كيف يؤثر انخفاض قيمة الروبل الروسي على الاقتصاد في وقت الحرب؟

أوراق نقدية من فئة 100 روبل أمام عامل في أحد المتاجر في منطقة سيبيريا شمال روسيا (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 روبل أمام عامل في أحد المتاجر في منطقة سيبيريا شمال روسيا (رويترز)
TT

كيف يؤثر انخفاض قيمة الروبل الروسي على الاقتصاد في وقت الحرب؟

أوراق نقدية من فئة 100 روبل أمام عامل في أحد المتاجر في منطقة سيبيريا شمال روسيا (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 روبل أمام عامل في أحد المتاجر في منطقة سيبيريا شمال روسيا (رويترز)

انخفض الروبل الروسي بشدة خلال الأشهر الأخيرة، وتدخل البنك المركزي الروسي في محاولة لوقف انهياره. حتى اللحظة، لم تتدخل الحكومة الروسية لأن انخفاض قيمة الروبل يساعد ميزانيتها. وفقاً لوكالة «أسوشيتد برس».

لكن ضعف العملة، في الوقت نفسه، يؤدي لارتفاع الأسعار بالنسبة للعامة، والحكومة قررت أخيرا أن تحاول وقف الانخفاض.

لماذا تنخفض قيمة الروبل؟

صادرات روسيا انخفضت، ما انعكس بشكل رئيسي على أرباح صادرات النفط والغاز، وأصبحت كذلك تستورد أكثر. استيراد الشركات أو الناس العاديين للسلع من الخارج يعني أنهم يستبدلون بالروبل العملات الأجنبية مثل الدولار أو اليورو، وهو ما يؤدي لتخفيض سعر الصرف.

وكذلك تقلص الفائض التجاري الروسي، ويعني الفائض التجاري كمية ما تبيعه مقابل ما تشتريه. وسابقا كان الفائض التجاري كبيرا، وهو ما يدعم قيمة العملة، بسبب ارتفاع أسعار النفط وانخفاض الواردات بعد غزو أوكرانيا.

لكن أسعار النفط انخفضت في العام الحالي، وأصبح أصعب على روسيا تصدير النفط بسبب العقوبات الغربية، بالإضافة إلى وضع سقف لأسعار النفط الخام والمنتجات البترولية بما فيها الوقود.

في الوقت نفسه، تحسنت مستويات الواردات إلى روسيا بعد ما يقرب من عام ونصف على غزو أوكرانيا، حيث استطاعت روسيا الالتفاف على العقوبات. فغيرت بعض طرقها التجارية وأصبحت تمر عبر دول آسيوية لا تشارك في برنامج العقوبات. والتجار عثروا على طرق جديدة لشحن بضاعتهم عبر دول مجاورة مثل أرمينيا وجورجيا وكازاخستان. وكذلك تقوم روسيا بتسريع إنفاقها الدفاعي وتضخ الأموال في شركات تصنيع الأسلحة.

هذا الإنفاق الحكومي، بالإضافة إلى رغبة الهند والصين في شراء النفط الروسي يساعد الاقتصاد على تحسين أدائه أكثر مما كان البعض يعتقد. فصندوق النقد الدولي قال الشهر الماضي إنه يتوقع أن يحقق الاقتصاد الروسي نموا بمقدار 1.5% هذا العام.

لماذا رفع البنك المركزي معدل الفائدة؟

ضعف العملة يزيد من التأثير السيئ للتضخم، لأنه يجعل البضائع المستوردة غالية الثمن بالعملة الروسية، فينتقل ضعف العملة للناس العاديين. ووصل التضخم إلى نسبة 7.6% خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

رفع معدل الفائدة يرفع تكلفة الاقتراض، ما يؤدي إلى انخفاض الطلب المحلي على السلع بما فيها المستوردة. لذا فالبنك المركزي يحاول السيطرة على الاقتصاد المحلي لخفض التضخم. ورفع البنك المركزي معدل الفائدة الرئيسي من 8.5% إلى 12% بعدما انتقد المستشار الاقتصادي للكرملين انخفاض قيمة الروبل.

هل هذا يعني أن العقوبات فعالة؟

تؤثر العقوبات على الاقتصاد حتى لو لم تؤدِ لانهياره بالكامل. فالصادرات الروسية، بما فيها التي تتم بالروبل، انخفضت بسبب مقاطعة الحلفاء الغربيين للنفط الروسي ووضع سقف لأسعار النفط للدول غير الغربية التي تستورده. فالعقوبات تمنع شركات التأمين وشركات الشحن التي تعمل من الدول الغربية من تداول النفط الروسي بأكثر من 60 دولارا للبرميل.

المقاطعة ووضع سقف لسعر النفط أجبرا روسيا على بيعه بأسعار مخفضة، واللجوء لإجراءات مكلفة مثل تشغيل أسطول من الناقلات بشكل غير مباشر لتكون بعيدة عن العقوبات.

رغم انخفاض أرباح روسيا من النفط بنسبة 23% خلال النصف الأول من العام الحالي، فإن روسيا ربحت 425 مليون دولار في اليوم من مبيعات النفط، وفقا لكلية الاقتصاد في كييف.

انتعاش الواردات في روسيا يشير إلى أن موسكو استطاعت الالتفاف على العقوبات والمقاطعة. قد تكون تلك الطرق مكلفة ومرهقة، لكن إذا أراد شخص شراء هاتف آيفون أو سيارة صنعت في الغرب، فبالتأكيد يمكنه الحصول عليه.

هل تعاني روسيا من أزمة اقتصادية؟

يقول كريس وايفر، المدير التنفيذي لشركة ماكرو للاستشارات، إن «انخفاض سعر الروبل جزء منه بسبب تأثير العقوبات، لكن هذا لا يشير إلى وجود أزمة اقتصادية».

انخفاض سعر الروبل ساعد الحكومة فيما يخص الميزانية، لأنه يعني المزيد من الروبلات مقابل كل دولار يأتي من أرباح النفط أو المنتجات التي تبيعها روسيا في الخارج، وهذا يؤدي بدوره إلى رفع الإنفاق على التصنيع العسكري والبرامج الاجتماعية التي تهدف لكبح تأثير العقوبات على الشعب الروسي.

وتابع وايفر: «لقد حاولوا (الروس) الموازنة بين انخفاض الدخل الدولاري القادم من بيع النفط وضعف الروبل، حتى يمكن السيطرة على العجز في الإنفاق وإمكان إداراته».

ويضيف: «ووسط العقوبات والقيود على حركة الأموال لخارج روسيا، فإن البنك المركزي يتحكم في سعر الصرف، ويمكنه أن يقول لكبار المصدرين متى يحولون أرباحهم بالدولار إلى الروبل».

ويرى وايفر أن «إضعاف العملة كان مخططا له، لكنه خرج عن السيطرة لذلك يحاولون التحكم به مرة أخرى».

ويقول يانيس كلوج، خبير في الاقتصاد الروسي لدى المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، إن الكرملين غير راض عن انخفاض قيمة الروبل. مضيفا: «الفوضى الناتجة عن العقوبات في بداية الحرب كانت أسوأ، لكن من وقتها هذه أول مرة تكون الأمور خارج السيطرة إلى حد ما».

ويؤكد: «أي دعم للميزانية نتيجة انخفاض الروبل، سيقابله ارتفاع في الإنفاق الحكومي على الأجور والمعاشات وهو ما سيرفع التضخم الذي حدث بسبب خفض العملة». ويشير إلى أن «أي حدث يعطي انطباعا بأن الاقتصاد ضعيف أو غير مستقر لن يكون محل ترحيب من الحكومة الروسية. ففي روسيا يرون أن سعر الصرف هو أهم مؤشر على قوة الاقتصاد».

كيف يؤثر هذا الوضع الاقتصادي على حياة الشعب؟

التضخم الناتج عن تخفيض قيمة العملة يؤثر بشدة على الأقل دخلا لأنهم ينفقون المزيد من الأموال على الأمور الأساسية مثل الطعام.

يوضح كيلوج أن رفع معدل الفائدة سيؤدي لإبطاء النمو الاقتصادي وتخفيف ارتفاع الأسعار، إلا أنه من غير المرجح أن الحكومة ستتخلى عن الإنفاق الدفاعي على صناعات الأسلحة، مضيفا: «من الواضح أن أولوية الحكومة هي الحرب وليس رفاهية شعبها».

ويقول نيكولاي روبستوف، طالب روسي ويبلغ من العمر (20 عاما) إنه غير منزعج من انخفاض قيمة الروبل، مشيرا إلى ثقته بأن الأمور ستعود لنصابها قريبا.


مقالات ذات صلة

ترمب يصدر إعفاءً من عقوبات ورسوم جمركية مرتبطة بروسيا

الاقتصاد ترمب يتحدث خلال مراسم التوقيع على أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي (أرشيفية - رويترز)

ترمب يصدر إعفاءً من عقوبات ورسوم جمركية مرتبطة بروسيا

أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب إعفاءً من عقوبات ورسوم جمركية رئيسية مرتبطة بروسيا قبل أيام من دخولها حيز التنفيذ بموجب قانون وقَّعه الشهر الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية مبنى وزارة الخزانة الأميركية في العاصمة واشنطن يوم 11 يوليو 2026 (رويترز)

وزارة الخزانة الأميركية تصدر عقوبات جديدة مرتبطة بإيران

أفاد إشعار ‌نشر على ‌الموقع ​الإلكتروني ‌لوزارة الخزانة ​الأميركية بأن إدارة ‌الرئيس ‌دونالد ​ترمب ‌أصدرت عقوبات ‌جديدة تتعلق ‌بإيران تستهدف 16 فردا و10 كيانات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شعار «بنك أوف أميركا» يزيِّن واجهة مكتبه في وسط مدينة تورونتو بكندا (رويترز)

واشنطن تُغرِّم «بنك أوف أميركا» 1.2 مليار دولار بسبب مخالفات مالية

أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض غرامات بقيمة 1.2 مليار دولار على «بنك أوف أميركا»، على خلفية مخالفات مزعومة لقوانين مكافحة غسل الأموال.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا قاذفة أميركية من طراز «بي - 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية 27 سبتمبر الماضي (رويترز) p-circle

أميركا وحلفاؤها يحذّرون إيران من سلوك «غير مقبول» بعد واقعة «فيرفورد»

حذّرت الولايات المتحدة وشركاؤها، ومنهم بريطانيا وأستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا، إيران، الاثنين، من الإقدام على أعمال عدائية على أراضيها، عقب حادثة «فيرفورد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد في لوكسمبورغ الاثنين (إ.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يسير بعكس التيار الأميركي في التعامل مع موسكو

الاتحاد الأوروبي يسير بعكس التيار الأميركي في التعامل مع روسيا، وثمة قناعة أوروبية مفادها أن موسكو تخطط لما هو أبعد من أوكرانيا.

ميشال أبونجم (باريس)

اليابانيون يواصلون بيع السندات الأجنبية للأسبوع الخامس منذ 2022

تظهر ورقة نقدية من الين الياباني في صورة توضيحية (رويترز)
تظهر ورقة نقدية من الين الياباني في صورة توضيحية (رويترز)
TT

اليابانيون يواصلون بيع السندات الأجنبية للأسبوع الخامس منذ 2022

تظهر ورقة نقدية من الين الياباني في صورة توضيحية (رويترز)
تظهر ورقة نقدية من الين الياباني في صورة توضيحية (رويترز)

واصل المستثمرون اليابانيون بيع السندات الأجنبية للأسبوع الخامس على التوالي خلال الأسبوع المنتهي في 17 أكتوبر (تشرين الأول)، في أطول سلسلة من المبيعات منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، في حين تراجعت الأسهم اليابانية، الخميس، مع تعرض أسهم شركات الرقائق لضغوط وسط حذر المستثمرين إزاء آفاق الإنفاق على الذكاء الاصطناعي العام المقبل.

وأظهرت بيانات وزارة المالية اليابانية أن المستثمرين باعوا صافي سندات أجنبية طويلة الأجل بقيمة 161.6 مليار ين (1.02 مليار دولار)، وهو أقل مستوى للمبيعات خلال الأسابيع الخمسة، إلى جانب أذون قصيرة الأجل بقيمة 156.9 مليار ين، وفق «رويترز».

وبذلك، ارتفع صافي مبيعات السندات الأجنبية طويلة الأجل خلال الأسابيع الخمسة إلى نحو 3.43 تريليون ين، بينما بلغ صافي المبيعات منذ بداية العام 5.18 تريليون ين، وهو أعلى مستوى للفترة المقابلة منذ عام 2022.

وجاءت هذه المبيعات مع تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية بعد بلوغها مستويات مرتفعة، إذ انخفض عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات بنحو 27 نقطة أساس، بعدما سجل في وقت سابق من الشهر 5.3645 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 24 عاماً ونصف العام.

وفي المقابل، ارتفع عائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى 5.022 في المائة، الأربعاء، وهو أعلى مستوى منذ 24 عاماً، وسط مخاوف بشأن الاحتجاجات الواسعة في فرنسا.

وقادت البنوك المحلية اليابانية مبيعات السندات الأجنبية منذ بداية العام، في حين أشارت شركات التأمين على الحياة إلى خطط للإبقاء على مشترياتها من السندات المحلية أو زيادتها خلال النصف الثاني من السنة المالية.

وفي أسواق الأسهم الأجنبية، سجل المستثمرون اليابانيون صافي مشتريات بقيمة 128.3 مليار ين، لتكون هذه المرة الخامسة التي يحققون فيها صافي شراء خلال الأسابيع الستة الماضية.

في المقابل، واصل المستثمرون الأجانب شراء السندات اليابانية طويلة الأجل للأسبوع الثالث على التوالي، بصافي مشتريات بلغ 1.45 تريليون ين خلال الأسبوع. لكنهم باعوا أذوناً قصيرة الأجل بقيمة 2.24 تريليون ين، وهي أكبر مبيعات أسبوعية خلال ثلاثة أسابيع.

وفي سوق الأسهم اليابانية، سجل المستثمرون الأجانب صافي مبيعات محدوداً بقيمة 66.5 مليار ين، بعد مشتريات صافية ضخمة بلغت 3.55 تريليون ين في الأسبوع السابق.

«نيكي» يتراجع بضغط من أسهم الرقائق

وفي سوق الأسهم، انخفض مؤشر «نيكي» الياباني، الخميس، مع تراجع أسهم شركات الرقائق عن مكاسب الجلسة السابقة، وسط حذر المستثمرين بشأن استمرار الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي خلال العام المقبل.

وتراجع المؤشر الذي تهيمن عليه أسهم التكنولوجيا بنسبة 0.8 في المائة إلى 64128.54 نقطة بحلول الساعة 01:37 بتوقيت غرينتش، بعدما ارتفع بنسبة 0.9 في المائة، الأربعاء.

في المقابل، استقر مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً، بعد ارتفاعه بنسبة 0.9 في المائة في الجلسة السابقة.

وجاءت هذه التحركات بعدما تراجعت أسهم شركة «لام ريسيرش» الأميركية المتخصصة في معدات تصنيع الرقائق خلال التداولات الممتدة بعد الإغلاق، رغم إعلانها نتائج إجمالية قوية عقب إغلاق «وول ستريت» الأربعاء.

وأشار كازويوشي سايتو، المحلل لدى شركة «إيواي كوزمو سيكيوريتيز»، إلى مخاوف بشأن الطلب الصيني، موضحاً أن السوق الصينية شهدت تسارعاً في شراء معدات التصنيع قبل المواعيد المعتادة، تحسباً لتشديد القيود التنظيمية، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع المشتريات لاحقاً.

وقال واتارو أكياما، استراتيجي الأسهم لدى «نومورا سيكيوريتيز»، إن المستثمرين يركزون أنظارهم على عام 2027، ويتساءلون عما إذا كان الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي سيواصل النمو، مضيفاً أن الأسواق تشهد قدراً كبيراً من الحذر في هذا الشأن.

وقادت أسهم قطاع الرقائق تراجعات «نيكي»، إذ هبط سهم «طوكيو إلكترون» بنسبة 4.1 في المائة، ليُسْهِمَ في خفض المؤشر بنحو 212 نقطة نظراً لوزنه الكبير فيه. كما تراجع سهم «سكرين هولدينغز» بنسبة 6 في المائة، و«لازرتك» بنسبة 2.7 في المائة.

وانخفض سهم «فوجيكورا»، المتخصصة في كابلات مراكز البيانات، بنسبة 3 في المائة، بينما تراجع سهم مجموعة «سوفت بنك»، المستثمر في الشركات الناشئة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بنسبة 3.1 في المائة.

في المقابل، ارتفعت أسهم شركات تكنولوجية أخرى. وصعد سهم شركة الأمن السيبراني «تريند مايكرو» بنسبة 6.6 في المائة، عقب الإعلان عن ثغرات أمنية خطيرة في لغة البرمجة «PHP»، دفعت حكومات عدة في أوروبا إلى إخراج مواقعها الإلكترونية من الخدمة مؤقتاً لحماية أنظمتها.

كما ارتفع سهم شركة خدمات تكنولوجيا المعلومات «شيفت» بنسبة 9 في المائة، مسجلاً أكبر مكاسب مئوية بين الأسهم المدرجة في «نيكاي»، وصعد سهم شركة الاستشارات التقنية «باي كيرنت» بنسبة 5.9 في المائة، بينما زاد سهم «سوني» بنسبة 2.6 في المائة.


كارني: الرسوم الأميركية ترفع تكاليف الأسر وتدفع كندا إلى تنويع شراكاتها

تُظهر لقطة جوية بطائرات مسيّرة حاويات شحن وشاحنات نقل في ميناء مونتريال (رويترز)
تُظهر لقطة جوية بطائرات مسيّرة حاويات شحن وشاحنات نقل في ميناء مونتريال (رويترز)
TT

كارني: الرسوم الأميركية ترفع تكاليف الأسر وتدفع كندا إلى تنويع شراكاتها

تُظهر لقطة جوية بطائرات مسيّرة حاويات شحن وشاحنات نقل في ميناء مونتريال (رويترز)
تُظهر لقطة جوية بطائرات مسيّرة حاويات شحن وشاحنات نقل في ميناء مونتريال (رويترز)

قال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، الأربعاء، إن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفعت تكاليف الأسر الأميركية وأخلّت بعلاقة تجارية استمرت عقوداً بين البلدين، معلناً خطة بمليارات الدولارات لحماية الصناعات الكندية من تداعيات الحرب التجارية.

وجاءت تصريحات كارني بالتزامن مع اتهام السفارة الأميركية في كندا سياسيين كنديين بالسعي إلى التأثير في السياسة الأميركية قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة الشهر المقبل، وهي اتهامات رفضها كارني ورئيس وزراء مقاطعة أونتاريو دوغ فورد، مؤكدين أن بلادهما لا تسعى إلى التدخل في الانتخابات الأميركية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وقال كارني إن الرسوم الجمركية الأميركية «أخلّت بترتيبات تجارية استمرت عقوداً»، مضيفاً أنها «رفعت التكاليف على الأسر الأميركية، ووضعت العمال والشركات في أونتاريو في وضع غير مواتٍ، وأبقتهم تحت وطأة عدم اليقين».

وأشار إلى أن تكامل صناعة السيارات في أميركا الشمالية يصب في مصلحة البلدين، لكنه أقرّ بأن هذا التكامل ربما لم يعد أولوية لدى واشنطن. وقال: «لقد تغيّر نهجهم، ويجب أن يتغيّر نهجنا أيضاً».

وأوضح كارني أنه أجرى محادثة مع ترمب استمرت «وقتاً طويلاً»، تناولت التجارة وإيران والشرق الأوسط، مشيراً إلى أن الجانبين ناقشا أوكرانيا قبل أيام. ولم يشر إلى تحقيق اختراق في المفاوضات، لكنه أكد استعداد كندا لمواصلة التفاوض.

وكانت المفاوضات التجارية بين البلدين قد انهارت في أغسطس (آب)، بعدما بدا أنهما اقتربا من التوصل إلى اتفاق. وفرض ترمب لاحقاً رسوماً جمركية بنسبة 50 في المائة على سلع كندية تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار، ما دفع أوتاوا إلى اتخاذ إجراءات مضادة.

وقال فورد إن العلاقة بين كندا والولايات المتحدة تغيّرت بصورة دائمة، مضيفاً: «بغض النظر عما سيحدث في انتخابات التجديد النصفي، وبغض النظر عمن سيشغل البيت الأبيض، فلن نعود إلى ما كانت عليه الأمور سابقاً».

وأثارت الحرب التجارية التي يشنها ترمب، إلى جانب تهديداته المتكررة بضم كندا لتصبح الولاية الأميركية الحادية والخمسين، موجة من النزعة القومية في كندا. وجعل كارني تقليص اعتماد بلاده على الولايات المتحدة أولوية، واضعاً هدفاً لمضاعفة الصادرات الكندية إلى الأسواق الأخرى خلال العقد المقبل.

خطة بمليارات الدولارات لدعم الصناعة الكندية

أعلن كارني وفورد خطة بقيمة 8.7 مليار دولار كندي (6.2 مليار دولار أميركي)، لدعم منتجي الصلب وشركات صناعة السيارات وتطوير المعادن الحيوية في أونتاريو، التي تُعدّ القلب الصناعي لكندا.

وتتضمن الخطة تخصيص 5.2 مليار دولار كندي (3.7 مليار دولار أميركي) لمنتجي الصلب على مدى خمس سنوات، و2.5 مليار دولار كندي (1.8 مليار دولار أميركي) لشركات صناعة السيارات، منها 1.5 مليار دولار كندي (1.1 مليار دولار أميركي) من الحكومة الفيدرالية.

ويأتي الإعلان في وقت أعلنت فيه شركة «كليفلاند-كليفز» الأميركية لصناعة الصلب تسريح موظفين في مصنعها بمدينة هاميلتون في أونتاريو، في مؤشر على التداعيات التي تلحقها الرسوم الجمركية الأميركية بقطاع التصنيع الكندي.

وقال كارني إن صادرات السيارات الكندية إلى الولايات المتحدة تراجعت بأكثر من 10 في المائة، في حين انخفضت الصادرات الأميركية إلى كندا بأكثر من 20 في المائة. وأضاف: «الرسوم الجمركية تجعل صناعاتنا أضعف، وتقلّص الخيارات المتاحة أمام أسرنا».

السفارة الأميركية تتهم سياسيين كنديين بالتدخل

وفي سياق متصل، أصدرت السفارة الأميركية في كندا، الأربعاء، بياناً اتهمت فيه سياسيين كنديين بمحاولة التأثير في الانتخابات الأميركية.

وسمّى البيان وزيرة الصناعة الكندية ميلاني جولي، بسبب مناقشتها فرض رسوم جمركية انتقامية تستهدف ولايات يحكمها الجمهوريون، كما انتقد فورد بسبب بث إعلان أميركي يظهر الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان وهو ينتقد الرسوم الجمركية. وكان ترمب قد ألغى بصورة مفاجئة المحادثات التجارية مع كندا بعدما عُرض الإعلان خلال بطولة العالم للبيسبول في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

واستشهدت السفارة أيضاً باتهام 11 كندياً بالتصويت بصورة غير قانونية في انتخابات أميركية بين عامي 2012 و2026، من دون تقديم ما يربط هذه القضايا بالحكومة الكندية.

وتأتي هذه الاتهامات في وقت أطلقت فيه إدارة ترمب جهوداً حكومية واسعة للتحقيق في تصويت غير المواطنين وملاحقتهم قضائياً. وتصف جهات متخصصة في الانتخابات ومسؤولون عن إدارتها هذه الظاهرة بأنها محدودة نسبياً. وقالت وزارة العدل الأميركية إنها اعتقلت أكثر من 200 شخص منذ بداية عام 2026 للاشتباه في تصويتهم بصورة غير قانونية بصفتهم غير مواطنين في انتخابات سابقة، وهو عدد ضئيل للغاية مقارنة بعشرات الملايين من الناخبين المعتادين في البلاد.

يرفرف العلمان الكندي والأميركي على جانبي نهر سانت كلير بالقرب من جسر بلو ووتر (رويترز)

وقال دانيال بيلاند، أستاذ العلوم السياسية في جامعة ماكغيل بمونتريال، إن ما ورد في بيان السفارة الأميركية «ليس أمثلة حقيقية على التدخل الأجنبي»، معتبراً أن الافتراض الضمني بأن كندا قادرة على تغيير نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية بصورة كبيرة «أمر سخيف».

وأضاف أن اتهام كندا بالتدخل الأجنبي قبيل الانتخابات قد يمهّد لإلقاء اللوم عليها بعد إعلان النتائج.

كارني يزور تركيا لتعزيز الشراكات التجارية

يلتقي رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الخميس، في أول زيارة ثنائية يجريها زعيم كندي إلى أنقرة، في إطار مساعيه لتعزيز التجارة مع القوى المتوسطة وتخفيف اعتماد بلاده على الولايات المتحدة.

ومن المتوقع أن يوقّع كارني وإردوغان إعلاناً لتعميق التعاون في أربعة مجالات، تشمل الدفاع والطاقة، وفقاً لشخص مطّلع على الموضوع، وفق «رويترز».

وقال مكتب كارني إن الزيارة تهدف إلى «ترسيخ مكانة كندا شريكاً رئيسياً في التجارة والاستثمار».

ورغم محدودية التبادل التجاري بين البلدين، إذ شكّلت تركيا أقل من 0.3 في المائة من إجمالي تجارة كندا السلعية، بقيمة 4.34 مليار دولار كندي (3.09 مليار دولار أميركي)، فقد ارتفع حجم التجارة الثنائية بنحو 50 في المائة خلال السنوات الخمس الماضية.

وقالت بسمة موماني، أستاذة العلوم السياسية في جامعة واترلو، إن الزيارة تأتي في إطار «ضرورة جيوسياسية لإظهار أننا لا نجلس مكتوفي الأيدي في انتظار الأميركيين».

وخلال العام الماضي، أبرمت كندا أكثر من 20 اتفاقاً تجارياً ضمن مساعي كارني لمضاعفة الصادرات إلى الأسواق غير الأميركية خلال العقد المقبل. وكان قد زار بكين في يناير (كانون الثاني) لإعادة ضبط العلاقات المتوترة مع الصين، وتوصل إلى اتفاق خفّض الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية والكانولا.

ورغم الانتقادات المتعلقة بالمخاطر الأمنية التي تمثلها الصين، بعدما خلصت السلطات الكندية سابقاً إلى تدخل بكين في انتخابين فيدراليين على الأقل، وصف كارني الصين بأنها شريك تجاري «أكثر قابلية للتنبؤ» من الولايات المتحدة.

ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تستقبل نحو 70 في المائة من صادرات كندا، ما يعكس حجم التحدي الذي تواجهه أوتاوا في تنويع أسواقها.

وكان كارني وإردوغان قد أطلقا، خلال قمة قادة الناتو في يوليو (تموز)، مفاوضات بشأن اتفاق للتجارة الحرة، كما وافقت تركيا على الانضمام إلى بنك الدفاع والأمن والمرونة الكندي عضواً مؤسساً.

وتشمل أبرز الصادرات الكندية إلى تركيا العدس والطائرات والإلكترونيات، بينما تستورد كندا من تركيا الأجهزة الطبية وسفن الصيد ومحركات الطائرات والمجوهرات.


صندوق النقد: الأنشطة غير النفطية تعزز قدرة الاقتصاد السعودي على مواجهة الاضطرابات

طريق الملك فهد في العاصمة الرياض (واس)
طريق الملك فهد في العاصمة الرياض (واس)
TT

صندوق النقد: الأنشطة غير النفطية تعزز قدرة الاقتصاد السعودي على مواجهة الاضطرابات

طريق الملك فهد في العاصمة الرياض (واس)
طريق الملك فهد في العاصمة الرياض (واس)

أظهرت توقعات صندوق النقد الدولي للاقتصاد السعودي آفاقاً واعدة للتعافي والنمو، رغم الضغوط التي تفرضها الاضطرابات الإقليمية على إنتاج الطاقة وحركة التجارة وسلاسل الإمداد. وفي حين يُتوقع أن يتأثر الناتج المحلي الإجمالي للمملكة في عام 2026 بتراجع نشاط قطاع النفط والغاز، تظل الأنشطة غير النفطية أكثر قدرة على الصمود، بينما يُرجح أن يشهد الاقتصاد انتعاشاً قوياً في عام 2027 مع عودة إنتاج الطاقة تدريجياً إلى طبيعته وتحسن الأوضاع الأمنية والتجارية.

ويضع تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» الصادر عن صندوق النقد الدولي في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، السعودية ضمن الاقتصادات الرئيسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، في وقت تواجه فيه المنطقة تداعيات النزاعات واضطرابات إمدادات الطاقة والتجارة العالمية.

تراجع مؤقت في النمو وصمود الأنشطة غير النفطية

يتوقع التقرير انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للسعودية بنسبة 3.3 في المائة في عام 2026، نتيجة تراجع نشاط قطاع الهيدروكربونات خلال النصف الأول من العام، في ظل الاضطرابات التي طالت إنتاج الطاقة وحركة الملاحة وسلاسل الإمداد الإقليمية، ولا سيما المرتبطة بمضيق هرمز وباب المندب.

وفي المقابل، أظهرت الأنشطة غير النفطية في المملكة قدرة على الصمود وأداء أفضل نسبياً مقارنة بقطاعات الطاقة، مدعومة باستمرار الزخم الاستثماري وبرامج التنويع الاقتصادي المرتبطة بـ«رؤية 2030».

وفي قطاع السياحة، سجلت المملكة أقل تراجع في معدلات إشغال الفنادق مقارنة بالدول الأخرى المتأثرة مباشرة بالتوترات الإقليمية، بما يعكس قدرة نسبية على الحفاظ على نشاط الخدمات السياحية في ظل الظروف الراهنة.

انتعاش قوي مرتقب في 2027

على الرغم من الانكماش المتوقع في عام 2026، يرجح صندوق النقد الدولي أن يسجل الاقتصاد السعودي انتعاشاً قوياً في العام التالي، مع توقع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 7.9 في المائة في عام 2027.

ويرتبط هذا التعافي بالعودة التدريجية لإنتاج الطاقة إلى مستوياته الطبيعية، واستقرار الأوضاع الأمنية والتجارية، وتحسن حركة سلاسل الإمداد العالمية.

وعلى المدى المتوسط، تشير توقعات التقرير إلى استقرار نمو الناتج المحلي الحقيقي للمملكة عند نحو 3.6 في المائة بحلول عام 2031، بما يعكس عودة النمو إلى مسار أكثر استقراراً بعد التقلبات المتوقعة خلال الفترة الحالية.

التضخم والسياسة النقدية

على صعيد الأسعار، يُقدر متوسط التضخم في السعودية بنحو 2.7 في المائة خلال عام 2026، قبل أن يستقر عند نحو 2 في المائة في السنوات اللاحقة، وفق التوقعات الواردة في المادة.

وساعدت عوامل تشمل الدعم وضوابط التسعير والانضباط المالي، في احتواء الضغوط التضخمية والحفاظ على استقرار نسبي للأسعار مقارنة بعدد من اقتصادات المنطقة.

وفيما يتعلق بالسياسة النقدية، اتخذت البنوك المركزية الخليجية، ومن بينها السلطات النقدية السعودية، خطوات متسقة مع تحركات مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي بهدف دعم استقرار الأسواق المالية والحد من الضغوط التضخمية المحتملة.

مرونة مالية وقدرة على امتصاص الصدمات

تتسم السياسة المالية السعودية في عام 2026 بالانضباط والتحوط، مع توفُّر مجال لتوجيه الإنفاق نحو الأولويات الاستراتيجية، بما يشمل تطوير البنية التحتية، ورفع كفاءة الإنفاق، ودعم الإصلاحات الهيكلية طويلة الأجل.

كما دخلت المملكة مرحلة الاضطرابات الإقليمية وهي تمتلك احتياطيات ومراكز مالية مريحة، ساعدت على امتصاص الصدمات المؤقتة التي قد تطال الحساب الجاري والاحتياطيات الرسمية، وفق التقرير.

وتكتسب هذه الهوامش المالية أهمية في ظل ارتفاع حالة عدم اليقين إقليمياً وعالمياً، إذ تتيح تعزيز القدرة على مواجهة التقلبات مع مواصلة الاستثمار في الأولويات الاقتصادية.

الذكاء الاصطناعي

يمثل الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أحد المجالات التي تسعى السعودية، إلى جانب دول خليجية أخرى، إلى توسيع حضورها فيها. ويتناول التقرير الاستثمارات المعلنة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، التي تتجاوز قيمتها، وفق الأرقام الواردة في التقرير، 5 في المائة من الناتج المحلي، مع توقعات بأن تسهم هذه الاستثمارات في تعزيز الإنتاجية والنمو على المدى المتوسط.

وفي الوقت نفسه، تظل الإصلاحات الهيكلية عاملاً مهماً في تعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية، من خلال زيادة مرونة أسواق العمل، والاستثمار في رأس المال البشري، وتنويع الصادرات غير النفطية.

ويشير التقرير كذلك إلى التقدم الذي أحرزته دول مجلس التعاون الخليجي في تنويع صادرات السلع خلال العقدين الماضيين، بما يعزز أهمية مواصلة الجهود الرامية إلى توسيع القاعدة الإنتاجية والتجارية وتقليل الاعتماد على مصادر الدخل التقليدية.

وتعكس هذه المسارات مجتمعة أهمية التنويع الاقتصادي والاستثمار في القطاعات الجديدة في دعم قدرة السعودية على تجاوز تداعيات الاضطرابات الراهنة، والحفاظ على آفاق نموها على المدى المتوسط.