«التطرف المعيشي» يشغل الفرنسيين

الأسواق تترقب نتائج الانتخابات وسط مخاوف من انزلاق مالي

ماكرون يتحدث خلال مهرجان الموسيقى السنوي في باحة قصر الإليزيه (رويترز)
ماكرون يتحدث خلال مهرجان الموسيقى السنوي في باحة قصر الإليزيه (رويترز)
TT

«التطرف المعيشي» يشغل الفرنسيين

ماكرون يتحدث خلال مهرجان الموسيقى السنوي في باحة قصر الإليزيه (رويترز)
ماكرون يتحدث خلال مهرجان الموسيقى السنوي في باحة قصر الإليزيه (رويترز)

سيكون التركيز منصبّاً خلال الأسبوع المقبل على أداء السندات الفرنسية والأسهم المصرفية قبل الجولة الأولى من انتخابات الجمعية الوطنية في فرنسا في 30 يونيو (حزيران).

لقد كان الحل غير المتوقع للبرلمان الفرنسي، وما ترتب عليه من دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لإجراء انتخابات مبكرة (في 30 يونيو و7 يوليو - تموز) بعد تصدر حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف في الانتخابات الأوروبية، سبباً في هز الأسواق المالية خلال الأيام الماضية. إذ أثرت حالة عدم اليقين السياسي، التي يُتوقَّع استمرارها حتى الانتخابات، على أداء الأسهم والسندات الفرنسية وكانت لها ارتداداتها الأوروبية.

وعلى الرغم من أن نظام الانتخابات في فرنسا يقوم على جولتين -وهو ما يجعل من الصعب التنبؤ بالنتيجة- فإن الخبراء يحاولون استشراف التأثير الذي قد تُحدثه كل نتيجة محتملة على الأسواق.

وتتنافس 3 أحزاب رئيسية في هذه الانتخابات، وهي «التجمع الوطني» اليميني المتطرف بزعامة جوردان بارديلا ومارين لوبان، وتحالف «الجبهة الشعبية الجديدة» اليساري الأخضر، وحزب «النهضة» بزعامة ماكرون (وتغير اسمه رسمياً من «الجمهورية إلى الأمام»).

وأظهر استطلاع أن حزب «التجمع الوطني» قد يتصدر الجولة الأولى بنحو 35 في المائة من الأصوات، فيما حلَّت «الجبهة الشعبية» في المركز الثاني، واكتفى حزب ماكرون» بالمركز الثالث.

زعيمة «التجمع الوطني» مارين لوبان تتحدث إلى الصحافة خلال زيارتها سوقاً محلية في كوريير شمال فرنسا (أ.ف.ب)

لماذا تفاعلت الأسواق؟

لقد أثار الإعلان المفاجئ للرئيس الفرنسي إجراء انتخابات مبكرة، تقلبات كبيرة في سوق الأسهم الفرنسية دفعت الشركات إلى خسارة ما يقرب من 258 مليار دولار من قيمتها السوقية خلال الأسبوع الماضي فقط.

وانخفضت أسهم البنوك الكبرى التي تحتفظ بديون حكومية كبيرة، بنسبة تزيد على 10 في المائة، ومحا مؤشر «كاك 40» الفرنسي جميع المكاسب التي حققها خلال عام 2024، وعكس مساره بشكل حاد بعد أن كان قد وصل إلى مستويات قياسية قبل شهر واحد فقط.

النائب اليساري عن حزب «الجبهة الشعبية الجديدة» يتحدث إلى الناخبين خلال توزيعه منشورات لحملته (أ.ف.ب)

والعنصر الأبرز أيضاً هو ارتفاع الفارق في العائد بين السندات الحكومية الفرنسية والألمانية إلى أعلى مستوى منذ الخطاب الذي ألقاه رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي، في يوليو 2012 في ذروة أزمة الديون في منطقة اليورو.

وكان احتمال زيادة الإنفاق -أياً تكن نتيجة الانتخابات- سبباً في إثارة فزع الأسواق المالية التي تشعر بالفعل بالقلق إزاء حجم العجز السنوي في موازنة فرنسا وارتفاع دينها الوطني.

ففي العام الماضي، سجَّلت فرنسا عجزاً بنسبة 5.5 في المائة. وعلى الرغم من بعض تخفيضات الإنفاق المخطط لها من حكومة ماكرون، فإن هذا العجز لن يتراجع إلا بشكل متواضع على مدى السنوات القليلة المقبلة.

وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن العجز سيظل بحلول عام 2027 عند مستوى 4.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي -وهو معدل مرتفع للغاية في نظر بروكسل.

وقد دفعت مستويات العجز المرتفعة هذه المفوضية الأوروبية إلى تصنيف فرنسا من ضمن الدول الخاضعة لإجراء تأديبي لفشلها في الالتزام بقواعد الموازنة الصارمة للاتحاد الأوروبي التي تنص على أن تتحمل الدول الأعضاء عجزاً في الموازنة لا يزيد على 3 في المائة من دخلها السنوي.

ويفرض ميثاق الاستقرار في الاتحاد الأوروبي مبدئياً عقوبات مالية تصل إلى 0.1 في المائة من إجمالي الناتج المحلي سنوياً للدول التي لا تتخذ الإجراءات التصحيحية اللازمة، أي نحو 2.5 مليار يورو في حالة فرنسا.

ويقول صندوق النقد الدولي إن فرنسا بحاجة إلى جرعة جديدة من التقشف لـ«إبعاد بروكسل عن ظهرها».

كانت المالية العامة الفرنسية تخضع أصلاً للتدقيق. ففي 31 مايو (أيار)، خفَّضت وكالة «ستاندرد آند بورز» التصنيف السيادي لفرنسا إلى «إيه إيه–» بسبب المراجعة التصاعدية للعجز. في حين أكدت وكالة «موديز» أن التكلفة المرتفعة لخدمة الدين العام تهدد استدامة المالية العامة الفرنسية.

وحسب مصرف «إي إف جي» السويسري، يعكس رد فعل السوق ثلاثة مخاوف: الافتقار إلى الانضباط المالي المتوقع من الأحزاب المفضلة في الانتخابات الفرنسية؛ والزيادة المتوقعة في الضرائب على الشركات، خصوصاً على القطاع المالي، وإضعاف الاتحاد الأوروبي.

وتنطوي جميع السيناريوهات الأكثر ترجيحاً بشأن نتائج الانتخابات على مخاطر عالية بحدوث انزلاق مالي.

البرامج الاقتصادية للأحزاب

لا شك أن تكلفة المعيشة التي تؤرق الفرنسيين سوف تكون الشغل الشاغل للناخبين الذي سيتوجهون إلى صناديق الاقتراع لاختيار أحد من المتنافسين الثلاثة.

امرأة تتسوق من أحد المحال الغذائية في فرنسا (رويترز)

النبأ السار بالنسبة إلى الناخبين هو أن الثلاثة يقترحون توفير إعانات من تكاليف المعيشة. ففي مسألة تكاليف الكهرباء مثلاً، يقترح الثلاثة خفض الأسعار وإنْ بنسب متفاوتة بين كل حزب. فيما تقول «الجبهة الشعبية الجديدة» إنها ستخفض الأسعار عن طريق إزالة ما تسميها «ضريبة ماكرون»، وهي في الواقع الضريبة الداخلية على الاستهلاك النهائي على الكهرباء التي عُلقت عام 2022 ثم أُعيد العمل بها في يناير (كانون الثاني) 2024.

ولكن قد لا يكون هذا الأمر ممكن التنفيذ لا سيما أنه مرتبط بارتفاع في العجز. ففرنسا ملتزمة توفير 20 مليار يورو في عام 2024 و30 مليار يورو في عام 2025 من أجل إبقاء تكلفة الاقتراض تحت السيطرة. وبالتالي فإن قدرتها على المناورة ضئيلة نسبياً.

وفي جانب آخر، يثير احتمال وصول «التجمع الوطني» أو الائتلاف اليساري لـ«الجبهة الشعبية» الجديدة إلى السلطة، قلق أوساط الأعمال من تدهور الوضع الاقتصادي في البلاد، لا سيما بعد الكشف عن برامجهما الاقتصادية.

فـ«التجمع الوطني» تعهد بالإلغاء «الكامل» لضريبة على الإنتاج تؤثر في الشركات، وخفض مساهمة فرنسا في موازنة الاتحاد الأوروبي بملياري يورو، فيما يعتقد معارضوه أن هذا الإجراء سيؤدي في نهاية المطاف إلى «خروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي».

من جانبها، وعدت «الجبهة الشعبية الجديدة» بإدخال تغييرات جوهرية، كتجميد أسعار المواد الغذائية والطاقة والوقود، وسحب إصلاح المعاشات التقاعدية، وزيادة الحد الأدنى للأجور أو حتى بدلات السكن، طارحةً «قطيعة تامة مع سياسة ماكرون». وهو ما عدَّه الأخير يحمل «مخاطر كبرى» لفرنسا، على غرار برنامج «التجمع الوطني». وقال ماكرون: «هناك اليوم كتلتان متطرفتان اختارتا برنامجين اقتصاديين لا يدخلان في إطار أخلاقيات المسؤولية ويَعدان الناس بهدايا لا تجد تمويلاً».

الرئيس الفرنسي وهو ينتظر وصول رئيس السنغال قبل لقائهما في قصر الإليزيه (أ.ف.ب)

وتقترح «الجبهة الشعبية الجديدة» بعض تدابير التمويل، مثل إعادة فرض ضريبة الثروة وزيادتها، وإعادة فرض ضريبة على الأغنياء الذين ينقلون موطنهم الضريبي إلى الخارج، وزيادة ضريبة الدخل والمساهمات الاجتماعية لأصحاب الدخل الأعلى.

كان ماكرون قد أبقى تركيزه على الادِّخار طويل الأمد من خلال إجراء إصلاحات مواتية للنمو في مجالات المعاشات التقاعدية وقوانين العمل ونظام الرعاية الاجتماعية رغم إنفاق حكومته مبالغ هائلة لحماية الأسر والشركات من تداعيات الجائحة وآثار انتقال الطاقة. وانخفضت البطالة في فرنسا بشكل ملحوظ في أثناء تولى ماكرون منصبه، وأثبت النمو الاقتصادي مرونة أكبر في مواجهة الأزمات مقارنةً بدول أوروبية أخرى.

لكنَّ نهج ماكرون واجه مقاومة متزايدة، سواء في البرلمان أو عبر الاحتجاجات في الشارع. وبعد خسارته أغلبيته المطلقة في الجمعية الوطنية 2022، كان الرئيس الفرنسي يعاني بالفعل لتمرير التشريعات عبر البرلمان دون اللجوء إلى أداة دستورية لتجاوز التصويت.

ويرى مصرف «إي إف جي» أن الحكومة الفرنسية المقبلة بقيادة «التجمع الوطني» أو «الجبهة الشعبية الجديدة» تخاطر بإضعاف العديد من المؤسسات الأوروبية.

فيما أشارت «موديز» إلى أن «الاستقطاب السياسي المتزايد والنفوذ المتزايد للأحزاب المناهضة للاتحاد الأوروبي... يهددان بعرقلة فعالية مؤسسات الاتحاد الأوروبي».

والمجالات الأكثر عرضة للخطر هي موازنة الاتحاد الأوروبي والتمويل المشترك حول قضايا مثل الدفاع وتحول الطاقة، وكذلك السياسة الخارجية.

في الختام، فإن الانتخابات المقبلة في فرنسا تخاطر بعواقب على الأصول المالية الأوروبية. ويبدو من غير المرجح أن تتحسن معنويات السوق كثيراً حتى يصبح موقف الحكومة الجديدة أكثر وضوحاً بشأن القضايا الأكثر حساسية للأسواق.


مقالات ذات صلة

مسؤول فرنسي يشتبه بتدخّل شركة «بلاك كور» الإسرائيلية في انتخابات نيويورك وأسكوتلندا

أوروبا أحد السكان المحليين يجمع أوراق الاقتراع عند وصوله إلى مركز الاقتراع للإدلاء بصوته خلال الجولة الأولى من الانتخابات البلدية الفرنسية لعام 2026 في مرسيليا بجنوب فرنسا 15 مارس 2026 (أ.ف.ب)

مسؤول فرنسي يشتبه بتدخّل شركة «بلاك كور» الإسرائيلية في انتخابات نيويورك وأسكوتلندا

تشتبه وكالة «فيجينوم» الفرنسية بتورط شركة «بلاك كور» الإسرائيلية في التدخل بانتخابات فرنسا ونيويورك وأسكوتلندا، إضافة إلى أنشطة في أنغولا وتوغو.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال الإدلاء بصوته في الانتخابات العامة (وكالة الأنباء الإثيوبية)

إثيوبيا لإعادة ترتيب أوراقها الداخلية بعد الانتخابات

تترقب الأوساط السياسية في إثيوبيا إعلان كامل نتائج الانتخابات العامة السابعة التي شهدتها البلاد، وسط خلافات حادة مع معارضين لرئيس الوزراء آبي أحمد.

محمد محمود (القاهرة )
المشرق العربي انعقاد البرلمان السوري قريباً... والكشف عن ممثلي الرئيس مقيد بالإعلان الدستوري

انعقاد البرلمان السوري قريباً... والكشف عن ممثلي الرئيس مقيد بالإعلان الدستوري

الكشف عن ممثلي ثلث الرئيس بموجب نص الإعلان الدستوري يعني انعقاد المجلس بعد ثلاثة أيام من تقديم الأسماء، بالتالي فإن تأخير الإعلان مرتبط بالأمور اللوجستية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا رئيس سلطة الانتخابات الجزائرية مع كادرها الإداري (سلطة الانتخابات)

حملة الانتخابات البرلمانية في الجزائر تنطلق غداً

تنطلق، الثلاثاء، بالجزائر حملة انتخابات البرلمان المقررة في الثاني من يوليو (تموز) المقبل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
أوروبا رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان يعلن فوز حزبه في الانتخابات في يريفان الاثنين (أ.ف.ب)

أرمينيا تختار «المسار الأوروبي» في استحقاق انتخابي محاط بالمخاطر

حمل فوز حزب «العقد المدني» الحاكم في أرمينيا بنحو نصف أصوات الناخبين رسالة تكريس لمسار التكامل مع أوروبا على حساب العلاقات مع روسيا.

رائد جبر (موسكو)

«العدل الأميركية» تستدعي أكبر البنوك للتحقيق في إغلاق حسابات بدوافع سياسية

المقر الرئيسي لـ«جي بي مورغان تشيس» في 270 بارك أفينيو بنيويورك (رويترز)
المقر الرئيسي لـ«جي بي مورغان تشيس» في 270 بارك أفينيو بنيويورك (رويترز)
TT

«العدل الأميركية» تستدعي أكبر البنوك للتحقيق في إغلاق حسابات بدوافع سياسية

المقر الرئيسي لـ«جي بي مورغان تشيس» في 270 بارك أفينيو بنيويورك (رويترز)
المقر الرئيسي لـ«جي بي مورغان تشيس» في 270 بارك أفينيو بنيويورك (رويترز)

كشفت صحيفة «وول ستريت» عن أن وزارة العدل الأميركية وجّهت مذكرات استدعاء واسعة النطاق إلى عدد من أكبر المصارف في الولايات المتحدة، وفي مقدمتها «جي بي مورغان تشيس» و«بنك أوف أميركا» و«ويلز فارغو»؛ لطلب معلومات تفصيلية حول ما إذا كانت هذه المؤسسات قد مارست عمداً سياسة «إلغاء الحسابات المصرفية» لعملائها، أو أغلقت حسابات مصرفية بشكل غير قانوني لدوافع سياسية.

وتأتي هذه التحركات الصادرة عن مكتب المدعي العام الأميركي في واشنطن، تحت قيادة المدعية العامة جينين بيرو، لتشكّل تصعيداً كبيراً في الحملة التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لاستئصال ما يصفه بـ«الأدلة على تمييز البنوك ضد المحافظين والصناعات المثيرة للجدل سياسياً»، بما في ذلك الحسابات التابعة لعائلته الشخصية وشركاته.

وتعود جذور الأزمة إلى العام الماضي، عندما أعلن ترمب أنه تم عزله مصرفياً وحُرم من فتح حسابات جديدة لدى «جي بي مورغان» و«بنك أوف أميركا» عقب انتهاء ولايته الأولى، والتي تزامنت مع أعمال الشغب العنيفة في مبنى الكابيتول، وفق الصحيفة الأميركية.

وفي أغسطس (آب) الماضي، وقّع ترمب أمراً تنفيذياً يوجّه المنظمين المصرفيين بالتحقيق في ارتكاب المؤسسات المالية ممارسات «إلغاء حسابات مسيّسة أو غير قانونية»، وتفويضهم بفرض عقوبات مالية مشددة. ورغم إرسال البنوك كميات هائلة من البيانات للمنظمين، فإن مكتب بيرو يطالب الآن بمعلومات أكثر عمقاً وحساسية تشمل قوائم الأشخاص المتضررين ومبررات الإغلاق.

دفاع المصارف

في المقابل، تدافع البنوك الكبرى عن موقفها مؤكدة أنها لا تغلق الحسابات لأسباب دينية أو سياسية؛ بل تشير إلى أن قرارات تجنب صناعات أو عملاء معينين تأتي امتثالاً للقوانين الصارمة التي تلزمها بفحص الأنشطة الإجرامية ومكافحة غسل الأموال، أو استجابة لضغوط رقابية أخرى تهدف إلى حماية النظام المصرفي والمالي.

وكانت هذه التحقيقات تدار حتى الآن بموجب تفويض من «مكتب مراقب العملة»، وهو مكتب تابع لوزارة الخزانة يشرف على أكبر البنوك. ومع ذلك، فإن الأمر التنفيذي لترمب سمح للمنظمين بإحالة القضايا إلى المدعي العام، ورغم أن «مكتب مراقب العملة» لم يرسل إحالات رسمية بعد، فإن مكتب المدعية جينين بيرو فتح تحقيقاته بشكل مستقل بالتنسيق مع مكتب المراقبة.

البحث عن مخرج قانوني

وتواجه النيابة العامة والمنظمون تحدياً قانونياً يتمثل في تحديد القوانين الدقيقة التي خرقتها البنوك بقطع علاقاتها مع عملاء تصنفهم «عالي المخاطر»؛ ففي حين تحظر قوانين الحقوق المدنية التمييز في الإقراض والتمويل، تتمتع الشركات والمصارف بصلاحيات تقديرية واسعة النطاق في اختيار من تقدم له خدماتها المصرفية اليومية.

ولمواجهة هذا التحدي، يدرس مكتب بيرو ما إذا كانت تصرفات البنوك قد انتهكت «قانون إصلاح المؤسسات المالية والتعافي والإنفاذ لعام 1989» (FIRREA)، وهو تشريع فضفاض استُخدم تقليدياً لمقاضاة الاحتيال المصرفي، واستعانت به وزارة العدل بعد أزمة 2008 لملاحقة المصارف التي ضللت الأسواق بشأن جودة الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري.

معارك قضائية موازية و«أدلة أولية»

وكان «مكتب مراقب العملة» قد أصدر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي تقريراً أولياً أفاد بوجود «أدلة مبكرة» على ممارسات إلغاء الحسابات من قِبل أكبر تسعة بنوك في البلاد. وأشار التقرير إلى أن الصناعات المتأثرة شملت: النفط والغاز، والفحم، ومصنعي الأسلحة النارية وقطاع الترفيه للبالغين، بربطها بمساعي البنوك للوفاء بالتزاماتها البيئية والاجتماعية وحرب المناخ.

يذكر أن ترمب أقام دعوى قضائية شخصية في يناير الماضي على بنك «جيه بي مورغان» ورئيسه التنفيذي جيمي ديمون، متهماً إياهما بإغلاق حساباته بدوافع سياسية، كما أقامت عائلة ترمب دعوى مماثلة العام الماضي على «كابيتال وان» لإغلاقه أكثر من 300 حساب لشركات تابعة للمجموعة منذ عام 2021.


صندوق النقد يخفّض توقعات نمو منطقة اليورو مجدداً ويرفع تقديرات التضخم

مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث إلى مراسلين اقتصاديين في بروكسل حول آفاق منطقة اليورو (إكس)
مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث إلى مراسلين اقتصاديين في بروكسل حول آفاق منطقة اليورو (إكس)
TT

صندوق النقد يخفّض توقعات نمو منطقة اليورو مجدداً ويرفع تقديرات التضخم

مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث إلى مراسلين اقتصاديين في بروكسل حول آفاق منطقة اليورو (إكس)
مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث إلى مراسلين اقتصاديين في بروكسل حول آفاق منطقة اليورو (إكس)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الخميس، من أن صدمة أسعار الطاقة الناجمة عن حرب إيران الدائرة حالياً في شهرها الرابع، ستؤدي إلى سحب نمو منطقة اليورو نحو مستويات أدنى مما كان متوقعاً في السابق، بالتوازي مع دفع معدلات التضخم إلى مزيد من الارتفاع.

وأوضح الصندوق أنه حتى لو كانت قفزات أسعار النفط والغاز «مؤقتة»، فإن ثقة المستهلكين ستشهد ضعفاً ملحوظاً وسط الاضطرابات المستمرة في أسواق الطاقة، مما يرفع من مخاطر تراجع الإنفاق الاستهلاكي.

وبناءً على هذه المعطيات، خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو منطقة اليورو خلال هذا العام ليصل إلى 0.9 في المائة، تراجعاً من تقديراته السابقة في أبريل (نيسان) البالغة 1.1 في المائة، قبل أن يرتد صعوداً إلى 1.2 في المائة في عام 2027.

وعلى الجانب الآخر، توقع الصندوق أن يصل التضخم في منطقة اليورو إلى 2.8 في المائة هذا العام، وهو أعلى من توقعات أبريل البالغة 2.6 في المائة. ويمثل هذا الرقم زيادة قدرها 0.8 نقطة مئوية مقارنة بالمستويات التي سبقت الهجمات الأميركية الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي.

اختناقات مضيق هرمز تزيد الضغوط

وتسببت الحرب بفعالية في إغلاق مضيق هرمز أمام شحنات النفط والغاز الخليجية المنقولة بحراً. وأفاد مسؤولون بأن الأضرار التي لحقت ببعض منشآت الإنتاج قد تسفر عن استمرار قيود الإمدادات لعدة أشهر قادمة.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن «حدوث صدمة طاقة أكثر استمراراً قد يدفع التضخم وتوقعاته نحو الأعلى، حتى في الوقت الذي قد يؤدي فيه تراجع الثقة أو الضغوط المالية إلى إضعاف مستويات الطلب».

ولفت التقرير إلى حجم التحدي الكبير الذي يواجه البنك المركزي الأوروبي، والذي تحرك بالفعل برفع سعر الفائدة القياسي إلى 2.25 في المائة، محاولاً الحد من الضربة الاقتصادية، وكبح جماح التضخم في آنٍ واحد.

وكان المركزي الأوروبي قد خفّض بدوره توقعاته للنمو لعام 2026 إلى 0.8 في المائة (من 0.9 في المائة)، في حين رفع تقديراته للتضخم إلى 3 في المائة، وهو ما يتجاوز بكثير مستهدفه الرسمي البالغ 2 في المائة.

وأكد صندوق النقد الدولي أن «الأولوية الفورية للحكومات هي إبقاء توقعات التضخم مقيدة، وتخفيف تأثير الصدمة ضمن المساحة المالية المتاحة، تلافياً لأي إنفاق حكومي مفرط قد يزيد من عجز الموازنة العامة».

ورغم قرار رفع الفائدة الصادر، يتوقع الصندوق أن يُقدم البنك المركزي الأوروبي على زيادة إضافية بمقدار ربع نقطة مئوية (25 نقطة أساس) في سعره القياسي بحلول نهاية هذا العام.


تذبذب الأسعار عالمياً يربك الأسواق في مصر بعد أدنى مستوى خلال 6 أشهر

تذبذب أسعار الذهب يربك الأسواق في مصر (شعبة الذهب بالغرفة التجارية بمصر)
تذبذب أسعار الذهب يربك الأسواق في مصر (شعبة الذهب بالغرفة التجارية بمصر)
TT

تذبذب الأسعار عالمياً يربك الأسواق في مصر بعد أدنى مستوى خلال 6 أشهر

تذبذب أسعار الذهب يربك الأسواق في مصر (شعبة الذهب بالغرفة التجارية بمصر)
تذبذب أسعار الذهب يربك الأسواق في مصر (شعبة الذهب بالغرفة التجارية بمصر)

أربك التذبذب المفاجئ لأسعار الذهب الأسواق المصرية مجدداً؛ إذ عاود المعدن الأصفر الارتفاع الطفيف بعد موجة هبوط حادة دفعته إلى أدنى مستوياته خلال ستة أشهر، ما خلق حالة من الترقب والحذر المتبادل بين التجار والمستهلكين حول المسار المستقبلي للسوق المحلية.

وشهدت تعاملات يوم الخميس ارتداداً صعودياً طفيفاً في الأسعار العالمية، انعكس سريعاً على حركة الصاغة في مصر التي تعيش ارتباكاً واضحاً عقب فترة انخفاضات متتالية.

وبحسب تقارير صحافية محلية، ارتفعت الأسعار بنسب تراوحت ما بين 25 إلى 60 جنيهاً في الغرام الواحد، (في وقت يسجل فيه الدولار نحو 52 جنيهاً في البنوك الرسمية).

وسجلت أسعار الأعيرة المختلفة في الأسواق المصرية المستويات التالية:

  • عيار 24: بلغ نحو 7000 جنيه للغرام.
  • عيار 21 (الأكثر تداولاً): سجل 6125 جنيهاً.
  • عيار 18: وصل إلى 5250 جنيهاً.
  • الجنيه الذهب (8 غرامات عيار 21): استقر عند 49000 جنيه.

هذا الارتفاع المحدود، الذي أعقب نصف عام من الهبوط، فاقم من حالة الضبابية؛ إلا أن مسؤولين في قطاع الذهب يقرأون المشهد بزاوية مختلفة. ووفقاً للاستدلال الذي قدمه نائب رئيس الشعبة العامة للذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرفة التجارية، لطفي منيب، لـ«الشرق الأوسط»، فإنه «لا يمكن تصنيف ما حدث مؤخراً كارتفاع بمفهومه الواسع، بل هو مؤشر وبداية لاستقرار محتمل يُنهي موجة الانخفاض السابقة».

ووصف منيب التقلبات التي سادت طوال الأشهر الستة الماضية بأنها كانت «تحركات سعرية رأسية»، وهي تقلبات حادة ومفاجئة تؤدي طبيعياً إلى إرباك قوى العرض والطلب. وأوضح أن «الزيادة الطفيفة الحالية تنبئ بالتحول نحو تحركات سعرية عرضية (أفقية)، وهو الوضع الطبيعي والصحي للسوق، حيث تنحصر التغيرات صعوداً أو هبوطاً ضمن نسب طبيعية ومتوقعة».

المدخرون يرفضون البيع

ولم يتوقف الارتباك عند حدود تسعير الشاشات، بل امتد ليعيد صياغة سلوك المواطنين الذين ينظرون إلى الذهب كـ«وعاء ادخاري آمن» لحفظ القيمة المشتراة.

وقبل نحو عام، قامت السيدة سلوى محمود، المقيمة بحي عابدين وسط القاهرة، بشراء بضعة غرامات كوسيلة للادخار. ورغم مرورها بضائقة مالية حادة خلال الأيام الماضية، لكنها رفضت تماماً خيار تسييل مدخراتها الذهبية حالياً، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «رغم حاجتي الماسة للمال لإدارة بعض الشؤون الخاصة، لكنني فضلت التمسك بالذهب وعدم البيع وسط هذه الأجواء غير المستقرة، أملاً في معاودة الأسعار الارتفاع لتعويض الفارق في الفترات المقبلة».

ارتفاع طفيف في سعر الذهب بعد أدنى مستوى انخفاض (شعبة الذهب بالغرفة التجارية ب مصر)

ويعتقد منيب أنه «من السابق لأوانه التنبؤ بما قد يحدث في الأسعار خلال الفترة المقبلة، وهو ما يزيد الارتباك بالأسواق»؛ إلا أنه يقول: «إذا استمرت الحركة العرضية للأسعار، فسيعاود المصريون الإقبال على الشراء، بما ينشط حركة البيع، فالوضع الآن (لا بيع ولا شراء) بل ترقب لما ستسفر عنه الساعات أو الأيام المقبلة».

ويشير إلى أن «كثيراً من محال بيع الذهب تعرضت خلال الفترة الماضية لخسائر كبيرة نتيجة الارتباك وعدم الاستقرار، حيث لم تتمكن من مواكبة تقلب الأسعار التي تتغير باستمرار، فعدم الاستقرار يضر التجار والمواطنين».

وكان رئيس شعبة الذهب والمجوهرات باتحاد الغرف التجارية، هاني ميلاد، قد توقع أن «يعاود الذهب الارتفاع»، وقال في تصريحات متلفزة، الاثنين الماضي، إن «هناك مؤشرات قد تدعم عودة الذهب إلى الارتفاع خلال الفترة المقبلة، خاصة في حال استمرار الاضطرابات العالمية أو تغير توجهات المستثمرين والبنوك»، لافتاً إلى أن «أسعار الذهب تتأثر إيجاباً وسلباً بالتغيرات والأحداث الجيوسياسية حول العالم».

مصريون يترقبون استقرار الأسعار لاتخاذ قرارات البيع أو الشراء (شعبة الذهب بالغرفة التجارية في مصر)

من جهته، تحدث إبراهيم حسين، الذي يعمل فني صيانة تكييف في إحدى الشركات الخاصة، ويقيم بحي شبرا شرق القاهرة، عن جانب آخر من الارتباك، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أنوي شراء غرامات من الذهب خلال الفترة الماضية بسبب انخفاض الأسعار؛ لكني ترددت وقررت أن أنتظر».

أما الخبير الاقتصادي، الدكتور وائل النحاس، فيرى أن الذهب «لا يزال وعاءً ادخارياً بالنسبة لقطاعات واسعة من المصريين»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «التقلبات التي تشهدها سوق الذهب عالمياً سببت ارتباكاً بالسوق المصرية، لكن ما زال الاتجاه في مصر يميل إلى الشراء»، لكن بحسب النحاس «هذه الفترة تشهد ترقباً حذراً من الناس انتظاراً لاستقرار الأسعار».