السندات الأميركية تواصل زحفها نحو قمة تاريخية

بلغت أعلى مستوياتها منذ 2007... وأزمة وشيكة في اليابان ونظرة متفائلة في الصين

متداولة في «وول ستريت» تتابع حركة الأسهم على مؤشرات البورصة الرئيسية (رويترز)
متداولة في «وول ستريت» تتابع حركة الأسهم على مؤشرات البورصة الرئيسية (رويترز)
TT

السندات الأميركية تواصل زحفها نحو قمة تاريخية

متداولة في «وول ستريت» تتابع حركة الأسهم على مؤشرات البورصة الرئيسية (رويترز)
متداولة في «وول ستريت» تتابع حركة الأسهم على مؤشرات البورصة الرئيسية (رويترز)

وسط أوضاع تسودها المخاوف، سواء من مستقبل أسعار الفائدة أو الإغلاق الحكومي الأميركي الوشيك، قفزت عوائد السندات الأميركية إلى أعلى مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية قبل 16 عاماً.

ويوم الخميس، سجل العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات ارتفاعاً جديداً ليصل إلى 4.636 في المائة في الساعة 10:10 بتوقيت غرينيتش، وهو أعلى مستوى منذ عام 2007، مواصلاً زحفه نحو مستوى 5 في المائة، حيث يزن المتداولون المخاوف من استمرار التضخم، وتشديد السياسة النقدية لفترة أطول من المتوقع... فيما انخفض العائد على السندات لأجل عامين قليلاً إلى 5.116 في المائة.

ومع ارتفاع عوائد السندات القياسية، يتواصل الضغط على أسواق الأسهم، حيث أغلق وول ستريت يوم الأربعاء على تغير طفيف بعد جلسة متقلبة وسط الضبابية، وذلك بعد خسائر حادة في جلسة الثلاثاء. فيما استقر مؤشر الدولار، الذي يقيس العملة الأمريكية مقابل سلة من العملات الرئيسية الأخرى، صباح الخميس عند 106.70 نقطة، ولا يزال يحوم قرب مستوى 106.84 الذي وصل إليه خلال الليلة السابقة، وكان الأعلى منذ 30 نوفمبر (تشرين الثاني).

وبينما كانت الأسواق تترقب كلمة مساء الخميس لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، قد تلقي الضوء قليلاً على مزيد من المؤشرات حول مسار السياسة النقدية في الولايات المتحدة، فإن نيل كاشكاري رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في منيابوليس، قال مساء الأربعاء إن الأدلة الكثيرة على استمرار قوة الاقتصاد تعني أنه قد يكون هناك مزيد من التشديد.

كما أن بيانات وزارة التجارة الأميركية التي أظهرت مساء الأربعاء أن طلبات السلع المعمرة ارتفعت بنسبة 0.2 في المائة في أغسطس (آب) الماضي تزيد من توقعات إبقاء «الفيدرالي» السياسة النقدية أكثر صرامة لفترة أطول من المتوقع.

وبينما يؤكد كثير من المراقبين أن غالبية بيانات سوق العمل والنمو تشير إلى أن التضخم المرتفع لا يزال عنيداً، وأن الاقتصاد قد يتحمل مزيداً من التشديد، فإن تلك التوجهات تزيد الأضرار في أسواق المال، وتسهم في الحركة الصعودية لعوائد السندات.

ومن جانبه، يرى «بنك أوف أميركا» أن وصول عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات إلى مستوى 5 في المائة يعتمد على مدى اقتناع المستثمرين بأن الاقتصاد سيواصل قوته، وأن «الاحتياطي الفيدرالي» سيبقي أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

وكتب «محلل بنك أوف أميركا» برونو برايزينيا في مذكرة إن العائد على السندات لأجل عشر سنوات على وشك العودة إلى الديناميكية في نظام ما قبل الأزمة المالية العالمية التي شهدناها بين عامي 2004 و2006، وفق «بلومبرغ».

وخلال الفترة من 2004 حتى 2006، بلغ متوسط الفارق بين عائد السندات لأجل عامين ونظيره استحقاق 10 سنوات حوالي 40 نقطة أساس، وحالياً يعد الفارق مستقراً، ولكن العودة إلى منطقة 40 نقطة أساس قد تدفع عائد السندات لأجل 10 سنوات قرب مستوى 5 في المائة.

وأضاف برايزينيا أن «وصول المعدل الذي يحدد القروض العقارية ذات الفائدة الثابتة في الولايات المتحدة وتكاليف اقتراض الشركات إلى 5 في المائة قد يتطلب ليس فقط المزيد من التعديلات على الأساسيات؛ ولكن أيضاً درجة أعلى من الاقتناع بالتوقعات المستقبلية».

لكن برايزينيا أشار رغم ذلك إلى أن «الهبوط الناعم» لا يزال هو السيناريو الأكثر احتمالية، ولذلك فلا يعتقد أن سيناريو ارتفاع عوائد السندات لأجل 10 سنوات عند 5 في المائة هو الأكثر ترجيحاً.

قلق في اليابان:

ولا يقتصر التحدي على الأسواق الأميركية، إذ ارتفع العائد على السندات الحكومية اليابانية القياسية لأجل عشر سنوات إلى أعلى مستوى في عشر سنوات يوم الخميس، مدفوعاً بارتفاع العوائد الأميركية.

وأضاف عائد سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات 1.5 نقطة أساس إلى 0.75 في المائة، ليصل أخيراً إلى هذا المستوى بعد قضاء أسبوع ليصل إلى مستوى 0.745 في المائة.

وقال شوكي أوموري، كبير الاستراتيجيين في مكتب اليابان في شركة «ميزوهو للأوراق المالية»، إن مستثمري بنك اليابان الياباني يركزون الآن بشكل أكبر على العوائد العالمية لإشارات التداول مع البلاد في «فترة هادئة» بين اجتماعات السياسة النقدية لبنك اليابان في سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول).

وفي الوقت نفسه، قال أوموري إن نتائج مزاد الأوراق المالية لأجل عامين، والتي أثارت بعض الحذر في الصباح بعد سلسلة من المبيعات الضعيفة في الأسابيع الأخيرة، كانت «متماشية مع التوقعات». وظل العائد على سندات الحكومة اليابانية لأجل عامين أعلى بمقدار نقطة أساس واحدة عند 0.035 في المائة.

وعلى الرغم من أن بنك اليابان يضع الآن سقفاً فعلياً لعائد العشر سنوات في أعقاب تعديل مفاجئ في السياسة في أواخر يوليو (تموز)، فإن ارتفاع العائد كان تدريجياً للغاية، مع بعض التراجعات والثبات.

وقال ماسايوكي كيتشيكاوا، كبير الاستراتيجيين الكلي في شركة «سوميتومو ميتسوي دي إس لإدارة الأصول» إن «الديناميكيات بسيطة للغاية: بنك اليابان يشتري بكثافة، لذلك لم يعد لدى المستثمرين أي سندات حكومية لبيعها... وفي الوقت نفسه، لا يزال هناك مجال لارتفاع العائدات اليابانية في ظل إطار السياسة النقدية الحالي، لكن الأمر قد يتطلب بعض التعديلات على حجم وتواتر مشتريات بنك اليابان».

ومنذ 27 يوليو، اليوم السابق لتغيير سياسة بنك اليابان، ارتفع العائد القياسي لأجل 10 سنوات بمقدار 31 نقطة أساس. وارتفعت عوائد سندات الخزانة المعادلة بمقدار 55 نقطة أساس هذا الشهر وحده لتلامس أعلى مستوياتها منذ أكتوبر 2007 بين عشية وضحاها عند 4.642 في المائة. وفي الوقت نفسه، ارتفع العائد على سندات الحكومة اليابانية لأجل 20 عاماً بمقدار 1.5 نقطة أساس ليصل إلى 1.475 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ مايو (أيار) 2014. كما ارتفعت عوائد السندات لأجل ثلاثين عاماً وخمس سنوات بمقدار 1.5 نقطة أساس لكل منهما، لتصل إلى 1.725 و0.30 في المائة على التوالي.

وضع صيني معكوس:

وفي الجارة الصينية يبدو الوضع معكوساً، إذ يراهن مستثمرو السندات الحكومية الصينية على أن ارتفاع العائدات في الشهر الماضي، مدفوعا بمخاوف من تسارع إصدار السندات، مبالغ فيه، وأن الأسعار ستتحسن مرة أخرى مع تخفيف شروط التمويل في الربع الرابع.

ويبدو أن السندات الصينية تتعافى بعد شهر ارتفعت خلاله العائدات لأجل 10 سنوات إلى 2.74 في المائة من 2.53 في المائة. وجاء هذا الارتفاع في أعقاب سلسلة من إجراءات التحفيز التي غذت احتمال حدوث انتعاش اقتصادي، بالإضافة إلى إصدار سندات أكبر من قبل الحكومات المحلية.

وتسبب التعافي الضعيف في الصين بعد الوباء في سلسلة طويلة من شراء السندات في وقت سابق من هذا العام، مع انخفاض عوائد السندات لأجل 10 سنوات بمقدار 34 نقطة أساس بين فبراير (شباط) وأغسطس.

وقال بين رو تان، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الآسيوية في بنك «إتش إس بي سي»: «نتوقع أن تخفف شروط التمويل بين البنوك في أكتوبر، وأن ينخفض صافي المعروض من سندات الحكومة المركزية في الربع الرابع، بعد الارتفاع في الربع الثالث». ويتوقع تان المزيد من التيسير النقدي. وقال إن «موجة صعود السندات لم تنته. لقد اتخذت للتو انعكاساً مؤقتاً».

وسرعت الصين إصدار سندات خاصة في سبتمبر، بهدف استكمال جمع 3.8 تريليون يوان (519.8 مليار دولار) بحلول نهاية الشهر. وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن تصدر الحكومات المحلية سندات إعادة تمويل خاصة في الربع الرابع، والتي يمكن استخدامها لمبادلة ديون الحكومات المحلية.

وارتفع العائد على سندات اليوان لأجل عام واحد إلى أعلى مستوى له في 5 أشهر في سبتمبر. كما يقترب سعر إعادة الشراء لأجل 7 أيام من أقوى مستوياته منذ مارس (آذار).

وقال زو وانغ، مدير الاستثمار في شركة «شنغهاي أنفانغ» لإدارة الصناديق الخاصة: «كانت تكلفة التمويل مرتفعة للغاية في سبتمبر»، موضحا أن صندوقه يخطط لشراء المزيد من الأوراق المالية، مثل تلك التي أصدرها بنك التنمية الصيني والتي تستحق في يناير (كانون الثاني) 2028، إذا خففت ظروف التمويل بعد عطلة الأسبوع الذهبي الحالية.

وقال وانغ تشن، محلل الأبحاث في مجموعة «تشينجكسين» الصينية للتصنيف الائتماني، إن «الظروف الاقتصادية الحالية لا تستدعي أسعار فائدة أعلى، حيث يواجه الاقتصاد الخاص في الصين ضغوط إعادة التمويل، ويعمل صناع السياسات على حل مخاطر الديون المحلية».



اليابان: انخفاض محتمل في الطلب على الغاز إذا أثرت الحرب على إمدادات البلاستيك

سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)
سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)
TT

اليابان: انخفاض محتمل في الطلب على الغاز إذا أثرت الحرب على إمدادات البلاستيك

سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)
سفينة غاز طبيعي مُسال في عرض البحر (رويترز)

حذّر رؤساء شركات الغاز، الأربعاء، من احتمال انخفاض الطلب على الغاز في اليابان إذا استمرت الحرب على إيران في الحد من إمدادات النافثا لمصانع البتروكيماويات، مما يؤثر سلباً على مبيعاتها من الراتنجات، بما في ذلك البلاستيك، لمجموعة واسعة من المصنّعين.

قال ماساتاكا فوجيوارا، رئيس شركة «أوساكا غاز»، في مؤتمر صحافي: «تزود ​​(أوساكا غاز) المصانع بالغاز، وإذا اضطرت هذه المصانع إلى خفض الإنتاج بسبب نقص المواد الأساسية، فإن مبيعات الشركة من الغاز ستنخفض». وأضاف: «سيكون هناك تأثير إذا لم يتمكن عملاؤنا من التصنيع».

كما حذرت شركة «طوكيو غاز» من التداعيات المحتملة لنقص النافثا لدى المصنّعين.

وقال شينيتشي ساساياما، رئيس «طوكيو غاز»، في مؤتمر صحافي منفصل: «نظراً لوجود عدد من عملائنا الذين يستخدمون النافثا أو غيرها من المنتجات البترولية في عملياتهم التصنيعية، فإن أي خطوة لتقليص أنشطتهم أو عملياتهم قد تؤثر على مبيعاتنا من الغاز». وأضاف أنه حتى الآن، لم يجرِ رصد أي تأثير فوري.

وتحصل اليابان على نحو 6 في المائة من إمداداتها من الغاز الطبيعي المُسال عبر مضيق هرمز، المعطَّل حالياً بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وكان نحو 90 في المائة من احتياجات اليابان من النفط تمر عبر هذا المضيق الضيق قبل اندلاع الحرب في نهاية فبراير (شباط) الماضي.

وقال فوجيوارا إن شركة «أوساكا غاز»، من أكبر مستوردي الغاز الطبيعي المسال في اليابان إلى جانب شركتيْ «جيرا» و«طوكيو غاز»، أمّنت إمدادات كافية من الوقود لعملياتها، حيث يأتي معظم الغاز الطبيعي المسال من أستراليا والولايات المتحدة.

وأضاف: «نؤمّن غالبية احتياجاتنا من الغاز الطبيعي المسال عبر عقود طويلة الأجل، ولا توجد حالياً أي عقود طويلة الأجل لشراء الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز»، منوهاً بأن عقداً محدد المدة مع سلطنة عمان قد انتهى العام الماضي.

وانخفضت واردات اليابان من الغاز الطبيعي المسال، ثاني أكبر مستورد في العالم بعد الصين، بنسبة 1.4 في المائة خلال عام 2025، مقارنة بالعام السابق، لتصل إلى 64.98 مليون طن متري، وذلك مع إعادة تشغيل محطات الطاقة النووية، وتوسيع نطاق استخدام الطاقة المتجددة، وتعزيز كفاءة الطاقة.

وأظهرت بيانات وزارة الصناعة، الصادرة الأربعاء، أن مخزونات الغاز الطبيعي المسال لدى شركات المرافق اليابانية الكبرى ارتفعت إلى 2.39 مليون طن، للأسبوع المنتهي في 22 مارس (آذار) الحالي، بزيادة قدرها 5 في المائة عن الأسبوع السابق، مسجلة بذلك أعلى مستوى لها هذا العام.


بنك اليابان يركز على رفع الفائدة وتأثير ضعف الين

مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يركز على رفع الفائدة وتأثير ضعف الين

مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
مقر البنك المركزي في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

أظهر محضر اجتماع شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، الذي نُشر يوم الأربعاء، أن عدداً من صانعي السياسة النقدية في بنك اليابان رأوا ضرورة مواصلة رفع أسعار الفائدة. ودعا البعضُ إلى اتخاذ إجراءات فورية لمواجهة الضغوط التضخمية المتزايدة، مما يسلّط الضوء على توجههم المتشدد، حتى قبل أن تؤدي الحرب الإيرانية إلى ارتفاع أسعار النفط.

كما دعا أعضاء بالمجلس إلى زيادة اليقظة بشأن تأثير ضعف الين على التضخم، الذي رأوا أنه أصبح أكبر من ذي قبل مع قيام الشركات بتمرير ارتفاع تكاليف الاستيراد والعمالة بشكل أكثر فاعلية.

ونُقل عن أحد الأعضاء قوله: «بالنظر إلى أن معالجة ارتفاع الأسعار تُعدّ أولوية مُلحة في اليابان، فينبغي لبنك اليابان المركزي ألا يُضيّع كثيراً من الوقت في دراسة آثار رفع أسعار الفائدة في الماضي، وأن يُباشر رفع سعر الفائدة التالي في الوقت المناسب».

وأظهرت محاضر الاجتماع أن عضواً آخر قال إن على بنك اليابان المركزي رفع أسعار الفائدة على فترات لا تتجاوز بضعة أشهر، مُضيفاً أن رفع أسعار الفائدة في الوقت المناسب هو الوصفة الوحيدة للسياسة النقدية لكبح ضعف الين غير المرغوب فيه، الذي يُؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد.

وأظهرت المحاضر أيضاً أن «عدداً من الأعضاء قالوا إن آلية ارتفاع الأجور والأسعار بشكل مُعتدل مُتزامن أصبحت راسخة في اليابان، ومن المُرجّح أن تُسفر مفاوضات الأجور، هذا العام، عن زيادات كبيرة في الأجور لمجموعة واسعة من الشركات».

وتُؤكد هذه الملاحظات عزم بنك اليابان المركزي على المُضي قُدماً في تشديد السياسة النقدية، حيث أعرب عدد من أعضاء مجلس الإدارة عن ثقتهم في أن ارتفاع سعر الفائدة الأميركية سيُسهم في تحسين الوضع. ولم تُشكّل الرسوم الجمركية ورفع أسعار الفائدة سابقاً عبئاً كبيراً على الاقتصاد حتى الآن.

وأدى الصراع في الشرق الأوسط، الذي اندلع على أثر الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، إلى تشويش التوقعات السياسية، حيث أضاف ارتفاع أسعار النفط ضغوطاً تضخمية، وعاق، في الوقت نفسه، اقتصاداً يعتمد، بشكل كبير، على واردات الوقود.

وبعد أن رفع بنك اليابان أسعار الفائدة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أبقى سعر الفائدة الرئيسي ثابتاً عند 0.75 في المائة في يناير، لكنه أبقى على توقعاته المتشددة للتضخم. وأظهرت محاضر الاجتماع أن عدداً من الأعضاء أشاروا إلى أن التضخم الأساسي، أو تحركات الأسعار التي تعكس الطلب المحلي والتي يعدُّها بنك اليابان أساسية لتوقيت رفع أسعار الفائدة، يقترب من هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة.

وفي اجتماع لاحق خلال مارس (آذار) الحالي، أبقى بنك اليابان أسعار الفائدة دون تغيير، مع الإبقاء على ميله نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً، حيث إن ارتفاع أسعار النفط يُنذر بتفاقم الضغوط التضخمية.

وظل التضخم الأساسي لأسعار المستهلكين أعلى من هدف بنك اليابان البالغ 2 في المائة لما يقرب من أربع سنوات، مدفوعاً بارتفاع تكاليف المواد الخام والعمالة، قبل أن يتباطأ إلى 1.6 في المائة خلال فبراير، ويعود ذلك، بشكل رئيسي، إلى الدعم الحكومي السخيّ للوقود. ومع وجود عوامل استثنائية متعددة تُشوّه مؤشر أسعار المستهلك، اقترح أحد الأعضاء إيلاء مزيد من الاهتمام لمؤشرات التضخم الأساسي، مثل وتيرة نمو الأجور وأسعار الخدمات، بالإضافة إلى توقعات التضخم، وفقاً لمحضر الاجتماع. كما اقترح عدد من الأعضاء تحسين التواصل بشأن كيفية تقييم بنك اليابان التضخم الأساسي وسعر الفائدة المحايد في اليابان، وفقاً لمحضر الاجتماع. ومن المرجح أن تكون هذه المقترحات قد أدت إلى قرار البنك في مارس بالكشف، بحلول الصيف، عن مؤشر جديد للتضخم وتقدير محدَّث من قِبل فريق العمل بشأن سعر الفائدة المحايد. وفي حين أن الصراع في الشرق الأوسط قد زاد من حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، لا تزال الأسواق ترى احتمالاً بنسبة 60 في المائة تقريباً لرفع سعر الفائدة في أبريل (نيسان) المقبل.


الصين توسّع تعاونها في أفريقيا وتلوّح بالرد على المكسيك

حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

الصين توسّع تعاونها في أفريقيا وتلوّح بالرد على المكسيك

حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)
حاويات وسفن بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

تتحرك الصين على مسارين متوازيين يعكسان ملامح استراتيجيتها التجارية الجديدة في بيئة دولية أكثر اضطراباً، ما بين توسيع الشراكات الاقتصادية مع أفريقيا، وفي الوقت نفسه التشدد في مواجهة القيود التجارية التي تفرضها بعض الدول على صادراتها واستثماراتها. ففي يوم واحد، أعلنت بكين استعدادها لتعميق التعاون مع الكاميرون في مجالات البنية التحتية والطاقة والزراعة، بالتزامن مع إعلان كينيا استكمال مفاوضات اتفاقية تجارية مع الصين، بينما أكدت وزارة التجارة الصينية حقها في اتخاذ إجراءات مضادة ضد المكسيك بعد رفع الرسوم الجمركية على واردات صينية.

هذا التزامن ليس تفصيلاً عابراً، بل يعكس اتجاهاً أوضح في السياسة الاقتصادية الصينية يقوم على تعويض الضغوط الكبيرة في بعض الأسواق الخارجية عبر تعزيز الحضور في الأسواق النامية، خصوصاً في أفريقيا، مع الإبقاء على خيار الرد التجاري في مواجهة ما تعده بكين إجراءات حمائية تستهدفها.

ومن منظور بكين، فإن القارة الأفريقية لم تعد مجرد شريك سياسي أو ساحة نفوذ جيوسياسي، بل باتت سوقاً واعدة للصادرات والاستثمارات ومجالاً حيوياً لبناء سلاسل توريد وعلاقات طويلة الأمد.

وفي هذا السياق، برز الإعلان الصيني عن الاستعداد لتعزيز التعاون مع الكاميرون في البنية التحتية والطاقة والزراعة، وهو ما يعكس استمرار الرهان على القطاعات التقليدية التي لطالما شكلت أساس الحضور الاقتصادي الصيني في أفريقيا. فالبنية التحتية تمنح الشركات الصينية فرص تنفيذ وتمويل كبيرة، والطاقة تمثل قطاعاً حيوياً في الاقتصادات الأفريقية الصاعدة، بينما يكتسب التعاون الزراعي أهمية كبيرة في ظل سعي الدول الأفريقية إلى تحسين الأمن الغذائي ورفع الإنتاجية.

كما أن اختيار هذه القطاعات الثلاثة معاً يعكس مقاربة صينية شاملة لا تقتصر على التجارة السلعية، بل تشمل بناء النفوذ عبر الاستثمار والتمويل ونقل الخبرات.

الرئيس الصيني شي جينبينغ لدى استقبال نظيره الكيني ويليام روتو في بكين أبريل الماضي (رويترز)

• اتفاق كينيا

في شرق أفريقيا، جاءت كينيا لتضيف بُعداً آخر لهذا التوسع. فقد أعلن الرئيس الكيني ويليام روتو أن بلاده أنهت هذا الأسبوع مفاوضات اتفاقية تجارية مع الصين، بعد شهرين فقط من الإعلان عن اتفاق مبدئي يمنح 98 في المائة من صادرات كينيا دخولاً معفى من الرسوم إلى السوق الصينية.

وتمثل هذه الخطوة تطوراً مهماً بالنسبة إلى نيروبي، التي تسعى إلى تقليص العجز التجاري الكبير مع بكين والاستفادة بصورة أكبر من السوق الصينية الضخمة. وتكتسب الاتفاقية أهمية خاصة لأن كينيا تعد أكبر اقتصاد في شرق أفريقيا، كما أنها تحاول الموازنة بين شراكاتها التقليدية مع الغرب وعلاقاتها المتنامية مع الصين.

وقد حرص روتو على الدفاع عن هذا التوجه، مشيراً إلى أن تعزيز الصادرات الكينية إلى الصين ضرورة اقتصادية، لا سيما في ظل اختلال الميزان التجاري لمصلحة بكين. كما أشار روتو إلى أن الاقتصاد الكيني أظهر مرونة خلال العام الماضي، مع استقرار التضخم والعملة، وتجاوز تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر حاجز ملياري دولار للمرة الأولى في 2025، بزيادة تتجاوز 15 في المائة عن العام السابق.

• صرامة مع المكسيك

لكن الوجه الآخر للتحرك الصيني بدا أكثر صرامة في التعامل مع المكسيك. فقد خلصت وزارة التجارة الصينية، بعد تحقيق في الإجراءات التجارية المكسيكية، إلى أن رفع الرسوم الجمركية والإجراءات الأخرى التي اتخذتها مكسيكو تشكل عوائق أمام التجارة والاستثمار، مؤكدة أن للصين الحق في اتخاذ إجراءات مضادة. ووفق التقديرات الصينية، فإن هذه الرسوم تؤثر على صادرات تتجاوز قيمتها 30 مليار دولار، وقد تتسبب في خسائر تقارب 9.4 مليار دولار في قطاعي الميكانيكا والكهرباء. ويبدو أن أكثر القطاعات تعرضاً للضرر هو قطاع السيارات وقطع الغيار، إذ تشير بكين إلى أن نحو 9 مليارات دولار من الخسائر ستتحملها هذه الصناعة، في وقت كانت فيه المكسيك أكبر وجهة لصادرات السيارات الصينية في عام 2025. وهذا يعني أن النزاع لا يتعلق فقط برسوم جمركية عابرة، بل يمس أحد أهم مجالات التوسع الصناعي الصيني في الأسواق الخارجية، ولا سيما في الصناعات ذات القيمة المضافة الأعلى التي تراهن عليها بكين في المرحلة المقبلة. وتشير خلفية الخلاف إلى أن المكسيك رفعت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الرسوم على واردات من الصين ودول أخرى لا تربطها بها اتفاقيات تجارة حرة، لتصل إلى 35 في المائة على معظم المنتجات. ويرى محللون أن هذه الخطوة جاءت في جزء منها تحت ضغط الحسابات المرتبطة بعلاقتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة، التي شددت بدورها القيود التجارية على السلع الصينية. ومن هذا المنطلق، تنظر بكين إلى التحرك المكسيكي على أنه امتداد أوسع لمناخ دولي يزداد فيه استخدام الأدوات التجارية والجمركية لكبح تمدد الصادرات الصينية.

سفينة بضائع في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

• إعادة رسم خريطة الأولويات

اقتصادياً، يكشف هذا المشهد عن أن الصين تعيد رسم خريطة أولوياتها التجارية على نحو أكثر مرونة. فهي من جهة تدفع بقوة نحو ترسيخ حضورها في أفريقيا عبر اتفاقات وشراكات تعزز الوصول إلى أسواق جديدة، وتوسع النفوذ الاقتصادي الصيني في القارة. ومن جهة أخرى، تبعث برسالة واضحة إلى الشركاء الآخرين بأنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام القيود التجارية التي تستهدف مصالحها... وهذه الازدواجية بين الانفتاح والردع قد تصبح السمة الأبرز للسياسة التجارية الصينية خلال المرحلة المقبلة. وفي المحصلة، تبدو بكين وكأنها تتحرك بمنطق توسيع البدائل وتقليل الاعتماد على مسارات تجارية واحدة. فالتقارب مع الكاميرون وكينيا يفتح آفاقاً جديدة في أفريقيا، بينما التلويح بإجراءات مضادة ضد المكسيك يهدف إلى حماية المصالح الصينية في الأسواق التي تواجه فيها ضغوطاً كبيرة. وبين المسارين، ترسل الصين إشارة مفادها أنها لا تزال قادرة على الجمع بين الدبلوماسية الاقتصادية الصاعدة والرد الحازم على ما تعده ممارسات تجارية غير عادلة.