ماريا كالاس والموضة... كيف تحول حب من طرف واحد إلى عشق عابر للأجيال

افتتان العالم بها صوتاً وصورةً لا يزال مستمراً

كانت روح ماريا تحوم في قصر غارنييه بكل تجلياتها (ستيفان رولان)
كانت روح ماريا تحوم في قصر غارنييه بكل تجلياتها (ستيفان رولان)
TT

ماريا كالاس والموضة... كيف تحول حب من طرف واحد إلى عشق عابر للأجيال

كانت روح ماريا تحوم في قصر غارنييه بكل تجلياتها (ستيفان رولان)
كانت روح ماريا تحوم في قصر غارنييه بكل تجلياتها (ستيفان رولان)

عقود مرت على وفاتها، ولم تُسدل الستارة بعد عن السوبرانو ماريا كالاس. لا يزال صوتها يصدح فيُثير مشاعر تثير المواجع حيناً والسعادة حيناً آخرا. قصة حياتها أيضاً لا تقل إلهاماً. تحاكي في الكثير من تفاصيلها تراجيدية الشخصيات التي تقمصتها.

كل هذا يؤجج فتيل الافتتان العالمي بها، سواء في السينما أو الموضة. تقول النجمة أنجلينا جولي التي تؤدي شخصيتها في فيلم «ماريا» الصادر حديثاً، إنه يتناول المرحلة الأخيرة من حياتها. مرحلة جد معقدة من حياتها عاشت فيها وحيدة في شقتها بباريس، تجتر ذكريات الماضي، بين الأمراض وانحسار الأضواء والحب، الذي كان إثر زواج حب عمرها، الملياردير أرسطوطل أوناسيس من غريمة لم تكن في الحسبان، جاكلين كينيدي. توفيت ماريا شابة بالمعايير الحالية عن عمر لا يتعدى الـ53. ومع ذلك خلّفت لنا أرشيفاً ضخماً، صوتاً وصورة.

لا تزال تُلهب خيال المصممين بأسلوبها على المسرح وخارجه (غيتي)

وإذا كان الصوت لا نقاش عليه، فإن الصور تؤكد مدى تطور أسلوبها من مجرد عاشقة للموضة إلى أيقونة تلهم المصممين على مدار السنوات.

بداية حُب من طرف واحد

بدأت علاقة الحب بينها وبين الموضة فاترة، إلى حد القول إنه كان حباً من طرف واحد. فقد ظلت تعاني من الوزن الزائد طوال سنوات الصبا. فقط في الخمسينات، نجحت في إنقاص وزنها بنحو 30 كيلوغراماً لتفتح صفحة جديدة مع الموضة. في هذه الفترة تسابق مصممون شباب من عصرها، مثل كريستيان ديور والراحل إيف سان لوران لكسب ودها ورضاها. إيف تحديداً ربطتها به علاقة صداقة، إلى حد أنها قدمت له دعوة شخصية لحضور أول حفل لها في أوبرا غارنييه عام 1958. من جانبه كان مبهوراً بها. وصفها في أحد تصريحاته بـ«ديفا كل الديفات». كان قصده إيجابياً وليس سلبياً، لما كانت تتمتع به من أسلوب درامي لكن يشي بحس فني أنيق.

هذا الأسلوب التقطه كثير من المصممين عبر التاريخ، بدءاً من فالنتينو و«دولتشي أند غابانا» وجون غاليانو، ومؤخراً «إيرديم» وستيفان رولان، وحتى دار «شانيل» في تشكيلاتهم لخريف 2024 وشتاء 2025.

إيرديم، مثلاً قدم تشكيلته بعنوان «تعيش الديفا» (فيفا لاديفا). قال إنه تخيَّل فيها ماريا، في حياتها الخاصة والعامة، وهو ما جسده في مجموعة من الفساتين ومعاطف على شكل «كاب» بأحجام هندسية كبيرة تعانق الجسم. الفرنسي ستيفان رولان هو الآخر أحيا ذكراها في موسم الـ«هوت كوتور»، بشكل أكثر وضوحاً، فيما اكتفت «شانيل» مثل إيرديم بإيحاءات صريحة.

كل مصمم رآها بإحساس وعيون مختلفة، لكن أغلبهم افتُتنوا بجانبها الدرامي، وتحديداً بذلك التجاذب بين «الشخصية والشخص» حسب قول المصمم إيرديم.

علاقة ماريا بالموضة

احتضنت موضة الخمسينات المتميزة بخصرها المشدود وتنوراتها الواسعة وأقمشتها المترفة (غيتي)

لم تكن ماريا كالاس في صباها رشيقة. عانت طويلاً من السمنة إلى حد أنها عندما لجأت إلى المصممة الإيطالية إلفيرا ليوناردي بويور، المعروفة بمدام بيكي في عام 1951، نصحتها أن تعود إليها فقط بعد إنقاص وزنها الزائد. لم تكن العملية سهلة. استغرقت منها وقتاً لا يستهان به لتحقيق النتيجة المطلوبة (نحو عامين أو ثلاثة)، لكن الانتظار كان مُجزياً. فقد تمخَض تعاونها مع مدام بيكي عن خزانة متكاملة لا تزال تلهم صورها صناع الموضة، لاسيما وأنها شملت نحو 24 معطف فرو، 40 تايوراً، 200 فستان، 150 حذاءً، وما لا يقل عن 300 قبعة، وعدد لا يحصى من القفازات التي كانت تتخلص منها بعد ارتدائها مرة واحدة لكثرتها.

بيد أن مدام بيكي لم تحتكرها. بالعكس فتحت شهيتها على المزيد. فقد تعاونت فيما بعد مع مصممين باريسيين شباب في زمنهم مثل؛ كريستيان ديور وإيف سان لوران، وآخرين من إيطاليا مثل فالنتينو وغيره.

ستيفان رولان... يستنسخ صورتها

ظهرت ماريا بكُحل عينيها وبكل دراميتها في عرض ستيفان رولان (ستيفان رولان)

لخريف وشتاء 2024 وفي موسم «الهوت كوتور» بباريس، رسم ستيفان رولان صورة درامية مفعمة بالأناقة، اقشعرت لها أبدان الحضور. شعروا كما لو أنها آتية من زمنها تحوم في مسرح العرض بصوتها، الذي يبلغ 6.7 أوكتافات يتردد في جوانبه.

وضوح صورتها يعود أيضاً إلى المكياج وفخامة التصاميم وأبهة المكان: قصر غارنييه، بمعماره الباروكي وزخارفه الذهبية، الذي أحيت فيه ثلاث حفلات مهمة، كانت أول مرة في عام 1958، وآخر مرة في عام 1964.

كُحل عينيها الدرامي ظهر في معظم الإطلالات منذ بداية العرض إلى نهايته. كذلك القفازات الطويلة، مما لا يترك أدنى شك أن المصمم كان مفتوناً بها كما هي، ولم يرَ داعياً لتغيير أي شيء فيها.

كل إطلالة في عرض ستيفان رولان تستحضر شخصية من الشخصيات التي أدتها (ستيفان رولان)

فمرة تظهر لنا في شخصية نورما، ومرة في شخصية كارمن، أو مدام باترفلاي، أو ميديا... وهلم جراً من الشخصيات التي جسدتها عبر مسيرتها الغنية. اقتصار التشكيلة على الأبيض والأسود، وفستانين وحيدين بالأحمر، له أسبابه حسب تصريح المصمم. فهو يشير إلى بداياتها في زمن الأسود والأبيض قبل أن تتلون الصورة، وأيضاً حتى لا تتضارب فنية التصاميم مع زخرفات أعمدة القصر وأسقفه الذهبية الغنية.

«شانيل»... تلميحات وإيحاءات

لأول مرة تعرض «شانيل» في قصر غارنييه الذي غنت فيه ماريا 3 مرات (تصوير كريم سادلي لشانيل)

في قصر «غارنييه» أيضاً قدمت دار «شانيل» تشكيلتها لخريف وشتاء 2024. كانت هذه أول مرة تختار فيها الدار هذا المكان لعرضها، الأمر الذي لم يترك شكاً أن «الأوبرا» ستكون النغمة التي ستعزف عليها. ما أكد هذا الإحساس أن الضيوف تلقوا بطاقات الدعوة في علب مغلفة بالمخمل الأحمر مرفوقة بنظارات أوبرا.

«الكاب» ظهر في تشكيلة «شانيل» مستحضراً صورة السوبرانو بأسلوب معاصر (شانيل)

على العكس من ستيفان رولان، جعلت الدار ماريا كالاس، بطلة صامتة. لم يصدح صوتها في القصر، ولم تستنسخ صورتها. خفَفت من المكياج والتفاصيل الدرامية، وكأن فريقها الإبداعي المسؤول عن هذه التصاميم، تعمَّد أن يُقدِّم لنا صورة ماريا معاصرة تعيش بيننا اليوم، وبالتالي تميل إلى أناقة فخمة وهادئة في الوقت ذاته. ومع ذلك، لم تكن لتتخلى عن «الكاب» والفساتين الفاخرة ولا الجاكيتات التي تُظهر نحول خصرها أو التنورات الأنثوية، لكنها كانت ستختارها بأناقة رومانسية تعكس إيقاع العصر المتسارع.

إيرديم... عاشت الديفا

معاطف مستديرة بياقات مبتكرة وورود رومانسية (إيرديم)

استهل إيرديم موراليوغلو، عرضه بمعطف أوبرا باللون الأخضر بتصميم مستدير وياقة عالية. كان هذا كل ما يحتاج إليه لخلق الدراما المطلوبة والإعلان عن مُلهمته. أنهى العرض أيضاً بإطلالة مماثلة من الساتان المبطن، وصوت السوبرانو البريطانية نادين بنيامين يصدح في القاعة.

اهتمام المصمم بماريا بدأ بتشكيلة سابقة من خط الـ«بري فول»، غاص فيها في كل مناحي حياتها الشخصية والعامة، أي أنه ركَز على الملابس التي كانت تظهر بها في المسرح، من دون أن يتجاهل أزياءها في مناسباتها الخاصة بخصرها الضيق وتنوراتها المستديرة والمعاطف الواسعة بأقمشتها الغنية. كانت صورتها في شخصية ميديا في عام 1953 النقطة التي انطلق منها. ترجمها في فستان بتنورة طويلة باللون الأحمر يُشبه ذلك الذي ارتدته كالاس في هذه الأوبرا، إضافة إلى معاطف أوبرا مزينة بريش المرابو. يقول إيرديم: «كنت مشدوداً إلى تلك العلاقة المثيرة بين الشخص والشخصية». كان هناك تداخل عجيب بينهما.

أحذية مستلهمة من الورود التي كان الجمهور يُلقيها عند أقدامها (إيرديم)

حتى الإكسسوارات لم تسلم من تأثير كالاس عليه، وليس أدل على هذا من الأحذية التي رافقت الكثير من الإطلالات. جاءت مزينة بورود تم تشكيلها من الساتان، وتلامس الأرض بحجمها الكبير، قال إنها استُلهمت من الورود التي كان الجمهور يُلقيها عند أقدامها على خشبة المسرح بعد كل أداء.


مقالات ذات صلة

ستيفان رولان لـ«الشرق الأوسط»: أردت أن أُظهر المرأة خلف داليدا الأيقونة

خاص ستيفان رولان لـ«الشرق الأوسط»: أردت أن أُظهر المرأة خلف داليدا الأيقونة

ستيفان رولان لـ«الشرق الأوسط»: أردت أن أُظهر المرأة خلف داليدا الأيقونة

كان المصمم يبحث في هذه المجموعة «عن الجانب التأملي لامرأة تواجه عبث الحياة وتعاني من أزمات وانتكاسات»، لكنها لا تزال تبحث عن نوع من النور

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة يسلط الكتاب الضوء على عملية الإبداع وما يليها (ديور)

كتاب يستعيد زمناً وفرصة ذهبية في دار «ديور»

يتضمن الكتاب شعوراً عميقاً بالامتنان من شاب أُتيحت له فرصة استثنائية للعمل مع الكبار ثم عاد بعد عقود ليستحضر تلك المبادرة التي غيّرت مسار حياته

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة يزخر أرشيف «روجيه فيفييه» بالابتكارات لكن يبقى «بيل فيفييه» الأشهر (روجيه فيفييه)

أحذية تركت أثرها على الأرض وفي الذاكرة

ما يجعل تصميماً معيناً يستمر لعقود سؤال لا يشغل بال المستهلك فحسب، بل أيضاً صناع الموضة، لا سيما أن الحظ يلعب دوره أحياناً بشكل يُدهش الجميع بمن فيهم مبتكره

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تغيب في المنصة وتبقى حاضرة دائماً (هيرميس)

«بيركين»...هل تحولت من حقيبة نخبوية إلى محتوى؟

السؤال الذي يطرح نفسه هو ما إذا كان الظهور المتكرر والوفرة يؤثران على مكانة آل «بيركين»، لا سيما أن الترف يحتاج إلى شيء من الغياب، والندرة، لكي يحافظ على بريقه

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة المصمم شون ماكغير يحيّي ضيوفه بعد عرضه مجموعة خريف وشتاء 2026 (ألكسندر ماكوين)

خروج شون ماكغير من «ألكسندر ماكوين» يطرح تساؤلات حول مستقبل الإبداع

المشهد حالياً يطرح تساؤلاً أساسياً: هل لا تزال دور الأزياء تمنح الإبداع الوقت لاختبار أفكار مبتكرة، أم إن منطق النتائج السريعة بات يحكم مستقبل المصممين؟

«الشرق الأوسط» (لندن)

ستيفان رولان لـ«الشرق الأوسط»: أردت أن أُظهر المرأة خلف داليدا الأيقونة

المغنية التونسية أميمة طالب اختتمت العرض بوصلة موسيقية أحيت فيها أغاني داليدا (ستيفان رولان)
المغنية التونسية أميمة طالب اختتمت العرض بوصلة موسيقية أحيت فيها أغاني داليدا (ستيفان رولان)
TT

ستيفان رولان لـ«الشرق الأوسط»: أردت أن أُظهر المرأة خلف داليدا الأيقونة

المغنية التونسية أميمة طالب اختتمت العرض بوصلة موسيقية أحيت فيها أغاني داليدا (ستيفان رولان)
المغنية التونسية أميمة طالب اختتمت العرض بوصلة موسيقية أحيت فيها أغاني داليدا (ستيفان رولان)

«الأساطير لا تموت». هذا ما يؤكده المصمم الفرنسي ستيفان رولان في كل موسم من مواسم الـ«هوت كوتور» تقريباً. ففي خريف وشتاء 2024، رسم صورة درامية للسوبرانو ماريا كالاس، وحديثاً، في عرضه لخريف وشتاء 2027 قدَم مجموعة استلهمها من أيقونة أخرى هي داليدا. قال إنها مجموعة تتزامن مع الذكرى الأربعين لرحيلها، وفي الوقت ذاته، يستعيد من خلالها ذكريات ترسَّخت في وجدانه وهو يستمع إلى أغانيها منذ صباه.

يضيف في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» أنه بالرغم من أنه يستلهم دائماً من فنانين، سواء أكانوا رسامين أم نحاتين أم مؤلفين موسيقيين، فإن للعاطفة التي يُعبِر عنها الصوت والموسيقى وقع خاص في نفسه. أسأله عن سبب اهتمامه تحديداً بأيقونات جريحة نوعاً ما، مثل ماريا كالاس وداليدا، يُجيب أنه يجد نفسه مشدوداً إلى ما يختبئ وراء الصورة الخارجية والبراقة، من مشاعر إنسانية تدفع أصحابها إلى بلوغ أقصى حالات الإبداع، في محاولة لمداواة الألم أو التعايش معه.

كان لا بد لخلق تنوع يخاطب كل الأذواق لتجنب رتابة اللون الواحد (ستيفان رولان)

يُتابع: «كانت ماريا كالاس وداليدا متشابهتين في كونهما روحين جريحتين استطاعتا غزو العالم. لكن بينما كانت كالاس محاربة وشديدة الانضباط رغم الخذلان العاطفي الذي عاشته، كانت داليدا تعيش صراعاً وجودياً وتحمل شرخاً أعمق لم تتجاوزه طوال حياتها، مما جعلها أكثر هشاشة بكثير».

أبرز المصمم هذا الاختلاف بينهما في الأزياء. في مجموعته المستوحاة من كالاس، تجلَت الدراما المسرحية في الأحجام والألوان والكثير من التفاصيل الفنية.

البحث عن داليدا... المرأة

أما في عرض «دليدا.. امرأة من الشرق»، وهو عنوان المجموعة، فبرز البُعد الشرقي بكل ما يحمله من حسية وحميمية، جسّدهما من خلال تصاميم تتبع تضاريس الجسد وانحناءاته، فتكشف أحياناً وتحجب أحياناً أخرى. هذه الازدواجية هي التي سادت المجموعة، وعبَر فيها المصمم عن رؤيته الخاصة لداليدا كامرأة تجمع بين القوة والنعومة.فهو لا يتوقف عند ملامح صورتها المألوفة هنا، من تسريحات الشعر أو الماكياج، إلى سائر التفاصيل التي ارتبطت بها، بل يحاول النفاذ إلى ما يختلج في داخلها، وفهم الثمن الذي دفعته مقابل هالتها الأيقونية. وهكذا تتجاوز المجموعة الاستعراض الجمالي والفني لتغدو قراءة نفسية تستنطق ما وراء الصورة.

لمسات المصمم الفنية ظهرت في الكثير من التفاصيل (ستيفان رولان)

يقول رولان إن الصورة التي لا تفارق مخيلته عن المغنية، هي لامرأة شقراء ذات روح شرقية، تقف تحت أضواء المسرح، بفستان أبيض ذي خطوط بسيطة، لا يكسر صفاءه سوى الستارة الحمراء لمسرح الأولمبيا الشهير. إنها ليست داليدا التي استقرت صورتها في الذاكرة خلال سنواتها اللاحقة، ولا نجمة الديسكو الشابة قبل معاناتها مع الفقد بعد رحيل رفيق دربها منتحراً، وما أعقب ذلك من مآسٍ شخصية وانكسارات عاطفية، بل امرأة تعود إلى المسرح بعدما اعتقد كثيرون في الوسط الفني أن مسيرتها انتهت.

وفي ليلة 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 1971، كتبت لنفسها بداية جديدة. صعدت إلى المسرح بذلك الفستان الذي يكاد يكون رهبانياً في بياضه وبساطته، من تصميم «بالمان» وقدمت أداءً مذهلاً بحيث وُصفت تلك الليلة بـ«ليلة الانتصار الملحمي».

وظَّف المصمم قدرته على النحت والبناء المعماري للتصاميم وخلق توازناً بين الصلابة والنعومة (ستيفان رولان)

الأبيض للبدايات

هذه اللحظة هي التي التقطها المصمم وجسّدها في مجموعة غلب عليها اللون الأبيض، باستثناء قطع قليلة بالأسود والأحمر. لم يأتِ الأبيض، وفق رؤية رولان، للتعبير عن الحنين أو الرغبة في الاختفاء، بقدر ما يرمز لبداية جديدة وفتح صفحة بيضاء، تظهر فيها داليدا امرأة قوية بما يكفي لتسحر الملايين بصوتها. لكن وراء هذه القوة تسكن امرأة هشة بما يكفي لأن يهزمها خذلان حياتها الخاصة.

من الناحية الفنية، يوضِح المصمم أن التحدي في ابتكار مجموعة بهذه الدرجة من الصفاء، يكمن في تحقيق التنوع الذي يخاطب كل امرأة، أياً كان ذوقها، من دون تكلف أو مبالغة في الزينة، وفي الوقت نفسه تفادي الرتابة التي يمكن أن يُولدها تكرار اللون الواحد. لتحقيق ذلك، كان لا بد من توظيف الحسية، مستعيناً بانحناءات الجسد وبعض تقنيات الثني والانسياب في القماش. كما أضفى على الخامات ثراءً إضافياً بإدخال الذهب والأحجار الكريمة». وهكذا يمكن لأي امرأة أن تتعامل مع القطعة بالأسلوب الذي تختاره ويناسب شخصيتها. فالأبيض هنا جاء بمثابة «كنفس» يمكنها أن ترسم عليه الصورة التي تعكس ذوقها الخاص.

اللمسات الشرقية ظهرت أيضاً في تجنب الكشف المبالغ فيه لأجزاء من الجسم (ستيفان رولان)

أما كيف ترجم هذا التنوع، رغم الازدواجية بين القوة والهشاشة، وحوّله إلى لغة فنية متماسكة، فكان عبر الحركة والتفاصيل الخفيفة التي تتكشف بهدوء، من ثنيات وأحجام واسعة، اعتمد فيها على خامات مثل الغازار والأورغنزا الخفيفة إلى جانب الريش والكريستال الصخري والأحجار الثمينة. عناصر تعبر عن الفخامة والتميز لكنها تظل مطبوعة بالرقة، حتى في التصاميم الأكثر صلابة. فرولان المعروف بخطوطه المعمارية وحضوره النحتي، كان يبحث في هذه المجموعة، على حد تعبيره «عن الجانب التأملي لامرأة تواجه عبث الحياة، لكنها لا تزال تبحث عن نوع من النور، وتعكسه فوق خشبة المسرح». ويوضِح: «لم أخترع داليدا جديدة، ولن أجرؤ على ذلك أبداً. ما قدَمته هو نوع من التخيَل الفني للصورة التي تشكَلت لدي عما وراء مظهرها المصقول، حيث تسكن إنسانة حساسة، لها جراحها وشقوقها، وتبحث عن طريق للاستمرار».

ظهرت بعض التصاميم كمنحوتات رغم تناقضاتها بين الانسيابي والهندسي (ستيفان رولان)

فهي امرأة أكثر تأملاً في علاقتها بالحياة والموت، تكاد تقترب من النظرة الفلسفية. ففي نظر رولان، لم تكن داليدا مجرد فنانة عادية، بل امرأة تتساءل عن معنى وجودها وتحاول فهم معنى الحياة وكيفية مواصلة العيش فيها».

ولتجسيد هذه الصورة، أو الروح التواقة للتعايش مع الحياة، اقترح 33 إطلالة، برز من بينها فستان بتقنية المكرمية، يجمع بين كورسيه وتنورة من الأورغنزا وتفاصيل من ريش النعام. كما ظهرت فساتين طويلة أخرى، يجمع بينها التوازن بين الصلابة والنعومة، بينما بدت العارضات في العديد منها كأنهن منحوتات متحركة. لم يغب غموض الشرق ولا سحره. فقد برزا من خلال خامات، مثل الأورغنزا التي تنساب مع الخطوات كزبد البحر، وتصاميم تكشف اجزاء من الجسد من دون مبالغة، كما حضر الأسود إلى جانب الأحمر في قطع معدودات. الأسود ليعكس السوداوية التي كانت تعيشها في حياتها الخاصة، والأحمر ليستحضر ستارة مسرحها المفضل، الأولمبيا.

مسرح الأولمبيا

هذا المسرح بالنسبة لرولان، لا يمكن فصله عن داليدا، أو عن تلك الليلة الملحمية التي عادت فيها إلى الأضواء، لأنه كان جزءاً من حكايتها، حيث وقفت على خشبته مرات لا تُحصى، لذلك «كان مهماً أن أقدِم هذه المجموعة التكريمية والتي تتزامن مع رحيلها الأربعين في المكان الذي كانت تُفضِله».

غلب الأبيض على العرض باستثناء قطع قليلة استخدم فيها المصمم الأسود (ستيفان رولان)

ويشرح رولان أنه يعتبر اختيار المكان عموماً، عنصراً أساسياً في كل عروضه. فعندما استلهم من ماريا كالاس، كان قصر غارنييه الخيار الطبيعي. فقد غنَت على خشبته وأحيت فيه ثلاث حفلات مهمة في مسيرتها. كذلك الأولمبيا، الذي كان الأقرب إلى داليدا، وحققت فيه أجمل نجاحاتها.

وعندما أشير إلى أن الغوص في الذات الإنسانية هنا، وسرد القصص في عالم الموضة عموماً، بات يحتل أحياناً مساحة مبالغاً فيها، إلى حد يجعل كل مجموعة مصحوبة بحكاية أو مصدر إلهام أو مرجعية ثقافية تكاد ترقى إلى أطروحة فكرية أو فلسفية، يُقرِ رولان أن هذا السرد يتحول إلى عبء حين يُختلق لمجرد إرضاء المتلقي. ويُوضِح: «أنا أحب رواية الحكايات، لكن فقط إذا عشتها أو لمستني شخصياً. عندها فقط أومن بأن الإحساس سيصل صادقاً ومقنعاً».

نعومة الأقمشة لم تؤثر على هندسية التصاميم وأسلوب المصمم النحتي (ستيفان رولان)

من هذه القناعة، هو لا ينسج قصصاً للترويج لمجموعة أزياء، بل يستلهم تجارب إنسانية حقيقية يترجمها بلغة فنية. ولعلَ هذا ما يُفسِر تركيزه على داليدا في لحظة مفصلية من حياتها: حين عادت إلى المسرح بعدما اعتقد كثيرون أن مسيرتها انتهت، متحدِية خذلان منتجين رفضوا تمويل حفلتها الشهيرة، إذ موَّلتها من مالها الخاص، لتقف أمام الجمهور بفستان أبيض، شامخة، وكأنها تعلن رفضها للغياب أو التواري عن الأنظار. في تلك اللحظة، بكل ما تختزنه من معاني العودة والتجدد واستعادة الذات، وجد رولان الصورة التي أراد أن يستحضرها ويُقدمها في هيئة امرأة معاصرة.

فقد رأى في تلك الليلة من عام 1971 ما يتجاوز حدود الموضة. رأى امرأة تحاول أن تمضي في الحياة رغم التحديات، ومن هنا وظف اللون الأبيض كرمز للعودة وفتح صفحة جديدة لا كلون للاختفاء والتواري.


كتاب يستعيد زمناً وفرصة ذهبية في دار «ديور»

يسلط الكتاب الضوء على عملية الإبداع وما يليها (ديور)
يسلط الكتاب الضوء على عملية الإبداع وما يليها (ديور)
TT

كتاب يستعيد زمناً وفرصة ذهبية في دار «ديور»

يسلط الكتاب الضوء على عملية الإبداع وما يليها (ديور)
يسلط الكتاب الضوء على عملية الإبداع وما يليها (ديور)

هناك لحظات يتشكّل فيها مستقبل مبدع حين يجد نفسه في المكان الصحيح. في الحادية والعشرين من عمره، كان «يورغن مايكلسن»، شاب ألماني من مدينة بريمن، على موعد مع فرصة استثنائية حين اختاره «كريستيان ديور» شخصياً، «بأعجوبة» على حدّ تعبيره، للعمل في الاستوديو، قلب الدار الإبداعي، حيث شهد أسلوب «نيو لوك» (New Look) انطلاقته اللافتة في فبراير (شباط) 1947. ومنذ ذلك الحين، انفتح أمامه عالم الأزياء الراقية «كوتور» الفرنسية في مهد الأناقة الباريسية. وخلال تسمية تصاميم مجموعة «ليبر» (Libre) التي أسهم في ابتكارها، اختار له السيد «ديور» اسم «يورن» (Yorn)، وهو اسم يحمل وقع علامة أزياء راقية «كوتور»، وكأنّه كان استشرافاً للمسيرة التي ستقوده لاحقاً إلى أن يصبح مصمم أزياء، ويتولى قيادة دار أزياء خاصّة به.

غلاف الكتاب (ديور)

عن تلك البدايات التي تترك في الذاكرة أثراً يتجاوز زمنها، لتصبح جزءاً من تكوين المبدع ومن الطريقة التي يرى بها العالم، يُدخلنا المصمم الألماني يورغن مايكلسن في كتابه «موسم في دار ديور» (A Season at Dior)، الصادر عن دار «فلاماريون» (Flammarion)، عالم 30 «مونتين» (Montaigne) خلال الفترة الممتدة بين عامَي 1956 و1957، وهي مرحلة مفصلية شهدت رحيل «كريستيان ديور» المفاجئ.

ينطلق الكتاب من لحظة اعترف فيها السيد «ديور» في سيرته الذاتية «ديور بقلم ديور» (Dior by Dior) بأنّ «السنوات الأولى، حين يبدأ المرء في شقّ مساره المهني، هي أكثر فصول أي سيرة ذاتية تشويقاً».

كريستيان ديور يجري بروفات قبل العرض (ديور)

من خلال هذه الشهادة القيّمة، يرسم «يورن مايكلسن» صورةً إنسانيةً مرهفة لكريستيان ديور، ويستحضر أجواء ذلك العام المفصلي بكل ما حملته من تألّق استثنائي وزخمٍ إبداعي. ويتخلل هذا السرد الشعور العميق بالامتنان؛ امتنان شاب أُتيحت له فرصة استثنائية، ثم عاد بعد عقود ليستحضر تلك المبادرة التي غيّرت مسار حياته.

ويعيد مايكلسن إحياء عالم 30 «مونتين» (Montaigne) في تلك الحقبة بكل زخمه من: الاستوديو، والمشاغل، ورئيسات المشاغل، والحرفيات الماهرات، وعارضات الأزياء، ومندوبي المبيعات، وكبار المسؤولين في الدار؛ كوكبة من المواهب والشخصيات التي تضافرت معاً لتبثّ الحياة في حلم «ديور» (Dior).

كريستيان ديور وفريق يعمل ويراقب ويتعلّم (ديور)

يرصد الكتاب أيضاً مسار ابتكار مجموعة من الأزياء الراقية «كوتور»، مستعيناً بسلسلة من الصور الفوتوغرافية المصوّرة بعدسة «لوميس دين»، أُنجزت لصالح مجلة «لايف» (LIFE). ومن صورة إلى أخرى، تتكشف تفاصيل الحياة اليومية داخل الاستوديو، ذلك القلب الإبداعي ومختبر الأفكار، حيث تولد التصاميم وتتبلور ملامح القصّات والإطلالات، قبل أن تنتقل إلى الأيدي الخبيرة في مشاغل الدار لتتجسد على أرض الواقع. وتكتمل هذه الشهادة البصرية بصور التقطها كل من «ريتشارد أفيدون»، و«هنري كلارك»، و«ويلي مايوالد»، و«مارك شو»، و«هنري كارتييه - بريسون»، إلى جانب مواد من أرشيف «ديور» (Dior) تُنشر للمرة الأولى، لتقدّم مجتمعةً سجلاً بصرياً نادراً لتلك المرحلة.

أهمية كتاب «موسم في ديور» (A Season at Dior) لا تكمن في أنه يسلط الضوء على عالم الأزياء فحسب، بل في كونه يروي أيضاً حكاية جيلٍ يراقب ويتعلّم ويستوعب، قبل أن يمتلك الجرأة على رسم مساره الخاص. بعد تجربته في دار «ديور» (Dior)، ثم عمله لدى «مدام غريس» بصفته مصمّم أنماط، مضى «يورن مايكلسن» في شق طريقه المستقل. وفي عام 1962، أصبح أول مصمم ألماني يفتتح دار أزياء تحمل اسمه في 144 شارع الشانزليزيه.


لماذا خطفت إطلالات الفنانات بـ«الجونة السينمائي» الأضواء من صناع الأفلام؟

ليلى علوي على السجادة الحمراء بالجونة (إدارة مهرجان الجونة السينمائي)
ليلى علوي على السجادة الحمراء بالجونة (إدارة مهرجان الجونة السينمائي)
TT

لماذا خطفت إطلالات الفنانات بـ«الجونة السينمائي» الأضواء من صناع الأفلام؟

ليلى علوي على السجادة الحمراء بالجونة (إدارة مهرجان الجونة السينمائي)
ليلى علوي على السجادة الحمراء بالجونة (إدارة مهرجان الجونة السينمائي)

رغم وجود أفلام سينمائية حاصلة على جوائز في مهرجانات سينمائية دولية عدة ضمن عروض فعاليات مهرجان «الجونة السينمائي» في دورته التاسعة التي اختتمت (الجمعة)، فإنّ إطلالات الفنانات ومقاطع فيديو من فعاليات مختلفة تضمنها المهرجان خطفت الأضواء بعد انتشارها على مواقع التواصل الاجتماعي من صناع الأفلام.

ويتكرر المشهد كل عام بالمهرجان الذي يقام على ساحل البحر الأحمر بمصر، لتتحول إطلالات الفنانات إلى مدخل لمتابعة المهرجان لدى قطاع من الجمهور، حيث تجذبه صور السجادة الحمراء، وما يصاحبها من تفاصيل تتعلق بالأزياء، والمجوهرات، وتسريحات الشعر.

وهي تفاصيل تتيح مشاركة واسعة في النقاش، سواء بالإعجاب، أو الانتقاد، من دون الحاجة إلى متابعة العروض؛ إذ يكفي تداول صورة لإحدى النجمات حتى تبدأ المقارنات بين إطلالتها الحالية وظهورها في دورات سابقة، أو بينها وبين غيرها من الحاضرات.

وتعرضت شيرين رضا للانتقاد على خلفية إطلالتها في حفل الافتتاح بفستان اعتبره البعض غير مناسب لمرحلتها العمرية، وهي الانتقادات التي أكدت لـ«الشرق الأوسط» أنها لم تهتم بها باعتبار أنها اختارت فستاناً شعرت بأنه مناسب لها.

وأضافت أن من حق الجمهور إبداء رأيه، لكنها لا تقبل أي تجاوز في حقها من أشخاص لا يوجد لديهم سوى أجهزة هواتف جوالة ليعلقوا عليها باستخدام عبارات تحمل سباً وقذفاً.

شيرين رضا في مهرجان الجونة (صفحتها على «فيسبوك«)

موقف آخر تعرضت له الفنانة يسرا بعدما جرى اقتطاع جزء من حديثها خلال ندوة تحدثت فيها مع المنتج مدحت العدل عن وجود «ردة»، وهو ما جرى اقتطاعه من سياقه الذي ارتبط بعدم القدرة على تقديم بعض الأعمال التي قدمت من قبل بالسينما، بالإضافة إلى تراجع البطولات النسائية.

ونال الفنان خالد الصاوي تعليقات عديدة حول إطلالته في المهرجان، مع ظهوره بوزن منخفض بشكل كبير مقارنة بالنسخة الماضية من المهرجان، وذلك عقب أزمات صحية مر بها في الفترة الماضية. كما لفتت نيكول سابا وهدى الإتربي ونجلاء بدر الأنظار بمواقف وإطلالات خلال المهرجان.

وقال مدير المركز الصحافي لمهرجان «الجونة السينمائي» هاني مصطفى إن السعي وراء «الترند» أثّر في المعايير المهنية لتداول الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي، موضحاً أن المواد التي تتضمن إثارة تجد رواجاً أكبر، بينما لا يحظى الحديث عن فيلم فائز بالسعفة الذهبية -أو بجوائز كبرى في المهرجانات السينمائية الكبرى- بالاهتمام نفسه، رغم قيمته السينمائية، لأن معايير الانتشار على هذه المنصات تختلف عن معايير التغطية الثقافية.

دينا الشربيني في مهرجان الجونة (إدارة المهرجان)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «جانباً كبيراً من الجمهور الذي يتابع أخبار المهرجان عبر مواقع التواصل لا يدرك عمق محتواه الثقافي، في ظل التركيز على التفاصيل المثيرة التي تحظى بقبول أوسع»، موضحاً أن ذلك يؤثر في الصورة التي تصل إلى المتابعين عن المهرجان، إذ تتصدر بعض الوقائع والتعليقات الاهتمام، فيما تتراجع أمامها أخبار الأفلام، والعروض، والأنشطة السينمائية التي تشكل جوهر برنامجه.

وأوضح مصطفى أن «المهرجان يتبع، منذ دورته الأولى، استراتيجية إعلامية واضحة تهتم بالتغطية الصحافية والإعلامية لفعالياته، غير أن اتساع تأثير مواقع التواصل يجعل من الصعب التحكم في اتجاهات تداول المحتوى»، مؤكداً أن رغبة قطاع من الجمهور في تتبع الفضائح والتفاصيل المثيرة للجدل تسهم في انتشارها على حساب موضوعات ثقافية تحتاج إلى اهتمام أعمق.

وأبرزت العديد من الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع ولقطات فيديو مختلفة لمواقف عفوية للفنانين خلال المهرجان حققت ملايين المشاهدات، منها موقف سكب الفنانة ليلى علوي لكوب كانت تحمله بيدها خلال توجهها للمشاركة في إحدى الفعاليات برفقة زميلتها يسرا، والممثلة كندة علوش.

نيكول سابا في الجونة (إدارة المهرجان)

وقالت الناقدة حنان أبو الضياء إن النقاد يتابعون في مهرجان «الجونة السينمائي» أفلاماً مهمة يحرص المهرجان على إتاحتها عاماً بعد آخر، إلى جانب الندوات، والنقاشات التي تعقب العروض بحضور صناعها، موضحة أن «هذه اللقاءات تمنح المشاهدين فرصة لفهم اختيارات المخرجين، ومناقشة أفكارهم، وتشكل جانباً مهماً من فعاليات المهرجان، لكنها لا تحظى بالظهور الإعلامي نفسه الذي تحظى به إطلالات النجوم».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «غالبية هذه النقاشات لا تُنقل تلفزيونياً، ما يحد من وصولها إلى جمهور خارج قاعات العرض، رغم ما تتضمنه من حوارات تستحق المتابعة» لافتة إلى أن القراءات النقدية تحقق، بشكل عام، أرقام متابعة أقل بكثير من مقاطع الفيديو، وهو ما يساعد على فهم الفارق بين ما يشاهده النقاد من نشاط سينمائي داخل المهرجان، والصورة الأكثر تداولاً عنه لدى الجمهور.

أمينة خليل وإطلالة خاصة في مهرجان الجونة (إدارة المهرجان)

ويتضمن مهرجان «الجونة السينمائي» عدداً من الحفلات التي تنظم عبر الشركات الراعية للمهرجان، منها حفل سنوي يقوم بإحيائه المطرب المصري عمرو دياب، وشهدت الدورة التاسعة تنظيم حفل للموسيقار عمر خيرت.

وجرى تناول مقطع فيديو تفاعل فيه السيناريست تامر حبيب مع الفنان عمرو دياب خلال الحفل الذي أقيم على هامش المهرجان، مع تعليقات حملت سخرية من طريقة تفاعل السيناريست المصري، لكن حبيب أكد لـ«الشرق الأوسط» أنه سمع بالفعل عن هذا الأمر، لكنه لم يهتم، لكونه لم يقم بارتكاب شيء يخجل منه، فهو حضر الحفل، واستمع إلى عمرو دياب، واندمج معه في الغناء، الأمر الذي لا يشكل أي شيء يدعو للسخرية، أو الانتقاد.

وأرجع أستاذ الإعلام بجامعة العاصمة محمد فتحي إثارة المهرجان للضجيج كل عام لكونه «التجمع الأبرز والأطول لنجوم مصر بعيداً عن كاميرات الأعمال الفنية، وفي حضور رجال الأعمال، وهو ما يجعله بيئة مثالية للمحتوى الرائج على مواقع التواصل الاجتماعي»، واصفاً المهرجان بأنه «أكبر عرض مسرحي واقعي فني يُقدَّم في مصر»، حيث تحظى تصرفات النجوم وعلاقاتهم وإطلالاتهم باهتمام يتجاوز مشاركاتهم الفنية.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن اجتماع النجوم على مدى أيام يتيح مادة واسعة للنميمة، والتعليق على تفاصيل حياتهم، وظهورهم، بما يمنح النقاش حول المهرجان طابعاً يتجاوز السينما، مشيراً إلى أن «بعض ما يُثار بهذه المناسبة قد يكون مدفوعاً برغبة في الانتقام الشخصي، فتُستخدم الصور والمواقف والتصريحات في تصفية خلافات، وهو ما يسهم في تجدد الجدل واتساعه مع كل دورة»، على حد تعبيره.