قمة باريس: دعوات لقيام نظام مالي جديد «أكثر عدلا»

ماكرون يستقبل الأمير محمد بن سلمان… ويشدد على أنه لا يجوز الاختيار بين الفقر وحماية الكوكب

قمة باريس: دعوات لقيام نظام مالي جديد «أكثر عدلا»
TT

قمة باريس: دعوات لقيام نظام مالي جديد «أكثر عدلا»

قمة باريس: دعوات لقيام نظام مالي جديد «أكثر عدلا»

وسط إجراءات أمنية مشددة وقطع منافذ وطرق ونشر قوة أمنية رئيسية وإجراءات تفتيشية متشددة، انطلقت في باريس صباح الخميس أعمال قمة «من أجل ميثاق مالي عالمي جديد»، حيث نجحت باريس بحشد عدد كبير من قادة الدول ورؤساء الحكومات ومسؤولي البنوك الدولية والإقليمية والصناديق الاستثمارية، عدا عن ممثلي الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني الفاعلة في قطاعي المناخ ومحاربة الفقر.

استقبال استثنائي

وجاءت الأمطار الغزيرة التي هطلت على العاصمة باريس لتزيد من ازدحامات السير وتؤخر الحضور من الوصول، سواء كانت الوفود الدولية أو المجتمع المدني وأيضا الصحافة، ومنها «الشرق الأوسط» التي جاءت بقوة لتغطية الحدث الكبير. ومنذ الثامنة صباحا، بدأ تقاطر مواكب وفود رؤساء الدول والحكومات المدعوين، وكانت في استقبالهم وزيرة الخارجية كاترين كولونا... إلا أن الرئيس إيمانويل ماكرون قام ببعض الاستثناءات، إذ استقبل شخصيا الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء، على مدخل «قصر برونيار» مقر الاجتماع.

وعند دخوله قاعة الاجتماعات الكبرى، حظي ولي العهد بحفاوة استثنائية، حيث صافح العديد من قادة الدول المشاركة الذين تبادل معهم أطراف الحديث، وخص منهم أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي جلس إلى يساره.

قمة مختلفة

ثمة خصائص عديدة تدمغ قمة باريس. فمن جهة، ليست اجتماعا في إطار قمم المناخ التي تتولاها الأمم المتحدة، وليست اجتماعا في إطار كمجموعة السبع أو العشرين أو أي منظمة دولية أو إقليمية. ذلك أنها جاءت بمبادرة من الرئيس ماكرون أطلقها العام الماضي ونجح في اجتذاب ما بين أربعين إلى خمسين من قادة العالم وكبار المسؤولين الماليين، والغرض التداول بصراحة حول ضرورة تعديل النظام المالي الدولي. وإذا كانت القمة، مضمونا، قد تميزت

بشيء، فحول استشعار الحاجة إلى إعادة تشكيل النظام المالي الدولي مع التحذير والتركيز على مسألة التعامل مع التغيرات المناخية وما تستجلبه من كوارث، ولكن من غير التخلي عن محاربة الفقر في البلدان النامية... من هنا، الحاجة إلى مزيد من التمويل للسير بالأولويتين معا.

يصعب تلخيص مجريات ما حصل في اليوم الأول للقمة، إذ بعد افتتاحها بكلمة من الرئيس ماكرون وبشهادتين لناشطتين من المجتمع المدني، حصلت ثلاث مداخلات لرئيس النيجر ورئيسة وزراء جزيرة بربادوس، ثم كلمة للأمين العام للأمم المتحدة. بعد ذلك، التأمت بالتتابع ست طاولات مستديرة شارك فيها العديد من رؤساء الدول والمسؤولين الاقتصاديين والماليين والمؤسسات المالية الدولية والناشطين من منظمات المجتمع المدني. وأدار ثلاثا منها وزراء فرنسيون «الاقتصاد والخارجية والتعاون الدولي»، والرابعة نائبة رئيس وزراء إسبانيا، والطاولتين الأخيرتين اختصاصيان اقتصاديان.

محاور متعددة

ودارت مناقشات الطاولة الأولى حول تطوير بنوك التنمية متعددة الأطراف لمواجهة تحديات العصر، والثانية حول النهج الجديد لتوفير نمو أخضر، والثالثة تركزت على مديونية الدول الناشئة، والرابعة تناولت كيفية توفير البيئة المناسبة لمزيد من انخراط القطاع الخاص في الاستثمار بالبنى التحتية وفي الشركات المتوسطة والصغرى. أما الطاولتان الأخيرتان فقد ركزتا على إيجاد أدوات التمويل المتجددة لمساعدة الاقتصادات الهشة، وعلى توفير قاعدة بيانات ومعلومات تتمتع بالصدقية.

وبالتوازي، وفي موقعين آخرين، شارك الكثيرون بثلاثين حدثا بصيغ مختلفة توزعت ما بين مبنى اليونيسكو ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في باريس.

صورة متشائمة

وفي كلمته، رسم ماكرون صورة متشائمة لواقع العالم، واضعا الإصبع على تعمق الانقسامات والهشاشة البيئوية وتبعات جائحة كوفيد واستعادة النشاط الاقتصادي المبعثرة والحرب في أوكرانيا وتهلهل النظام المالي العالمي. من

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

هنا، جاء اقتراحه لـ«ميثاق» جديد، واضعا له أربعة مبادئ رئيسية... أولها أنه لا يتعين لأي بلد في العالم أن يكون عليه الاختيار ما بين محاربة الفقر وحماية الكوكب، وأنه يتعين السير بالمعركتين معا. والمبدأ الثاني ينص على حق كل بلد أن يختار طريقه الخاص من غير إملاء أو ضغوط، بمعنى أن الميثاق الجديد «يجب أن يكون أكثر احتراما لسيادة كل طرف وخياراته ونموذجه». والمبدأ الثالث ينص على أن ضخامة الحاجات التمويلية يجب أن تفضي إلى تعبئة كافة الموارد من بنى مالية ومنظمات إقليمية ودولية وبنوك إنمائية متعددة الأطراف. وأخيرا، أشار ماكرون إلى ضرورة تعبئة القطاع الخاص وتوفير الأموال الضرورية «لوضعها في خدمة الكوكب» ولمحاربة الفقر والتغيرات المناخية، ولكن أيضا المحافظة على غنى التنوع البيولوجي. وباختصار يريد ماكرون، صاحب الدعوة، إحداث «صدمة تمويل عامة» وإعادة صياغة النظام المالي العالمي ليكون أكثر عدلا ونجاعة.

ما قاله ماكرون، شكل جوهر كلمة أنطونيو غوتيريش، أمين عام الأم المتحدة الذي لم يتردد بالتنديد بـ«فشل الهيكلية المالية الدولية»، وبالقواعد التي تتحكم بأداء مؤسسات دولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، التي وصف ممارساتها بأنها «أصبحت غير أخلاقية تماما». وندد غوتيريش بوجود 750 مليون شخص يعانون من الجوع في العالم وبـ«الهندسات المالية غير العادلة، وبانعدام المساواة». مشيرا إلى أن دول الاتحاد الأوروبي «لها الحق في 160 مليار دولار من حقوق السحب الخاصة، فيما حصة أفريقيا لا تزيد على 34 مليار دولار».

ولم يعبر غوتيريش عن الكثير من التفاؤل لجهة تغيير القواعد المالية الدولية، إذ إن ذلك يحتاج إلى «إرادة سياسية»، خاتما كلمته بالتذكير بأنه اقترح توفير 500 مليار دولار سنويا للتنمية المستدامة ومحاربة التحولات المناخية، إضافة إلى الحاجة لتخفيف الديون عن البلدان ذات الاقتصاد الهش.

مطالبة بعدالة أكثر

دعوة غوتيريش وجدت صدى قويا خصوصا لدى قادة الجنوب الذين تحدثوا الخميس. فرئيس النيجر محمد بازوم باشر كلمته بالدعوة إلى «رؤية استراتيجية» تشمل إيجاد ميثاق مالي جديد أكثر عدلا وشمولية ولتعاون أكبر بين القطاعين العام والخاص، متحدثا بأسى عن معاناة النيجر البائسة بسبب الجفاف والتصحر والهجرات والعنف والأزمات الاقتصادية والاجتماعية. وكان طريفا إيحاؤه بتجربة شخصية، إذ قال إن البقرة سابقا، في بلدان الساحل، كانت تلد مرة كل عام وتعطي الحليب طيلة تسعة أشهر... والآن، لا تلد إلا مرة كل عامين وتعطي حليبا أقل.

وشدد بازوم على تضرر هذه المنطقة أكثر من غيرها من التغيرات المناخية، مؤكدا بقوة على حاجات أفريقيا لمزيد من حقوق السحب الخاصة وخفض مديونيتها وتحسين الأدوات المالية الجديدة وتوفير موار إضافية. بيد أن أقوى ما قاله إعرابه عن «الخوف من أن نبقى في حيز الكلام ولا ننتقل إلى الأفعال».

ولم يغفل غوتيريش التنديد بوكالات التصنيف الدولية التي اعتبرها «غير نزيهة في رؤيتها للأمور».

من جانبها، كانت رئيسة باربادوس عنيفة في خطابها، إذ إنها بعد التأكيد على ضرورة «الانتقال من الكلام إلى الأفعال»، شددت على أن المطلوب من القمة «ليس إصلاح المؤسسات المالية بل تغييرها جذريا لأنه عندما أنشئت كان 70 في المائة من دول أفريقية غير موجودة». ودعت ميا موتلي التي حضّت على إعادة توجيه التمويل الدولي نحو قضايا المناخ، إلى «تحول مطلق» في النظام المالي وليس فقط «إصلاح مؤسساتنا». وأضافت: «نأتي إلى باريس اليوم بقلب حزين لكن بأمل» وتوجهت لغوتيريش قائلة: صوتك صارخ في الصحراء «أي لا أحد يسمعه». وخلصت: «علينا المبادرة اليوم وليس الغد، علينا القيام بالعمل المناسب وفي الوقت المناسب وتسريع الوتيرة وإلا سنفشل في إنقاذ الناس والكوكب».

التطوير والإصلاح

ثمة اقتناع بأن قمة باريس ستبقى في حدود العموميات ولن تخرج بقرارات أو توصيات ملموسة رغم المقترحات التي قدمت في الطاولات المستديرة. فوزيرة المالية الأميركية اعترفت بحاجة المؤسسات الدولية متعددة الأطراف لـ«لأن تتطور من أجل مواجهة التحديات الجديدة» وإجراء «الإصلاحات المؤاتية».

كذلك، أشارت إلى أن بلادها «ستضغط» من أجل أن يشارك دائنو الدول الفقيرة والنامية في مفاوضات لإعادة هيكلة ديونها. ورأت جانيت يلين أنه يتعين على الصناديق السيادية أن تساهم من أجل مواجهة التغيرات المناخية من غير التوقف عن جهود مكافحة الفقر. وخلاصتها أنه يتعين حصولها على إمكانات إضافية. والمقارنة بين ما قالته يلين وما جاء على لسان قادة من الجنوب يبدو صارخا وكأن الطرفين لا يعيشان على الكوكب نفسه.

مزيد من التفهم

أما الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الذي شارك في الطاولة المستديرة الثانية، فقد دعا مؤسسات التمويل الدولية إلى تفهم ظروف بلاده ومراعاة تأثير السنوات الثلاث الماضية على الاقتصاد. وأردف: «نتيجة الظروف التي شهدتها مصر خلال السنوات الثلاث الماضية، أقول ببساطة إننا نحتاج إلى تفهم شركائنا في التنمية ومؤسسات التمويل الدولية ومراعاتهم لهذا الأمر، ليس لمصر فقط ولكن لكل الدول التي تشهد ظروفا مماثلة»، مضيفا أن بلاده كان لديها خطة لإدارة الديون، لكن هذه الخطة «واجهت صعوبات كبيرة جدا نتيجة الظروف التي مررنا بها».

وفي السياق العام، حث الرئيس المصري على «إصلاح الهيكل المالي العالمي لتعزيز تمويل التنمية المستدامة، بما يتضمن إعادة تخصيص حقوق السحب الخاصة بصندوق النقد الدولي وتعليق أو إلغاء الرسوم الإضافية للصندوق وقت الأزمات». وشدد السيسي على أهمية «اتخاذ قرارات دولية سريعة تحول دون اندلاع أزمة ديون كبرى مع استحداث آليات شاملة ومستدامة لمعالجة ديون الدول المنخفضة ومتوسطة الدخل».

كذلك دعا السيسي إلى «تطوير سياسات وممارسات بنوك التنمية متعددة الأطراف لتعظيم قدرتها على الإقراض، وتيسير نفاذ الدول النامية لها وكذلك تعزيز الحوار بينها وبين وكالات التصنيف الائتماني لزيادة قدرتها على الإقراض دون المساس بتصنيفها».


مقالات ذات صلة

الحرب في أوكرانيا جمعت شمل القمة الأوروبية

أوروبا زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنتونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب)

الحرب في أوكرانيا جمعت شمل القمة الأوروبية

الحرب في أوكرانيا جمعت شمل القمة الأوروبية، غير أن الخلافات تفاقمت حول مواضيع أساسية مثل الهجرة والموازنة.

شوقي الريّس (بروكسل )
أوروبا الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكويتش القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا إلى جانب رئيسة لجنة الأمن والدفاع بالبرلمان الأوروبي ماري أغنيس شتراك تسيمرمان في بروكسل يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ) p-circle

الملفات الشائكة تتراكم على مائدة القمة الأوروبية

القمة الأوروبية هي الأولى منذ نهاية العطلة الصيفية، وعلى مائدتها مجموعة من الملفات الشائكة التي تتباين حولها مواقف الدول الأعضاء

شوقي الريّس (بروكسيل)
أوروبا المفوض الأوروبي للمناخ والحياد الكربوني والنمو النظيف فوبكه هوكسترا (يسار) ووزيرة المناخ والطاقة والمرافق الدنماركية سميرة ناوا خلال اجتماع مجلس البيئة الأوروبي في لوكسمبورغ يوم 12 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يدعو لتسريع التحوّل إلى الطاقة النظيفة قبيل قمة المناخ

دعا الاتحاد الأوروبي إلى تسريع الانتقال للطاقة النظيفة واتخاذ تدابير مناخية عاجلة، مع ترجيح تجاوز الاحترار عتبة 1.5 درجة مئوية هذا العام.

«الشرق الأوسط» (لوكسمبورغ)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب والسيدة الأولى ميلانيا يستقبلان الرئيس الصيني شي جينبينغ وزوجته بنغ لييوان في البيت الأبيض بواشنطن 24 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

واشنطن تحتفي بشي... وترمب يتحدث عن «صداقة عظيمة»

دعا الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إدارة التنافس بين الصين وأميركا، وإبقاء الذكاء الاصطناعي تحت الرقابة البشرية.

هبة القدسي (واشنطن)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ يتفاعلان خلال اجتماع ثنائي في بوسان... كوريا الجنوبية 30 أكتوبر 2025 (رويترز)

من التجارة إلى تايوان وإيران... ماذا ينتظر قمة ترمب وشي؟

يبحث ترمب وشي خلال قمتهما المقبلة ملفات التجارة وتايوان وحرب إيران، وسط مساعٍ لتحقيق الاستقرار في العلاقات بين واشنطن وبكين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«المركزي الياباني» يُلمح إلى رفع الفائدة مع اقتراب التضخم من 2 %

لافتات مرورية أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)
لافتات مرورية أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)
TT

«المركزي الياباني» يُلمح إلى رفع الفائدة مع اقتراب التضخم من 2 %

لافتات مرورية أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)
لافتات مرورية أمام مبنى «بنك اليابان» في طوكيو (رويترز)

قال نائب محافظ «بنك اليابان»، ريوزو هيمينو، يوم الأربعاء، إن التضخم الأساسي في اليابان بات قريباً إلى حد كبير من مستهدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة، وإن الأوضاع المالية لا تزال تيسيرية، في إشارة إلى استعداد البنك لرفع أسعار الفائدة.

وتعزّز تصريحات هيمينو توقعات الأسواق بأن يرفع «بنك اليابان» أسعار الفائدة في وقت مبكر قد يكون خلال ديسمبر (كانون الأول)، إذ تعكس رؤية البنك بأن الزيادات السابقة في أسعار الفائدة لم تؤدِّ بعد إلى تشديد الأوضاع المالية، ما يترك المجال مفتوحاً لمزيد من الزيادات.

وقال هيمينو أمام البرلمان إن ارتفاع تكاليف الوقود والمواد الخام يدفع الأسعار إلى الصعود، كما يُسهم الطلب العالمي القوي على الذكاء الاصطناعي في زيادة الضغوط التضخمية، من خلال تعزيز الصادرات والإنفاق الرأسمالي.

وأضاف: «في ظل استمرار ارتفاع توقعات التضخم على المديَيْن المتوسط والطويل، بات التضخم الأساسي قريباً إلى حد كبير من 2 في المائة، ومن المرجح أن يتقارب مع مستويات تتماشى مع مستهدفنا للأسعار».

وتابع قائلاً: «حتى بعد رفع أسعار الفائدة الشهر الماضي لا تزال الأوضاع المالية تيسيرية»، مشيراً إلى استمرار انخفاض تكاليف الاقتراض الحقيقية وقوة نمو الإقراض المصرفي.

وحذّر هيمينو من أن تأجيل التعديلات الضرورية في السياسة النقدية الداعمة للاقتصاد، في ظل ارتفاع مخاطر التضخم، قد يؤدي إلى تحقق هذه المخاطر والإضرار بالاقتصاد على المدى الطويل، مؤكداً ضرورة مواصلة رفع أسعار الفائدة.

تعارض بين السياستَين المالية والنقدية

رفع «بنك اليابان» الشهر الماضي سعر الفائدة الرئيسي إلى أعلى مستوى له في 31 عاماً عند 1.25 في المائة، في خطوة أشارت إلى دخوله مرحلة تركز على منع التضخم الأساسي من تجاوز مستهدفه، وفتحت الباب أمام مزيد من التشديد النقدي.

وحذّر محافظ البنك، كازو أويدا، من احتمال تجاوز التضخم الأساسي، الذي يعكس الاتجاه العام للأسعار بعد استبعاد العوامل المؤقتة والاستثنائية، مستهدف البنك البالغ 2 في المائة، نتيجة الضغوط السعرية الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط، وضعف الين، والطلب القوي على الذكاء الاصطناعي.

وقال أويدا أيضاً إن البنك سيراقب من كثب أي مؤشرات على تغير الأوضاع المالية، للاستدلال على مدى اقتراب سعر الفائدة الحالي، البالغ 1.25 في المائة، من المستوى الذي يُعد محايداً للنشاط الاقتصادي، أي الذي لا يحفّز النمو ولا يقيّده.

وبينما يُتوقع أن يُبقي «بنك اليابان» أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه الذي يستمر يومَين وينتهي في 30 أكتوبر (تشرين الأول)، فقد يرفع توقعاته للتضخم للسنة المالية المقبلة، مع الإبقاء على تركيزه على المخاطر التضخمية المتزايدة، وفقاً لمصادر أبلغت «رويترز».

ويحذّر بعض المحللين من أن جهود «بنك اليابان» لاحتواء التضخم قد تواجه عراقيل بسبب خطط رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي لخفض الضرائب وزيادة الإنفاق الحكومي، التي قد تعزّز الطلب وترفع الأسعار.

وذكرت وكالة «كيودو» للأنباء، يوم الأربعاء، أن الحكومة ستدرس تقديم جولة جديدة من الدعم لفواتير الكهرباء والغاز خلال فصل الشتاء، لتخفيف الأعباء عن الأسر الناجمة عن ارتفاع تكاليف التدفئة.

وفي الجلسة البرلمانية نفسها، أقرت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما بأن خفض الضرائب يؤدي عموماً إلى زيادة التضخم من خلال تحفيز الطلب.

وقالت كاتاياما: «لكننا سنضمن أن تعزز سياساتنا المالية المسؤولة والاستباقية القدرة الإنتاجية لليابان، بطريقة لا تؤدي إلى تسريع التضخم».


النحاس يحافظ على استقراره رغم تسجيل علاوات قياسية للتسليم في أوروبا

ألواح النحاس داخل مصفاة «غلينكور» في مونتريال بكندا (أ.ف.ب)
ألواح النحاس داخل مصفاة «غلينكور» في مونتريال بكندا (أ.ف.ب)
TT

النحاس يحافظ على استقراره رغم تسجيل علاوات قياسية للتسليم في أوروبا

ألواح النحاس داخل مصفاة «غلينكور» في مونتريال بكندا (أ.ف.ب)
ألواح النحاس داخل مصفاة «غلينكور» في مونتريال بكندا (أ.ف.ب)

استقرت أسعار النحاس إلى حد بعيد يوم الأربعاء، رغم أن العروض المقدمة لعلاوات تسليم المعدن في أوروبا خلال العام المقبل سجلت مستويات قياسية، في مؤشر على تفاقم نقص الإمدادات خارج السوق الأميركية.

وارتفع سعر النحاس لأجل 3 أشهر في بورصة لندن للمعادن بنسبة 0.14 في المائة إلى 14440 دولاراً للطن المتري، بينما صعد عقد النحاس الأكثر تداولاً لشهر نوفمبر (تشرين الثاني) في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة بنسبة 0.58 في المائة إلى 109820 يواناً للطن، بحلول الساعة 03:30 بتوقيت غرينيتش.

ويواجه مشترو النحاس في أوروبا علاوات قياسية للتسليم في عام 2027، وسط تصاعد المخاوف من تشديد الإمدادات خارج الولايات المتحدة.

وذكرت «رويترز» يوم الثلاثاء أن شركة «كوديلكو» التشيلية عرضت علاوة قدرها 350 دولاراً للطن المتري للتسليمات خلال العام المقبل، مقارنة بـ325 دولاراً لعام 2026. كما رفعت شركة «أوروبريس» الألمانية العلاوة بنحو 10 في المائة إلى مستوى قياسي بلغ 347 دولاراً للطن، بالتزامن مع انعقاد الاجتماع السنوي لقطاع المعادن «أسبوع بورصة لندن للمعادن» في العاصمة البريطانية.

وتُضاف هذه العلاوات إلى الأسعار المرجعية في بورصة لندن للمعادن، في وقت لا تزال فيه الضبابية بشأن الرسوم الجمركية تدفع النحاس نحو السوق الأميركية. وتدفقت الشحنات إلى المستودعات الأميركية منذ أن أطلقت واشنطن تحقيقاً بشأن واردات النحاس في فبراير (شباط) 2025، ما أدى إلى استحواذ منشآت بورصة «كومكس» على نحو 70 في المائة من المخزونات العالمية المسجلة في البورصات.

وفي الصين، استقرت علاوة النحاس في ميناء يانغشان التي تُعد مؤشراً على الطلب الصيني على النحاس المستورد إلى حد بعيد، رغم ارتفاع العلاوات في السوق الأوروبية. وبلغت العلاوة 138 دولاراً يوم الثلاثاء، مقارنة بـ137 دولاراً في اليوم السابق.

في غضون ذلك، ارتفع إنتاج الصين من النحاس المكرر بنسبة 1.1 في المائة على أساس سنوي إلى 1.26 مليون طن في سبتمبر (أيلول)، بينما زاد الإنتاج خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى سبتمبر بنسبة 3.3 في المائة، إلى 11.28 مليون طن، وفقاً لبيانات رسمية صدرت يوم الأربعاء.

وفي سياق آخر، أظهر استطلاع أجرته «رويترز» أن 94 من أصل مائة خبير اقتصادي يتوقعون أن يُبقي مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير في أكتوبر (تشرين الأول)، بينما يتوقع جميع المشاركين رفعها في ديسمبر (كانون الأول)، مقارنة بأقل من نصف المشاركين الذين توقعوا ذلك في الاستطلاع السابق.

وواصل الدولار الأميركي تراجعه، ما يدعم أسعار السلع الأولية المقومة بالعملة الأميركية؛ إذ يجعلها أقل تكلفة بالنسبة إلى المشترين الذين يستخدمون عملات أخرى.

وفي أسواق المعادن الأخرى في بورصة لندن للمعادن، ارتفع الألمنيوم بنسبة 0.43 في المائة، والزنك بنسبة 0.08 في المائة، والرصاص بنسبة 0.03 في المائة، والنيكل بنسبة 1.77 في المائة، والقصدير بنسبة 0.47 في المائة.

وفي بورصة شنغهاي للعقود الآجلة، صعد الألمنيوم بنسبة 0.09 في المائة، والزنك بنسبة 0.16 في المائة، بينما استقر الرصاص دون تغيير، وقفز النيكل بنسبة 2.56 في المائة، وارتفع القصدير بنسبة 1.99 في المائة.


«جيو» تطلق اكتتاباً بـ3.2 مليار دولار في أكبر طرح مرتقب بالهند

ضابط أمن يستخدم هاتفه المحمول الذي يحمل شعار شركة «جيو» في الخلفية خلال مؤتمر صحافي لطرح أسهم شركة «جيو بلاتفورمز» المحدودة للاكتتاب العام في مومباي
ضابط أمن يستخدم هاتفه المحمول الذي يحمل شعار شركة «جيو» في الخلفية خلال مؤتمر صحافي لطرح أسهم شركة «جيو بلاتفورمز» المحدودة للاكتتاب العام في مومباي
TT

«جيو» تطلق اكتتاباً بـ3.2 مليار دولار في أكبر طرح مرتقب بالهند

ضابط أمن يستخدم هاتفه المحمول الذي يحمل شعار شركة «جيو» في الخلفية خلال مؤتمر صحافي لطرح أسهم شركة «جيو بلاتفورمز» المحدودة للاكتتاب العام في مومباي
ضابط أمن يستخدم هاتفه المحمول الذي يحمل شعار شركة «جيو» في الخلفية خلال مؤتمر صحافي لطرح أسهم شركة «جيو بلاتفورمز» المحدودة للاكتتاب العام في مومباي

أطلقت «جيو بلاتفورمز»، الذراع الرقمية لمجموعة «ريلاينس إندستريز» الهندية المملوكة للملياردير موكيش أمباني، الأربعاء، اكتتاباً عاماً أولياً قد يصبح الأكبر في تاريخ الهند، مستهدفة جمع ما يصل إلى 3.2 مليار دولار، في خطوة تختبر طموحات المجموعة للتحول إلى قوة تكنولوجية تتجاوز اعتمادها التقليدي على قطاع النفط.

وتسعى الشركة، التي تدير أكبر شبكة اتصالات لاسلكية في الهند، إلى تحقيق تقييم يصل إلى 108.3 مليار دولار، مع تحديد نطاق سعر السهم بين 1065 و1119 روبية. ويستمر اكتتاب المستثمرين الأفراد حتى الجمعة، على أن يبدأ تداول الأسهم في بورصة مومباي الأسبوع المقبل، في موعد مرجح يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول).

ويأتي الطرح بعد نحو 7 سنوات من التحضير، وفي وقت تواجه فيه الأسهم الهندية أداءً ضعيفاً خلال العام الحالي. ومع ذلك، يتوقع معظم المحللين أن تحقق الأسهم مكاسب عند بدء تداولها، وسط اهتمام المستثمرين بآفاق نمو أعمال الشركة الرقمية.

وتضم «جيو» نحو 533 مليون مشترك، بعدما أحدثت خدماتها التي أُطلقت قبل عقد تحولاً في سوق الاتصالات الهندية، عبر تقديم أسعار منخفضة جذبت أعداداً كبيرة من العملاء من منافستَيها «بهارتي إيرتل» و«فودافون». وقال محللو شركة الخدمات المالية «موتيلال أوسوال» إن قاعدة المشتركين تشكل أساساً قوياً للنمو المستقبلي، ولكنهم أشاروا إلى أن قدرة الشركة على تحقيق إيرادات واسعة النطاق من خدماتها الرقمية الأحدث لا تزال بحاجة إلى إثبات.

وتشمل أنشطة «جيو» الاتصالات والحوسبة السحابية والترفيه وخدمات الذكاء الاصطناعي، وهي مجالات تمثل محور استراتيجية «ريلاينس» لتقليص اعتمادها على أعمال النفط التقليدية. كما أفادت تقارير بأن الشركة تدرس إنشاء منظومة من الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض لتوفير خدمات الإنترنت، في مشروع قد يضعها في منافسة مباشرة مع خدمة «ستارلينك» التابعة لإيلون ماسك التي تسعى منذ سنوات إلى دخول السوق الهندية.

وتصاعد التوتر بين أمباني وماسك هذا الشهر، بعدما اتهم الأخير رجال أعمال نافذين في الهند، من دون تسميتهم، بعرقلة إطلاق «ستارلينك» في البلاد، ووصف أمباني بأنه «رئيس وزراء الهند» و«الحاكم الفعلي للبلاد». وردت «ريلاينس» بأنها لم تخشَ المنافسة قط، وأنها ترحب بالخدمات المنافسة في الاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية، بما فيها «ستارلينك».

رهانات الطاقة والعلاقات الأميركية

ويواجه الطرح تحديات تتجاوز المنافسة في قطاع التكنولوجيا؛ إذ لا تزال «ريلاينس»، أكبر شركة مدرجة في الهند من حيث القيمة السوقية، تعتمد بدرجة كبيرة على أعمالها النفطية لتحقيق الأرباح.

وكانت إمبراطورية التكرير التابعة للمجموعة قد تعرضت لانتقادات أميركية العام الماضي، بعدما اتهم مستشار البيت الأبيض بيتر نافارو أثرياء هنوداً بالاستفادة من الحرب في أوكرانيا، عبر شراء النفط الروسي المخفض السعر. ورغم أن نافارو لم يسمِّ رجال أعمال بعينهم، فقد فُسرت تصريحاته على نطاق واسع بوصفها انتقاداً لأمباني.

وفي المقابل، بدا أن أمباني يسعى هذا العام إلى تهدئة التوتر، من خلال دعمه إنشاء أول مصفاة نفط أميركية كبرى جديدة منذ نصف قرن. ومن المقرر أن يلتقي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الأربعاء في مدينة جامناغار غرب الهند؛ حيث يقع مجمع التكرير الضخم التابع لـ«ريلاينس»، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى تعزيز التعاون في مجال الطاقة مع نيودلهي.

أكبر الطروحات الهندية

وفي حال جمعت «جيو بلاتفورمز» المبلغ المستهدف، فسيتجاوز طرحها اكتتاب شركة «هيونداي موتور إنديا»، الذي جمع 278.7 مليار روبية، أي نحو 2.94 مليار دولار، في أكتوبر 2024، ليصبح الأكبر في تاريخ السوق الهندية.

وشملت أكبر الطروحات السابقة أيضاً شركة «لايف إنشورنس كوربوريشن أوف إنديا»، التي جمعت نحو 2.16 مليار دولار في مايو (أيار) 2022، وشركة التكنولوجيا المالية «باي تي إم»، التي جمعت 1.92 مليار دولار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، إضافة إلى «تاتا كابيتال» التي جمعت 1.63 مليار دولار في أكتوبر 2025.

ومن المتوقع أن يعتمد طرح «جيو» بدرجة كبيرة على بيع حصص قائمة، على غرار اكتتاب «هيونداي موتور إنديا»، بما يعني خفض كبار المستثمرين حصصهم في الشركة، بدلاً من توجيه كامل حصيلة الطرح إلى تمويل استثمارات جديدة.