقارنةً بحرب 2006، حيث تكبّد خسائر فادحة تقدَّر بحوالي 3 مليارات دولار، في حين تشير تقديرات نقابات السياحة وأصحاب الفنادق والمطاعم إلى تراجع عائدات القطاع بنسبة 50 في المائة مقارنةً بالعام الماضي الذي حقّق فيه 6 مليارات دولار.

وحسب صندوق النقد العربي، فإن كل زيادة بنسبة 1 في المائة بالإيرادات السياحية تُسهم في زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.36 في المائة، وهذا يعني أن لبنان الذي لا يتجاوز ناتجه المحلي الإجمالي حالياً 20 مليار دولار، يفقد فرصة هامة لتعزيز اقتصاده.

وتشير أحدث بيانات أغسطس (آب) إلى أن الحرب منعت المزارعين من زراعة 17 مليون متر مربع من الأراضي الزراعية. ومن المتوقع كذلك أن يشهد القطاع الصناعي تراجعاً يتجاوز 50 في المائة، مما يعادل خسائر تُقدَّر بحوالي مليارَي دولار. كما أن تعطُّل الموانئ سيفاقم الأزمة المعيشية، مما سيؤدي إلى خسائر إضافية تُقدَّر بـ 1.5 مليار دولار.

رجل يَعدّ أوراق الدولار الأميركي بجانب الليرة اللبنانية في محل صرافة ببيروت (رويترز)

18 عاماً على حرب يوليو 2006

أدّت الحرب إلى خسائر اقتصادية تقدّر بحوالي 7 مليارات دولار، منها 3.6 مليار دولار نتيجة تدمير البنية التحتية، و1.6 مليار دولار خسائر في المالية العامة، و2.4 مليار دولار طالت الناتج المحلي.

وقبل الحرب، حقّقت الحكومة اللبنانية فائضاً أولياً بلغ 660 مليون دولار في النصف الأول من عام 2006، لكن الحرب أضعفت الاستقرار المالي، كما تأثرت الاستثمارات الأجنبية التي حققت أرباحاً بقيمة 4.8 مليار دولار، سلباً، مما غيّرت من شهية المستثمرين.

وعلى الرغم من القروض ذات الفوائد المنخفضة لإعادة الإعمار، فقد ارتفعت قيمة الدَّين العام إلى 41 مليار دولار، ما يمثل 183 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع تراجع النمو إلى 1.6 في المائة، وتكاليف خدمة الدين بنسبة 3.02 في المائة بنهاية 2006.

شلل اقتصادي شامل

وبرغم غياب إحصائيات دقيقة عن الخسائر الفادحة الناجمة عن الصراع المستعِر، فإن المؤكد أن التكلفة الحقيقية تتجاوز التقديرات بكثير، فالشلل التام الذي أصاب القطاعات الاقتصادية الأساسية يهدّد بانهيار البنية التحتية، ويدفع بالاقتصاد إلى الهاوية، وتشير التقديرات الأولية إلى أن الخسائر تجاوزت بالفعل 10 مليارات دولار، وهو رقم يفوق نصف إجمالي الناتج المحلي، مما يعكس عمق هذه الحرب وخطورتها.


مقالات ذات صلة

مضيق هرمز... كيف يمكن تفادي «قنبلة إيران الاقتصادية»؟

آسيا سلّطت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران الضوء على أهمية المضايق البحرية حول العالم (الشرق الأوسط)

مضيق هرمز... كيف يمكن تفادي «قنبلة إيران الاقتصادية»؟

سلّطت حرب أميركا وإسرائيل ضد إيران الضوء على أهمية المضايق البحرية حول العالم، على خلفية إغلاق مضيق هرمز؛ الأمر الذي يدفع نحو التفكير في بدائل لهذا المعبر.

المحلل العسكري
تحليل إخباري هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)

تحليل إخباري كأن الخطر النووي لا يكفي... العالم على أعتاب «حرب الخوارزميات»

يصف بعض الباحثين هذا التحول بأنه بداية «حرب الخوارزميات» التي تصبح فيها البرمجيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من موازين القوة الدولية.

أنطوان الحاج
تحليل إخباري جانب من مدينة هيروشيما اليابانية بعد إسقاط قنبلة ذرية أميركية عليها في 6 أغسطس 1945 (رويترز)

تحليل إخباري 12 ألف رأس نووي تكفي لمحو الحضارة البشرية

تزداد التحذيرات من أن العالم بات أقرب إلى مواجهة كارثة قد لا يكون قادراً على احتواء تداعياتها.

أنطوان الحاج
شؤون إقليمية آلاف من أعضاء حزب «الشعب الجمهوري» في مسيرة لدعم رئيسه المنتخب الموقوف مؤقتاً بقرار قضائي أوزغور أوزيل (إ.ب.أ)

تركيا: حرب تكسير عظام بين جبهتَي «الشعب الجمهوري»

تحولت أزمة حزب «الشعب الجمهوري» التركي إلى «حرب تكسير عظام» بين جبهتَي رئيس الحزب السابق كمال كليتشدار أوغلو الذي أعيد «مؤقتاً»، والرئيس المنتخب أوزغور أوزيل.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية مواجهة العدو من «الشمال الشرقي»... تعهد القائد الجديد لإسرائيل في سوريا

مواجهة العدو من «الشمال الشرقي»... تعهد القائد الجديد لإسرائيل في سوريا

عين قائد جديد للجيش الإسرائيلي على الجولان المحتل هو العقيد «ي»، الذي وعد بأن يكمل مسيرة سلفه في تعزيز سيطرته ومواصلة القيام في «مبادرات لمباغتة العدو».

نظير مجلي (تل أبيب)

تذبذب في «وول ستريت» بين مكاسب الذكاء الاصطناعي وضغوط «أبل»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

تذبذب في «وول ستريت» بين مكاسب الذكاء الاصطناعي وضغوط «أبل»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

شهدت الأسهم الأميركية تذبذباً، خلال تداولات يوم الخميس، مع تسجيل مكاسب قوية في أسهم شركات الذكاء الاصطناعي، مقابل ضغوط على سهم شركة «أبل» بعد رفع أسعار عدد من منتجاتها.

وتراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.3 في المائة، بعد أن محا مكاسبه المبكرة التي بلغت 0.8 في المائة، في حين ارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي 228 نقطة أو 0.4 في المائة، بحلول الساعة العاشرة صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، بينما انخفض مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 1.2 في المائة.

وقادت شركة «مايكرون تكنولوجي» موجة الصعود في القطاع، بعدما ارتفع سهمها بنسبة 9.7 في المائة، مدعوماً بنتائج مالية فصلية فاقت توقعات المحللين من حيث الأرباح والإيرادات، إلى جانب توقعات قوية للنمو في الربع الحالي، ما أسهم في تهدئة المخاوف من المبالغة في تقييم السهم بعد ارتفاعه بنحو 267 في المائة منذ بداية العام، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

في المقابل، تعرضت أسهم شركات الذكاء الاصطناعي لضغوط، في الأسابيع الأخيرة، وسط مخاوف من عدم قدرة الأرباح على تبرير الارتفاعات القياسية بأسعار الأسهم، رغم استمرار التفاؤل بشأن نمو القطاع.

كما أعلنت شركة «كوالكوم» أن تسارع الطلب على تقنيات الذكاء الاصطناعي يدفعها إلى رفع توقعاتها للنمو على المدى الطويل، متوقعة وصول إيراداتها من خارج قطاع الهواتف المحمولة، بما في ذلك مراكز البيانات، إلى 40 مليار دولار بحلول عام 2029، ما دعّم سهمها الذي ارتفع 3.1 في المائة.

في المقابل، انخفض سهم «أبل» بنسبة 4.8 في المائة، بعد تقارير عن رفع أسعار عدد من منتجاتها، بينها أجهزة ماك، بزيادات تراوحت بين 15 في المائة و20 في المائة، وفق تقديرات محللين، في ظل ارتفاع تكاليف المكونات.

وتلقّت السوق دعماً إضافياً من تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية، بعد بيانات أظهرت أن التضخم جاء متوافقاً مع التوقعات، ما خفّف الضغوط على الأصول عالية التقييم.

كما انخفض سعر خام برنت بنسبة 0.1 في المائة إلى 73.81 دولار للبرميل، مقترباً من مستويات ما قبل الحرب مع إيران، بعد تراجع حاد عن ذروات تجاوزت 100 دولار، خلال فترة اضطرابات الإمدادات المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز.

وأدى تراجع أسعار النفط إلى تهدئة المخاوف التضخمية، إذ أظهرت البيانات ارتفاع مؤشر التضخم إلى 4.1 في المائة خلال مايو (أيار)، مقارنة بـ3.8 في المائة خلال أبريل (نيسان)، وهو ما جاء متماشياً مع توقعات السوق.

وفي أسواق السندات، انخفض عائد سندات الخزانة الأميركية لأجَل عشر سنوات إلى 4.36 في المائة، من 4.41 في المائة، ما عزز شهية المخاطرة في بعض قطاعات الأسهم.

وعالمياً، قفز مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي بنسبة 5.4 في المائة، مدعوماً بمكاسب قوية في قطاع أشباه الموصلات، بما في ذلك ارتفاع سهم «إس كيه هاينكس» بنسبة 13.1 في المائة، كما سجل مؤشر «نيكي» الياباني مكاسب بلغت 4.6 في المائة، وارتفع مؤشر «فوتسي 100» البريطاني بنسبة 0.6 في المائة، بينما تراجع مؤشر «هانغ سنغ» في هونغ كونغ بنسبة 1.4 في المائة.


اتفاقيات صناعية جديدة في ختام «أسبوع الرياض الدولي للصناعة» لتعزيز المحتوى المحلي

جانب من فعاليات «أسبوع الرياض الدولي للصناعة 2026» (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات «أسبوع الرياض الدولي للصناعة 2026» (الشرق الأوسط)
TT

اتفاقيات صناعية جديدة في ختام «أسبوع الرياض الدولي للصناعة» لتعزيز المحتوى المحلي

جانب من فعاليات «أسبوع الرياض الدولي للصناعة 2026» (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات «أسبوع الرياض الدولي للصناعة 2026» (الشرق الأوسط)

رعى «المركز الوطني للتنمية الصناعية» خلال «أسبوع الرياض الدولي للصناعة 2026»، توقيع اتفاقية بين «شركة مصنع البلاستيك الأهلي» و«فيغيراس» الإسبانية المختصة عالمياً في حلول وتقنيات تصنيع المقاعد؛ لتوطين تقنيات تصنيع كراسي الملاعب والمسارح؛ بما يسهم في نقل المعرفة التقنية، ورفع نسبة المحتوى المحلي، وتعزيز القيمة المضافة للصناعات التحويلية الوطنية.

وشهد الحدث كذلك توقيع عدد من الاتفاقيات والشراكات الصناعية النوعية في مجالات توطين التقنيات الصناعية المتقدمة، وتطوير حلول التصنيع، شملت اتفاقيات في قطاع الآلات والمعدات الصناعية وخطوط الإنتاج.

وبرعاية وزارة الصناعة والثروة المعدنية، اختتم «أسبوع الرياض الدولي للصناعة 2026» أعماله الخميس في «مركز الرياض الدولي للمؤتمرات والمعارض» بالرياض، بمشاركة 337 جهة عارضة، من 17 دولة، بحضور تجاوز 14 ألف زائر من مختلف أنحاء العالم.

وجمع الحدث تحت مظلته النسخة الـ21 من «المعرض السعودي للبلاستيك والصناعات البتروكيماوية»، و«المعرض السعودي للطباعة والتغليف»، والنسخة الـ4 من «المعرض السعودي للخدمات اللوجستية الذكية»، مستعرضاً أحدث التقنيات الصناعية واللوجستية وحلول الطباعة والتغليف، إلى جانب ما أتاحه من فرص للتعاون والاستثمار بين الشركات المحلية والدولية.

تعزيز الاستدامة

وركزت فعاليات «الأسبوع» على تعزيز الاستدامة الصناعية، ودعم التحول الرقمي، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد والإنتاج، إلى جانب توطيد الشراكة الاستراتيجية بين شركتَيْ «معارض الرياض» و«ميسي دوسلدورف» الألمانية، التي تربط المعارض السعودية المختصة بـ3 من أبرز المعارض العالمية في قطاعات البلاستيك والتغليف والطباعة، هي: «كيه (K)» و«إنترباك (Interpack)» و«دروبا (Drupa)».

وناقش المؤتمر المصاحب للحدث، بمشاركة أكثر من 40 متحدثاً محلياً ودولياً من 13 دولة، عدداً من الموضوعات المرتبطة بـ«التحول الصناعي السعودي، وتسريع الابتكار والتوطين، والتنافسية العالمية، ودور الممكنات الصناعية في دعم المستثمرين ورفع كفاءة المصانع والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، ومستقبل اللوجستيات الذكية وما يرتبط بها من تقنيات الروبوتات والمركبات ذاتية القيادة، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، إلى جانب حلول التعبئة والتغليف المتقدمة، والامتثال التنظيمي لصناعة البلاستيك، واقتصاد البوليمرات الدائري ودوره في دعم صناعات المستقبل».

كما تناولت جلسات المؤتمر «استراتيجيات تمويل الاستثمارات الصناعية، ومستقبل الطائرات من دون طيار في التجارة الإلكترونية وخدمات التوصيل الحضري، وأفضل الممارسات في استغلال مساحات الأسطح لتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة من الطاقة الشمسية، إضافة إلى التحديد الكمي للمايكروبلاستيك ودوره في تحقيق الحياد الصفري، وقياس البصمة الكربونية في أنظمة دورة حياة البوليمرات».

ورشات العمل

وتطرقت كذلك إلى بدائل البلاستيك وإعادة تعريف الجيل الجديد من المواد البلاستيكية، وحلول المصانع الذكية في صناعات البوليمرات والقوالب، ومستقبل الاستدامة في صناعات البلاستيك والتغليف والتحديات المرتبطة بها في المملكة.

وتضمّن المعرض سلسلة من ورشات العمل التخصصية التي تناولت أحدث التقنيات والابتكارات في القطاع الصناعي، وشهدت مشاركة وزارة الصناعة والثروة المعدنية من خلال ورشة عمل بعنوان: «دور وزارة الصناعة في تعزيز الجودة الصناعية»، استعرضت خلالها جهودها في دعم جودة المنتجات الوطنية ورفع تنافسية القطاع الصناعي.

كما نظّمت شركة «سابك» و«الشركة المتقدمة للبتروكيماويات» عدداً من الورشات المختصة التي ركزت على حلول البوليمرات والتغليف والرعاية الصحية والاستدامة والابتكار الصناعي.

يُذكر أن «أسبوع الرياض الدولي للصناعة 2026» يأتي ضمن «الجهود الرامية إلى بناء الشراكات الصناعية الدولية، وتمكين الاستثمارات الصناعية، واستعراض أحدث التقنيات والحلول التي تسهم في بناء صناعات وطنية أعلى تنافسية واستدامة، بما يرسّخ مكانة المملكة مركزاً صناعياً إقليمياً وعالمياً».


السعودية تؤكد استمرار الإنفاق التنموي لتسريع مستهدفات «رؤية 2030»

منظر علوي لجانب من العاصمة السعودية الرياض (أ.ف.ب)
منظر علوي لجانب من العاصمة السعودية الرياض (أ.ف.ب)
TT

السعودية تؤكد استمرار الإنفاق التنموي لتسريع مستهدفات «رؤية 2030»

منظر علوي لجانب من العاصمة السعودية الرياض (أ.ف.ب)
منظر علوي لجانب من العاصمة السعودية الرياض (أ.ف.ب)

في مؤشر بارز على تسارع مسار تنويع مصادر الدخل الوطني وتحرر الميزانية العامة تدريجياً من تقلبات أسواق الطاقة، كشفت البيانات الفعلية لميزانية عام 2025، الصادرة عن وزارة المالية السعودية، عن قفزة نوعية في الإيرادات غير النفطية لتتجاوز حاجز 134 مليار دولار (ما يعادل 505 مليارات ريال). وأكدت الوزارة، في بيان منها، على استمرار الإنفاق التنموي والتوسعي لتسريع تحقيق مستهدفات «رؤية 2030»، مشددة على نجاح السياسات المالية المرنة في الموازنة بين دفع عجلة المشروعات الاستراتيجية الكبرى والحفاظ على الاستقرار المالي والاستدامة على المديين المتوسط والطويل.

ويعكس هذا الأداء المالي المتميز لـ«ميزانية 2025» كفاءة خطط التحول التنموي؛ حيث نجحت الحكومة في «قيادة إنفاق رأسمالي وتشغيلي مدروس واكب الطفرة المشهودة للأنشطة غير النفطية، وعزز من المرونة الاقتصادية للدولة، بما يضمن استدامة النمو والرفاه الاقتصادي».

وقد أظهرت البيانات استمرار الاقتصاد الوطني في تحقيق معدلات نمو إيجابية متطابقة مع التقديرات الرسمية المعتمدة؛ حيث سجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نمواً بنسبة 4.6 في المائة العام الماضي، مدفوعاً بزيادة مطردة ونشاط ملحوظ في قنوات الأنشطة غير النفطية.

وعلى صعيد القيمة الكلية للاقتصاد، قفز الناتج المحلي الإجمالي الاسمي ليصل إلى 4.776 تريليون ريال (1.27 تريليون دولار). وفي المقابل، «نجحت السياسات المالية الحصيفة والدعم الحكومي الموجه في الحفاظ على استقرار معدل التضخم الإجمالي عند مستويات آمنة بلغت 2.0 في المائة، وهي نسبة تقل كثيراً عن معدلات التضخم العالمية، بالتزامن مع تراجع تاريخي في معدل بطالة المواطنين، ليصل إلى 7.0 في المائة؛ مما يؤكد نجاح خطط التوطين وخلق الفرص الوظيفية وفق برامج (الرؤية)».

وتأتي النتائج الفعلية لعام 2025 في وقت تستند فيه ميزانية عام 2026 إلى النهج المالي ذاته القائم على «التوسع المدروس في الإنفاق التنموي، مع المحافظة على الاستدامة المالية وتعزيز متانة الاقتصاد غير النفطي». وكانت الحكومة قد أقرت «ميزانية 2026» بإيرادات مقدرة تبلغ نحو 1.18 تريليون ريال، مقابل مصروفات بنحو 1.34 تريليون ريال، مع عجز مخطط يبلغ نحو 159 مليار ريال، يمثل نحو 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وزير المالية السعودي محمد الجدعان يتحدث في «ملتقى الميزانية لعام 2026» (الشرق الأوسط)

متانة المكون غير النفطي

كشف بيان وزارة المالية عن تسجيل إجمالي إيرادات فعلية بلغ 1112 مليار ريال (296.53 مليار دولار) بنهاية العام المالي، مسجلاً تراجعاً بنسبة 6.1 في المائة مقارنة بالمقدر له في الميزانية. ويعود هذا التراجع أساساً إلى انخفاض الإيرادات النفطية نتيجة تأثرها المباشر بتراجع متوسط أسعار «خام برنت» الفعلي في الأسواق العالمية إلى 69.1 دولار للبرميل خلال عام 2025.

وفي سياق متصل، برهنت الإيرادات غير النفطية على متانتها وقدرتها المتنامية على حماية الموازنة العامة من تقلبات أسواق الطاقة؛ حيث حققت نمواً بنسبة 5.3 في المائة لتصل إلى 505 مليارات ريال (134.67 مليار دولار)، مدعومة بارتفاع الحصيلة الضريبية التي بلغت 389 مليار ريال (103.73 مليار دولار)؛ مما يعكس الأثر الإيجابي لخطط تنويع القاعدة الإنتاجية وتوسيع الوعاء الاستثماري المحلي وتطوير البيئة التشريعية للأعمال.

كفاءة الإنفاق

وفقاً للبيان، فقد بلغ إجمالي الإنفاق الفعلي لعام 2025 نحو 1388 مليار ريال (370.13 مليار دولار)، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 8.0 في المائة عن الميزانية المعتمدة أصلاً. وجاء هذا الارتفاع استجابةً لقرار الحكومة تسريع وتيرة العمل في المشروعات الاستراتيجية الكبرى والبنية التحتية، فضلاً عن دعم الاستراتيجيات الوطنية القطاعية المختلفة.

وقد توزعت النفقات الحكومية بكفاءة عالية؛ حيث بلغت النفقات التشغيلية 1220 مليار ريال (325.33 مليار دولار)؛ «لضمان استمرار جودة الخدمات العامة والتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية المقدمة للمواطنين. في حين حافظ الإنفاق الرأسمالي الموجه للاستثمار في الأصول غير المالية على زخم قوي بقيمة 169 مليار ريال (45.07 مليار دولار)؛ مما أسهم مباشرة في تمكين القطاع الخاص وتحفيز الشركات المحلية على قيادة الحراك التنموي».

مسافرون في «مطار الملك خالد الدولي» (أ.ف.ب)

إدارة العجز ومحفظة الدين العام

وأوضحت الوزارة أن فجوة الإنفاق التوسعي الموجّه لبناء الأصول الرأسمالية أدت إلى تسجيل عجز مالي فعلي بلغ 277 مليار ريال (73.87 مليار دولار)، وهو ما يمثل نسبة آمنة وقابلة للإدارة تعادل 5.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وتعامل «المركز الوطني لإدارة الدين» مع هذا العجز عبر «هندسة تمويلية استباقية تميزت بالكفاءة والمرونة، حيث بلغ إجمالي حجم التمويل المرفوع نحو 402 مليار ريال (107.20 مليار دولار)، جرى تدبير 69 في المائة منه عبر أسواق التمويل المحلية لتعميق سوق الصكوك والسندات الوطنية، و31 في المائة عبر الأسواق الدولية». وتضمن هذا التمويل تنفيذ عمليات شراء مبكر استباقية لسندات وصكوك مستحقة للأعوام المقبلة بقيمة تجاوزت 60.4 مليار ريال (16.11 مليار دولار) لإدارة مخاطر إعادة التمويل وتكلفة الفائدة في ظل بيئة نقدية عالمية متشددة، ليستقر الدين العام عند 1519 مليار ريال (405.07 مليار دولار) بنسبة آمنة بلغت 31.8 في المائة من الناتج المحلي، مع الحفاظ على احتياطات حكومية متينة لدى «البنك المركزي السعودي (ساما)» بلغت 399 مليار ريال (106.40 مليار دولار).

التوقعات الاقتصادية والمالية

بناءً على الأداء الهيكلي والمستهدفات المرسومة، فإن التوقعات التنموية تشير إلى «استمرار نمو الأنشطة غير النفطية لقيادة قاطرة الاقتصاد الوطني وزيادة إسهامها المستدام في الناتج المحلي الإجمالي»؛ مما يقلص بصورة مطردة لسنوات مقبلة اعتماد المالية العامة على تموجات أسواق الطاقة.

كما تظهر التقديرات الرسمية اتجاهاً نحو الحفاظ على استقرار معدلات التضخم في النطاق الآمن السائد، تزامناً مع توقعات بمواصلة خفض معدل بطالة المواطنين لما دون مستوى 7.0 في المائة؛ «بدفع من فرص العمل النوعية التي تولدها ورشة العمل الحكومية الكبرى وشراكات القطاع الخاص».

وعلى صعيد الإدارة المالية، يُتوقع «استمرار كفاءة الإنفاق الرأسمالي الموجه مع بقاء الدين العام ضمن مستوياته الآمنة والمخطط لها، مستفيداً من التصنيفات الائتمانية القوية التي تتمتع بها المملكة عالمياً».

واختتمت وزارة المالية بيانها بالتأكيد على أن «النتائج الفعلية لعام 2025 تجسد القوة الهيكلية المكتسبة للاقتصاد الوطني، وقدرته العالية على مواجهة الصدمات الخارجية والتقلبات الدورية بثبات». وشددت الوزارة على التزام الحكومة «مواصلة السياسة المالية التوسعية الذكية الموجهة لبناء القدرات الإنتاجية وتحسين جودة الحياة، مع الحفاظ التام على الأسقف الآمنة للدين العام والاحتياطات الحكومية، بما يضمن استدامة المكتسبات التنموية للأجيال المقبلة».