غزة تواجه كبرى الصدمات في التاريخ الاقتصادي الحديث... 18.5 مليار دولار خسائر البنية التحتية

قيمة الأضرار تجاوزت أرقام صراعَي عامي 2014 و2021 بأضعاف

تجاوز حجم الخسائر في الأرواح والأضرار السريعة وواسعة النطاق التي لحقت بالبنية التحتية أيَّ معايير حددتها السوابق التاريخية سواء داخل المنطقة أو في الصراعات العالمية الأخيرة (رويترز)
تجاوز حجم الخسائر في الأرواح والأضرار السريعة وواسعة النطاق التي لحقت بالبنية التحتية أيَّ معايير حددتها السوابق التاريخية سواء داخل المنطقة أو في الصراعات العالمية الأخيرة (رويترز)
TT

غزة تواجه كبرى الصدمات في التاريخ الاقتصادي الحديث... 18.5 مليار دولار خسائر البنية التحتية

تجاوز حجم الخسائر في الأرواح والأضرار السريعة وواسعة النطاق التي لحقت بالبنية التحتية أيَّ معايير حددتها السوابق التاريخية سواء داخل المنطقة أو في الصراعات العالمية الأخيرة (رويترز)
تجاوز حجم الخسائر في الأرواح والأضرار السريعة وواسعة النطاق التي لحقت بالبنية التحتية أيَّ معايير حددتها السوابق التاريخية سواء داخل المنطقة أو في الصراعات العالمية الأخيرة (رويترز)

قدّر البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة الأضرار المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية المبنية في غزة جراء القصف الإسرائيلي بنحو 18.5 مليار دولار، أي ما يعادل 97 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للضفة الغربية وغزة في 2022. وهي بيانات غطّت الفترة من 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 إلى 26 يناير (كانون الثاني) 2024، بمعنى أنه من المتوقع أن يكون مرتفعاً أكثر بعد هذه الفترة، مع العلم أن التقرير الصادر عن المؤسسات الثلاث يشير إلى أن تكلفة الأضرار تجاوزت أرقام صراعَي عامَي 2014 و2021 بأضعاف.

وأصدر البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة تقريراً حول التقييم الأوّلي الذي أجروه للأضرار الأولية الناجمة عن الصراع المستمر في قطاع غزة وآثاره الإنسانية والاقتصادية، بهدف تقديم تحليل شامل لحجم الدمار غير المسبوق وإبلاغ أصحاب المصلحة الوطنيين والمجتمع الدولي بالمدى الأوّلي لأضرار النزاع من الناحيتين المادية والنقدية، لتكون بمثابة أساس جاهز لدعم وتسهيل التقييم السريع للأضرار المستقبلية ووضع خريطة طريق للتعافي.

وفي حين استندت تقييمات الآثار المادية والاقتصادية إلى بيانات غطَّت الفترة من 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 إلى 26 يناير 2024، فإن الأرقام المتعلقة بالضحايا والأثر البشري تم تحديثها حتى 14 مارس (آذار) 2024، واعتمد التقييم على بيانات كمية ونوعية قدمتها شركة «إبسوس»، التي تعاقد معها البنك الدولي منذ أوائل نوفمبر (تشرين الثاني) 2023. وأشار التقرير إلى أن تجارب تقييم الاحتياجات والأضرار السريعة غالباً ما تُظهر أن الاحتياجات النهائية للتعافي وإعادة الإعمار تميل إلى أن تكون أعلى عدة مرات بناءً على تجارب مختلفة لتقييم الاحتياجات والأضرار السريع (على سبيل المثال، بالنسبة إلى الصراع في غزة عام 2014، كانت الأضرار 1.4 مليار دولار، بينما كانت الاحتياجات 3.9 مليار دولار).

وتسبَّب الصراع في خسائر في الأرواح، وتهجير قسري، وإلحاق أضرار بالبنية التحتية الاجتماعية والمادية والإنتاجية بسرعة وحجم غير مسبوقين. وقد وصفها شركاء التنمية مراراً وتكراراً بأنها أزمة إنسانية خطيرة للغاية. وحتى نهاية يناير 2024، بلغت الأضرار المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية المبنية في غزة نحو 18.5 مليار دولار، أي ما يعادل 97 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للضفة الغربية وغزة في 2022.

كما أدى الصراع إلى أزمة إنسانية غير مسبوقة. وحتى تاريخ 14 مارس، قُتل ما يزيد على 31 ألف شخص في غزة، وتُشير التقارير إلى أن نحو 70 في المائة منهم من النساء والأطفال. كذلك نزح 1.7 مليون شخص (أو نحو 75 في المائة من السكان) في غزة. وبشكل عام، تعد فترة الصراع العنيف من أكتوبر 2023 حتى الوقت الحاضر هي الحلقة الأكثر فتكاً وتدميراً في تاريخ الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني بمقاييس كثيرة.

الأثر في الاقتصاد الكلي

إن الصدمة التي يتعرض لها اقتصاد غزة نتيجة الصراع المستمر هي واحدة من كبرى الصدمات التي لوحظت في التاريخ الاقتصادي الحديث. فقد تجاوز حجم الخسائر في الأرواح والأضرار السريعة وواسعة النطاق التي لحقت في البنية التحتية، أيَّ معايير حددتها السوابق التاريخية سواء داخل المنطقة أو في الصراعات العالمية الأخيرة. وتسبب الصراع في أضرار واسعة النطاق ودائمة، مما أثّر في جميع القطاعات الاقتصادية تقريباً، مع عواقب وخيمة على الأصول الملموسة والدخل ورأس المال البشري.

ومن المتوقع أن تشكل عواقب هذه الصدمة عبئاً كبيراً وطويلاً على الأنشطة الاقتصادية لعدة سنوات مقبلة. ووفقاً للتقديرات الأولية لنهاية العام، انكمش الناتج المحلي الإجمالي في غزة بنسبة 24 في المائة في 2023، على أساس سنوي.

وترسم الإحصائيات الخاصة بالربع الرابع من 2023 صورة أكثر إثارة للقلق، إذ تشير إلى انكماش بنسبة 86 في المائة في اقتصاد غزة في هذا الربع وحده، مقارنةً بالفترة نفسها من العام والربع السابقين. ومن المتوقع أن تتصاعد التداعيات السلبية في عام 2024، بسبب الآثار المتأخرة. واستناداً إلى بيانات الأضرار، وإذا بدأت عملية إعادة الإعمار بعد عام 2024، فمن المتوقع أن يتفاقم الانكماش الاقتصادي في غزة بشكل كبير هذا العام، ليتجاوز 50 في المائة (على أساس سنوي في عام 2024)، مع استمرار آثار تدمير رأس المال.

واقع كارثي على القطاعات كافة

أصبحت غالبية الفلسطينيين في غزة الآن فقراء متعددي الأبعاد، و74 في المائة منهم عاطلون عن العمل. وانخفض الناتج المحلي الإجمالي في غزة بنسبة 86 في المائة في الربع الأخير من عام 2023، أي ما يعادل انخفاضاً بنسبة 24 في المائة على أساس سنوي. وتَركز أكثر من 72 في المائة من الأضرار على المباني السكنية، وتعرض قطاع التجارة والصناعة والخدمات لـ9 في المائة من الأضرار، بينما تضرر 19 في المائة من البنية التحتية والخدمات الحيوية الأخرى، وتركزت 80 في المائة من الأضرار في محافظات غزة وشمال غزة وخان يونس. وتحملت بلدية غزة وحدها 7.29 مليار دولار من إجمالي الأضرار، تليها جباليا بـ2.01 مليار دولار، وخان يونس بـ1.82 مليون دولار، وبيت لاهيا بـ1.08 مليار دولار من إجمالي الأضرار. ومن المتوقع أن ترتفع التكاليف المقدرة الواردة في هذه المذكرة بشكل كبير بالإضافة إلى حجم الأضرار مع استمرار الصراع.

وتشمل القطاعات التي عانت أكبر الأضرار المقدرة، قطاع الإسكان بنحو 13.29 مليار دولار، إذ لن يتمكن أكثر من 1.08 مليون شخص من العودة إلى منازلهم، وقطاع التجارة والصناعة والخدمات بـ1.65 مليار دولار، إذ تلقت ما يقارب أربعة من كل خمسة منشآت في القطاع أضراراً جسيمة أو دُمرت بالكامل مما أثّر في جميع الصناعات وأوقف الأنشطة الاقتصادية وأدى إلى ارتفاع معدل البطالة بأكثر من 50 في المائة. ويُقدر عدد المنشآت التجارية والصناعية والخدماتية في غزة بنحو 56 ألف منشأة يعمل بها 173 ألف شخص وقد تعرض ما يقارب 80 في المائة من المنشآت للدمار أو الضرر. ومن ثمَّ الزراعة بـ629 مليون دولار، والصحة بـ554 مليون دولار حيث تعرضت 29 مستشفى تمثل أكثر من ثلاثة أرباع المستشفيات لأضرار تزيد قيمتها على 222 مليون دولار، والمياه والصرف الصحي والنظافة بـ503 ملايين دولار. كما بلغت قيمة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية التعليمية 341 مليون دولار وتشير التقديرات إلى تدمير 56 منشأة مدرسية وتضرر 219 منها جزئياً.

ووفقاً للتوقعات الصادرة عن أحدث تصنيف مرحلي متكامل لانعدام الأمن الغذائي (IPC)، فإن أكثر من نصف سكان غزة على حافة المجاعة ويعاني جميع السكان انعداماً حاداً للأمن الغذائي وسوء التغذية.

ويشكّل الفلسطينيون في غزة الآن 80 في المائة من إجمالي عدد الأشخاص الذين يواجهون المجاعة أو الجوع الشديد على مستوى العالم. ولا تزال كمية المساعدات الإنسانية التي تصل إلى الفلسطينيين في غزة غير كافية على الإطلاق مقارنةً بالاحتياجات. ووفقاً لتوقعات التصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي، واجه ما يقرب من 2.13 مليون شخص في جميع أنحاء قطاع غزة مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد المصنف على أنه المرحلة 3 من التصنيف في الفترة ما بين 15 فبراير (شباط) و15 مارس، بما في ذلك نحو 677 ألفاً شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي الكارثي (المرحلة 5 من التصنيف) الذي يتميز بنقص الغذاء والجوع واستنفاد القدرة على الصمود. وحسب منظمة «يونيسيف»، يعاني طفل واحد من كل 6 أطفال دون سن الثانية من العمر، سوء التغذية الحاد.

وتشير التقديرات إلى أن 17 ألف طفل قد انفصلوا عن أسرهم، مما يجعلهم عرضة بشكل خاص لمختلف أشكال الاستغلال وسوء المعاملة. وبسبب الصدمة المستمرة المرتبطة بالعنف المستمر، تدهورت الصحة العقلية بشكل حاد، خصوصاً بين الفئات الضعيفة بمن في ذلك النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة.

كما دُمِّر الكثير من المواقع ذات القيمة التراثية المهمة، ويشير التقييم الأوّلي إلى أضرار تقدَّر بنحو 319 مليون دولار. كذلك تظهر في القطاع الزراعي مستويات كبيرة من الدمار، حيث تقدر الأضرار الإجمالية بـ629 مليون دولار، مما يهدد سبل العيش ويزيد من انعدام الأمن الغذائي لسكان غزة. وتقدر الأضرار التي لحقت بقطاعي النقل وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات بمبلغ 448 مليون دولار، مما أثر في الاتصالات والتنقل وتقديم المساعدات الإنسانية للسكان. أما الأضرار البيئية فتقدَّر بـ411 مليون دولار. وستتكلف إزالة الأنقاض وحدها نحو 327 مليون دولار وستتطلب جهداً يستمر لسنوات.

تشمل القطاعات التي عانت أكبر الأضرار المقدَّرة قطاع الإسكان بنحو 13.29 مليار دولار حيث لن يتمكن أكثر من 1.08 مليون شخص من العودة إلى منازلهم (رويترز)

مقارنة مع صراعات 2021 و2014

إن مستوى الدمار في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 لم يسبق له مثيل. وفي القطاعات الاجتماعية وحدها، يزيد الضرر بأكثر من 90 مرة عمّا كان عليه خلال صراع عام 2021 وأعلى بـ17 مرة مما كان عليه في صراع عام 2014. وتبلغ التكلفة الإجمالية للأضرار حتى نهاية يناير 2024 نحو 18.5 مليار دولار مقارنةً بـ338 مليون دولار من الأضرار الناجمة عن صراع 2021 و1.38 مليار دولار خلال صراع 2014.

وكانت الأضرار التي لحقت بقطاع الإسكان، التي بلغت 13.29 مليار دولار، شديدة بشكل خاص حتى الآن مقارنةً بالأحداث السابقة، حيث بلغت نحو 144 مليون دولار في أعقاب صراع عام 2021، و780 مليون دولار عام 2014، وفي قطاع التجارة والصناعة والخدمات بلغت التكلفة 1.65 مليار دولار. وهذا المبلغ أكبر 41 مرة في الصراع الحالي من المبلغ المقدَّر بـ40 مليون دولار بعد صراع 2021. كما أن الأضرار التي لحقت بقطاعات البنية التحتية (الخدمات البلدية، والنقل، والمياه والصرف الصحي، والطاقة، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات) خلال هذا الصراع المستمر أكبر 9 مرات مما حدث بعد صراع عام 2014. وبالأرقام، يسجل حالياً ما قيمته 1.2 مليار دولار، مقارنةً مع 76.7 مليون دولار في 2021، و133 مليون دولار عام 2014.

أما الأضرار في إجمالي القطاعات الاجتماعية (السكن، والصحة، والتعليم، والتراث الفني) فبلغت في الصراع الحالي 14.5 مليار دولار، مقارنةً مع 160 مليون دولار عام 2021، و840 مليون دولار في صراع عام 2014. وفي القطاعات الإنتاجية (المالية، والتجارة والصناعة والخدمات، والزراعة) بلغت قيمة الأضرار الحالية نحو 2.2 مليار دولار مقارنةً مع 82 مليون دولار عام 2021، و410 ملايين دولار في صراع عام 2014.

الوضع الاقتصادي بعد النزاع

قبل النزاع، كانت غزة تعاني بالفعل بطالةً شديدة بلغت معدلاتها 45 في المائة، وكانت بطالة الشباب تقارب 60 في المائة قبل بدء الأعمال العدائية. وقد تدهور الوضع بشكل ملحوظ، إذ وصلت نسبة العاطلين عن العمل في القوى العاملة في غزة إلى نحو 74 في المائة بحلول نهاية يناير 2024. وتعود هذه البطالة إلى عوامل مثل فقدان الوظائف الدائمة بسبب مزيج من الدمار غير المسبوق للأصول المادية والإصابات الشخصية والنزوح الداخلي وتوقف النشاط الاقتصادي.

ودُفع عدد كبير من الفلسطينيين في غزة إلى الفقر بسبب صدمة متعددة الطبقات أثّرت في القدرة الإنتاجية، وذلك نتيجة تدمير الأراضي الزراعية وموانئ الصيد والأساطيل المحلية، وتدمير محال المواد الغذائية، وكذلك ندرة المياه والطحين والوقود والكهرباء، بالإضافة إلى نفوق الماشية الجائعة التي لم تعد توفر القوت أو أن تكون مصدراً للغذاء. وقد تفاقمت هذه العوامل بسبب النزوح الداخلي واسع النطاق، وتدمير المنازل والأصول، إلى جانب الركود الاقتصادي الحاد. وأدت هذه التطورات مجتمعةً إلى تفاقم مستويات الفقر بالنسبة لأولئك الذين كانوا معرضين للمخاطر مسبقاً.

كما ارتفع الفقر متعدد الأبعاد في غزة بشكل كبير بسبب الأعمال العدائية التي أدت إلى انقطاع وصول الأطفال إلى المدارس، وكذلك الصعوبات المتعلقة بالوصول إلى الخدمات الصحية وغيرها من الخدمات الأساسية. ويُقدّر أن الغالبية العظمى من الفلسطينيين في غزة يعيشون حالياً في فقر على الأقل على المدى القصير.

وارتفع التضخم في أسعار المستهلك في غزة بنسبة 33 في المائة في الربع الرابع من عام 2023 مقارنةً بالربع السابق، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى اضطرابات الإمدادات الناجمة عن النزاع. وأدى النقص الهائل في السلع الأساسية إلى الحد بشدة من قدرة مئات الآلاف من الأسر على شرائها، بغضّ النظر عن قدرتهم على تحمل تكلفتها. وارتفعت أسعار المواد الغذائية في غزة بنسبة 39 في المائة على أساس ربع سنوي (مقارنةً بالربع السابق) في الربع الرابع من عام 2023. كما أدى التوقف التام لإمدادات الوقود والغاز عبر المعابر إلى زيادة بنسبة 143 في المائة في سعر النقل في غزة خلال الربع الرابع من عام 2023، على أساس ربع سنوي مقارنةً بالربع السابق.

خطوات حاسمة لإعادة الحياة الطبيعية

وفي حين أن التعافي وإعادة الإعمار سيتطلبان جهداً كبيراً يستمر لسنوات، إلا أن تدابير التعافي المبكر يجب أن تبدأ بمجرد أن يسمح الوضع بذلك ويتم الانتهاء من زيادة المساعدات الإنسانية. وتشمل إجراءات التعافي المبكر ذات الأولوية التي ينبغي أخذها في الاعتبار تمكين واستئناف الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية، لاستعادة الشعور بالحياة الطبيعية وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي الذي تشتد الحاجة إليه. ويجب أيضاً إعطاء الأولوية لتوفير حلول سريعة وفعالة من حيث التكلفة وقابلة للتطوير للمأوى وإعادة الإسكان للنازحين، إلى جانب استئناف الخدمات الأساسية في قطاعات الطاقة والمياه والاتصالات. وبالإضافة إلى المساعدات الإنسانية والغذائية، ينبغي أن تركز تدخلات المرحلة الأولى على تحسين إنتاج الغذاء واستعادة سبل العيش من خلال برامج النقد مقابل العمل. ولتمكين القطاع الخاص من الاستجابة للاحتياجات الملحّة وخلق فرص العمل، تشمل الإجراءات ذات الأولوية إنشاء هياكل مؤقتة للمؤسسات التي توفر السلع والخدمات الأساسية (مثل المخابز والصيدليات وتجار التجزئة والموزعين)، وإنشاء أنظمة الدفع الرقمية لتمكين المعاملات الإلكترونية، وتجديد المرافق المتضررة جزئياً. وأخيراً، تشمل الأولويات كذلك تحديد وإزالة الذخائر غير المنفجرة، فضلاً عن إزالة (وإعادة تدوير) ما يقرب من 26 مليون طن من الأنقاض. وستعتمد جدوى معظم هذه التدابير إلى حد كبير على دخول المواد والمعدات، والوصول الآمن إلى المواقع، ووضوح الترتيبات الإدارية والأمنية.


مقالات ذات صلة

اجتماع تركي - عربي يطالب بوقف انتهاكات إسرائيل في غزة والأراضي الفلسطينية

شؤون إقليمية صورة تذكارية للوزراء والمسؤولين المشاركين في الاجتماع حول غزة على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في جنوب تركيا السبت (الخارجية التركية)

اجتماع تركي - عربي يطالب بوقف انتهاكات إسرائيل في غزة والأراضي الفلسطينية

أكد وزراء ومسؤولون من تركيا، والسعودية، ومصر، والأردن، وقطر، والإمارات ضرورة وقف انتهاكات إسرائيل في غزة، والانتقال للمرحلة الثانية من خطة السلام

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
خاص مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

خاص ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

تواجه حركة «حماس» أكبر حالة ضغط من الوسطاء وأطراف أخرى للموافقة على وثيقة «مجلس السلام» حتى ولو بشكل مبدئي، قبل التفاوض عليها بشأن خطة نزع سلاح الفصائل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)
المشرق العربي صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (أرشيفية - رويترز)

اجتماعات وزارية إسرائيلية سرية بضغط أميركي لبحث «رؤية غزة الجديدة»

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعقد اجتماعَين سريَّين لكبار المسؤولين في وزارات عدة، بضغط أميركي؛ للتداول في مستقبل قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطيني يحمل جثمان فتى (12 عاماً) قُتل برصاص إسرائيلي خلال تشييعه خارج «مستشفى الشفاء» بمدينة غزة الجمعة (أ.ب)

فوضى واستقالات «ممنوعة» في «لجنة غزة»

علمت «الشرق الأوسط» من مصدرين مطلعين أن عضوين على الأقل في «اللجنة الوطنية» من سكان قطاع غزة، قدما استقالتَيهما لرئيس اللجنة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.