الذكاء الاصطناعي... ثورة تقنية تُولد 16 تريليون دولار للاقتصاد العالمي بحلول 2030

قرار تاريخي للأمم المتحدة وقانون ملزم من الاتحاد الأوروبي... والسعودية تدخل نادي المستثمرين الكبار

يُبشر الذكاء الاصطناعي بثورة اقتصادية هائلة إذ يمكن أن يضيف تريليونات الدولارات إلى القيمة الاقتصادية العالمية (رويترز)
يُبشر الذكاء الاصطناعي بثورة اقتصادية هائلة إذ يمكن أن يضيف تريليونات الدولارات إلى القيمة الاقتصادية العالمية (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي... ثورة تقنية تُولد 16 تريليون دولار للاقتصاد العالمي بحلول 2030

يُبشر الذكاء الاصطناعي بثورة اقتصادية هائلة إذ يمكن أن يضيف تريليونات الدولارات إلى القيمة الاقتصادية العالمية (رويترز)
يُبشر الذكاء الاصطناعي بثورة اقتصادية هائلة إذ يمكن أن يضيف تريليونات الدولارات إلى القيمة الاقتصادية العالمية (رويترز)

يعد الذكاء الاصطناعي (AI) موضوع الساعة في عالم التكنولوجيا دون أي منازع، وله ما يبرره. فخلال السنوات القليلة الماضية شهد العالم ثورة حقيقية في هذا المجال، حيث تحولت العديد من الخيالات العلمية إلى واقع ملموس. فقد ساعدت تقنيات التعلم العميق على إحداث تقدم هائل في مجالات مثل التعرف على الصور، ومعالجة اللغة الطبيعية، والذكاء الاصطناعي التوليدي. وأصبحت الروبوتات أكثر ذكاءً، وقدرة على التكيف، مما أدى إلى استخدامها بشكل متزايد في مختلف النواحي، مثل التصنيع، والرعاية الصحية، والخدمات اللوجيستية. كما ظهرت تقنيات جديدة مثل «تشات جي بي تي» التي تسمح للذكاء الاصطناعي بإنشاء محتوى إبداعي.

تأثير الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد

يُعد الذكاء الاصطناعي عنصراً أساسياً في تحويل الاقتصاد العالمي. ويُنظر إليه كعامل إنتاج جديد قادر على إحداث نقلة نوعية في مسارات النمو الاقتصادي، وتغييرات جذرية في طريقة العمل عبر مختلف القطاعات عبر أتمتة المهام المتكررة، مما يحرر العمال للتركيز على وظائف أكثر إبداعاً، واستراتيجية، وتحليل البيانات بشكل أسرع، وأكثر دقة، ومساعدة الشركات على تطوير منتجات وخدمات جديدة تلبي احتياجات العملاء بشكل أفضل.

وخلال الأعوام المقبلة، يُبشر الذكاء الاصطناعي بثورة اقتصادية هائلة، حيث يمكنه أن يضيف تريليونات الدولارات إلى القيمة الاقتصادية العالمية من خلال تعزيز الإنتاجية في مختلف القطاعات. وبحسب توقعات المنتدى الاقتصادي العالمي، يُتوقع أن يُضيف استخدامه ما يقرب من 16 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، مما يجعله أحد أهم العوامل المؤثرة على مستقبل الاقتصاد. ومن المتوقع أن تستفيد كل من الصين والولايات المتحدة الأميركية بشكل كبير من هذه الطفرة التكنولوجية، حيث يُقدر أن تمثلا ما يقرب من 70 في المائة من التأثير العالمي للذكاء الاصطناعي.

وتشير الدراسات إلى أن الخدمات المصرفية والتكنولوجيا العالية والعلوم الحيوية ستكون من بين أكثر القطاعات استفادة من هذه التكنولوجيا. ففي قطاع الخدمات المصرفية، على سبيل المثال، يُمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي أن يقدم قيمة إضافية تتراوح بين 200 و340 مليار دولار سنوياً، وفي قطاع البيع بالتجزئة والسلع الاستهلاكية المعلبة، يُمكن أن يصل التأثير إلى ما بين 400 و660 مليار دولار سنوياً.

كذلك يُشكل الذكاء الاصطناعي التوليدي قوة تحويلية قوية ستؤثر بشكل كبير على سوق العمل العالمية. ويمكن أن يمثل ثورةً حقيقيةً في مجال العمل، حيث يمكنه أن يُساهم بشكل كبير في زيادة إنتاجية العمالة عبر مختلف القطاعات الاقتصادية. ووفقاً للدراسات، من المتوقع أن يُتيح نمو إنتاجية العمالة بنسبة تتراوح بين 0.1 إلى 0.6 في المائة سنوياً حتى عام 2040.

وفي تحليل أجراه صندوق النقد الدولي حول التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي على سوق العمل العالمية، تبين أن نحو 40 في المائة من العمالة العالمية تتعرض للذكاء الاصطناعي. تاريخياً، كانت الأتمتة وتكنولوجيا المعلومات تميل إلى التأثير على المهام الروتينية، ولكن أحد الأشياء التي تميز الذكاء الاصطناعي هو قدرته على التأثير على الوظائف ذات المهارات العالية. ونتيجة لذلك، تواجه الاقتصادات المتقدمة مخاطر أكبر بسبب الذكاء الاصطناعي -ولكنها تواجه أيضاً فرصاً أكبر للاستفادة من فوائده- مقارنة بالاقتصادات الناشئة، والنامية.

ويُتوقع أن يُحدث الذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً في المشهد الوظيفي في الاقتصادات المتقدمة، حيث يمكن أن يتأثر نحو 60 في المائة من الوظائف بهذه التكنولوجيا الجديدة. وفي حين قد يعزز دمج الذكاء الاصطناعي بعض الوظائف الإنتاجية، مما يُساهم في تحسين كفاءة الأداء، وزيادة القيمة المُضافة، قد يُؤدي ذلك إلى أتمتة المهام الروتينية التي يقوم بها البشر حالياً.

قرار تاريخي من الأمم المتحدة

في 21 مارس (آذار)، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً تاريخياً بشأن تعزيز أنظمة الذكاء الاصطناعي «الآمنة، والمضمونة، والموثوقة» والتي ستفيد أيضاً في تحقيق التنمية المستدامة للجميع.

وبإجماع دولي، اتخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة خطوة تاريخية نحو تنظيم الذكاء الاصطناعي من خلال اعتماد مشروع قرار تقوده الولايات المتحدة. وركز القرار على أهمية احترام حقوق الإنسان، وتعزيزها في جميع مراحل تطوير واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. ويُعد هذا القرار علامة فارقة في الجهود العالمية لضمان استخدام هذه التكنولوجيا بشكل مسؤول، وأخلاقي. وقد حظي بدعم واسع من قبل أكثر من 120 دولة، مما يعكس الإرادة العالمية لمعالجة المخاطر والتحديات التي قد يطرحها الذكاء الاصطناعي.

كما أقرت الجمعية العامة بإمكانات أنظمة الذكاء الاصطناعي في تسريع وتمكين التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة السبعة عشر. وهذه هي المرة الأولى التي تعتمد فيها الجمعية قراراً بشأن تنظيم هذا المجال الناشئ، وقد صرّح مستشار الأمن القومي الأميركي في وقت سابق من هذا الشهر بأن اعتماد القرار سيمثل «خطوة تاريخية إلى الأمام» من أجل الاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي.

ودعت الجمعية جميع الدول الأعضاء وأصحاب المصلحة إلى الامتناع أو وقف استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي التي يستحيل تشغيلها وفقاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان، أو التي تشكل مخاطر غير مبررة على التمتع بحقوق الإنسان. وشددت على أن نفس الحقوق التي يتمتع بها الأفراد خارج الإنترنت يجب أيضاً حمايتها عبر الإنترنت، بما في ذلك طوال دورة حياة أنظمة الذكاء الاصطناعي.

كذلك حثت جميع الدول والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمراكز البحثية والإعلامية على تطوير ودعم المناهج والأطر التنظيمية والحوكمة المتعلقة بالاستخدام الآمن والمأمون والموثوق للذكاء الاصطناعي. واعترفت أيضاً بـ«المستويات المختلفة» للتطور التكنولوجي بين الدول، وداخل كل دولة على حدة. كما أقرت بوجود تحديات جوهرية تواجه الدول النامية في مساعيها لمواكبة سرعة الابتكار المتسارعة. وحثت الجمعية الدول الأعضاء وأصحاب المصلحة على التعاون مع الدول النامية، ودعمها حتى تتمكن من الاستفادة من الوصول الشامل، والمنصف، وردم الفجوة الرقمية، وزيادة الثقافة الرقمية.

واعتبرت سفيرة الولايات المتحدة والممثلة الدائمة لدى الأمم المتحدة، ليندا توماس غرينفيلد، أن القرار صُمم لتعزيز العمل الذي تقوم به الأمم المتحدة، بما في ذلك الاتحاد الدولي للاتصالات، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، ومجلس حقوق الإنسان. كما دعت إلى الالتزام بردم الفجوة الرقمية داخل الدول، وبينها، واستخدام هذه التكنولوجيا للنهوض بالأولويات المشتركة حول التنمية المستدامة.

في 21 مارس اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً تاريخياً بشأن تعزيز أنظمة الذكاء الاصطناعي «الآمنة والمضمونة والموثوقة» (رويترز)

أول قانون ملزم للذكاء الاصطناعي

وفي 13 مارس، وافق البرلمان الأوروبي بأغلبية ساحقة على قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي (AI Act)، ليصبح بذلك أول قانون ملزم للذكاء الاصطناعي على الإطلاق.

وحظي القانون الجديد بتأييد ساحق، حيث صوت لصالحه 523 صوتاً مقابل 46 صوتاً معارضاً. وبفضل حظره لتطبيقات معينة من الذكاء الاصطناعي، وفرضه لبروتوكولات السلامة على تطبيقات أخرى تُعد عالية المخاطر، يشكل هذا القانون إطاراً شاملاً للتعامل مع المشكلات الجديدة والمتطورة بسرعة التي يطرحها الذكاء الاصطناعي.

ويقسم قانون الذكاء الاصطناعي إلى أربع فئات: «مخاطر ضئيلة» و«مخاطر محدودة» و«مخاطر عالية» و«مخاطر غير مقبولة».

مخاطر ضئيلة أو معدومة: تضمّ هذه الفئة أنظمة مثل فلاتر البريد الإلكتروني العشوائي، وألعاب الفيديو التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي. لا تفرض قيود على استخدام هذه الأنظمة بموجب قانون الذكاء الاصطناعي.

مخاطر محدودة: تتطلب الأنظمة ذات المخاطر المحدودة -مثل برامج المحادثة الآلية (تشات بوتز)- الامتثال لمتطلبات الشفافية، مثل إعلام المستخدمين بأنهم يتفاعلون مع نظام ذكاء اصطناعي. كما ستُلزم هذه اللوائح الشركات، سواء كانت أوروبية أم لا، باحترام قانون حقوق النشر، ونشر ملخصات لبيانات التدريب التي تعتمد عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي لديها.

مخاطر عالية: تتطلب الأنظمة عالية المخاطر -مثل تلك المستخدمة في الرعاية الصحية، أو التعليم- وثائق فنية، وإشرافاً بشرياً، وتقييمات للامتثال، وغير ذلك الكثير. وسيكون للمواطنين الحق في الحصول على توضيحات حول القرارات التي تتخذها هذه الأنظمة بناءً عليها.

مخاطر غير مقبولة: ستُحظر الأنظمة التي تُشكل مخاطر غير مقبولة، مثل أنظمة التعرف على الهوية البيومترية، مع وجود بعض الاستثناءات المتعلقة بتطبيق القانون. ويُعد إيقاف الإرهابيين أحد الاستخدامات المُسموح بها لهذه الأنظمة، ولكن حتى في هذه الحالة، يلزم الحصول على إذن مسبق.

في 13 مارس وافق البرلمان الأوروبي بأغلبية ساحقة على قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي ليصبح بذلك أول قانون ملزم (رويترز)

صندوق سعودي بقيمة 40 مليار دولار

ومؤخراً، تم الكشف عن خطط المملكة العربية السعودية لتأسيس صندوق استثماري ضخم بقيمة 40 مليار دولار لدعم وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي. ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» نقلاً عن ثلاثة مصادر مطلعة على الخطط، فإنّ مسؤولين من «صندوق الاستثمارات العامة السعودي» قد أجروا خلال الأسابيع الماضية مناقشات حول شراكة محتملة مع شركة «أندريسن هورويتز» الأميركية لرأس المال المخاطر، بالإضافة إلى جهات تمويلية أخرى.

وأفادت الصحيفة أن مسؤولي «صندوق الاستثمارات العامة السعودي» عقدوا مباحثات مع شركة «أندريسين هورويتز» لبحث دورها في صندوق الذكاء الاصطناعي للمملكة، بينما تبادلوا وجهات النظر حول آلية عمل هذا الصندوق. وأضافت المصادر أن شركات رأس المال المخاطر الأخرى قد تشارك في الصندوق المقرر إطلاقه في النصف الثاني من عام 2024، وأوضحت أن الخطط لا تزال قيد التطوير.

وأشار ممثلو المملكة إلى اهتمامهم بدعم مجموعة واسعة من الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، من مصنعي الرقائق، إلى مراكز البيانات الضخمة. وفي الشهر الماضي، قدم محافظ «صندوق الاستثمارات العامة السعودي»، ياسر الرميان، المملكة كمركز محتمل لنشاط الذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة، مستشهداً بموارد الطاقة الهائلة، وقدرة المملكة على التمويل. وأكد الرميان على وجود «إرادة سياسية» قوية لتنفيذ مشاريع الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى توفر أموال وفيرة لدعم تطوير هذه التكنولوجيا.

وسيُخصص الصندوق الجديد، الذي تبلغ قيمته المستهدفة 40 مليار دولار، لدعم الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا، متجاوزاً بذلك المبالغ المعتادة التي تجمعها شركات رأس المال الاستثماري الأميركية. وسيصبح ثاني أكبر مستثمر بالعالم في الشركات الناشئة بعد شركة «سوفت بنك غروب» اليابانية، والتي كانت لسنوات طويلة أكبر مستثمر في هذا المجال. وسيتم تأسيس الصندوق التكنولوجي السعودي الجديد بمساعدة المصارف الأميركية الكبرى في «وول ستريت»، ليُصبح أحد أحدث الوافدين إلى مجال الاستثمار في الشركات الناشئة، والذي سيتمتع بسيولة كبيرة.

وتهدف هذه الخطوة إلى تعزيز مكانة المملكة كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي، وجذب أفضل المواهب، والشركات الناشئة في هذا المجال، فضلاً عن دعم جهودها لتنويع اقتصادها بعيداً عن النفط. كما تُعد جزءاً من رؤية السعودية 2030 التي تهدف إلى تحويل المملكة إلى مركز إقليمي وعالمي رائد في مختلف المجالات، بما في ذلك تقنيات الذكاء الاصطناعي.

تنافس صيني-أميركي

من المتوقع أن يُعزز الذكاء الاصطناعي النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، والاقتصادات المتقدمة الأخرى بشكل أكبر من الصين، والاقتصادات الناشئة، مما سيُفاقم التنافس العالمي بين واشنطن وبكين. هذا ما توصلت إليه دراسة أجرتها شركة «كابيتال إيكونوميكس»، حيث صنّفت الدول حسب إمكاناتها للاستفادة من الذكاء الاصطناعي. واحتلت الولايات المتحدة المرتبة الأولى، تليها سنغافورة، والمملكة المتحدة، وسويسرا.

ورغم كونها قوة اقتصادية عالمية، فإن الصين تحتل مرتبة وسطية تقريباً في مجموعة من 33 دولة تم تقييمها من حيث إمكاناتها للاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي. ويعود ذلك إلى تباينٍ واضح بين نقاط قوة ونقاط ضعف الصين في هذا المجال.

وتتمتع الصين بقدرات ابتكارية قوية، واستثمارات ضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي، مما يُعزز من قدرتها على التنافس على المستوى العالمي. ومع ذلك، فإن النهج التنظيمي الصارم في الصين قد يعوق انتشار تقنية الذكاء الاصطناعي، ويُبطئ من وتيرة التقدم. ومن المتوقع أن يُساعد الذكاء الاصطناعي اقتصاد الولايات المتحدة على الحفاظ على ريادته على الصين من حيث الناتج المحلي الإجمالي المقاس بسعر الصرف السوقي.

وستواجه الصين تحدياً في الالتفاف على قيود الولايات المتحدة على صادرات الرقائق الدقيقة المستخدمة في معالجة الذكاء الاصطناعي. وسيؤدي ذلك إلى تطور النظام البيئي للذكاء الاصطناعي في الصين بشكل مستقل عن نظيره في الغرب.

ويتوقع الباحثون أن يُؤدي التنافس بين الصين والولايات المتحدة على قيادة السوق في مجال الذكاء الاصطناعي إلى «آثار إيجابية جانبية» على دول أخرى. وتشير الدراسة إلى أنه إذا سعى الطرفان إلى اعتماد أدوات التعلم الآلي الخاصة بهما أولاً للاستفادة من تأثيرات الشبكة، فقد تكون النتيجة انتشاراً عالمياً أسرع للتكنولوجيا المتطورة.

وقال محللون في «غولدمان ساكس غروب» إن «الذكاء الاصطناعي التوليدي» يمكن أن يؤدي إلى قفزة كبيرة في إنتاجية الولايات المتحدة -بنحو 1.5 نقطة مئوية سنوياً على مدار عقد من الزمان- وتعزيز النمو العالمي بشكل كبير.

ثروة تُصنع على عرش التقنية

تجتاح العالم موجة عاتية من الثروة بفضل ثورة الذكاء الاصطناعي، وخير مثال على ذلك المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، جين سون هوانغ. ففي غضون خمس سنواتٍ فقط، قفزت ثروته من 4 إلى 83.1 مليار دولار، مدفوعة بالطلب الملح على منتجات شركته من رقائق الذكاء الاصطناعي.

وأظهرت دراسة حديثة صادرة عن معهد «ماكنزي» العالمي أن الذكاء الاصطناعي التوليدي لديه القدرة على توليد قيمة تعادل ما بين 2.6 و4.4 تريليون دولار في أرباح الشركات العالمية سنوياً.

فقد ساهم نشاط «مايكروسوفت» المفرط، والمصحوب بالكثير من الضجيج الاستثماري حول الذكاء الاصطناعي، في إعادة الشركة إلى صدارة أغلى شركة عامة في العالم بقيمة سوقية تبلغ 3.1 تريليون دولار، وهو ما يفوق إجمالي قيمة جميع الشركات المدرجة في مؤشر «فوتسي 100» البريطاني مجتمعة.

كما مهد انتقال «أوبن إيه آي» إلى هيكل هادف للربح والاستثمارات من شركاء مثل «مايكروسوفت» الطريق لنمو الإيرادات المحتمل، حيث من المتوقع أن تحقق إيرادات بقيمة مليار دولار في عام 2024. تشير هذه التوقعات إلى الثقة المحيطة بالقدرات التجارية للشركة، والتأثير الكبير الذي يُتوقع أن تحدثه في صناعة الذكاء الاصطناعي.

فرص هائلة وتحديات جوهرية

لا شك أن ثورة الذكاء الاصطناعي أحدثت تغييرات جذرية في مختلف جوانب حياتنا. فمن خلال تحسين الإنتاجية، وخلق فرص عمل جديدة، وتعزيز التنمية المستدامة يُقدم الذكاء الاصطناعي فرصاً هائلة للنهوض بالاقتصادات، والمجتمعات.

ومع ذلك، فإن هذه الثورة لا تخلو من التحديات. فمن المخاطر الأخلاقية، إلى الفجوة الرقمية، وفقدان الوظائف، لا بد من معالجة هذه التحديات بشكل مستدام من خلال التعاون الدولي، والاستثمار في التعليم والتدريب، ومعالجة الفجوة الرقمية، والمخاطر الأخلاقية لضمان أن تكون ثورة الذكاء الاصطناعي ثورة إيجابية للجميع تسهم في ازدهار الاقتصادات، وتحقيق الربحية المشروعة.


مقالات ذات صلة

سلاسل الإمداد أمام اختبار الذكاء الاصطناعي... المرونة تتجاوز دقة التنبؤ

خاص يُعد التنبؤ بالطلب باستخدام تعلم الآلة أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي انتشاراً في سلاسل الإمداد وتستخدمه 45 % من المؤسسات (أدوبي)

سلاسل الإمداد أمام اختبار الذكاء الاصطناعي... المرونة تتجاوز دقة التنبؤ

يكشف توسع الذكاء الاصطناعي في سلاسل الإمداد عن أن المرونة تعتمد على تكامل الأنظمة والبيانات، وتحويل التوصيات إلى قرارات تشغيلية سريعة.

نسيم رمضان (لندن)
العالم استراتيجية الرئيس ترمب التكنولوجية: تعزيز الجيش وردع الصين وتحديد مستقبل الذكاء الاصطناعي

استراتيجية الرئيس ترمب التكنولوجية: تعزيز الجيش وردع الصين وتحديد مستقبل الذكاء الاصطناعي

مزيج أمثل من المنصات الجوية الحربية من النظم الذاتية والمأهولة منخفضة التكلفة

باتريك تاكر (واشنطن)
تكنولوجيا تعتمد «أنثروبيك» على بصمة نصية خفية تُنشأ في أثناء التوليد عبر أنماط إحصائية في اختيار الكلمات وليست علامة مرئية داخل النص ( أدوبي)

كيف تعمل البصمة النصية في «Claude»... ومتى يمكن أن تختفي؟

تزداد قابلية اكتشاف البصمة في النصوص الأطول، في حين تكون الإشارة أضعف في المقاطع القصيرة أو المحتوى الذي يفرض صياغات محددة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص أحد مشاريع الطاقة الشمسية في الجوف شمال السعودية (واس)

خاص الخليج يهيئ بنيته التحتية لاستقطاب رؤوس الأموال الطويلة الأجل

تستعرض السعودية والخليج فرصاً استثمارية واعدة في الطاقة المتجددة والبنية الرقمية، مع توجه متزايد نحو تمويل المشاريع بالشراكة مع القطاع الخاص.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد رقاقة إلكترونية معروضة في جناح شركة «إس كيه هاينكس» في غوانغجو بكوريا الجنوبية (رويترز)

«إس كيه هاينكس» الكورية تعلن أكبر عملية لإعادة شراء أسهمها بـ28.9 مليار دولار

أعلنت شركة «إس كيه هاينكس»، إحدى أبرز شركات صناعة الرقائق في كوريا الجنوبية، الأربعاء، أنها ستعيد شراء أسهم بقيمة قياسية تبلغ 40 تريليون وون.

«الشرق الأوسط» (سيول)

الدين الأميركي يتجاوز 40 تريليون دولار للمرة الأولى

شاشة تعرض إجمالي الدين الوطني الأميركي الذي تجاوز 40 تريليون دولار لأول مرة (رويترز)
شاشة تعرض إجمالي الدين الوطني الأميركي الذي تجاوز 40 تريليون دولار لأول مرة (رويترز)
TT

الدين الأميركي يتجاوز 40 تريليون دولار للمرة الأولى

شاشة تعرض إجمالي الدين الوطني الأميركي الذي تجاوز 40 تريليون دولار لأول مرة (رويترز)
شاشة تعرض إجمالي الدين الوطني الأميركي الذي تجاوز 40 تريليون دولار لأول مرة (رويترز)

تجاوز الدين الوطني الأميركي 40 تريليون دولار للمرة الأولى، في محطة قياسية جديدة تعكس تسارع تراكم الاقتراض الحكومي وتزايد أعباء الإنفاق على الدفاع والبرامج الاجتماعية وخدمة الدين، وسط تحذيرات من تداعيات متزايدة على الاقتصاد الأميركي والأجيال المقبلة.

وسجل الدين هذا المستوى الأربعاء، بعد خمسة أشهر فقط من تجاوزه 39 تريليون دولار في مارس (آذار)، وخمسة أشهر أخرى من بلوغه 38 تريليون دولار في أكتوبر (تشرين الأول)، ما يبرز سرعة تراكم الالتزامات الحكومية خلال الفترة الأخيرة.

ويأتي تجاوز حاجز 40 تريليون دولار في وقت تواجه فيه الإدارة الأميركية أولويات إنفاق متنافسة، من بينها زيادة الإنفاق الدفاعي وتمويل الحرب في إيران، بالتزامن مع تعهدات بخفض تكاليف الوقود والسلع الأساسية.

وقال كوش ديساي، المتحدث باسم البيت الأبيض، إن إدارة الرئيس دونالد ترمب تركز على خفض الهدر والاحتيال وسوء استخدام الأموال الفيدرالية، بالتوازي مع تسريع النمو الاقتصادي بهدف وضع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي على مسار هبوطي.

الدين ينعكس على جيوب الأميركيين

لكن خبراء ماليين يحذرون من أن ارتفاع الدين لم يعد قضية تخص المالية العامة وحدها، بل بدأ ينعكس على تكاليف المعيشة والتمويل.

ويؤدي ارتفاع الاقتراض الحكومي وتكاليف خدمة الدين إلى زيادة الضغوط على أسعار الفائدة في السوق، ما قد يرفع تكلفة قروض الرهن العقاري والسيارات، فيما قد يؤدي تراجع قدرة الشركات على توجيه الأموال نحو الاستثمار إلى الحد من نمو الأجور وزيادة تكلفة بعض السلع والخدمات.

وقال مايكل بيترسون، الرئيس التنفيذي لمؤسسة «بيتر جي بيترسون»، إن الوقت حان أمام المشرعّين لوضع المالية الأميركية على مسار أكثر استدامة وقدرة على تحمل الأعباء، بهدف تحسين مستويات المعيشة اليوم وللأجيال المقبلة.

شاشة إلكترونية تعرض الدين القومي في واشنطن العاصمة (أ.ف.ب)

تراكم عبر إدارات متعاقبة

وتراكم الدين الأميركي على مدى إدارات رئاسية متعاقبة، مع استمرار الإنفاق الحكومي فوق الإيرادات الضريبية.

وكانت جائحة «كوفيد-19» أحد أبرز العوامل التي دفعت الدين إلى الارتفاع، بعدما اقترضت الحكومة بكثافة خلال الولاية الأولى لترمب وإدارة الرئيس السابق جو بايدن لدعم الاقتصاد خلال الأزمة وتمويل التعافي.

كما أقر الكونغرس إنفاقاً إضافياً بعد توقيع ترمب العام الماضي تشريعاً لخفض الضرائب وزيادة الإنفاق، ما أضاف إلى الضغوط على المالية العامة.

وتحذر الجهات الداعية إلى ضبط الموازنة من أن استمرار الاقتراض وارتفاع مدفوعات الفائدة سيجبران الحكومة مستقبلاً على إجراء مفاضلات أكثر صعوبة بين الإنفاق على البرامج المختلفة.

وقالت مارغريت سبيلينغز، الرئيسة التنفيذية لمركز السياسات الثنائية، إن مسار الدين الحالي «غير مستدام»، محذرة من أن صدمات إضافية، مثل اضطرابات الذكاء الاصطناعي أو الركود أو الحروب العالمية، يمكن أن تحول تحدي الدين إلى أزمة شاملة.

سقف الدين يقترب مجدداً

ولا تتعلق المخاطر فقط بحجم الدين، بل أيضاً بسقف الاقتراض القانوني الذي يحدده الكونغرس.

ويقدّر مركز السياسات الثنائية أن الولايات المتحدة قد تصل إلى سقف الدين البالغ 41.1 تريليون دولار في فترة تمتد على الأرجح بين أواخر شتاء 2027 ومنتصف صيف العام نفسه، ما سيجبر الكونغرس مجدداً على التصويت لرفع سقف الدين أو تعليقه.

ويضع ذلك المالية الأميركية أمام اختبار جديد، في وقت أصبحت فيه تكلفة خدمة الدين أحد أبرز مصادر الضغط على الموازنة، بينما تتجه عوائد السندات طويلة الأجل إلى مستويات مرتفعة وتزداد حساسية الأسواق تجاه حجم الإصدارات الحكومية.

ومن ثم، فإن تجاوز حاجز 40 تريليون دولار لا يمثل مجرد رقم قياسي جديد، بل يأتي كإشارة إلى اتساع التحدي المالي الأميركي، في وقت تتزايد فيه تكلفة تمويل الدين وتضيق فيه مساحة المناورة أمام السياسة المالية.


«برنت» يقترب من 92 دولاراً وسط استمرار تباطؤ حركة الشحن عبر «هرمز»

رجل يزود سيارته بالوقود في محطة غازبروم نفط في موسكو (إ.ب.أ)
رجل يزود سيارته بالوقود في محطة غازبروم نفط في موسكو (إ.ب.أ)
TT

«برنت» يقترب من 92 دولاراً وسط استمرار تباطؤ حركة الشحن عبر «هرمز»

رجل يزود سيارته بالوقود في محطة غازبروم نفط في موسكو (إ.ب.أ)
رجل يزود سيارته بالوقود في محطة غازبروم نفط في موسكو (إ.ب.أ)

استقرت أسعار النفط في التعاملات المبكرة، الخميس، مع تقييم المستثمرين لمسار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران ومستقبل حركة الشحن عبر مضيق هرمز، في وقت لا تزال فيه التوترات الجيوسياسية تدعم الأسعار رغم غياب تصعيد كبير يمنح السوق دفعة جديدة.

وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت تسليم أكتوبر (تشرين الأول) 25 سنتاً، أو 0.3 في المائة، إلى 91.87 دولار للبرميل بحلول الساعة 00:37 بتوقيت غرينتش، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي تسليم سبتمبر (أيلول) سنتين إلى 85.81 دولار. وارتفع عقد أكتوبر الأكثر نشاطاً 14 سنتاً، أو 0.2 في المائة، إلى 84.53 دولار.

وسجل الخامان، الأربعاء، مكاسب للجلسة الرابعة على التوالي، وأغلقا عند أعلى مستوياتهما منذ 24 يوليو (تموز)، في ظل استمرار المخاوف بشأن أمن الإمدادات وحركة الناقلات في المنطقة.

وقال هيرويكي كيكوكاوا، كبير الاستراتيجيين في «نيسان سيكيوريتيز إنفستمنت»، إن أسعار النفط لا تزال مرتفعة بدعم من هجمات متفرقة في الشرق الأوسط، لكنها تفتقر إلى زخم جديد في غياب تصعيد كبير.

وأضاف أن السوق قد تحافظ على اتجاه صعودي تدريجي، في ظل عدم اليقين المحيط بمحادثات السلام والتوترات التي تشمل الإمارات وسلطنة عُمان وإيران.

«هرمز» يعود إلى واجهة السوق

وعاد مضيق هرمز إلى صدارة العوامل المؤثرة في الأسعار، بعدما أظهرت بيانات، الأربعاء، تباطؤ حركة الملاحة عبر الممر، مع تجنّب معظم مالكي السفن العبور بسبب غياب إشارات واضحة بشأن إعادة فتحه بعد الحصار المفروض خلال الحرب.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد قال، الثلاثاء، إنه لا توجد محادثات مع إيران، وإن مضيق هرمز مفتوح، بينما أكدت إيران أن الممر المائي لا يزال مغلقاً.

وزاد المشهد تعقيداً إعلان الإمارات تعليق جميع المعاملات المالية والاقتصادية مع إيران حتى إشعار آخر، ما أعاد تسليط الضوء على العلاقات المتوترة بين أحد أكبر منتجي النفط في الخليج وطهران.

المخزونات تضغط على الأسعار

في المقابل، حدت بيانات المخزونات الأميركية من صعود الأسعار، بعدما أعلنت إدارة معلومات الطاقة ارتفاع مخزونات النفط الخام والبنزين الأسبوع الماضي، بينما تراجعت مخزونات نواتج التقطير.

وزادت مخزونات الخام 4.4 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 14 أغسطس (آب)، مقارنة بتوقعات كانت تشير إلى انخفاض بنحو 600 ألف برميل، في مؤشر قد يخفف بعض الضغوط على جانب الإمدادات الأميركية.

لكن تأثير البيانات يظل محدوداً في مواجهة العامل الجيوسياسي؛ خصوصاً مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن الحرب ومحادثات السلام، وتباطؤ حركة السفن عبر مضيق هرمز.


محضر «الفيدرالي» يظهر انقسام المسؤولين بشأن زيادة الفائدة واستمرار الغموض

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (أ.ب)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (أ.ب)
TT

محضر «الفيدرالي» يظهر انقسام المسؤولين بشأن زيادة الفائدة واستمرار الغموض

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (أ.ب)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (أ.ب)

أظهر محضر أحدث اجتماعات «الاحتياطي الفيدرالي» أن النقاش داخل البنك المركزي الأميركي أصبح أكثر ميلاً إلى التشديد النقدي، إذ أيّد عدد من المسؤولين رفع أسعار الفائدة في يوليو (تموز)، بينما رأى «العديد» أن تشديد السياسة سيكون ضرورياً إذا لم يتراجع التضخم، في تحول يعكس صعوبة انتقال «الفيدرالي» من مرحلة انتظار خفض الفائدة إلى التعامل مجدداً مع احتمال رفعها.

وكشف محضر اجتماع 28 و29 يوليو، الصادر الأربعاء، أن اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة صوّتت بأغلبية 9 مقابل 3 لمصلحة إبقاء سعر الفائدة عند نطاق 3.50 إلى 3.75 في المائة.

وصوّتت لوري لوغان، رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في دالاس، وبيث هاماك، رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، ونيل كاشكاري، رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مينيابوليس، لمصلحة رفع الفائدة ربع نقطة مئوية.

لكن دائرة المؤيدين للتشديد قد تكون أوسع من ذلك. فقد أشار جيف شميد، رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في كانساس سيتي، وألبرتو موسالم، رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في سانت لويس، وهما لم يكونا مصوتين في اجتماع يوليو، لاحقاً إلى أنهما كانا سيؤيدان رفع الفائدة في ذلك الاجتماع.

وارش مترئساً اجتماع اللجنة الفيدرالية (الاحتياطي الفيدرالي)

التضخم يفرض نفسه مجدداً

وكان جوهر النقاش داخل الاجتماع هو المسار غير الواضح للتضخم. وبينما توقع معظم المسؤولين أن تتراجع الضغوط السعرية خلال بقية العام مع انحسار تأثير الرسوم الجمركية والارتفاعات السابقة في أسعار الطاقة، حذّر «العديد» من احتمال بقاء التضخم مرتفعاً لفترة أطول.

ووصف المسؤولون توقعاتهم للتضخم بأنها «شديدة عدم اليقين»، مشيرين إلى أن تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران زاد من ضبابية التوقعات، خصوصاً مع تأثير اضطرابات أسواق الطاقة على الأسعار.

وتعني هذه المخاطر أن «الفيدرالي» لا يستطيع التعامل مع تراجع التضخم الأخير باعتباره اتجاهاً مؤكداً، خصوصاً إذا أدّت أسعار الطاقة المرتفعة إلى إعادة إشعال الضغوط السعرية.

في المقابل، وصف المسؤولون سوق العمل بأنها مستقرة، مع توازن نسبي بين الطلب على العمالة والمعروض منها، فيما واصلوا وصف النمو الاقتصادي بأنه «متين»، مع الإشارة إلى قوة الاستثمار الرأسمالي والإنتاجية.

البيانات بدأت تخفف الضغط على «الفيدرالي»

لكن التطورات الاقتصادية منذ اجتماع يوليو أعطت المسؤولين سبباً آخر للتريث. فقد تراجعت مبيعات التجزئة في يوليو بأكبر وتيرة في أكثر من عام، مع انخفاض مشتريات المستهلكين عبر المتاجر الإلكترونية ومن تجار السيارات، بينما ظل التضخم الأساسي محدوداً.

وفي سوق العمل، خفّض أصحاب العمل الوظائف بصورة مفاجئة في يوليو، كما جرى تعديل بيانات التوظيف في الشهرين السابقين بالخفض، في إشارات إلى أن سوق العمل قد تكون أضعف مما كان يعتقد سابقاً.

وهذه البيانات أعادت بعض التوازن إلى معادلة «الفيدرالي»؛ فالتضخم لا يزال مصدر قلق، لكن تباطؤ النشاط الاقتصادي وضعف سوق العمل يقللان الحاجة إلى رفع الفائدة سريعاً.

وانعكس ذلك مباشرة على الأسواق. فقد تراجعت احتمالات رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول) إلى نحو 36 في المائة صباح الأربعاء، بعدما تجاوزت 70 في المائة في نهاية يوليو.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش في مؤتمر صحافي (رويترز)

وارش تحت ضغط الأسواق

في المقابل، يواجه رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش اختباراً متزايداً بشأن قدرته على التواصل مع الأسواق. فقد تعرض لانتقادات واسعة بعد مؤتمره الصحافي عقب اجتماع يوليو، بعدما أخفق، وفق تقييم بعض المستثمرين، في تقديم تفسير واضح لقرار إبقاء الفائدة دون تغيير، كما تجنب الإشارة إلى احتمال رفعها في الأشهر المقبلة.

ودفعت تصريحاته المستثمرين إلى بيع السندات طويلة الأجل، لترتفع عوائدها إلى مستويات تقترب من أعلى مستوياتها في نحو عقدين، وهو ما اعتُبر مؤشراً على تزايد المخاوف بشأن التزام «الفيدرالي» بهدف التضخم البالغ 2 في المائة.

لكن ارتفاع عوائد السندات لم يكن دليلاً صافياً على ارتفاع توقعات التضخم، إذ ارتفع الفارق بين عوائد سندات الخزانة التقليدية والسندات المحمية من التضخم لـ5 سنوات مقبلة بصورة محدودة فقط. وهذا التفصيل مهم؛ لأنه يشير إلى أن جزءاً من ارتفاع العوائد الطويلة ربما كان مرتبطاً بعوامل أخرى، مثل مخاوف الدين الحكومي والعرض المرتفع من السندات، وليس بتوقعات التضخم فقط.

السندات تضيف بعداً جديداً للمعادلة

وجاءت تحركات سوق السندات الأربعاء لتضيف طبقة أخرى إلى المشهد. فقد تراجعت العوائد طويلة الأجل بعد إعلان وزارة الخزانة الأميركية مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل لدعم السيولة.

ويعني ذلك أن عوائد السندات لم تعد تعكس توقعات السياسة النقدية وحدها، بل تتأثر أيضاً بكمية الإصدارات الحكومية، والطلب على الدين، ومخاوف الاستدامة المالية، وتدخلات الخزانة في السوق.

وهذا يجعل مهمة «الفيدرالي» أكثر تعقيداً؛ إذ يمكن أن تؤدي العوائد المرتفعة في الآجال الطويلة إلى تشديد الأوضاع المالية حتى من دون رفع سعر الفائدة الأساسي، في حين قد يؤدي تدخل الخزانة إلى تخفيف بعض هذه الضغوط.

تغيير محتمل في طريقة عمل «الفيدرالي»

ولم يقتصر اجتماع يوليو على النقاش بشأن أسعار الفائدة. فقد طرح وارش فكرة تقليص عدد اجتماعات اللجنة الفيدرالية من 8 اجتماعات سنوياً إلى 6، بحيث تعقد الاجتماعات بفاصل يقارب شهرين.

وقال وارش إن تقليص عدد الاجتماعات يمكن أن يسمح بتراكم قدر أكبر من البيانات بين كل اجتماع وآخر، ويمنح المسؤولين والموظفين وقتاً أطول لدراسة القضايا الاستراتيجية المتعلقة بالسياسة النقدية.

ولم يتخذ «الفيدرالي» أي قرار بهذا الشأن، كما أكد المحضر أن جدول اجتماعات 2026 لن يتغير.

لكن مجرد طرح الفكرة يكشف أن وارش لا ينظر إلى مستوى الفائدة فقط، وإنما يبحث أيضاً في كيفية إدارة البنك المركزي لعملية صنع القرار والتواصل مع الأسواق.

جاكسون هول... الاختبار التالي

وتأتي أهمية هذه التطورات قبل أقل من أسبوعين من اجتماع جاكسون هول السنوي، حيث من المتوقع أن يلقي وارش أول خطاب له في هذا المنتدى منذ توليه رئاسة «الاحتياطي الفيدرالي» في مايو (أيار).

وستكون الكلمة فرصة لوارش لتوضيح رؤيته بعد محضر كشف عن انقسام واضح داخل اللجنة، وعن قلق واسع بشأن التضخم، وفي الوقت نفسه عن علامات ضعف بدأت تظهر في الاقتصاد وسوق العمل.