مخاوف الركود تلوح في الأفق مع انعكاس منحنى العائد وارتفاع الفائدة

لوحة تشير إلى «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك في مدينة نيويورك الولايات المتحدة (رويترز)
لوحة تشير إلى «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك في مدينة نيويورك الولايات المتحدة (رويترز)
TT

مخاوف الركود تلوح في الأفق مع انعكاس منحنى العائد وارتفاع الفائدة

لوحة تشير إلى «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك في مدينة نيويورك الولايات المتحدة (رويترز)
لوحة تشير إلى «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك في مدينة نيويورك الولايات المتحدة (رويترز)

قد يعود مؤشر انعكاس سوق السندات، الذي لطالما تنبأ بدقة بحدوث ركود في الولايات المتحدة، ليظهر هذا العام بشكل غير متوقع، مما يثير قلق المستثمرين.

فقد انقلبت إشارة السوق، التي تسمى «منحنى العائد»، رأساً على عقب منذ أوائل يوليو (تموز) 2022، حيث حصل المستثمرون على أموال أقل مقابل إيداع أموالهم لفترات أطول مما يحصلون عليه للفترات الأقصر. ويُظهر منحنى سندات الخزانة الأميركية القياسي أن عائدات سندات الخزانة لأجل سنتين أعلى بنحو 30 نقطة أساس عن سندات الخزانة لأجل عشر سنوات، وفق «رويترز».

في الماضي، كان «منحنى العائد» يتخذ عادةً شكلاً مستقيماً خلال فترات التباطؤ الاقتصادي، حيث كان ينتج عن ذلك قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة. وبالتالي، كان ينخفض العائد على السندات قصيرة الأجل، التي تتأثر بشكل مباشر بأسعار الفائدة، مما يُعرف بظاهرة «الانحدار الصعودي».

ومع ذلك، تشير المؤشرات إلى احتمال عودة منحنى العائد إلى مساره الطبيعي، حيث من المتوقع أن ترتفع عوائد السندات طويلة الأجل في ظل الانحدار الحاد، وفقاً لما ذكره ستة مستثمرين وخبراء في السوق خلال مقابلات أجريت معهم. ويعود ذلك إلى الضغوط التي تواجهها أسعار الفائدة طويلة الأجل من جراء ازدياد ديون الحكومة الأميركية، بينما يمنع الاقتصاد القوي بشكل مفاجئ واستمرار التضخم مجلس الاحتياطي الفيدرالي من خفض أسعار الفائدة.

وقد يعود «الانحدار الهبوطي» الذي ظهر لفترة وجيزة في أكتوبر (تشرين الأول)، إلى الظهور في وقت لاحق من هذا العام، مما قد يُعيد منحنى العائد إلى مساره الطبيعي عبر مسار غير مألوف.

عودة منحنى العائد

وأوضح مدير المحفظة لدى «يانوس هندرسون»، دان سيلوك، أن ما حدث في أواخر عام 2023 كان بمثابة مقدمة لتقويم منحنى العائد، ويتوقع استمرار هذا الاتجاه حتى نهاية عام 2024.

ويُعد كل من شكل منحنى العائد وأسباب ارتفاعه ذا أهمية كبيرة للاقتصاد الحقيقي و«وول ستريت». ويعتقد المستثمرون أن عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات بحاجة إلى أن يتجاوز 5 في المائة لكي يعود المنحنى إلى مساره الطبيعي، مما سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض على الشركات والمستهلكين. بينما في سيناريو الانحدار الهبوطي، من المتوقع أن يظل التضخم ثابتاً.

وفي حين أن منحنى العائد الطبيعي يعد جيداً للمصارف، إلا أن الانحدار سيكون صعب التداول وسيضغط على الأسهم، مما يؤدي ربما إلى تقلبات السوق.

ومع ذلك، لا تُشير عودة منحنى العائد إلى مساره الطبيعي بالضرورة إلى تجنب الاقتصاد للركود. بل على العكس من ذلك، يمكن أن تُؤدي أسعار الفائدة طويلة الأجل المرتفعة إلى زيادة احتمالية حدوث تباطؤ اقتصادي، بينما قد يُعيق عبء الدين الكبير قدرة الحكومة على الاستجابة لمثل هذه الظروف.

وأشار أستاذ الاقتصاد في جامعة «ديوك»، كامبل هارفي، الذي يُعد أول من اقترح منحنى العائد المقلوب مؤشراً للركود، إلى أنه «من المبكر» اعتبار عودة منحنى العائد إلى مساره الطبيعي إشارة كاذبة، مُضيفاً: «أن ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل أمر سلبي».

وقال إن المدة التي يستغرقها الانكماش الاقتصادي للظهور بعد انقلاب منحنى العائد تختلف، وأنه في آخر أربع حالات انقلاب، عاد المنحنى إلى الوضع الإيجابي قبل بدء الركود.

مخاوف الركود تُلوح في الأفق

مع ذلك، لا يزال «الانحدار الصعودي» احتمالاً قائماً. فمن الممكن أن تُؤدي أسعار الفائدة المرتفعة الناتجة عن السياسات النقدية إلى تباطؤ الاقتصاد، وإضعاف سوق العمل وإلحاق الضرر بالمستهلكين، مما قد يجبر مجلس الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة. كما يمكن أن تتسبب أسعار الفائدة المرتفعة في اضطرابات بالسوق، مثل أزمة مصرفية، تجبر مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» على خفض أسعار الفائدة.

ومع ذلك، حذّر المستثمرون من أن عدم حدوث انخفاض في أسعار الفائدة قد يُؤدي إلى تراكم الظروف لحدوث «انحدار هبوطي». ففي حال استمرار النمو والتضخم، فهذا يعني ارتفاع سعر الفائدة المتوازن على المدى الطويل للاقتصاد، أو ما يُعرف بالسعر المحايد، مما يضع ضغطاً على العائدات. كما أن حجم الدين الهائل المتراكم على حكومة الولايات المتحدة سيجبر المستثمرين في النهاية على المطالبة بمزيد من العائد على استثماراتهم.

وهناك بعض الدلائل على مخاوف المستثمرين في الأسواق. فوفقاً لنموذج صادر عن «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك يحلل مكونات عوائد سندات الخزانة، فقد شهدت العلاوة التي يفرضها المستثمرون مقابل إقراض الأموال على المدى الطويل ارتفاعاً طفيفاً مرة أخرى.

وخلال «الانحدار الهبوطي» الذي حدث في أكتوبر، تحولت العلاوة على آجل السندات إلى منطقة إيجابية. ولكن مع تحول مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» نحو سياسة خفض أسعار الفائدة في وقت لاحق من ذلك العام، انخفضت العلاوة مجدداً إلى منطقة سلبية. وقد شهد هذا الشهر عودة العلاوة إلى منطقة إيجابية، حيث بلغت آخر قراءة لها في 24 أبريل (نيسان).

وهناك مؤشر آخر على المخاوف المتنامية تتمثل في سعر الذهب والبتكوين. وعزا رئيس إدارة محافظ الاستثمار في الأسواق الناشئة لدى «بيامكو»، برامول دهاوان، ارتفاع سعر الذهب عن قيمته العادلة إلى زيادة الطلب من المؤسسات الرسمية على الأصول الآمنة. ويُرجح أن يؤدي هذا الاتجاه إلى تناقص عدد الراغبين بشراء سندات الخزانة، حتى مع ازدياد المعروض منها.

صعوبة التنبؤ

ومع ذلك، ما زال من غير الواضح متى ستصبح هذه المخاوف محورية بالنسبة للأسواق. ففي الوقت الحالي، ينصب تركيزها بشكل أكبر على توقعات أسعار الفائدة التي يحددها مجلس «الاحتياطي الفيدرالي».

ويُعد التنبؤ بحدث مثل أزمة ديون المملكة المتحدة التي حدثت في خريف عام 2022 أمراً صعباً. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن المستثمرين، كما أفادوا، يراقبون من كثب خطط الإنفاق لكل من الحزبين السياسيين الأميركيين مع اقتراب موعد انتخابات نوفمبر (تشرين الثاني).

وأعرب استراتيجي في بنك «نيويورك ميلون»، جون فيليس، عن قلقه بشأن إعلان وزارة الخزانة الأميركية عن إعادة تمويل الديون في أغسطس (آب)، الذي سيحدد احتياجات الاقتراض للربع الحالي. ويرجع ذلك إلى أن هذا الإعلان يأتي في وقت حرج، حيث من المتوقع أن تكون احتياجات الاقتراض مرتفعة بسبب ضعف الإيرادات الضريبية.

في المقابل، يعد حدث إعادة تمويل الديون في الأول من مايو (أيار) أقل إثارة للقلق. وذلك لأن إيرادات الضرائب في ذلك الوقت من العام تكون قد قللت من الحاجة إلى الاقتراض خلال فصل الصيف.

وعلى الأرجح، سيكون «الانحدار الهبوطي» عملية بطيئة ذات توقيت غير مؤكد. ومع ذلك، فإن هذا يجعل الأمر أكثر صعوبة بالنسبة للمتداولين.

وأوضح رئيس فريق السندات السيادية العالمية في «دوبل لاين كابيتال»، بيل كامبل، أن التوقيت يصبح عاملًا حاسماً في ظل هذه الظروف.

ويُشير كامبل إلى أن هذه الظروف تجبر صناديق التحوط على اتباع استراتيجيات دخول وخروج متقلبة من الصفقات. ويلجأ المستثمرون إلى طرق بديلة، مثل استخدام أحجام تداول أصغر، للتكيف مع التحديات التي يفرضها «الانحدار الهبوطي».

وأضاف: «إنك تحاول فقط إيجاد طرق ذكية لتنفيذ ذلك. وفي سيناريو الانحدار الهبوطي، نعتقد أنه سيكون أكثر ارتفاعاً تدريجياً».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد قارب يبحر بمياه مضيق هرمز قبالة «خصب» في شبه جزيرة مسندم الشمالية بسلطنة عمان (أ.ف.ب)

«بنك سيتي»: الاقتصاد العالمي أكثر قدرة على امتصاص صدمة في أسعار النفط

قال «بنك سيتي» إن الاقتصاد العالمي بات في وضع أفضل من السابق لامتصاص صدمة بأسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد وزير المالية محمد شيمشك يتحدث خلال اجتماع رابطة الصناعة والأعمال التركية في إسطنبول (رويترز)

شيمشك: تأثير الحرب على الاقتصاد التركي مؤقت إذا صمد وقف إطلاق النار

قال وزير المالية التركي محمد شيمشك، يوم الخميس، إن التداعيات الاقتصادية للحرب ستكون مؤقتة وقابلة للعكس في حال صمود وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول )
الاقتصاد فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد مدخل البنك المركزي السويدي في استوكهولم (رويترز)

محضر «المركزي السويدي»: الركود التضخمي يلوح في الأفق نتيجة الحرب

من المتوقع أن تظل أسعار الفائدة السويدية مستقرة لبعض الوقت، لكن محضر اجتماع السياسة النقدية الأخير لبنك المركزي السويدي كشف عن مخاطر محتملة لحدوث ركود تضخمي.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم )

تصدير الغذاء في مصر... خلاف مستمر بين توفير الدولار وكبح الغلاء

خضراوات في إحدى أسواق الجملة بمصر (الصفحة الرسمية لسوق العبور على فيسبوك)
خضراوات في إحدى أسواق الجملة بمصر (الصفحة الرسمية لسوق العبور على فيسبوك)
TT

تصدير الغذاء في مصر... خلاف مستمر بين توفير الدولار وكبح الغلاء

خضراوات في إحدى أسواق الجملة بمصر (الصفحة الرسمية لسوق العبور على فيسبوك)
خضراوات في إحدى أسواق الجملة بمصر (الصفحة الرسمية لسوق العبور على فيسبوك)

بفعل غلاء الطماطم «المجنونة»، وفق وصف المصريين لها بسبب «أسعارها المتقلبة»، يتواصل النقاش في البلاد حول ما إذا كان التصدير هو السبب المباشر في ارتفاع أسعار بعض المنتجات الغذائية داخل السوق المحلية.

وبينما يرى البعض أن خروج السلع إلى الأسواق الخارجية يقلص المعروض الداخلي؛ ما يؤدي إلى زيادة الأسعار على المستهلك المصري، يشير آخرون إلى أن التصدير ضرورة لتوفير العملة الأجنبية التي تحتاجها الدولة لتغطية وارداتها، وسداد التزاماتها الدولية.

وشهد شهر مارس (آذار) الماضي جدلاً عقب دعوات من اقتصاديين لوقف تصدير السلع الحيوية وتوجيهها للاستهلاك المحلي، ما لم يكن هناك فائض كبير في الإنتاج المحلي يغطي احتياجات السكان، إلا أن الدعوة قوبلت بانتقادات، كونها تهدد التدفقات الدولارية، ولتأثيرها السلبي المحتمل على الأسواق.

وعاد الجدل حالياً مع ارتفاع أسعار بعض السلع، كان أحدثها الطماطم (البندورة)، تلك السلعة الأساسية في المطبخ المصري، ووصول سعر الكيلوغرام منها إلى 50 جنيهاً (الدولار يساوي 53.30 جنيه).

وأرجع الأمين العام لشعبة المصدرين، أحمد زكي، ارتفاع أسعار الطماطم خلال الفترة الحالية إلى عدة عوامل، أبرزها زيادة الفاقد الناتج عن ارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب ارتفاع معدلات التصدير؛ كما شدد في تصريحات متلفزة، مساء الأحد، على أن الصادرات تسهم في دعم العملة الصعبة، لكن تجب مراعاة الاحتياج المحلي خصوصاً في فترات الذروة.

شكوى من غلاء أسعار الطماطم في مصر بعد تجاوز 50 جنيهاً للكيلوغرام (صفحة وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي على فيبسوك)

وبلغ حجم صادرات مصر الزراعية 9.5 مليون طن في 2025 بقيمة 11.5 مليار دولار، وفق تصريحات سابقة لوزير الزراعة.

وتعوّل الحكومة على نمو الصادرات بوصفها أحد أهم مصادر تدفقات النقد الأجنبي، إلى جانب إيرادات قناة السويس والسياحة وتحويلات المغتربين.

من جهة أخرى، لجأت الحكومة خلال السنوات الماضية لحظر تصدير بعض السلع الأساسية، مثل الأرز والسكر والبصل لمواجهة زيادة أسعارها، وضبط الأسواق.

ومن قبل الطماطم، أرجع متابعون ارتفاع أسعار الدواجن إلى فتح باب التصدير للخارج، إلا أن خبراء بالقطاع نفوا وجود علاقة بين التصدير وارتفاع الأسعار.

كما أثار إعلان «الهيئة القومية لسلامة الغذاء» إدراج مصر لأول مرة ضمن مصدري أسماك الاستزراع للاتحاد الأوروبي، جدالاً. وتوقع رئيس «شعبة الأسماك» السابق بغرفة الإسكندرية، أحمد قدورة، أن يتسبب التصدير في قفزة سعرية لا تقل عن 15 في المائة، فور بدء التصدير في الربع الثالث من 2026.

ويرى رئيس «جمعية رجال الأعمال المصريين الأفارقة»، مستشار الاستثمارات الدولية وخبير التنمية الاقتصادية، يسري الشرقاوي، أن «قرارات التصدير يجب أن تُبنى على قراءة دقيقة لاحتياجات السوق المحلية، إلى جانب حسابات الدولة في توفير العملة الأجنبية»، مؤكداً أن التخطيط الأمثل للموارد هو السبيل الوحيد لتحقيق التوازن بين الأسواق الداخلية والطلب العالمي.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تحقيق التوازن بين حماية المستهلك المحلي، وضمان تدفق الدولار يبدأ من التخطيط الجيد للاحتياجات، عبر قراءة دقيقة لحجم الطلب الداخلي، ومراعاة العوامل المؤثرة في وفرة الإنتاج، مثل التغيرات المناخية، وتبنِّي التكنولوجيا الحديثة لرفع إنتاجية المحاصيل الأساسية». ويؤكد أن الحوافز الاستثمارية ضرورية لتشجيع القطاع الخاص على زيادة إنتاج السلع ذات الطلب المرتفع محلياً وخارجياً.

صادرات مصر الزراعية بلغت 9.5 مليون طن في 2025 (صفحة وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي على فيبسوك)

وأشار إلى أن قرارات الحكومة بوقف تصدير بعض السلع عادة ما تكون مؤقتة بهدف تهدئة الأسعار داخلياً، مضيفاً: «التوازن الحقيقي يتحقق عبر السيطرة على الأسواق الوسيطة، والحد من حلقات التداول التي ترفع الأسعار، وتزيد الهدر، مع تعزيز وصول المنتج مباشرة من المزرعة إلى الأسواق الكبرى».

واستطرد قائلاً: «الطفرات السعرية لا ترتبط دائماً بوفرة المحصول أو بقرارات التصدير، بل قد تكون نتيجة ممارسات بعض التجار أو غياب آليات رقابية فعالة، وهو ما يجعل تفعيل البورصة السلعية أداة مهمة لضبط الأسعار».

وبحسب الخبير الاقتصادي ورئيس مركز «المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية»، عادل عامر، فإن المواطن «هو المتضرر الأول من معضلة توفير الدولار وكبح الغلاء»، قائلاً إنه يتحمل تكلفة ارتفاع الأسعار الناتجة عن محدودية المعروض المحلي.

وتابع: «بينما يمثّل التصدير أحد أهم مصادر العملة الأجنبية، فإن ضعف الإنتاج مقارنة بالزيادة السكانية يجعل السوق الداخلية عرضة للضغط، وهو ما ينعكس على المستهلك في صورة غلاء متكرر».

مصري يمر أمام أحد مكاتب الصرافة بمصر (رويترز)

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «مطالبات وقف التصدير ليست خياراً عملياً؛ لأن هذا يضر بقدرة الدولة على توفير النقد الأجنبي»، ويلفت إلى أن «الحل الأمثل يكمن في زيادة الرقعة الإنتاجية لتلبية الطلب المحلي المتنامي؛ فكلما ارتفع حجم الإنتاج، تراجعت حدة الأزمة، وقلت الفجوة بين احتياجات السوق الداخلية ومتطلبات التصدير».

وأكد أن تحقيق التوازن بين مصالح الدولة وحقوق المواطنين مسؤولية المجموعة الاقتصادية بمجلس الوزراء، موضحاً: «هي مطالبة بوضع سياسات إنتاج ورقابة تضمن حماية المستهلك، مع استمرار تدفق الدولار عبر التصدير».

كما تحدث عن أهمية إنشاء بورصات سلعية لضبط الأسعار، إلى جانب تفعيل دور وزارة الزراعة في الإنتاج كما كان في السابق، بما يحقق توازناً بين القطاعين العام والخاص.

وقال: «هذه الآليات، إلى جانب التخطيط طويل المدى، يمكن أن تقلل من تقلبات الأسعار، وتخفف العبء عن المواطن، دون التضحية بمصادر النقد الأجنبي الحيوية للدولة».


توجه مصري لخفض الاعتماد على الوقود مع تصاعد أسعاره

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتعرف خلال اجتماع حكومي، الاثنين، على موقف مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتعرف خلال اجتماع حكومي، الاثنين، على موقف مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة (الرئاسة المصرية)
TT

توجه مصري لخفض الاعتماد على الوقود مع تصاعد أسعاره

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتعرف خلال اجتماع حكومي، الاثنين، على موقف مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتعرف خلال اجتماع حكومي، الاثنين، على موقف مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة (الرئاسة المصرية)

في إطار تخفيف تأثيرات الحرب الإيرانية وأزمة سلاسل إمداد الطاقة، تعزز مصر جهود خفض الاعتماد على الوقود مع تصاعد أسعاره؛ وطالب الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة بـ«التوسع المدروس» في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، وخفض الاعتماد على الوقود التقليدي، وعمل مزيج طاقة متوازن.

ومع سعي الدولة للتحول إلى مركز إقليمي للطاقة الخضراء، اجتمع السيسي، الاثنين، مع رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، ووزير الكهرباء والطاقة المتجددة محمود عصمت، ومستشار الرئيس للشؤون المالية أحمد الشاذلي، لمتابعة موقف مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة.

وتحدث عصمت عن خطة الدولة لزيادة الاعتماد على الطاقات المتجددة، وخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري لتحقيق التنمية المستدامة، ومتابعة تنفيذ مشروعات الطاقة المتجددة خلال العامين المقبلين، وزيادة نسبة مساهمة الطاقة النظيفة إلى 45 في المائة بحلول عام 2028.

ووفق إفادة لمتحدث الرئاسة، محمد الشناوي، تابع السيسي مستجدات تنفيذ المرحلة الثانية لمشروع الطاقة الشمسية «أوبليسك» في نجع حمادي بصعيد البلاد بقدرة 500 ميغاواط، ومشروع «طاقة الرياح برأس شقير»، على الساحل الغربى لخليج السويس، بقدرة 900 ميغاواط، ومشروع «الطاقة الشمسية» بمحافظة المنيا بوسط البلاد بقدرة 1700 ميغاواط.

محطة توليد كهرباء «النوبارية» (صفحة وزارة الكهرباء على فيسبوك)

وأكد السيسي «ضرورة الإسراع في تنفيذ تلك المشروعات، وتذليل الصعوبات لإنهاء الأعمال، والربط على الشبكة القومية للكهرباء لضمان استقرار ومرونة الشبكة الكهربائية»، كما شدد على «ضرورة تعظيم الاستفادة من الإمكانات الطبيعية التي تمتلكها مصر في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح».

وتقيم الحكومة عدداً من مشروعات الطاقة الشمسية، من بينها محطة الطاقة الشمسية في بنبان بأسوان، والتي تُصنّف الأكبر في أفريقيا والشرق الأوسط، إلى جانب محطة «أبيدوس 1» لإنتاج الطاقة الشمسية في أسوان التي تضم مليوناً و22 ألفاً و896 خلية شمسية، بحسب بيانات مجلس الوزراء.

استهدافات الدولة

يشير أستاذ هندسة البترول والطاقة، جمال القليوبي، إلى أن التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة يندرج ضمن خطة الدولة منذ عام 2017، لكنه أضاف أن هناك «توجهاً رئاسياً بالتقدم في مستويات تنفيذ هذه المشروعات، وفق جدول زمني للوصول إلى نسبة الطاقة المتجددة لنحو 45 في المائة من الاستهلاك اليومي».

وكانت وزارة الكهرباء قد أكدت في أبريل (نيسان) الماضي أن الحكومة تستهدف التوسع في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة لتوليد الكهرباء «للوصول إلى نسبة الطاقات المتجددة في مزيج الطاقة لتصل إلى 45 في المائة عام 2028 بدلاً من 42 في المائة عام 2030».

وزير الكهرباء خلال زيارة محطة «محولات برج العرب» في فبراير الماضي (صفحة وزارة الكهرباء على فيسبوك)

وأرجع القليوبي تأخر الحكومة إلى الأحداث العالمية والإقليمية وفي مقدمتها جائحة كورونا، والحرب الأوكرانية - الروسية، ثم الحرب الإسرائيلية على غزة، والآن الحرب الإيرانية. ويلفت إلى أن هذه الأحداث أثرت اقتصادياً على معدلات الاستثمار الأجنبي لبعض المشروعات وتمويلها.

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «باكورة الاستهداف الحكومي ما زالت موجودة؛ صحيح لم تحقق مصر الكفاءات المستهدفة في الوصول خلال 2027 و2028 أن يكون نصف إنتاج الكهرباء من مصادر بعيدة عن البترول والسلع الوقودية، لكن على الأقل وصلنا لقدرات تؤكد أن نحو 20 في المائة من الطاقة الكهربائية يتم إنتاجها من الطاقة المتجددة».

وأشار إلى أن الاجتماع الذي عقده الرئيس المصري ركز على مراجعة المشروعات الاستثمارية للطاقة المتجددة، وقال: «نتحدث عن نحو 2500 ميغاواط سوف يتم ضخها في الشبكة القومية لإنتاج الكهرباء في خلال الشهرين المقبلين».

كما لفت إلى وجود محطات تُنتج بالفعل، منها محطة «بنبان» في أسوان والتي بدأ تشغيلها نهاية 2019، ومحطة «كوم أمبو» للطاقة الشمسية بالمحافظة نفسها، وبدأت في 2021، فضلاً عن محطات تحت الإنشاء في خليج السويس، والبحر الأحمر، والمنيا، وقنا، والإسكندرية.

رئيس الوزراء خلال افتتاح محطة «أبيدوس للطاقة الشمسية» في ديسمبر 2024 (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

ومضى قائلاً: «خلال عام 2026 يدخل نحو 2500 ميغاواط، وخلال 2027 يكون لدينا 11000 ميغاواط، وفي 2028 نصل إلى 28000 ميغاواط من الرياح»، مرجحاً أن تستهدف مصر نحو 39000 ميغاواط من الشمس والرياح في 2030 قد يتم تعجيلها لتكون في 2028، حتى يُمكن توفير قدرات عالية جداً للشبكة، تستطيع توفير سلع وقودية وفاتورة غاز طبيعي».

وحول قدرة مشروعات الطاقة المتجددة على تخفيض الاعتماد على الوقود، قال القليوبي: «لدى مصر مشروعات سابقة أنتجت بالفعل مثل محطة (الزعفرانة)، وتنتج 545 ميغاواط، ومحطة (جبل الزيت)، وتنتج 580 ميغاواط، ومحطة (رأس غارب)، وتنتج 250 ميغاواط. وهناك محطات كثيرة من المستهدف أن تدخل الشبكة خلال الفترة المقبلة».

وأضاف: «نستهدف 2500 ميغاواط سوف توفر على الأقل نحو ثلث الغاز الطبيعي الذي يتم استيراده لمحطات الكهرباء».

الاستثمار في الطاقة

تم أيضاً خلال اجتماع الاثنين استعراض ما يتعلق بالشراكة مع القطاع الخاص في مجال الطاقة الجديدة والمتجددة، خصوصاً ما يتعلق بمجمع إنتاج الكهرباء من طاقة الرياح بجبل الزيت، البالغ قدرته الإجمالية نحو 580 ميغاواط.

جانب من محطة تغذية كهربائية لمشروعات الدلتا الجديدة في نوفمبر الماضي (صفحة وزارة الكهرباء على فيسبوك)

ووجه الرئيس السيسي بتكثيف الجهود الحكومية لتعزيز فرص جذب الاستثمارات لقطاع الطاقة، بما يضمن تحقيق مُستهدفات القطاع، وتحقيق الاستفادة المثلى من دوره في جهود التنمية.

كما تم التأكيد خلال الاجتماع على ضرورة السعي لاستخدام الطاقة الجديدة والمتجددة في المصانع، عبر تنفيذ أنظمة خلايا شمسية لإنتاج الكهرباء داخلها، لتنويع مصادر الطاقة الكهربائية، وتخفيف الأحمال على الشبكة القومية للكهرباء، ودعم التوسع في استخدام الطاقة الشمسية على نطاق واسع.

وكانت وزارة الكهرباء قد أكدت في وقت سابق على «عدم وجود أي خطط لانقطاع التيار الكهربائي خلال صيف 2026، في ظل استعدادات مبكرة وتأمين احتياجات الشبكة من الوقود والطاقة».

ولجأت الحكومة خلال عامَي 2023 و2024 إلى خطة «تخفيف الأحمال» بالتناوب في غالبية المحافظات. وتراوحت فترات انقطاع الكهرباء حينها من ساعة إلى 3 ساعات يومياً مع استثناء المناطق السياحية، وهو الأمر الذي قوبل حينها بردود فعل سلبية.


الخزانة الأميركية تمدد إعفاء النفط الروسي المنتهي 30 يوماً

مصفاة نفط بجانب صهاريج تخزين في حقل نفط روسي (رويترز)
مصفاة نفط بجانب صهاريج تخزين في حقل نفط روسي (رويترز)
TT

الخزانة الأميركية تمدد إعفاء النفط الروسي المنتهي 30 يوماً

مصفاة نفط بجانب صهاريج تخزين في حقل نفط روسي (رويترز)
مصفاة نفط بجانب صهاريج تخزين في حقل نفط روسي (رويترز)

قررت وزارة الخزانة الأميركية تمديد العمل بالإعفاء من العقوبات المفروضة على النفط الروسي المحمول بحراً لمدة 30 يوماً إضافية، وذلك بعد انتهاء الصلاحية القانونية للإعفاء السابق يوم السبت الماضي.

ونقلت مصادر مطلعة على الخطة أن هذا القرار الاستثنائي جاء استجابة لطلبات عاجلة تقدمت بها عدة دول فقيرة ونامية، التمست فيها منحها مهلة زمنية إضافية لإتمام عمليات شراء وإمدادات النفط الروسي.

وأوضحت المصادر أن الخزانة الأميركية وافقت على هذا التمديد لتجنيب تلك الدول الضعيفة صدمات طاقة جديدة قد تهدد استقرارها الاقتصادي، ليتيح القرار استمرارية مؤقتة للشحنات البحرية الروسية وتخفيف الضغوط عن أسواق الطاقة في تلك البلدان.