كيف يمكن لترمب أن يؤثر على «الاحتياطي الفيدرالي»؟

صورة أرشيفية لترمب أثناء حضوره اجتماعاً على هامش قمة مجموعة العشرين (د.ب.أ)
صورة أرشيفية لترمب أثناء حضوره اجتماعاً على هامش قمة مجموعة العشرين (د.ب.أ)
TT

كيف يمكن لترمب أن يؤثر على «الاحتياطي الفيدرالي»؟

صورة أرشيفية لترمب أثناء حضوره اجتماعاً على هامش قمة مجموعة العشرين (د.ب.أ)
صورة أرشيفية لترمب أثناء حضوره اجتماعاً على هامش قمة مجموعة العشرين (د.ب.أ)

يوم الخميس الماضي، قدم المرشح الرئاسي الجمهوري دونالد ترمب أكثر الإشارات وضوحاً حتى الآن إلى اهتمامه بالتعدي على استقلال بنك الاحتياطي الفيدرالي إذا استعاد منصبه في البيت الأبيض.

وقال الرئيس السابق للصحافيين بمقر إقامته في مار إيه لاغو بولاية فلوريدا: «أشعر بأن الرئيس لا بد أن يكون له على الأقل رأي في قرارات بنك الاحتياطي الفيدرالي».

وجاء تعليقه هذا في أعقاب تقرير صدر هذا الربيع يفيد بأن حلفاء ترمب صاغوا مقترحات من شأنها أن تحاول تآكل استقلال بنك الاحتياطي الفيدرالي إذا فاز. وفي حين نأت حملة ترمب بنفسها عن تقرير «وول ستريت جورنال» في ذلك الوقت، فإن تصريحاته يوم الخميس تشير إلى أنه متوافق تماماً مع أحد المحاور الرئيسية للمقترحات: فإذا أصبح رئيساً، فلا بد من استشارة ترمب بشأن قرارات أسعار الفائدة، ولا بد وأن تخضع مقترحات تنظيم البنوك الفيدرالية لمراجعة البيت الأبيض، وفق ما ذكرت «رويترز».

الواقع أن تذمر الرؤساء من بنك الاحتياطي الفيدرالي - خصوصاً في الأوقات التي يرفع فيها أسعار الفائدة - ليس ظاهرة جديدة، ولكن مثل هذا التدخل المباشر في شؤون بنك الاحتياطي الفيدرالي من قِبَل ترمب، إذا فاز، سوف يجعله أول رئيس منذ ريتشارد نيكسون في أوائل سبعينات القرن العشرين يتدخل بشكل مباشر في صنع السياسات ببنك الاحتياطي الفيدرالي.

وتتناقض وجهة نظر ترمب مع وجهة نظر نائبة الرئيس كامالا هاريس، منافسته على الرئاسة. وقال أحد مساعدي هاريس يوم الجمعة، إن المرشحة الديمقراطية تعتقد أن بنك الاحتياطي الفيدرالي يجب أن يتخذ القرارات بشكل مستقل عن الرئيس.

التعيين الرئاسي

إن أوضح مسار لممارسة السيطرة هو من خلال عملية التعيين. إذ يتم ترشيح رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي من قبل الرئيس، رهناً بتأكيد مجلس الشيوخ. وقد يحاول ترمب تنصيب رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي على استعداد لرفع الولاء له على استقلال بنك الاحتياطي الفيدرالي طويل الأمد.

ويتمتع ترمب بتاريخ طويل من الاصطدام برئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الحالي جيروم باول، الذي نصبه رئيساً للبنك المركزي في عام 2018. كانت علاقة أعاد ترمب النظر فيها في تصريحاته يوم الخميس، قائلاً: «لقد حاربته بشدة».

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول في مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السياسة النقدية (أ.ف.ب)

وتمكن باول من الصمود في وجه هجمات ترمب اللفظية، وقضى وقتاً طويلاً رئيساً في بناء علاقات مع كبار الجمهوريين والديمقراطيين في الكونغرس، والتي عززت مكانته. ولا تنتهي ولايته الثانية رئيساً - أعيد تعيين باول من قبل الرئيس جو بايدن - حتى مايو (أيار) 2026، وأخبر ترمب «بلومبرغ» هذا الصيف، أنه لن يحاول الإطاحة بباول قبل انتهاء ولايته - وهو الأمر الذي تحدث عنه ترمب مراراً خلال فترة وجوده بالبيت الأبيض. هذا الأمر يترك نافذة تزيد قليلاً على عامين لترمب لممارسة نفوذه على رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الجديد من اختياره، على افتراض أن مثل هذا الاختيار المتوافق يفوز بتأكيد مجلس الشيوخ.

وسيكون لدى الرئيس المقبل أيضاً فرصة لاختيار نائبي رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي - أحدهما للسياسة النقدية والآخر للإشراف المصرفي.

نظام بنك الاحتياطي الفيدرالي

يتألف نظام بنك الاحتياطي الفيدرالي، الذي أنشأه الكونغرس في عام 1913، من مجلس الاحتياطي الفيدرالي ومقره واشنطن؛ و12 مصرفاً احتياطياً فيدرالياً إقليمياً منتشراً في جميع أنحاء البلاد؛ ولجنة السوق المفتوحة الفيدرالية التي تحدد أسعار الفائدة.

أما أعضاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي السبعة فيشملون الرئيس ونائبين له و4 محافظين آخرين. جميعهم معينون من قبل الرئيس رهناً بتأكيد مجلس الشيوخ.

وبعيدًا عن باول، لا يزال اثنان من المعينين من قبل ترمب في المجلس، وقد تمسك المحافظان ميشيل بومان وكريستوفر والر بتقليد استقلال بنك الاحتياطي الفيدرالي. وانسحب 3 آخرون كان ترمب يتطلع إليهم لمقعد في مجلس الإدارة والذين عدّهم كثيرون أنهم يتجاوزون هذا الظرف - ستيفن مور وجوديث شيلتون وهيرمان كين - أو فشلوا في الحصول على تأكيد مجلس الشيوخ.

محافظة بنك الاحتياطي الفيدرالي ميشيل بومان تتحدث خلال مؤتمر جمعية المصرفيين الأميركيين في سان دييغو (رويترز)

يدير كل بنك فيدرالي إقليمي رئيس تعينه لجنة فرعية من مجلس إدارة كل بنك.

في حين تتألف لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية من جميع أعضاء مجلس الإدارة السبعة، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، و4 رؤساء بنوك إقليمية أخرى على أساس التناوب.

المجلس الآن

يخدم محافظو بنك الاحتياطي الفيدرالي لمدة 14 عاماً أو ما تبقى من فترة ولاية شاغل المنصب السابق. ويتم تأجيل انتهاء المدة على فترات زمنية مدتها عامان، مع الموعد التالي في عام 2026، وهو المقعد الذي تشغله الحاكمة أدريانا كوغلر، المعينة من قبل بايدن.

ويخدم رؤساء ونواب رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي فترات مدتها 4 سنوات بالتزامن مع ولاياتهم. تنتهي ولاية باول رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في مايو 2026، لكن مقعده في مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيستمر حتى عام 2028. وفي حين لم يستمر رؤساء «الاحتياطي الفيدرالي» السابقون تاريخياً في منصب المحافظ إذا لم تتم إعادة تعيين كل منهم زعيماً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، لا يوجد شرط يفرض عليهم المغادرة. وإذا اختار باول البقاء، فسيحد ذلك من خيارات ترمب في تعيين مزيد من أعضاء مجلس الإدارة بما يتوافق مع رغباته.

رؤساء البنوك الحاليون

يتم اختيار رؤساء البنوك الفيدرالية من قبل الأعضاء غير المصرفيين الستة في مجالس إدارتها، ويجب أن يوافق عليهم مجلس إدارة بنك الاحتياطي الفيدرالي. يمكنهم الخدمة حتى سن التقاعد الإلزامي البالغ 65 عاماً، أو، إذا تم تعيينهم بعد سن 55 عاماً، لمدة 10 سنوات أو حتى يبلغوا سن 75 عاماً.

رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند توماس باركين يتحدث إلى النادي الاقتصادي في مدينة نيويورك (رويترز)

وتنتهي مدة جميع رؤساء البنوك الحاليين في فبراير (شباط) 2026، عندما سيتم النظر في تعيينهم لمدة 5 سنوات جديدة من قبل مجلس المحافظين. ولم تسفر عملية التجديد هذه تاريخياً عن أي تغيير في القيادة، لكن هذا عرف وليس قانوناً.


مقالات ذات صلة

الهند تقترح مبادرة لربط العملات الرقمية لدول «بريكس» لكسر هيمنة الدولار

الاقتصاد رجل يتحدث من هاتفه أثناء مروره بجانب شعار البنك الاحتياطي الهندي داخل مقرّه في مومباي (رويترز)

الهند تقترح مبادرة لربط العملات الرقمية لدول «بريكس» لكسر هيمنة الدولار

أفاد مصدران بأن البنك المركزي الهندي قد اقترح على دول الـ«بريكس» ربط عملاتها الرقمية الرسمية لتسهيل التجارة عبر الحدود ومدفوعات السياحة.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

بريطانيا تخفض الرقابة على البنوك الكبرى إلى مرة كل عامين

أعلنت هيئة التنظيم الاحترازي التابعة لبنك إنجلترا يوم الخميس أنها ستخفض وتيرة اجتماعات الرقابة على البنوك الكبرى إلى دورة مدتها عامان

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد وزير المالية الكوري الجنوبي كو يون تشول يناقش استراتيجيات النمو الاقتصادي مع مسؤولين حكوميين في سيول يوم 7 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وزير المالية الكوري يتعهد باستجابة سريعة لتقلبات سوق الصرف الأجنبي

قال وزير المالية الكوري الجنوبي، الأربعاء، إن بلاده ستتخذ خطوات عاجلة لكبح التقلبات المتصاعدة في سوق الصرف الأجنبي.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد مبنى «بنك إنجلترا» في وسط لندن (رويترز)

تايلور من «بنك إنجلترا»: الفائدة ستواصل الانخفاض مع اقتراب التضخم من 2 %

قال صانع السياسات النقدية في «بنك إنجلترا»، آلان تايلور، يوم الأربعاء، إن أسعار الفائدة التي يحددها البنك المركزي ستواصل الانخفاض.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد فرنسوا فيليروي دي غالهو يلقي كلمة خلال تهاني العام الجديد في القاعة الذهبية لـ«بنك فرنسا» 12 يناير 2026 (أ.ف.ب)

دي غالهو: عجز موازنة فرنسا فوق 5 % يضعها في «منطقة الخطر المالي»

حذّر فرانسوا فيليروي دي غالهو، محافظ بنك فرنسا، يوم الأربعاء، من أن فرنسا ستدخل منطقة الخطر المالي إذا تجاوز عجز موازنة البلاد 5 في المائة خلال عام 2026.

«الشرق الأوسط» (باريس)

رئيس «أكوا باور» من دافوس: نعتزم استثمار 20 مليار دولار سنوياً 

الرئيس التنفيذي لـ«أكوا باور» ماركو أرتشيلي (الشرق الأوسط)
الرئيس التنفيذي لـ«أكوا باور» ماركو أرتشيلي (الشرق الأوسط)
TT

رئيس «أكوا باور» من دافوس: نعتزم استثمار 20 مليار دولار سنوياً 

الرئيس التنفيذي لـ«أكوا باور» ماركو أرتشيلي (الشرق الأوسط)
الرئيس التنفيذي لـ«أكوا باور» ماركو أرتشيلي (الشرق الأوسط)

قال الرئيس التنفيذي لـ«أكوا باور» ماركو أرتشيلي إن الشركة ضاعفت حجم أعمالها خلال السنوات الثلاث الماضية، وتتجه لمضاعفتها مرة أخرى بحلول عام 2030.

وأوضح، خلال جلسة حوارية ضمن الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي 2026 في دافوس، أن هذا التوسع يعني إضافة استثمارات بقيمة 20 مليار دولار سنوياً، انطلاقاً من منصة كانت بالفعل كبيرة قبل ذلك، مشيراً إلى أن تسارع النمو والتوسع جاء بدعم مباشر من «رؤية 2030»، وما تشهده المملكة من تحولات على مختلف المستويات.

وبيّن أن «أكوا باور» شركة مدرجة ومملوكة للقطاع الخاص؛ حيث لا يزال 35 في المائة من أسهمها بيد المؤسسين، بينما تبلغ نسبة الأسهم الحرة المتداولة في السوق 25 في المائة، معتبراً أن ذلك يعكس دعم «رؤية 2030» لريادة الأعمال الخاصة داخل المملكة وخارجها، وبما يمكّن الشركة من النمو التنافسي والعمل في 15 دولة، مع استثمار نحو 40 في المائة من إجمالي استثماراتها البالغة 115 مليار دولار خارج السعودية.

وقال إن السعودية تمثل عنصر استقرار وأمل، رغم الأزمات الجيوسياسية المحيطة؛ حيث تستمر الخطط دون توقف، مع إمكانية إعادة توجيه بعض أوجه الإنفاق، وهو ما يراه المستثمرون عنصراً أساسياً لتفادي التذبذب وعدم وضوح المستقبل.

وأشار إلى أن «أكوا باور» تنفذ حالياً مشروعات بقدرة 30 غيغاواط من الطاقة المتجددة قيد الإنشاء في السعودية، إضافة إلى 12 غيغاواط من محطات الدورة المركبة عالمياً، ليصل إجمالي المشروعات قيد التنفيذ إلى 47 غيغاواط، واصفاً ذلك بأنه أكبر برنامج إنشاءات لشركة خارج الصين.

وتحدث عن دور الوزراء والجهات الحكومية، مشيراً إلى أنهم يعملون بوتيرة متواصلة لتوفير التراخيص والأراضي وربط الشبكات، واعتماد مسار مزدوج يتيح تنفيذ المشروعات عبر برامج صندوق الاستثمارات العامة، بما يوفر حجماً طويل الأجل يسمح بتعبئة سلاسل الإمداد، من الخدمات اللوجيستية إلى الموردين وشركات الهندسة والعمالة.

وتابع أن وضوح الرؤية طويلة الأجل يتيح للشركات المنافسة التقدم للمناقصات، ما يسهم في خفض الأسعار وتعزيز الكفاءة، مؤكداً أن المنافسة قائمة ولا تقوم على امتيازات غير مبررة.

وأشار في ختام حديثه إلى دور الشباب، واصفاً إياهم بأنهم قوة دافعة تتمتع بروح ريادية عالية، مؤكداً أن الطلب المستقبلي سيظل مستداماً بفضل التركيبة السكانية الشابة في السعودية، حتى بعد عام 2030.


العراق: نجاح التشغيل النهائي لمصفى «صلاح الدين - 3» بطاقة 70 ألف برميل يومياً

منتجات مصفى صلاح الدين/3 تُعد مطابقة للمواصفات المعتمدة وتنتج عدداً من المشتقات النفطية. (إكس)
منتجات مصفى صلاح الدين/3 تُعد مطابقة للمواصفات المعتمدة وتنتج عدداً من المشتقات النفطية. (إكس)
TT

العراق: نجاح التشغيل النهائي لمصفى «صلاح الدين - 3» بطاقة 70 ألف برميل يومياً

منتجات مصفى صلاح الدين/3 تُعد مطابقة للمواصفات المعتمدة وتنتج عدداً من المشتقات النفطية. (إكس)
منتجات مصفى صلاح الدين/3 تُعد مطابقة للمواصفات المعتمدة وتنتج عدداً من المشتقات النفطية. (إكس)

أعلنت وزارة النفط العراقية، يوم الاثنين، نجاح التشغيل النهائي لمصفى «صلاح الدين - 3» بطاقة 70 ألف برميل يومياً.

وقال وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان محمد حمود، في بيان صحافي: «تم نجاح التشغيل النهائي لمصفى (صلاح الدين - 3) في شركة مصافي الشمال بطاقة 70 ألف برميل يومياً، ووصول منتجاته إلى المستودعات تمهيداً لتسويقها للاستهلاك المحلي».

وأضاف أن «هذا الإنجاز يأتي ثمرة لخطط استراتيجية، ورؤية واضحة لقطاع التصفية، لإنشاء المصافي الجديدة، وإنجازها ضمن مدد زمنية قياسية، الأمر الذي أسهم في زيادة الطاقات التكريرية، وتعزيز الاكتفاء الذاتي من المشتقات النفطية».

وأوضح الوكيل أن «منتجات مصفى (صلاح الدين - 3) تُعد مطابقة للمواصفات المعتمدة، إذ ينتج المصفى عدداً من المشتقات النفطية، الذي سيسهم في دعم السوق المحلية وتصدير الفائض منها إلى الأسواق العالمية».

وأشاد الوكيل «بالجهد الوطني والملاكات الفنية والهندسية لشركة مصافي الشمال، التي واصلت العمل ليلاً ونهاراً لإنجاز هذا الصرح النفطي الجديد، والذي يمثل إضافة نوعية للصناعة التكريرية والنفطية في العراق».


ازدهار الصادرات ينقذ هدف النمو الصيني لعام 2025

رجل على دراجة نارية في أحد شوارع مدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
رجل على دراجة نارية في أحد شوارع مدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
TT

ازدهار الصادرات ينقذ هدف النمو الصيني لعام 2025

رجل على دراجة نارية في أحد شوارع مدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
رجل على دراجة نارية في أحد شوارع مدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)

نما الاقتصاد الصيني بنسبة 5.0 في المائة العام الماضي، محققاً هدف الحكومة من خلال الاستحواذ على حصة قياسية من الطلب العالمي على السلع لتعويض ضعف الاستهلاك المحلي، وهي استراتيجية خفّفت من تأثير الرسوم الجمركية الأميركية، لكن بات من الصعب الحفاظ عليها. منذ انهيار قطاع العقارات في عام 2021، وجّهت بكين مواردها نحو القطاع الصناعي بدلاً من المستهلكين لتحقيق أهداف نمو طموحة، مما أدى إلى فائض إنتاجي مزمن وإجبار المصانع على البحث عن مشترين في الخارج.

وفي العام الماضي، توسّعت الصين في الأسواق العالمية بشكل غير مسبوق، محققةً فائضاً تجارياً قياسياً بلغ 1.2 تريليون دولار، بزيادة قدرها 20 في المائة عن عام 2024.

وبينما انخفضت الشحنات إلى الولايات المتحدة بنسبة الخمس، ارتفعت بشكل حاد إلى بقية دول العالم، حيث استحوذ المنتجون على أسواق جديدة لحماية أنفسهم من سياسات التعريفات الجمركية العدوانية التي انتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لمواجهة تحدي بكين للهيمنة الأميركية.

ويقول ديف فونغ، الشريك في ملكية ثلاثة مصانع في جنوب الصين تُنتج كل شيء من الحقائب المدرسية إلى معدات التسلق والآلات الصناعية: «نحن نحقق أداءً جيداً في أوروبا وأميركا اللاتينية، ولسنا بحاجة إلى تلك السوق». كان نحو 15 في المائة من طلباته تأتي من الولايات المتحدة، لكن هذه النسبة انخفضت الآن إلى حدٍّ كبير.

ركود محلي

لكن نجاح الشركات الصينية المصنّعة الموجهة إلى التصدير يتناقض مع الضعف المستمر في القطاعات الاقتصادية التي تركز على السوق المحلية. وقد أكدت بيانات، يوم الاثنين، هذا التباين، فقد ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 5.9 في المائة في عام 2025، متجاوزاً نمو مبيعات التجزئة البالغ 3.7 في المائة، في حين انخفض الاستثمار العقاري بنسبة 17.2 في المائة.

ويقول المحللون إنه ما لم تتمكن بكين من إعادة توجيه الموارد نحو المستهلكين ودعم القطاعات التي تعتمد على الإنفاق الصيني في الداخل، فإن النمو الاقتصادي المستقبلي مُعرّض للتباطؤ الحاد. وبينما يُتوقع أن تستهدف الصين معدل نمو يبلغ نحو 5 في المائة هذا العام، توقع استطلاع أجرته «رويترز» أن يبلغ النمو في عام 2026 نسبة 4.5 في المائة.

الاعتماد على الصادرات لتحقيق النمو على المدى الطويل ليس خياراً مطروحاً. إذا استمر الفائض التجاري الصيني في النمو سنوياً بالمعدل نفسه الذي شهده عام 2025، فسيعادل حجم الاقتصاد الفرنسي البالغ نحو 3 تريليونات دولار عام 2030، والناتج المحلي الإجمالي الألماني البالغ 5 تريليونات دولار عام 2033، وفقاً لحسابات «رويترز».

يقول كريستوفر بيدور، الخبير الاقتصادي في شركة «جافيكال دراغونوميكس»: «من الصعب تصور استمرار نمو الفائض التجاري بهذا المعدل إلى أجل غير مسمى، لا سيما أن ذلك سيؤدي إلى ردود فعل حمائية واسعة النطاق في الخارج».

ونما الاقتصاد بنسبة 4.5 في المائة خلال الربع الأخير من العام مقارنةً بالعام السابق، متجاوزاً توقعات المحللين بشكل طفيف، ولكنه تباطأ إلى أدنى مستوى له في ثلاث سنوات مقارنةً بنسبة 4.8 في المائة المسجلة في الربع الثالث، وذلك نتيجةً لتراجع الاستهلاك والاستثمار.

وقال رئيس المكتب الوطني للإحصاء، كانغ يي، يوم الاثنين، إن التنمية الاقتصادية الصينية في عام 2025 كانت «مُحققة بشق الأنفس»، مُقراً بأن الاقتصاد يواجه مشكلات وتحديات، من بينها وفرة العرض وضعف الطلب.

وانكمش الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 3.8 في المائة في عام 2025، وهو أول انخفاض سنوي منذ بدء توافر البيانات في عام 1996، ما يُشير إلى أن الحكومات المحلية تُعاني من ضغوط لخفض الديون بدلاً من التوسع في بناء الطرق والجسور، وهو ما اعتادت الاعتماد عليه بوصفه محركاً رئيسياً للنمو.

كما انخفض الاستثمار الخاص بنسبة 6.4 في المائة، إذ لا ترى الشركات سبباً يُذكر للتوسع في اقتصاد يُعاني من فائض في الطاقة الإنتاجية، حيث تُفضّل الأسر الادخار على الإنفاق.

ومن جانبه، يشعر سكوت يانغ، صاحب مصنع لصمامات تركيب الأنابيب المُستخدمة في مشروعات العقارات والبنية التحتية في شرق الصين، بالضغوط المحلية بشكل مباشر.

ويقول يانغ: «إذا كان أداء العقارات ضعيفاً فإن التأثير على قطاعنا بأكمله سيكون كبيراً جداً. وينطبق الأمر نفسه على البنية التحتية». ويضيف: «من الصعب تحديد ذلك كمياً، لكن من الناحية النوعية، يبدو هذا الشتاء قاسياً للغاية». وأوضح يانغ أنه يشعر بأنه لا يملك حلولاً، خصوصاً مع عدم توافر الأموال اللازمة لتطوير منتجات المصنع: «إذا لم تكن أرباحنا جيدة في السنوات القليلة الماضية، فمن أين سيأتي الاستثمار؟».

ضغوط تحفيز الطلب

ولمساعدة الشركات الصغيرة، مثل شركة يانغ وتسهيل حصولها على الائتمان في مختلف قطاعات الاقتصاد، أعلن البنك المركزي، يوم الخميس، حزمة تيسير نقدي موجّهة، تتضمّن برنامجاً جديداً بقيمة تريليون يوان (144 مليار دولار) للشركات الخاصة.

لكن المحللين يقولون إن المعروض من الائتمان كان وافراً لسنوات، وأن الطلب هو العنصر المفقود.

وتشمل سياسات بكين المتعلقة بجانب الطلب حتى الآن زيادات سنوية تدريجية على الحد الأدنى للمعاشات التقاعدية وغيرها من بنود الرعاية الاجتماعية، مثل رعاية الأطفال أو دعم الرسوم الدراسية، التي تهدف أيضاً إلى كبح التراجع الديموغرافي. وأظهرت بيانات، يوم الاثنين، انخفض عدد سكان الصين للعام الرابع على التوالي. وتم تمديد برنامج دعم السلع الاستهلاكية الذي بدأ العام الماضي حتى عام 2026.

ويقول المحللون إن هذه السياسات لا توفّر الدعم الكافي. وقالت شارو تشانانا، كبيرة استراتيجيي الاستثمار في شركة «ساكسو» بسنغافورة: «ما لم تتحول السياسة بشكل حاسم نحو دعم الأسر والاستهلاك، فمن المرجح أن يتراوح النمو بين 4 في المائة و4.5 في المائة في عام 2026».

وفقدت كارول تشانغ، البالغة من العمر 36 عاماً، وظيفة مربحة في شركة تقنية قبل بضع سنوات، ولم تجد وظيفة مستقرة في التجارة الإلكترونية إلا مؤخراً. وتقول تشانغ إن الطريقة التي ردت بها الصين على ترمب العام الماضي جعلتها «متفائلة إلى حد معقول»، إذ تعتقد أن الاقتصاد سيتمكّن من التعافي إذا ما تصاعدت التوترات التجارية مجدداً. لكنها لا تزال حذرة فيما يتعلق بتوقعاتها الشخصية. وأضافت: «عندما كنت أتقاضى راتباً أكبر في مجال التكنولوجيا، كنت أشتري أشياءً بقيمة 2000 يوان دون أي مشكلة. أما الآن، فأنا ما زلت أشتري أشياءً، لكنها لا تتجاوز 20 يواناً».