قيود الغرافيت الصينية تُربك صناع السيارات الكهربائية

الشركات الأجنبية أقل قدرة على استخدام المنتجات الأقل كثافة

علامة توجيهية إلى مكان لشحن بطاريات السيارات الكهربائية في مدينة مانشستر البريطانية (رويترز)
علامة توجيهية إلى مكان لشحن بطاريات السيارات الكهربائية في مدينة مانشستر البريطانية (رويترز)
TT

قيود الغرافيت الصينية تُربك صناع السيارات الكهربائية

علامة توجيهية إلى مكان لشحن بطاريات السيارات الكهربائية في مدينة مانشستر البريطانية (رويترز)
علامة توجيهية إلى مكان لشحن بطاريات السيارات الكهربائية في مدينة مانشستر البريطانية (رويترز)

قالت مصادر بالصناعة وخبراء إن تحرك بكين لتقييد صادرات الغرافيت سيكون له تأثير غير متناسب على المصنعين الأجانب لمكونات بطاريات السيارات الكهربائية الذين لم يتحولوا بعد إلى استخدام نفس القدر من المواد الأقل كثافة وجودة مثل نظرائهم الصينيين.

وأدت القيود الأخيرة التي فرضتها الصين على صادرات المعادن المهمة، والتي قالت بكين إنها لا تستهدف قطاعاً محدداً، إلى زيادة حالة عدم اليقين في سلسلة توريد السيارات الكهربائية العالمية منذ الإعلان عنها يوم الجمعة الماضي.

وقال بعض المصنعين الصينيين، بمن في ذلك أولئك الذين لديهم عمليات في الخارج، إنهم يتوقعون تأثيراً محدوداً من القواعد الجديدة، لأن معظم بطاريات السيارات الكهربائية التي يصنعونها تستخدم درجة من المواد الاصطناعية التي لا تتأثر بالقيود.

وتهيمن الصين على سلسلة التوريد العالمية لبطاريات السيارات الكهربائية، بما في ذلك إنتاج الغرافيت -وهو أكبر مكون منفرد. وتقوم شركات الغرافيت في البلاد بمعالجة المواد الطبيعية المستخرجة محلياً وخارجياً، بالإضافة إلى الأشكال الاصطناعية.

وتعد اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة من أكبر المشترين للغرافيت الصيني الطبيعي والصناعي، وحذر المحللون من أن الإجراءات الجديدة قد تبطئ أو تقلل إمدادات الغرافيت التي تحتاج إليها الشركات هناك لإنتاج الأنودات (الأقطاب السلبية لبطاريات السيارات الكهربائية).

وبموجب القواعد الجديدة، ستطلب الصين تصاريح تصدير اعتباراً من الأول من ديسمبر (كانون الأول) للغرافيت الاصطناعي عالي الجودة، بالإضافة إلى الأشكال الرئيسية للغرافيت الطبيعي. وقال الكثير من المديرين التنفيذيين في الصين والعالم في الشركات التي تستخدم الغرافيت إنهم ما زالوا يبحثون عن مزيد من الوضوح بشأن الإجراءات الجديدة.

وقال موظف في شركة تشينغداو هايدا، وهي شركة صينية كبرى لمعالجة الغرافيت، رفض الكشف عن اسمه لأنه غير مخول له التحدث نيابةً عن الشركة، لـ«رويترز»، إن منتجات الشركة تشمل الغرافيت الكروي، الذي يُستخدم في أنودات بطارية أيون الليثيوم، والذي تشمله القواعد الجديدة ويتم تصديره إلى كوريا الجنوبية واليابان. وقال المصدر: «لم نتلقَّ أي تعليمات من وزارة التجارة الصينية بشأن كيفية التقدم بطلب للحصول على تصاريح التصدير، لكنها بالتأكيد ستجعل عملية التصدير أكثر إزعاجاً».

وأدت الخطوة الأخيرة التي اتخذتها الصين بطلب تصاريح تصدير لمنتجات الغاليوم والجرمانيوم إلى خنق الشحنات الدولية لمعادن صناعة الرقائق. ولم تردّ وزارة التجارة على استفسارات أخرى من «رويترز». وأشار مصدر مطّلع على إجراءات الحكومة الصينية إلى أن الغرافيت يُستخدم أيضاً في المعدات العسكرية.

لكنّ الشركات الصينية، التي تقوم ببناء مصانع في الخارج، قالت إن القيود لن يكون لها تأثير يُذكر على عملياتها في الخارج. وتستخدم الشركات الصينية الغرافيت الاصطناعي، ولكن ليس النوع عالي الجودة والكثافة الذي تغطيه الإجراءات الجديدة.

وتُنتج الصين كميات كبيرة من الغرافيت الاصطناعي، مما يتيح تقليل أوقات شحن البطارية. وفي حين أن اعتماد المصنِّعين الأجانب يتزايد على المادة المهمة، فإن تحولهم من الغرافيت الطبيعي إلى الغرافيت الاصطناعي كان أبطأ، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنه أكثر تلويثاً كون إنتاجه قائماً على النفط، كما أن أنودات الغرافيت الطبيعية تميل أيضاً إلى أن تكون أرخص، مما يجعلها عُرضة لخطر القيود.

وقالت شركة «غوشين هاي تك» الصينية المدعومة من «فولكسفاغن»، والتي تُنتج البطاريات في ألمانيا وتخطط لإنشاء مصنع في الولايات المتحدة، إن كثافة الغرافيت المستخدَم في بطارياتها أقل من 1.7 غرام لكل سنتيمتر مكعب، مما يجعلها غير متأثرة بالقيود.

وبالمثل، قالت شركة «بي تي آر» أكبر منتج للأنود في العالم، إن تأثير القواعد الجديدة عليها سيكون محدوداً، حيث إن كثافة منتجاتها تتراوح بين 1.5 و1.7 غرام لكل سنتيمتر مكعب لبطاريات السيارات الكهربائية. وقالت شركة «نينغبو شانشان»، وهي شركة صينية رائدة أخرى في مجال تصنيع الأنود، إن القيود لن يكون لها أي تأثير على صادراتها من منتجات الغرافيت الاصطناعية.

وتشمل الشركات العالمية التي تستخدم الغرافيت الطبيعي شركة «هيتاشي كيميكال»، وهي جزء من شركة «ريسوناك» القابضة اليابانية، وشركة «بوسكو فيوتشر إم» الكورية الجنوبية، وشركة «ميتسوبيشي كيميكال» اليابانية، التي تُنتج الغرافيت الطبيعي في مصنعين في الصين، وفقاً لشركة الأبحاث مجموعة «سي آر يو».

وقال متحدث باسم شركة «ريسوناك»: «لا نرى أي تأثير في الوقت الحالي ونراقب الوضع». ورفض التعليق على تفاصيل شراء الغرافيت، لكنه قال إن هناك طرقاً مختلفة، اعتماداً على المنتجات الفردية.


مقالات ذات صلة

دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

يوميات الشرق خدعة تنكّرت بفراء فانكشف تحتها وجه الحقيقة (شاترستوك)

دبّ داخل سيارة فاخرة؟ الخدعة انكشفت وانتهت بالسجن

صدر حكم قضائي بالسجن بحق 3 رجال من ولاية كاليفورنيا بعد إدانتهم في قضية احتيال تأميني... إليكم القصة.

«الشرق الأوسط» (كاليفورنيا)
الاقتصاد سيارة «لوسيد» بشعار «صنع في السعودية» (واس)

«لوسيد» تعيِّن رئيساً جديداً... و«السيادي السعودي» و«أوبر» يلتزمان بضخ 750 مليون دولار

أعلنت شركة «لوسيد غروب» عن تطورات شملت تعيين رئيس تنفيذي جديد، وضخ استثمارات بقيمة 750 مليون دولار من صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وشركة «لوسيد».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

«شات جي بي تي» يصل إلى «CarPlay» كتجربة صوتية فقط، مع قدرات محدودة، في خطوة نحو دمج الذكاء الاصطناعي بالقيادة اليومية.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد مبنى «البنك المركزي الأوروبي» في فرنكفورت بألمانيا (رويترز)

«المركزي الأوروبي»: المستهلكون والمستوردون الأميركيون الأكبر تضرراً من «الرسوم»

يتحمل المستهلكون والمستوردون الأميركيون الجزء الأكبر من الخسائر المالية الناتجة عن الرسوم الجمركية، فيما يتأثر حجم التجارة سلباً أيضاً.

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت (ألمانيا) )
تكنولوجيا قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

تكشف دراسة أن السيارات ذاتية القيادة قد تسهّل التنقل الفردي وتقلل الحاجة للمواقف، لكنها قد تزيد الازدحام وتغيّر سلوك التنقل وتخطيط المدن مستقبلاً.

نسيم رمضان (لندن)

«وكالة الطاقة» تقترح إنشاء خط أنابيب بين العراق وتركيا لتجاوز مضيق هرمز

خزانات نفط في ميناء «جيهان» التركي على البحر الأبيض المتوسط (رويترز)
خزانات نفط في ميناء «جيهان» التركي على البحر الأبيض المتوسط (رويترز)
TT

«وكالة الطاقة» تقترح إنشاء خط أنابيب بين العراق وتركيا لتجاوز مضيق هرمز

خزانات نفط في ميناء «جيهان» التركي على البحر الأبيض المتوسط (رويترز)
خزانات نفط في ميناء «جيهان» التركي على البحر الأبيض المتوسط (رويترز)

اقترح المدير التنفيذي لـ«وكالة الطاقة الدولية»، فاتح بيرول، إنشاء خط أنابيب نفط جديد يربط حقول النفط في البصرة بالعراق، بمحطة «جيهان» النفطية التركية على البحر المتوسط؛ بهدف تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، وفق ما نقلته صحيفة «حرييت» التركية الأحد.

وأضاف بيرول: «أعتقد أن (خط أنابيب البصرة - جيهان) سيكون مشروعاً جذاباً للغاية ومهماً جداً لكل من العراق وتركيا، وكذلك لأمن الإمدادات في المنطقة، خصوصاً من وجهة نظر أوروبا».

وقال بيرول: «أعتقد أيضاً أنه يمكن التغلب على مشكلة التمويل. الآن هو الوقت المناسب تماماً». وتابع بيرول: «لقد انكسرت المزهرية مرة، ومن الصعب جداً إصلاحها»، في إشارة إلى مضيق هرمز.

وأوضح بيرول أن «خط أنابيب النفط الجديد يعدّ ضرورة للعراق، وفرصة لتركيا، كما أنه يمثل فرصة كبيرة لأوروبا بشأن أمن الإمدادات. وأعتقد أنه ينبغي عدّ هذا المشروع استراتيجياً».

وتسببت حرب إيران في تعطل مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية؛ مما أدى إلى نقص في الإمدادات رفع الأسعار لمستويات قياسية.

ولدى العراق وتركيا «خط أنابيب كركوك - جيهان»، وهو ممر استراتيجي لنقل النفط الخام من شمال العراق إلى ميناء «جيهان» التركي، بدأ تشغيله عام 1976.

ويسعى العراق حالياً لإعادة تأهيله لتجاوز مشكلات التصدير، مع مقترحات بإنشاء خط جديد من البصرة إلى «جيهان» بوصفه بديلاً آمناً لمضيق هرمز ولتعزيز أمن الطاقة الأوروبي. وهو ما اقترحه بيرول الأحد.


28 مليار دولار تقود «الهجرة العكسية» نحو الأسواق الأميركية

متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

28 مليار دولار تقود «الهجرة العكسية» نحو الأسواق الأميركية

متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون في بورصة نيويورك (رويترز)

يشهد المشهد الاستثماري العالمي حالياً زلزالاً في التوجهات، حيث أدى إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في أوائل أبريل (نيسان) 2026 إلى إعادة إحياء ما يعرف بتداولات «TINA» (There Is No Alternative لا بديل سوى الأسهم الأميركية). هذا التحول لم يكن مجرد رد فعل لحظي، بل أطاح باستراتيجية «TIARA» (There Is A Real Alternative هناك بديل حقيقي) التي سادت مطلع العام، حين حاول المستثمرون الهروب من الأسواق الأميركية نحو أوروبا وآسيا بحثاً عن تقييمات أرخص وعوائد مدعومة بضعف الدولار.

لقد كان إعلان الرئيس دونالد ترمب في السابع من أبريل بمثابة نقطة التحول؛ فمنذ ذلك التاريخ، تدفقت نحو 28 مليار دولار إلى الأسهم الأميركية، ما يعكس ثقة متجددة في «المحرك الأميركي» الذي أثبت قدرة فائقة على عزل نفسه عن صدمات الطاقة العالمية، وفق «رويترز».

وفي هذا السياق، يضع مايكل براون، الاستراتيجي الاستثماري العالمي في معهد «فرانكلين تمبلتون»، تفسيراً هيكلياً لهذا الاندفاع، معتبراً أن العالم واجه مؤخراً صدمته الخارجية الرابعة في غضون ست سنوات فقط. ويرى براون أنه «بالنظر إلى طبيعة هذه الصدمة، فليس من المستغرب أن يعود المستثمرون إلى الاقتصاد الذي حقق أفضل أداء على المدى الطويل جداً، وهو الاقتصاد الذي يستثمر بكثافة في المدى القصير ويحقق أفضل مجموعة من النتائج».

هذه العودة لم تكن مدفوعة بالعواطف، بل بالأرقام؛ فقد أظهر مؤشر «ستاندرد آند بورز» صموداً استثنائياً بارتفاعه بنسبة 2 في المائة فوق مستويات ما قبل الحرب، متجاوزاً حاجز الـ7 آلاف نقطة في قفزة تاريخية. وفي مقابل هذا الزخم الأميركي، تدفع الأسواق الأوروبية والآسيوية ضريبة قاسية؛ حيث شهدت صناديق الأسهم الأوروبية نزوحاً بقيمة 4.7 مليار دولار، وهو الأكبر منذ عام 2024. وهنا، يشير براون إلى حقيقة جيوسياسية مهمة، وهي أن تداعيات الحرب واضطراباتها ستمارس ضغوطاً أكبر بكثير على الاقتصادات الأوروبية والآسيوية مقارنة بالاقتصاد الأميركي، الذي يستفيد من كونه «مصدّراً صافياً للطاقة»، مما يمنحه حصانة استراتيجية تفتقر إليها القارة العجوز واليابان.

وعلى صعيد الأرباح، تظهر الفجوة بوضوح؛ إذ يُتوقع لشركات مؤشر «ستاندرد آند بورز» تحقيق نمو في الأرباح بنسبة تقارب 14 في المائة، مدفوعة بمرونة قطاع التكنولوجيا، بينما يقتصر نمو الشركات الأوروبية على 4.2 في المائة، يعود معظمها لقطاع النفط والغاز.

هذا الفارق الشاسع في الأداء التشغيلي جعل كبرى بنوك الاستثمار ترفع تصنيف الأسهم الأميركية إلى «وزن زائد»، في اعتراف ضمني بأن الاقتصاد الأميركي يظل الوجهة الأكثر أماناً وقوة في مواجهة الصدمات الخارجية المتلاحقة.

وقد أكد صندوق النقد الدولي هذه الرؤية بتعديل توقعاته للنمو؛ فبينما خفض نمو منطقة اليورو بشكل ملحوظ ليصل إلى 1.1 في المائة، حافظ الاقتصاد الأميركي على زخم متوقع عند 2.3 في المائة. إن المشهد اليوم يلخصه استراتيجيون عالميون في عبارة واحدة: «بعد أربع صدمات عالمية في ست سنوات، من الطبيعي أن يعود المال إلى الاقتصاد الذي يثبت دوماً أنه الأفضل أداءً والأكثر قدرة على الاستثمار في المستقبل».


«فالابوروا» بجنوب أفريقيا... سلاح واشنطن لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة

جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)
جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)
TT

«فالابوروا» بجنوب أفريقيا... سلاح واشنطن لكسر هيمنة الصين على المعادن النادرة

جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)
جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)

في قلب مدينة فالابوروا بجنوب أفريقيا، تبرز تلال رملية عملاقة لا تمثل مجرد مخلَّفات لمصنع كيماويات قديم، بل تتحول اليوم إلى ساحة معركة مفصلية في الحرب الباردة التكنولوجية بين واشنطن وبكين. ورغم سحب التوتر الدبلوماسي التي تخيم على العلاقات الثنائية، فإن إدارة ترمب اختارت مساراً براغماتياً حاسماً باستثمار 50 مليون دولار في مشروع استخراج العناصر الأرضية النادرة من النفايات الصناعية. ويعكس هذا التوجه إدراكاً أميركياً عميقاً بأن تحصين سلاسل التوريد للصناعات العسكرية والتقنية هو ضرورة استراتيجية تسمو فوق الخلافات السياسية العابرة، في محاولة جادة لكسر قبضة الصين الاحتكارية على هذه المعادن التي تمثل الشريان الحيوي للصناعات الدفاعية، الروبوتات، والسيارات الكهربائية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

استثمار «كنوز النفايات» بدل المناجم

يرتكز مشروع «فالابوروا» على رؤية تقنية مبتكرة تقلب موازين التعدين التقليدي؛ حيث يستهدف تلك «الكثبان الصناعية» التي تضم 35 مليون طن من مادة «الفوسفوجيبسوم» الناتجة عن معالجة الفوسفات والأسمدة. وتكمن الميزة التنافسية الكبرى في أن هذه المواد قد خضعت تاريخياً لعمليات سحق وتسخين، مما يوفر على المستثمرين المراحل الأكثر استهلاكاً للطاقة والتكلفة في التعدين التقليدي.

وبفضل هذا الإرث الصناعي، يطمح المشروع لإنتاج عناصر نادرة بتكلفة منخفضة تضاهي الأسعار الصينية، مع الالتزام بمعايير بيئية صارمة تعتمد على الطاقة المتجددة بنسبة 90 في المائة في عمليات الاستخراج كافة.

جرافة أمامية تنقل الفوسفوجيبسوم في فالابوروا جنوب أفريقيا (أ.ب)

المعادن النادرة

لا تبحث واشنطن في رمال جنوب أفريقيا عن عوائد مالية فحسب، بل تسعى لتأمين خمسة عناصر أساسية، يتصدرها النيوديميوم، والديسبروسيوم، والتربيوم. فهذه العناصر هي حجر الزاوية في صناعة المغناطيسات فائقة الأداء التي تشغل محركات المستقبل؛ من توربينات الرياح والسيارات الكهربائية وصولاً إلى أنظمة الدفاع الصاروخي المتقدمة. ومع استهداف شركة «رينبو رير إيرثز» لبدء التشغيل الفعلي في عام 2028، ستضمن الولايات المتحدة تدفقاً مستداماً لهذه المواد بعيداً عن تقلبات القرار في بكين، وهو ما يدعم استراتيجية ترمب الشاملة التي خصصت 12 مليار دولار لبناء احتياطي استراتيجي من المعادن الحرجة.

الالتفاف الدبلوماسي لحماية الأمن القومي

يكشف الإصرار على دعم هذا المشروع، رغم الأوامر التنفيذية القاضية بوقف المساعدات المالية لجنوب أفريقيا، عن عمق القلق الأميركي من التبعية التقنية للصين. وبما أن حكومة جنوب أفريقيا لا تملك حصة مباشرة في المشروع، وجدت واشنطن مخرجاً دبلوماسياً عبر دعم شركة «تيكميت» الشريكة، لضمان وصول هذه الموارد إلى المصانع الأميركية. هذا التحرك يجعل من «فالابوروا» ركيزة أساسية في حماية الأمن القومي الأميركي ضد أي تقلبات في المشهد السياسي الدولي أو ضغوط جيوسياسية محتملة.

السباق الأفريقي الكبير

لا يمثل مشروع جنوب أفريقيا سوى قطعة واحدة في أحجية استراتيجية كبرى ترتبها واشنطن عبر القارة السمراء لمزاحمة النفوذ الصيني المتغلغل. فمن تمويل دراسات الجدوى في مناجم موزمبيق، إلى تطوير «ممر لوبيتو» للسكك الحديدية لربط مناجم الكونغو وزامبيا بالموانئ الأطلسية، تبدو الولايات المتحدة في حالة استنفار شامل لاستعادة المبادرة.

لن يكون نجاح «فالابوروا» المرتقب مجرد انتصار تقني، بل سيثبت للعالم أن الابتكار في استغلال النفايات الصناعية يمكن أن يعيد رسم خريطة القوة التكنولوجية العالمية، انطلاقاً من كثبان جنوب أفريقيا.