«التطرف المعيشي» يشغل الفرنسيين

الأسواق تترقب نتائج الانتخابات وسط مخاوف من انزلاق مالي

ماكرون يتحدث خلال مهرجان الموسيقى السنوي في باحة قصر الإليزيه (رويترز)
ماكرون يتحدث خلال مهرجان الموسيقى السنوي في باحة قصر الإليزيه (رويترز)
TT

«التطرف المعيشي» يشغل الفرنسيين

ماكرون يتحدث خلال مهرجان الموسيقى السنوي في باحة قصر الإليزيه (رويترز)
ماكرون يتحدث خلال مهرجان الموسيقى السنوي في باحة قصر الإليزيه (رويترز)

سيكون التركيز منصبّاً خلال الأسبوع المقبل على أداء السندات الفرنسية والأسهم المصرفية قبل الجولة الأولى من انتخابات الجمعية الوطنية في فرنسا في 30 يونيو (حزيران).

لقد كان الحل غير المتوقع للبرلمان الفرنسي، وما ترتب عليه من دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لإجراء انتخابات مبكرة (في 30 يونيو و7 يوليو - تموز) بعد تصدر حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف في الانتخابات الأوروبية، سبباً في هز الأسواق المالية خلال الأيام الماضية. إذ أثرت حالة عدم اليقين السياسي، التي يُتوقَّع استمرارها حتى الانتخابات، على أداء الأسهم والسندات الفرنسية وكانت لها ارتداداتها الأوروبية.

وعلى الرغم من أن نظام الانتخابات في فرنسا يقوم على جولتين -وهو ما يجعل من الصعب التنبؤ بالنتيجة- فإن الخبراء يحاولون استشراف التأثير الذي قد تُحدثه كل نتيجة محتملة على الأسواق.

وتتنافس 3 أحزاب رئيسية في هذه الانتخابات، وهي «التجمع الوطني» اليميني المتطرف بزعامة جوردان بارديلا ومارين لوبان، وتحالف «الجبهة الشعبية الجديدة» اليساري الأخضر، وحزب «النهضة» بزعامة ماكرون (وتغير اسمه رسمياً من «الجمهورية إلى الأمام»).

وأظهر استطلاع أن حزب «التجمع الوطني» قد يتصدر الجولة الأولى بنحو 35 في المائة من الأصوات، فيما حلَّت «الجبهة الشعبية» في المركز الثاني، واكتفى حزب ماكرون» بالمركز الثالث.

زعيمة «التجمع الوطني» مارين لوبان تتحدث إلى الصحافة خلال زيارتها سوقاً محلية في كوريير شمال فرنسا (أ.ف.ب)

لماذا تفاعلت الأسواق؟

لقد أثار الإعلان المفاجئ للرئيس الفرنسي إجراء انتخابات مبكرة، تقلبات كبيرة في سوق الأسهم الفرنسية دفعت الشركات إلى خسارة ما يقرب من 258 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال الأسبوع الماضي فقط.

وانخفضت أسهم البنوك الكبرى التي تحتفظ بديون حكومية كبيرة، بنسبة تزيد على 10 في المائة، ومحا مؤشر «كاك 40» الفرنسي جميع المكاسب التي حققها خلال عام 2024، وعكس مساره بشكل حاد بعد أن كان قد وصل إلى مستويات قياسية قبل شهر واحد فقط.

النائب اليساري عن حزب «الجبهة الشعبية الجديدة» يتحدث إلى الناخبين خلال توزيعه منشورات لحملته (أ.ف.ب)

والعنصر الأبرز أيضاً هو ارتفاع الفارق في العائد بين السندات الحكومية الفرنسية والألمانية إلى أعلى مستوى منذ الخطاب الذي ألقاه رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي، في يوليو 2012 في ذروة أزمة الديون في منطقة اليورو.

وكان احتمال زيادة الإنفاق -أياً تكن نتيجة الانتخابات- سبباً في إثارة فزع الأسواق المالية التي تشعر بالفعل بالقلق إزاء حجم العجز السنوي في موازنة فرنسا وارتفاع دينها الوطني.

ففي العام الماضي، سجَّلت فرنسا عجزاً بنسبة 5.5 في المائة. وعلى الرغم من بعض تخفيضات الإنفاق المخطط لها من حكومة ماكرون، فإن هذا العجز لن يتراجع إلا بشكل متواضع على مدى السنوات القليلة المقبلة.

وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن العجز سيظل بحلول عام 2027 عند مستوى 4.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي -وهو معدل مرتفع للغاية في نظر بروكسل.

وقد دفعت مستويات العجز المرتفعة هذه المفوضية الأوروبية إلى تصنيف فرنسا من ضمن الدول الخاضعة لإجراء تأديبي لفشلها في الالتزام بقواعد الموازنة الصارمة للاتحاد الأوروبي التي تنص على أن تتحمل الدول الأعضاء عجزاً في الموازنة لا يزيد على 3 في المائة من دخلها السنوي.

ويفرض ميثاق الاستقرار في الاتحاد الأوروبي مبدئياً عقوبات مالية تصل إلى 0.1 في المائة من إجمالي الناتج المحلي سنوياً للدول التي لا تتخذ الإجراءات التصحيحية اللازمة، أي نحو 2.5 مليار يورو في حالة فرنسا.

ويقول صندوق النقد الدولي إن فرنسا بحاجة إلى جرعة جديدة من التقشف لـ«إبعاد بروكسل عن ظهرها».

كانت المالية العامة الفرنسية تخضع أصلاً للتدقيق. ففي 31 مايو (أيار)، خفَّضت وكالة «ستاندرد آند بورز» التصنيف السيادي لفرنسا إلى «إيه إيه–» بسبب المراجعة التصاعدية للعجز. في حين أكدت وكالة «موديز» أن التكلفة المرتفعة لخدمة الدين العام تهدد استدامة المالية العامة الفرنسية.

وحسب مصرف «إي إف جي» السويسري، يعكس رد فعل السوق ثلاثة مخاوف: الافتقار إلى الانضباط المالي المتوقع من الأحزاب المفضلة في الانتخابات الفرنسية؛ والزيادة المتوقعة في الضرائب على الشركات، خصوصاً على القطاع المالي، وإضعاف الاتحاد الأوروبي.

وتنطوي جميع السيناريوهات الأكثر ترجيحاً بشأن نتائج الانتخابات على مخاطر عالية بحدوث انزلاق مالي.

البرامج الاقتصادية للأحزاب

لا شك أن تكلفة المعيشة التي تؤرق الفرنسيين سوف تكون الشغل الشاغل للناخبين الذي سيتوجهون إلى صناديق الاقتراع لاختيار أحد من المتنافسين الثلاثة.

امرأة تتسوق من أحد المحال الغذائية في فرنسا (رويترز)

النبأ السار بالنسبة إلى الناخبين هو أن الثلاثة يقترحون توفير إعانات من تكاليف المعيشة. ففي مسألة تكاليف الكهرباء مثلاً، يقترح الثلاثة خفض الأسعار وإنْ بنسب متفاوتة بين كل حزب. فيما تقول «الجبهة الشعبية الجديدة» إنها ستخفض الأسعار عن طريق إزالة ما تسميها «ضريبة ماكرون»، وهي في الواقع الضريبة الداخلية على الاستهلاك النهائي على الكهرباء التي عُلقت عام 2022 ثم أُعيد العمل بها في يناير (كانون الثاني) 2024.

ولكن قد لا يكون هذا الأمر ممكن التنفيذ لا سيما أنه مرتبط بارتفاع في العجز. ففرنسا ملتزمة توفير 20 مليار يورو في عام 2024 و30 مليار يورو في عام 2025 من أجل إبقاء تكلفة الاقتراض تحت السيطرة. وبالتالي فإن قدرتها على المناورة ضئيلة نسبياً.

وفي جانب آخر، يثير احتمال وصول «التجمع الوطني» أو الائتلاف اليساري لـ«الجبهة الشعبية» الجديدة إلى السلطة، قلق أوساط الأعمال من تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد، لا سيما بعد الكشف عن برامجهما الاقتصادية.

فـ«التجمع الوطني» تعهد بالإلغاء «الكامل» لضريبة على الإنتاج تؤثر في الشركات، وخفض مساهمة فرنسا في موازنة الاتحاد الأوروبي بملياري يورو، فيما يعتقد معارضوه أن هذا الإجراء سيؤدي في نهاية المطاف إلى «خروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي».

من جانبها، وعدت «الجبهة الشعبية الجديدة» بإدخال تغييرات جوهرية، كتجميد أسعار المواد الغذائية والطاقة والوقود، وسحب إصلاح المعاشات التقاعدية، وزيادة الحد الأدنى للأجور أو حتى بدلات السكن، طارحةً «قطيعة تامة مع سياسة ماكرون». وهو ما عدَّه الأخير يحمل «مخاطر كبرى» لفرنسا، على غرار برنامج «التجمع الوطني». وقال ماكرون: «هناك اليوم كتلتان متطرفتان اختارتا برنامجين اقتصاديين لا يدخلان في إطار أخلاقيات المسؤولية ويَعدان الناس بهدايا لا تجد تمويلاً».

الرئيس الفرنسي وهو ينتظر وصول رئيس السنغال قبل لقائهما في قصر الإليزيه (أ.ف.ب)

وتقترح «الجبهة الشعبية الجديدة» بعض تدابير التمويل، مثل إعادة فرض ضريبة الثروة وزيادتها، وإعادة فرض ضريبة على الأغنياء الذين ينقلون موطنهم الضريبي إلى الخارج، وزيادة ضريبة الدخل والمساهمات الاجتماعية لأصحاب الدخل الأعلى.

كان ماكرون قد أبقى تركيزه على الادِّخار طويل الأمد من خلال إجراء إصلاحات مواتية للنمو في مجالات المعاشات التقاعدية وقوانين العمل ونظام الرعاية الاجتماعية رغم إنفاق حكومته مبالغ هائلة لحماية الأسر والشركات من تداعيات الجائحة وآثار انتقال الطاقة. وانخفضت البطالة في فرنسا بشكل ملحوظ في أثناء تولى ماكرون منصبه، وأثبت النمو الاقتصادي مرونة أكبر في مواجهة الأزمات مقارنةً بدول أوروبية أخرى.

لكنَّ نهج ماكرون واجه مقاومة متزايدة، سواء في البرلمان أو عبر الاحتجاجات في الشارع. وبعد خسارته أغلبيته المطلقة في الجمعية الوطنية 2022، كان الرئيس الفرنسي يعاني بالفعل لتمرير التشريعات عبر البرلمان دون اللجوء إلى أداة دستورية لتجاوز التصويت.

ويرى مصرف «إي إف جي» أن الحكومة الفرنسية المقبلة بقيادة «التجمع الوطني» أو «الجبهة الشعبية الجديدة» تخاطر بإضعاف العديد من المؤسسات الأوروبية.

فيما أشارت «موديز» إلى أن «الاستقطاب السياسي المتزايد والنفوذ المتزايد للأحزاب المناهضة للاتحاد الأوروبي... يهددان بعرقلة فعالية مؤسسات الاتحاد الأوروبي».

والمجالات الأكثر عرضة للخطر هي موازنة الاتحاد الأوروبي والتمويل المشترك حول قضايا مثل الدفاع وتحول الطاقة، وكذلك السياسة الخارجية.

في الختام، فإن الانتخابات المقبلة في فرنسا تخاطر بعواقب على الأصول المالية الأوروبية. ويبدو من غير المرجح أن تتحسن معنويات السوق كثيراً حتى يصبح موقف الحكومة الجديدة أكثر وضوحاً بشأن القضايا الأكثر حساسية للأسواق.


مقالات ذات صلة

جدل واسع بالجزائر بعد حبس ناشطة انتقدت الانتخابات

شمال افريقيا صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026

جدل واسع بالجزائر بعد حبس ناشطة انتقدت الانتخابات

أثار حبس ناشطة وأستاذة للُّغة الأمازيغية في الجزائر موجة جدل حقوقي وسياسي واسع، بعد احتجازها بسبب منشور متصل بالانتخابات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
أوروبا ناخب ألماني يدلي بصوته في صندوق الاقتراع في أحد المراكز الانتخابية في العاصمة برلين (أ.ف.ب) p-circle

مصير المستشار الألماني معلَّق على نتائج انتخابات محلية اليوم

يترقب المستشار الألماني فريدريش ميرتز بقلق نتائج انتخابات ولايتين محليتين قد تؤديان إلى نهاية مسيرته في المستشارية وتدفعان بحزبه إلى إطلاق سباق لاستبداله.

راغدة بهنام (برلين)
العالم مارات كامبولوف (وكالة «تاس»)

أوسيتيا الجنوبية المدعومة من روسيا تنتخب زعيماً مقرباً من موسكو

فاز مارات كامبولوف، وهو مسؤول اتحادي روسي سابق، برئاسة أوسيتيا الجنوبية، الإقليم المنفصل عن جورجيا والمدعوم من روسيا، في انتخابات رحبت بها موسكو.

«الشرق الأوسط» (تفليس)
شمال افريقيا تيتيه خلال اجتماع مع أعضاء في المجلس الأعلى للدولة الجمعة (البعثة الأممية)

غياب التوافق الليبي يثير تكهنات حول اللجوء لمجلس الأمن بشأن الانتخابات

لم تلُح في الأفق، حتى الآن، ملامح على وجود توافق في المواقف بين مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» بشأن تمرير اتفاق لممثلي طرفي الصراع في ليبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا شبان يشاركون في الحملة الانتخابية لحزب الاستقلال في العاصمة الرباط (إ.ب.أ)

المغاربة يتطلعون لبرلمان يفرز حكومة تستجيب لانتظاراتهم الكبيرة

يأمل الناخبون أن يشكل البرلمان القادم نقطة تحول في أداء المؤسسة التشريعية، ودورها في معالجة التحديات، وأن يفرز حكومة قادرة على الاستجابة لانتظاراتهم الكبيرة.

«الشرق الأوسط» (الرباط)

«ساما» لـ«الشرق الأوسط»: مشاركتنا في «إم بريدج» انتهت في 2025

مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«ساما» لـ«الشرق الأوسط»: مشاركتنا في «إم بريدج» انتهت في 2025

مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)

أكّد البنك المركزي السعودي (ساما) أن مشاركته في مشروع «إم بريدج» (mBridge) للعملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية انتهت في عام 2025، موضحاً أنه أكمل تجربة إثبات المفهوم (PoC) في 13 مايو (أيار) من ذلك العام، وأن التجربة نُفذت في بيئة اختبارية دون معاملات مالية حقيقية، وفقاً للنطاق المخطط لمشاركته في المشروع منذ انضمامه إليه.

وجاء توضيح «ساما»، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، عقب تقرير نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، يوم الأحد، أفاد بانسحاب السعودية من منصة «إم بريدج». ووصفت الصحيفة هذه المنصة بأنها مشروع تقوده الصين، وأنه يأتي ضمن جهود بكين لتطوير نظام للمدفوعات العابرة للحدود أقل اعتماداً على الدولار.

وقال «ساما» لـ«الشرق الأوسط» إن البنك المركزي انضم إلى مشروع بنك التسويات الدولية «إم بريدج» كعضو مراقب في 11 يونيو (حزيران) 2023، إلى جانب أكثر من 25 بنكاً مركزياً ومنظمة دولية أخرى، من بينها البنك المركزي الأوروبي، ومركز نيويورك للابتكار التابع للاحتياطي الفيدرالي (NYIC)، وبنك إيطاليا، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي.

شعار البنك المركزي السعودي في أحد المؤتمرات (الشرق الأوسط)

وفي 5 يونيو 2024، أصبح البنك المركزي السعودي مشاركاً ضمن نطاق محدود في المشروع بهدف إجراء تجربة إثبات مفهوم (PoC)، أي اختبار عملي لمدى جدوى الفكرة والتقنية، إلى جانب اختبار منتج الحد الأدنى (MVP)، وهو النسخة الأولية من المنصة التي تتضمن وظائفها الأساسية.

وأوضح «ساما» أن التجربة نُفذت في بيئة اختبارية دون معاملات مالية حقيقية، وجرى خلالها فحص وظائف المنصة لتقييم جدوى استخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية (Wholesale CBDC) في تحسين كفاءة المدفوعات العابرة للحدود وعمليات التسوية بين البنوك التجارية.

وأضاف البنك أنه، وفقاً للنطاق المخطط لمشاركته منذ انضمامه إلى المشروع، أكمل تجربة إثبات المفهوم في 13 مايو 2025، وباكتمال التجربة انتهت مشاركة البنك المركزي السعودي في المشروع، ولم ينضم بعدها إلى مراحله التالية.

وأوضح «ساما» أن هذه الخطوة تأتي استكمالاً لجهوده المستمرة الرامية إلى دراسة الاستخدامات المحتملة للعملات الرقمية للبنوك المركزية وتقنيات الترميز واختبارها، بما يشمل بحث المسائل والتحديات المرتبطة بالسياسات والجوانب القانونية والفنية التي تواجهها البنوك المركزية والتجارية فيما يتعلق باستخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية في المدفوعات العابرة للحدود، إضافة إلى تقييم انعكاساتها المحتملة على مستقبل أنظمة المدفوعات والبنى التحتية للأسواق المالية.


الحقيل: سوق إدارة المرافق في السعودية تتجاوز 50 مليار دولار

وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
TT

الحقيل: سوق إدارة المرافق في السعودية تتجاوز 50 مليار دولار

وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)

أكد وزير البلديات والإسكان، ماجد بن عبد الله الحقيل، أن سوق إدارة المرافق في المملكة يتجاوز حجمها 50 مليار دولار، مشيراً إلى أن حجم المنظومة يعكس الفرص المتاحة لتعظيم قيمة الأصول، ورفع كفاءة المدن، وتطوير قطاع وطني قادر على المنافسة عالمياً.

وافتتح وزير البلديات والإسكان ماجد بن عبد الله الحقيل، اليوم، أعمال المؤتمر والمعرض الدولي الثالث لإدارة المرافق 2026، الذي يُقام تحت شعار «مرافق ذكية... مدن ذكية»، بمشاركة نخبة من المختصين والخبراء والجهات الحكومية والخاصة والمهتمين بقطاع إدارة المرافق.

وأوضح أن انعقاد المؤتمر يأتي في مرحلة تتوسع فيها المدن السعودية وتتنامى أصولها وخدماتها، بالتزامن مع استحقاقات وطنية وعالمية كبرى، في مقدمتها «إكسبو الرياض 2030» و«كأس العالم 2034»، ما يعزز الحاجة إلى تطوير أساليب إدارة الأصول والمرافق ورفع كفاءتها.

تشغيل المرافق

وأشار وزير البلديات والإسكان إلى أن إدارة المرافق أصبحت عنصراً مؤثراً في قدرة المدن على الحفاظ على مواردها وتحسين خدماتها واتخاذ القرارات في الوقت المناسب، مؤكداً أهمية الانتقال من تشغيل المرفق إلى إدارة قيمة الأصل طوال دورة حياته، ومن معالجة الأعطال بعد وقوعها إلى التنبؤ بالاحتياج قبل حدوثها.

وبيّن أن البيانات والذكاء الاصطناعي والتوائم الرقمية توفر أدوات عملية لرفع كفاءة إدارة الأصول، من خلال قراءة أدائها، والتنبؤ باحتياجاتها، ودعم اتخاذ القرار، بما يسهم في تقديم خدمات أكثر موثوقية، ورفع كفاءة الأصول، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد.

ولفت إلى أن الوزارة تركز في هذا المجال على أولويتين رئيسيتين؛ تتمثل الأولى في إدارة الأصول بالبيانات والنتائج، من خلال ربط إدارة الأصل بمراحل التصميم والتخطيط والتشغيل والصيانة والتحسين، وتطوير عقود تربط مقدم الخدمة بالنتائج، ومؤشرات أداء تقيس القيمة الفعلية.

الابتكار والاستثمار

فيما تتمثل الأولوية الثانية في بناء سوق سعودية تنافسية تصنع الحلول والمهارات، بما يتيح للشركات الوطنية النمو، ويعزز فرص الابتكار والاستثمار في القطاع الخاص، ويدعم تأهيل الكفاءات السعودية في مجالات الهندسة والتقنية وإدارة الأصول وتحليل البيانات.

الوزير الحقيل خلال جولته في المعرض المرافق للمؤتمر (الشرق الأوسط)

وبحسب الوزير الحقيل، فإن دور وزارة البلديات والإسكان يتمثل في تطوير بيئة تنظيمية واضحة ومحفزة، وتعزيز الشراكات التي تسهم في رفع مستوى الممارسة وتوسيع أثرها، لافتاً إلى أن تطوير قطاع إدارة المرافق مسؤولية مشتركة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات ومراكز المعرفة والخبراء.

وأكمل أن المؤتمر والمعرض الدولي الثالث لإدارة المرافق 2026 يستهدف الانتقال من تبادل الأفكار إلى شراكات ومشروعات وحلول قابلة للتوسع، بما يعزز تطور القطاع ويرفع جاهزيته للمرحلة المقبلة.

المدن الذكية

واختتم وزير البلديات والإسكان كلمته بالتأكيد على أن المدن الذكية تُبنى بقدرتها على تحويل البيانات إلى قرار، والقرار إلى خدمة، والخدمة إلى قيمة يشعر بها الإنسان، مبيناً أن مستقبل إدارة المرافق في المملكة يقوم على التقنية بوصفها أداة، والبيانات كونها أساساً، والاستثمار بصفته محركاً، والكفاءة كونها معياراً، والإنسان اعتباره غاية.

وشهد المؤتمر، الذي تنظمه جمعية إدارة المرافق السعودية، مشاركة أكثر من 200 جهة حكومية وخاصة في نسخة 2026، إلى جانب حضور دولي من خبراء ومتخصصين وأساتذة جامعات، يناقشون مستقبل قطاع إدارة المرافق، ويستعرضون أبرز التجارب والممارسات والحلول والتقنيات الحديثة في هذا المجال.


«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.