العالم بعد قمتي «السبع الكبار» و«منظمة شنغهاي»

«الشرق الأوسط» تنشر ثلاث قراءات أميركية وروسية وأوروبية

المستشارة الألمانية انجيلا ميركل تتحدث الى الرئيس ترمب خلال قمة «السبع الكبار» في كيبيك. (رويترز)
المستشارة الألمانية انجيلا ميركل تتحدث الى الرئيس ترمب خلال قمة «السبع الكبار» في كيبيك. (رويترز)
TT

العالم بعد قمتي «السبع الكبار» و«منظمة شنغهاي»

المستشارة الألمانية انجيلا ميركل تتحدث الى الرئيس ترمب خلال قمة «السبع الكبار» في كيبيك. (رويترز)
المستشارة الألمانية انجيلا ميركل تتحدث الى الرئيس ترمب خلال قمة «السبع الكبار» في كيبيك. (رويترز)

تزامن انعقاد قمة «السبع الكبار» في كيبيك الكندية مع قمة «منظمة شنغهاي» في مدينة تشينغداو الصينية الأسبوع الماضي وما جرى فيهما، قد يكون مؤشرا للمرحلة الجديدة التي دخل فيها العالم والقوى الكبرى.
وخيمت على قمة كيبك الخلافات بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وحلفائه الآخرين حول أمور كثيرة بينها دعوته إلى إعادة روسيا إلى نادي الكبار ومسائل المناخ والعلاقات التجارية، إضافة إلى الموقف من الاتفاق النووي الإيراني.
في المقابل، نوه الرئيس الصيني شي جينبينغ في قمة «منظمة شنغهاي» بالتعاون والمستقبل الواعد و«وحدة دول التكتل» الذي يضم روسيا وأربع جمهوريات سوفياتية سابقة وعضوين جديدين هما باكستان والهند. كما التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره الإيراني حسن روحاني على هامش القمة وعبر له عن دعمه لانضمام طهران إلى المنظمة.
«الشرق الأوسط» سألت السفير الأميركي الأسبق في سوريا والجزائر روبرت فورد والسفير الفرنسي الأسبق في دمشق ميشال دوكلو ورئيس «معهد الاستشراق» التابع لأكاديمية العلوم الروسية فيتالي نعومكين عن رأيهم بقمتي «السبع الكبار» و«منظمة شنغهاي». وهنا آراؤهم:
> هل نتفاءل بقمة ترمب ـ كيم؟
روبرت فورد

شهد الثلاثاء الماضي العرض السياسي الكبير المتمثل في اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون في سنغافورة. وقبل عام كامل، كان الزعيمان الأميركي والكوري الشمالي يهددان بشن الحرب النووية كلاهما ضد الآخر. والآن يجتمعان ويبتسمان ويتصافحان ويتحادثان لساعات. لقد شهدنا للتو قمة الدول الغربية الكبرى في كندا التي كان من المفترض أن يسهل خروجها عن الأطوار. فماذا حدث في القمة الأكثر صعوبة بين الرئيس ترمب والرئيس كيم؟
تملك الولايات المتحدة بالفعل خبرة ممتدة وسجلا طويلا من التفاوض غير المجدي وغير المثمر مع كوريا الشمالية. وطرح السفير الأميركي الأسبق لدى روسيا مايكل ماكفول المقرب من الرئيس السابق باراك أوباما، سؤالا على حسابه في «تويتر» قال فيه: «كيف يتسنى لترمب التوصل إلى اتفاق بشأن الأسلحة النووية في كوريا الشمالية إن كان لا يستطيع مجرد التفاوض على صفقة بسيطة بشأن تجارة منتجات الألبان مع أصدقائنا في كندا؟».
بيد أن اجتماع القمة في سنغافورة لا علاقة له بالاتفاق النهائي بين واشنطن وبيونغ يانغ على أي حال. وصرح الرئيس الأميركي بأنه لم يتجهز بدرجة كبيرة لهذا الاجتماع. وبعض من الرؤساء الآخرين الذين عرفتهم كانوا يحملون مجلدات ضخمة مليئة بالمستندات الكثيرة ذات التفاصيل المعقدة، غير أن السيد دونالد ترمب غير مولع بالتفاصيل الصغيرة. وبالنسبة له، فإن اجتماع القمة يتعلق بعلاقته الشخصية مع زعيم كوريا الشمالية. وصرح الرئيس ترمب لوسائل الإعلام الأميركية بأنه يعمل بشكل رئيسي عن طريق حدسه وغريزته. وقال أيضا إنه سيدرك في غضون 5 دقائق من بدء الاجتماع ما إذا كان يمكن إبرام الاتفاق النهائي مع كيم من عدمه. وتحليله الأخير الموجه إلى الشعب الأميركي لخصه في عبارة: «سوف نرى ما سوف تسفر عنه الأمور».
فإن كان تقييم الاجتماعات الأميركية - الكورية الشمالية أنها جيدة، فسنشهد إطلاق عملية طويلة من المفاوضات بين الجانبين. والبدء في عملية التفاوض هذه من الخطوات الجيدة، نظرا لأن تواصل المفاوضات واستمرار الاتصالات بين الخبراء والدبلوماسيين من شأنهما أن يسفرا عن انخفاض حدة التوتر في شبه الجزيرة الكورية.
يخشى رئيس كوريا الشمالية أن تشن الولايات المتحدة هجوما ضد نظامه. ومن شأن الضمانات الأمنية التي يريدها كيم أن تتسق مع معاهدة السلام المنشودة، ولكن ما الذي تعنيه عبارتا «معاهدة السلام» و«الضمانات الأمنية» على الحقيقة. بالنسبة إلى الجانب الأميركي، فإن «معاهدة السلام» ستحل محل اتفاق الهدنة الموقع عليه في عام 1953 والذي توقفت بموجبه الحرب الكورية. وتعتقد كوريا الشمالية أن معاهدة السلام تعني رحيل كل القوات الأميركية عن كوريا الجنوبية. كما ترغب كوريا الشمالية أيضا في سحب القوات النووية الأميركية المنتشرة في آسيا، والتي يمكنها توجيه الضربات الانتقامية ضد بيونغ يانغ في حال شنها الهجوم أولا. فهل تعدّ كوريا الجنوبية، واليابان، والولايات المتحدة الأميركية على استعداد لذلك؟ وما الدور الصيني في ما يتعلق بالضمانات الأمنية المتوقعة في شبه الجزيرة الكورية؟
يريد الأميركيون القضاء النهائي والتام على الأسلحة النووية في كوريا الشمالية، بالإضافة إلى إقامة نظام قوي من التفتيش والتحقق داخل كوريا الشمالية. فهل من شأن ذلك أن يتضمن الصواريخ الباليستية؛ حيث أعلنت واشنطن من قبل أن اتفاقية الأسلحة النووية مع إيران يجب أن تشمل برنامج الصواريخ الإيراني كذلك؟ وهل كوريا الشمالية على استعداد لتدمير ترسانتها الوطنية كافة من الصواريخ الباليستية وقبول عمليات التفتيش الدولية المفاجئة، من دون إنذار مسبق، على أي موقع وفي أي وقت؟ وهل سوف تقبل كوريا الشمالية بشروط الإدارة الأميركية التي رفضتها إيران من قبل؟
ولعل الأمر الجدير بالاهتمام إن كانت هناك مفاوضات مستقبلية بين الجانبين هو: من سيكون مسؤولاً عن تقديم أول التنازلات؟ وهل ستقبل كوريا الشمالية، من حيث المبدأ، الإزالة الكاملة لبرنامج الأسلحة النووية، واتخاذ بعض الخطوات الأولية الصغيرة والملموسة على هذا المسار، أم ستصر على أن يتقدم الجانب الأميركي أولا بالتنازلات واتخاذ الخطوات الجادة في ما يتعلق بالضمانات الأمنية المنشودة؟ تلك نوعية التفاصيل المدرجة في سجلات الإحاطة السياسية التي لم يقرأها الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وتلك هي التفاصيل التي سوف يتعين على الولايات المتحدة وكوريا الشمالية التعامل معها وتلمس شتى السبل لحلها وتسويتها.
عندما كنت دبلوماسياً شاباً في أول حياتي المهنية عام 1986، التقى الرئيس الراحل رونالد ريغان مع زعيم الاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف في العاصمة الآيسلندية ريكيافيك. وقد تم ترتيب تلك القمة في عجالة لأجل مناقشة ملف الأسلحة النووية ونزع السلاح. ولم يكن الرئيس ريغان، كمثل الرئيس ترمب، مولعا بالتفاصيل، وقبل وصوله إلى آيسلندا لم تكن هناك ترتيبات مسبقة بين المفاوضين الأميركيين والروس، وكان هناك يومان من المباحثات المكثفة والمضنية والشاقة بين الزعيمين ريغان وغورباتشوف. وانتهت أعمال القمة من دون التوصل لأي اتفاق، وألقى كل من ريغان وغورباتشوف بلائمة الفشل في ذلك كلاهما على الآخر.
لكن التاريخ يقول إن قمة ريكيافيك، في خاتمة المطاف، لم تكن فشلا بالمعنى المعروف. بدلا من ذلك، طور كل من ريغان وغورباتشوف نوعا من العلاقات الشخصية؛ فلقد تحدث كل منهما مع نظيره بكل صراحة وانفتاح ووضوح. واكتشاف أنهما يرغبان فعلا في الحد من الأسلحة النووية حتى وإن لم يتفق المفاوضون من الجانبين على التفاصيل. وفي عامي 1987 و1991 وقعت واشنطن وموسكو على اتفاقيات مهمة للغاية بشأن الأسلحة النووية كان الفضل الأول فيها يرجع إلى قمة ريكيافيك.
الرئيس دونالد ترمب ليس هو الرئيس رونالد ريغان بطبيعة الحال. ولم تكن قمة مجموعة السبع في كندا لتسفر عما أسفرت عنه يوم الأحد الماضي، كما حدث، إن كان الرئيس الأميركي الحالي هو رونالد ريغان. غير أن الرئيس ترمب يشعر بسعادة بالغة لأن يكون هو، بشخصه، مركز الجاذبية في المسرح السياسي؛ حيث ينظر إلى نفسه نظرة القائد العظيم. وسنرى ما سيحدث.
- السفير الأميركي السابق لدى سوريا والجزائر
خاص بـ«الشرق الأوسط»

> يا لها من أيام سعيدة لبوتين
ميشال دوكلو

يا لها من أيام سعيدة لفلاديمير بوتين، أيام سعيدة بالتأكيد: في كيبيك، عكست قمة مجموعة السبع صورة واضحة ومثيرة للذهول عن ازدراء الرئيس ترمب لأقرب حلفاء الولايات المتحدة، كما عكست حدة الانقسامات العميقة التي باتت جلية الآن داخل المعسكر الغربي. كيف لا يتعارض ذلك مع السلاسة التي شهدتها قمة شنغهاي للتعاون؟ وكيف يمكن للسيد بوتين، في سياق الصداقة الجديدة المثيرة للدهشة بين الرئيس الأميركي والزعيم الكوري الشمالي، ألا يتوقع المزيد من التطورات الجيدة التي تصب في صالحه، والناجمة عن البيت الأبيض؟
قبل مغادرته إلى كندا للانضمام إلى زعماء أكثر دول العالم تقدماً في الاقتصاد، أعلن الرئيس ترمب أنه على الرغم من اللياقة السياسية، فإنه يعتقد أنه تنبغي دعوة الرئيس الروسي مرة أخرى إلى ما كان عليه اسم المجموعة من قبل «مجموعة الثماني».
وأثارت هذه التصريحات غضب نظرائه الذي يتذكرون أن روسيا قد خرجت من تلك المجموعة ليس بسبب الصواب السياسي، ولكن في أعقاب غزوها لأوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم إلى سيادتها.
وعلاوة على ذلك، روسيا ليست بالاقتصاد الموجَّه نحو الأسواق في واقع الأمر، وهي ليست بالاقتصاد الكبير، وليست بالتأكيد من الدول الديمقراطية. وبالنسبة للقضايا الجوهرية في القمة، فإن الأعمال التحضيرية المعتادة جرت بطريقة عسيرة للغاية. واستحدث وزير المالية الفرنسي برونو لومير اصطلاحاً جديداً هو «مجموعة الست زائد واحد»، في إشارة إلى الثغرة الواضحة بين الولايات المتحدة الأميركية والدول الأعضاء الآخرين (كندا، وإيطاليا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وألمانيا، واليابان، ومؤسسات الاتحاد الأوروبي).
ومع ذلك، تم الوصول إلى بعض الصياغات التوافقية، على مضض كبير، للتأكيد على أهمية نظام التجارة الدولية القائمة على القواعد.
وصل الرئيس دونالد ترمب متأخراً إلى القمة، وغادر مبكراً للغاية، ومِن على متن الطائرة التي كانت تقله إلى سنغافورة (لحضور القمة مع الرئيس كيم)، تنكَّر تماماً للإعلان المشترك الذي كان قد أيده قبل دقائق معدودة. كما أعرب عن غضبه الشخصي من رئيس الوزراء الكندي، الذي ترأس أعمال القمة، وهدد بفرض الرسوم الجمركية الجديدة على كندا.
وفي الأثناء ذاتها، عقدت الصين، وروسيا، وباكستان، والهند، وأربع دول مركزية في آسيا، الاجتماع السنوي لمنظمة شنغهاي للتعاون في مدينة تقع بجنوب الصين. وكان ضيف الشرف على أعمال القمة هو الرئيس الإيراني حسن روحاني. وأدرجت التعهدات بزيادة التعاون الاقتصادي في بيان مشترك لم يتراجع عنه أحد. وأعلنت الصين وغيرها من الدول عن التزامها بالدفاع عن خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني)، في إشارة مفعمة بالتحدي ضد الولايات المتحدة الأميركية. وانتهز الرئيس الصيني الفرصة للتأكيد على دعم بلاده للاقتصاد المفتوح، ومنظمة التجارة الدولية. واستغل الرئيس الروسي الفرصة للتباهي بأنه لم يكن مهتماً فعلاً بالعودة إلى مجموعة الثماني، إن كان سوف يتم إعادة هيكلة هذه المجموعة، إذ إن منظمة شنغهاي للتعاون تحمل في الواقع ثقلاً اقتصادياً كبيراً (وهو الأمر غير الدقيق)، وأن التجمع الدولي الأهم هو مجموعة العشرين.
ومن المهم في هذا السياق أن نضع كلمات السيد بوتين في سياقها الصحيح. في واقع الأمر، ومن دون التقليل من أهمية منظمة شنغهاي للتعاون، فإن هذه المنظمة مكرَّسة بالأساس لإدارة الاختلافات وحالات التنافس المحتملة بين الدول الأعضاء في أواسط آسيا. ومع ذلك، فإن حقيقة تمكُّنِها من التوسع وضم الهند وباكستان إلى عضويتها تُعد من النجاحات الكبيرة. وطالما كانت روسيا حريصة على العثور على المجموعة القادرة على تجسيد العالم متعدد الأقطاب. وكانت الدبلوماسية الروسية جوهرية في تسهيل إضفاء الطابع المؤسسي على الاجتماع السنوي لدول «البريكس». ولبضع سنوات، شكلت هذه المجموعة تحدياً حقيقياً لمجموعة السبع المتمركزة حول الأطلسي (التي تمثل اليابان فيها الدولة غير المنتمية للعالم الغربي). وصار نجم مجموعة «البريكس» أقل سطوعاً عن ذي قبل، نظراً للأداء الاقتصادي الضعيف لبعض الدول الأعضاء، والأزمات السياسية في البرازيل وفي جنوب أفريقيا إلى حد ما. وصحيح أن صعود منظمة شنغهاي للتعاون، في السياق ذاته، يظهر بشكل خاص في الوقت المناسب.
كانت هذه الملاحظات تتعلق بالأعمال المسرحية للقمة الأخيرة. ودعونا نحاول المضي قدماً قليلاً. أولاً، إذا كان ترمب يريد فعلاً إنهاء مجموعة السبع، وليس المجموعة نفسها وإنما السياسات التي تتمخض عن هذه المجموعة (أو ما يُسمَّى بالنظام الليبرالي الدولي)، فإننا سنعيش في عالم مختلف تماماً. ولاحظ معلقون آخرون بالفعل أن «مجموعة السبع ناقص واحد» تتساوى في واقع الأمر مع المنظمة الدولية التي لا تحظى بدعم ومشاركة الولايات المتحدة، وبالتالي يبقى هناك القليل للغاية مما يمكن لمجموعة الست أن تفعله في حماية وتعزيز التعاون الدولي.
وهنا، قد يقع خلاف ما بين الصين وروسيا: في المقام الأول، روسيا على استعداد لتقويض النظام الدولي مثل الذي أقامه الأميركيون بعد الحرب العالمية الثانية. وعلى العكس من ذلك، يمكن للصين التظاهر بأن تكون القوة العظمى المهيمنة التالية في هذا النظام، ولديها المزيد من المصالح والاهتمامات للعمل ضمن هذا النظام بدلاً من تقويضه.
ثانياً، من المرجَّح تماماً الآن أن يستمر ويزيد الصدع القائم بين الولايات المتحدة وحلفائها - وحلفاء الأطلسي على الأقل الآن. وتميزت الشهور الأولى للإدارة الأميركية الجديدة تحت ظل ترمب بالخلافات حيث كانت واشنطن تنأى بنفسها جانباً عن حلفائها التقليديين - بشأن اتفاقية باريس للتغيرات المناخية بصورة خاصة - وتوجيه الانتقادات المستمرة إليهم - بشأن إسهاماتهم في الدفاع المشترك على سبيل المثال.
وبلغت واشنطن مستوى جديداً من الخلاف اتخذت فيه إجراءات لممارسة المزيد من الضغوط على الحلفاء، إن لم يكن لمعاقبتهم: وهذا هو الحال بالنسبة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، حيث يتعين على الجانب الأوروبي دعم أعباء إعادة فرض العقوبات ضد إيران، وبالطبع مواجهة حرب الرسوم الجمركية التي شنَّتها إدارة الرئيس ترمب. وفي هذا السياق الجديد، ازداد تدهور العلاقات، المتضررة بالفعل، مع ألمانيا، في حين دخلت العلاقات مع فرنسا والمملكة المتحدة إلى منطقة خطرة. وهناك مجازفة كبيرة بأن تطغى هذه المشاعر المسمومة على جوهر العلاقات عبر الأطلسي، وعلى تحالف الأطلسي ذاته.
ومن شأن قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) أن تُعقَد في بروكسل في الفترة بين 11 و12 يوليو (تموز) المقبل، ولا يجرؤ أحد على تصور قمة بمثل كارثية قمة مجموعة السبع الأخيرة، ولكن في واقع الأمر، من الممكن للغاية أن تحقق الأحلام السعيدة للقيادة الروسية.
ثالثاً، أحد الدروس المستفادة من الأحداث الأخيرة هو أن السيد ترمب يبدو أنه قد عثر على أسلوبه الخاص في الدبلوماسية: فهو يقول ما يريد، ولا يحترم الحكم التقليدية أو المحرمات، ويشعر بحرية مطلقة في تغيير آرائه وقتما يشاء وبسرعة فائقة، وهو يثمن الخصوم التقليديين بأكثر من تقديره للحلفاء القدامى، ويثق كثيراً في حدسه وغريزته أكثر من ثقته في أي شيء آخر، وهو على استعداد للانخراط في مؤتمرات القمة الشخصية إثر تجهيز وإعداد وجيز للغاية على أساس أنه سوف يعرف أفضل من أي شخص آخر إن كان يمكن الثقة في الزعيم الأجنبي، حتى الديكتاتور المستبد كيم جونغ أون، من عدمه.
والآن، وحيث إننا نتعامل مع دونالد ترمب غير المقيَّد، فمن غير المتصور أن الرئيس الأميركي، بعد قمة «حلف الناتو» الفاشلة، وزيارة العاصمة لندن التي تستلزم فنجاناً من الشاي مع جلالة الملكة، يقرر على نحو مفاجئ الذهاب إلى حفل افتتاح كأس العالم لكرة القدم في موسكو، ويعقد لقاءً كبيراً مع الرئيس فلاديمير بوتين في الكرملين.
وهذا مجرد سيناريو تصوري قد لا يتحول أبداً إلى واقع، ولكن حقيقة أنه في عالم الممكن يظهر المدى الذي ينضبط فيه المشهد الدولي بشكل كبير. وفي مثل هذا السيناريو، ينبغي على دونالد ترمب أن يعارض النفور الكلي للحزب الجمهوري والطبقة السياسية الأميركية من السياسات الحالية للقيادة الروسية. وصحيح أيضاً أنه من شأن هذه الخطوة أن تشكل طريقة شديدة الغرابة للتعامل مع الشكوك التي جسدها تساؤل موللر حول حملة ترمب الانتخابية وضلوع روسيا في مجرياتها. ولكن بعد كل شيء، مَن يدري كيف يكون رد فعل القاعدة الانتخابية للرئيس الأميركي؟ كذلك، أليس هذا هو العامل الوحيد المهم بالنسبة للسيد ترمب؟
على أية حال، في ظل قمة حلف الناتو المعقدة أم لا، ومع زيارة ترمب إلى موسكو من عدمها، فإن حلفاء الولايات المتحدة يواجهون معضلة شديدة القسوة، إثر فشل قمة مجموعة السبع الأخيرة: من ناحية، إن امتثلوا لمطالب ترمب وأذعنوا لتذمره الشديد، فإن يساهمون تلقائياً في إضعاف النظام الذي أكد سيطرة الغرب على النظام الدولي حتى اليوم، وربما هم يحفزون الرئيس الأميركي على ممارسة المزيد من الضغوط رغماً عن مصالحهم، بالنسبة للقضايا التجارية على سبيل المثال.
ومن ناحية أخرى، إن تخيروا الاتحاد فيما بينهم ومقاومة إرادة البيت الأبيض، فإنهم بالتالي يساهمون في تعميق الانقسام الذي يعاني منه الغرب. وعلى أي حال، ومرة أخرى، إنه الوقت المناسب للرئيس فلاديمير بوتين. ويا له من وقت مناسب حيث قد يتناسى أنه في خاتمة المطاف سوف يصب إضعاف الغرب في صالح الصين بصورة أساسية حسن النيات الذي سوف تعتمد روسيا عليه أكثر فأكثر.
- السفير الفرنسي الأسبق في سوريا
خاص بـ«الشرق الأوسط»

> قمتان وسياستان... ورئيسان
فيتالي نعومكين

تزامُن قمة مجموعة السبع مع قمة منظمة شنغهاي للتعاون كان رمزياً. ليس هناك ما يثير الاستغراب بأن يكون للقاء قادة الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون معنى خاص بالنسبة لروسيا التي لا تزال تحت تأثير الضغط المتنامي من قبل دول الغرب.
لأول مرة تعقد هذه القمة بتشكيلتها الموسعة بمشاركة الهند وباكستان بصفتهما عضوين كاملَيْ الصلاحية في المنظمة. نتائج قمة «تشينغداو» استُقبِلت بحماس؛ فهي فاقت كل التوقعات رغم الإدراك تماماً في موسكو وجود مشكلات جدية بين بعض أعضاء المنظمة تفرق فيما بينهم وليس لدى أحد وَهْم بإمكانية حلها بسرعة. فهي بالدرجة الأولى تمس العضوين الجديدين في المنظمة.
أما نتائج القمة الأخرى التي عقدت في كندا فهي من جهة فاجأت بالتشدد الذي أبداه الرئيس دونالد ترمب في دفاعه عن مواقفه بالضغط غير المسبوق على حلفائه المقربين، وكذلك بعدم خوفه من عرض حجم الخلافات الموجودة بين أعضاء هذه المجموعة أمام العالم. في تعليقه على الأزمة في المجتمع العابر للأطلسي كتب الصحافي والمحلل السياسي الروسي المشهور والمقرب من الكرملين فيودور لوكيانوف في مقالته بمجلة «بروفيل»: «من الصعب التذكر متى كان قد تم تحدي الاتحاد الأوروبي بهذا الشكل الصارخ بأن رأيه لا قيمة له».
أما من جهة أخرى، فإن نتائج قمة مجموعة السبع أثارت حفيظة الكرملين، بحسب رد الفعل الرسمي الروسي، ذلك لأن الإعلان المشترك لـ«مجموعة السبع»، وكما يرون هنا، كعادته مبني على الكراهية لروسيا (فلقد تم التوافق على نصه من قبل الجميع بمن فيهم الولايات المتحدة رغم أن ترمب في نهاية المطاف لم يوقع عليه). مرة أخرى الدعوات لروسيا بـ«وقف التصرفات غير البناءة ونسف الأنظمة الديمقراطية ومساندة النظام في سوريا». مرة أخرى التهديدات بفرض عقوبات جديدة. الشروخ العميقة في التضامن بين أعضاء «مجموعة السبع» لم تمنعهم من تكرار الاتهامات التي لا أساس لها ومن دون أدلة تجاه روسيا بخصوص ضلوعها في محاولة تسميم المواطنين الروسيين في سالزبوري.
رغم أن بعض وسائل الإعلام الروسية المناهضة في توجهاتها للغرب لم تبخل في الكلام عن القمة في كندا بحديثها عن «الفضيحة» التي وقعت، وهنا المقصود مغادرة ترمب للقمة قبل اختتامها و«الانقسام» في المجتمع العابر للأطلسي، وحتى عن احتمال أن تكون هذه القمة هي الأخيرة، فإن رد الفعل الرسمي الروسي كان متزناً ولم يحمل في طياته أي نوع من الشماتة رغم وجود دافع للشعور بذلك.
هنا على ما يبدو ينطلقون من أن واشنطن بشكل أو بآخر ستتمكن من ترويض الأوروبيين ممن لا يتفقون معها حول عدد من القضايا. هذا بدا واضحاً من خلال تصرفات الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون الذي بدأ في تغيير موقفه تجاه الصفقة النووية مع إيران. لا تؤخذ هنا في الحسبان تصريحات بعض السياسيين الفرنسيين الحادة مع أن مثل هذا المزاج لا يزال موجوداً.
قبل عدة أيام قال بيار لولوش، الرئيس السابق للجمعية البرلمانية لحلف شمال الأطلسي (ناتو) والمحارب القديم في الحزب الديغولي، في خطابه من على منصة المنتدى الدولي «قراءات بريماكوف» في موسكو: «أنا لا أريد أن أعيش في عالم تملي فيه وزارة المالية للولايات المتحدة على الفرنسيين أين بإمكانهم أن يستثمروا أموالهم وأين لا يمكنهم فعل ذلك». وفي مسائل «الحرب التجارية» فسيضطر الأوروبيون بالإضافة إلى كندا والمكسيك إلى ابتلاع حبة الدواء الأميركية المُرَّة. فالشركات الأوروبية لا تريد أن تواجه العقوبات الأميركية نتيجة مواصلة تعاونها مع إيران (ترمب كان قد استعرض استعداده إلى عدم الاكتراث بآراء حلفائه). فتكلفتها أكبر. حتى إن بعض ممثلي الطبقة السياسية الروسية خلال الأحاديث الخاصة يعبرون عن إعجابهم بقدرة ترمب على الدفاع عن مصالح بلده «أميركا أولاً»، بما فيه باستخدام الأساليب الخشنة في بعض الأحيان، وفي التزامه بما تعهَّد به من وعود خلال حملته الانتخابية، ما عدا تعهداً واحداً: تسوية العلاقات مع روسيا.
جملة ترمب حول الرغبة في عودة روسيا جاءت مفاجئة بعض الشيء. لكن رد فعل موسكو على ذلك كان بارداً للغاية. ذلك أنه في موسكو، أولاً: يدركون تماماً أن هذا لن يحصل في المستقبل القريب، وثانياً: لقد غير الكرملين توجهه إلى صيغ أخرى يراها واعدة وذات أهمية أكبر، وهي بالدرجة الأولى مجموعة العشرين ومنظمة شنغهاي للتعاون.
تقييم موسكو لنتائج قمة منظمة شنغهاي للتعاون كان إيجابياً للغاية. القمة عُقِدت من دون خلافات. على أقل ما يمكن في تشينغداو لم يغادر أحد القمة قبل اختتامها. أما الوثيقة الختامية (بيان تشينغداو)، فلقد وَقَّع عليها جميع المشاركين. وبشكل عام تم التوقيع على 17 وثيقة حول نتائج المحادثات. في الوقت نفسه، كما قال أحد الصحافيين، فإن المشاركين في القمة حاولوا أن يتفقوا «قبل أن ينتقلوا من الكلام إلى الفعل». على الأغلب هذا كان مهماً بالنسبة للأعضاء الجدد في منظمة شنغهاي للتعاون، من الذين تربطهم علاقات معقدة أي الهند وباكستان.
في هذا السياق أشار المحلل السياسي ديمتري كوسيريف إلى «النشاط الماهر لرئيس الوزراء الهندي مودي في بناء علاقات متكافئة مع جميع مراكز القوى في العالم». اللقاءات الثنائية بين القادة على هامش القمة هي أيضاً كانت ذات أهمية، خصوصاً اللقاء بين الرئيس بوتين والرئيس شي جينبينغ. لقد تم توقيع عدد غير مسبوق من الاتفاقيات والعقود بين روسيا والصين بما في ذلك في مجال الطاقة النووية. الرئيس بوتين وعد، خلال حديثه مع الرئيس الإيراني حسن روحاني، بمساندته «في سعيه للتعاون في إطار منظمة شنغهاي».
في موسكو كالعادة يولون الاهتمام الأكبر لتصريحات الرئيس الصيني. رغم أن شي جينبينغ دائماً لبق وحذر في أقواله، عندما يتحدث عن الولايات المتحدة، فلقد كان واضحاً مَن يقصد حين قال: «رغم أن الهيمنة وسياسة القوة لا تزالان تجدان مكاناً لهما في العالم المعاصر، فإن دعوتي إلى نظام عالمي عقلاني وعادل تجذب الاهتمام».
وتحدث أيضاً عن القوى الهدامة في العالم قاصداً فيها بعض الدول من تلك التي وقعت على البيان الختامي لقمة «مجموعة السبع»، وليس تلك الدول التي تحدث عنها هذا البيان.
الرئيس الروسي أولى اهتماماً خاصاً بالمشروع الجديد الذي يتم تحضيره من قبل موسكو وبكين - الشراكة الاقتصادية الأوروآسيوية، التي، وكما أكد الرئيس بوتين «ستكون منفتحة لانضمام جميع دول منظمة شنغهاي». لا تزال تفاصيل هذا المشروع غير معلنة. لكن ما هو معروف أنه في إطار الاتحاد المصرفي للمنظمة ستطلق الصين برنامج اقتراض لهذا الغرض بـ30 مليار يوان (4.7 مليار دولار).
من بين فقرات البيان الختامي التي حازت على اهتمام كبير في روسيا هي تلك التي تتحدث عن التغيرات الخطيرة في الهيكلة العالمية، عن ازدياد عوامل عدم الاستقرار والضبابية في مستقبل العلاقات الاقتصادية الدولية، وعن تحديات التجارة العالمية من جهة الحمائية ونمو مخاطر تفاقم الأزمات الإقليمية، وعن نمو خطر التهديدات الإرهابية والتداول غير الشرعي للمخدرات والجريمة المنظمة... إلخ. لقد برز مصطلح جديد (روح شنغهاي)، الذي كان مخالفاً تماماً لتلك الأجواء التي خيمت على لقاء «مجموعة السبع».
فما هو المقصود بهذا المصطلح أو هذه الروح؟ هي «الثقة المتبادلة والمساواة والمنفعة المتبادلة والمساواة في الحقوق والمشاورات المتبادلة، واحترام التنوع الثقافي والسعي للتطور المشترك».
إجماع المشاركين على الدعوة لزيادة الكفاح ضد الإرهاب والفساد وتداول المخدرات والتمسك بالحرص على الفضاء السلمي وعدم انتشار الأسلحة النووية والتسوية السريعة للأزمات في أفغانستان وسوريا وشبه الجزيرة الكورية، حمل أهمية خاصة بالنسبة لموسكو. وتمت أيضاً الإشارة إلى أهمية تطبيق خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن البرنامج النووي الإيراني. من الممكن أن الإجماع حول هذه المشكلة الأخيرة لن يرضي جميع اللاعبين الفاعلين.
أظهرت القمة نمو دور «صيغة شنغهاي» في السياسة العالمية والنظام الاقتصادي. فليس من الضروري وضعها في مواجهة مباشرة أمام الصيغ الأخرى أو أن ينظر إلى مشاريعها الطموحة (التي لا تزال مشاريع) كتحدٍّ موجَّه من قبل المحركين الأساسيين فيها (الصين وروسيا) ضد اللاعبين الدوليين الأكثر نفوذاً. لكن مما لا شك فيه هو أن هذه المنظمة ستستمر في تأثيرها في عملية تشكيل نظام عالمي جديد بصورة صحيحة.
- رئيس «معهد الاستشراق» التابع لأكاديمية العلوم الروسية - موسكو
خاص بـ«الشرق الأوسط»


مقالات ذات صلة

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

يوميات الشرق الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

في مشهد أقرب إلى الاستكشافات النادرة، خرج الغواص دان جيكوبس مؤخراً من فتحة ضيقة شُقّت في جليد بحيرة فنلندية متجمِّدة...

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الضباب يُغطي المحيط الهادئ بالقرب من حي بارانكو في ليما (أ.ب)

«الأمم المتحدة»: الأرض احتبست حرارة قياسية في 2025

حذرت الأمم المتحدة اليوم (الاثنين) من أن كميّة الحرارة المحتبسة في الأرض بلغت مستويات قياسية عام 2025.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)

إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
TT

إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

منذ تغيّر النظام في سوريا قبل أقل من عامين تقريباً والسلطات الجديدة تعمل على إعادة هيكلة تركة «القطاع الوظيفي» الثقيلة، التي ورثتها من النظام السابق، لكن يبدو أنها لا تمتلك حتى الآن خطة واضحة لذلك.

وتجد الحكومة الحالية نفسها في مواجهة تركيبة معقدة من «فائض موظفين» كبير، يتكون من شريحتين؛ الأولى «هشة فقيرة» شكلت الوظيفة الحكومية بالنسبة إليها ضماناً لمصدر العيش، واستغلها النظام السابق لكسب الولاء، والثانية فرضتها رؤوس الفساد لاعتبارات متعددة سياسية وطائفية وأمنية، إضافة إلى الكسب المادي بطبيعة الحال.

وفي سياق محاولات الحكومة الحالية لإصلاح القطاع الوظيفي، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في أغسطس (آب) 2025 القرار رقم «2533» بعدم تجديد العقود السنوية للموظفين «المؤقتين»، في حال انتهاء مدتها أياً كان نوعها إلا في ضوء الحاجة الماسّة، وبموافقتها حصراً، وذلك بعد أن كانت تُجدد تلقائياً.

من تظاهرة "القانون والكرامة" المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

مع البدء بتنفيذ القرار مطلع عام 2026، وجد عشرات آلاف العاملين أنفسهم خارج الوظيفة، وبالتالي من دون أي دخل. ويتنوع هؤلاء بين أشخاص عاديين باحثين عن عمل وأُجبروا على دفع رشى لمسؤولين وأصحاب نفوذ لتوظيفهم، بحكم أن ذلك كان الوسيلة شبه الوحيدة المتاحة لتأمين الرزق، وبين عشرات الآلاف من الموالين للنظام السابق الذين تم توظيفهم خدمة له، يضاف إليهم أعداد بالآلاف أيضاً خلال سنوات الحرب نتيجة توظيف ذوي من قضوا في القتال إلى جانب النظام كمكافأة لهم.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد العاملين في القطاع العام يتراوح حالياً بين 1.2 و1.4 مليون موظف، من دون أن تذكر أعداداً واضحة لمن يعملون بعقود سنوية والدائمين، لكن مصادر غير رسمية تتحدث عن أن عددهم يقدر بعشرات الآلاف ليس أكثر.

استياء وترقب

منذ تطبيق القرار «2533» بات يسود في المحافظات موقف شعبي يمكن وصفه بـ«الهجين»؛ إذ يجمع بين استمرار «التأييد» للقيادة والسلطات الجديدة، وبين حالة «استياء» تم التعبير عنها باحتجاجات واعتصامات وإضرابات عن العمل، بسبب إنهاء تجديد عقود موظفين، وتدني الرواتب عموماً وسط أزمة اقتصادية خانقة.

وزاد من حالة الاستياء العام استمرار الارتفاع الهستيري لعموم الأسعار، وأجور الخدمات الأساسية من كهرباء، وإنترنت، ومواصلات، ووصول الحال بأعداد كثيرة من الأسر إلى انعدام القدرة على التحمل، إضافة إلى تزايد نسبة البطالة، في حين حذرت تقارير أممية من أن أكثر من 90 في المائة من سكان سوريا يعيشون تحت خط الفقر.

سكان مناطق مدمرة تنتظر الإعمار في دير الزور السورية (أ.ب)

وفي ما اعتُبر خطوة إسعافية، ومحاولة لامتصاص حالة الاستياء في الأوساط الشعبية التي طالما تطلعت إلى تحسين أوضاعها المعيشية بعد التغيير، عمّمت الحكومة منذ فترة، بحسب مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط»، قراراً على هيئات ومؤسسات عامة ينص على «تمديد عقود عمل الموظفين السنوية ثلاثة أشهر»، من بينها «الهيئة العامة للبحوث العلمية والزراعية في سوريا».

وجاء القرار بعدما تبلّغ قبل نحو شهرين «846 موظفاً وموظفة في (الهيئة) يعملون بعقود سنوية (مؤقتة)، بالتوقف عن العمل»، بموجب القرار «2533».

ووفق معلومات «الشرق الأوسط»، يتوزع هؤلاء على 308 من العاملين والعاملات في مركز «الهيئة» بمحافظة اللاذقية (غرباً)، و185 في طرطوس (غرباً)، و204 في الغاب (ريف حماة)، و60 في حمص (وسطاً)، و65 في مركز القنيطرة (جنوباً)، و13 في ريف دمشق، و8 في «إدارة بحوث القطن»، إضافة إلى 6 في حماة.

مستقبل غامض

تحدثت «الشرق الأوسط» مع موظفة تبلّغت قرار طردها من «الهيئة العامة للبحوث» حيث تعمل منذ خمس سنوات، فقالت: «لم يبدد قرار التمديد حالة القلق اليومي بسبب عدم وضوح الأفق، والخوف من فقدان مصدر العيش».

وتتساءل السيدة التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، والتي تعيش مع ابنة وحيدة لها، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «ماذا سيحدث بعد انتهاء فترة التمديد؟ هل سينهون عملنا أو سيثبتوننا؟ هل سنُمنح تعويضات؟ للأسف لا أحد يجيبنا، ونحن أمام مستقبل غامض!».

طفلان يلهوان في حي تين ترما المدمّر والمحاذي لدمشق مطلع أبريل (أ.ب)

ومع ظهور علامات توتر عليها تقول السيدة: «رغم الاحتجاجات والاعتصامات، ومشهد المشاركين وهم يتحدثون عن مصابهم وكأنهم طيور مذبوحة، مددوا ثلاثة أشهر فقط!»، مشددة على أنه لو «كان هناك حكومة يهمها المواطنون، لوجب تثبيتنا».

ومع ارتفاع الأسعار أخيراً باتت أسرة سورية مؤلفة من ثلاثة أشخاص تحتاج لنحو 500 دولار أميركي شهرياً، في حين لا يتجاوز متوسط راتب الموظف في القطاع العام 170 دولاراً بعد مرسوم الزيادة الأخير.

وعلى الرغم من ذلك، تتمسك أعداد كبيرة من هؤلاء بالوظيفة انطلاقاً من أن «الرمد أفضل من العمى»، على ما يقول المثل الشائع.

وفي مشهد يعكس الحاجة الملحّة وندرة فرص العمل، يظهر على بعد أمتار من لقائنا بالسيدة مخبز تجمع حوله العشرات وهم يحملون كميات من الخبز لإعادة بيعها. وتقول السيدة: «نصف الشعب تحول إلى بائعي خبز، وقسم كبير يعمل في جمع البلاستيك من حاويات القمامة، وبعضهم يبحث فيها عن بقايا طعام».

سوريون في المصرف المركزي بدمشق في ظل التفاؤل برفع الاتحاد الأوروبي جميع عقوباته الاقتصادية المتبقية على سوريا في 2025 (أ.ف.ب)

«فائض موظفين»

يوضح معاون المدير العام لـ«الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في سوريا»، ملحم العبدالله، أن ما يجري للعاملين المؤقتين في «الهيئة» سببه تركة «فائض الموظفين» التي خلفها النظام السابق، والحكومة الحالية تتحمل تبعاتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يؤكد العبدالله أن «الهيئة» لديها فائض حقيقي وواضح في مراكز محافظتَي اللاذقية وطرطوس، والغاب، وبعضهم موظف منذ 15 عاماً، وكان يُفترض تثبيتهم بعد مضي خمس سنوات بموجب قانون أصدره النظام السابق.

ويبدي العبدالله تعاطفاً مع هؤلاء الموظفين، ويقول: «للأسف الغالبية العظمى من الطبقة الهشة، ومنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، جرى تعيينهم عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل!».

وخلال اعتصامات ووقفات احتجاجية نفذوها ولقاءاتهم مع المسؤولين، تساءل العاملون عن المعايير التي اعتُمدت لاستمرار عدد من الموظفين في عملهم وإنهاء عقود آخرين، وكذلك عن أسباب صدور تعميم قبل قرار التمديد لثلاثة أشهر لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب، نصّ على استمرار كافة العاملين في تلك المراكز في عملهم.

وفي هذا الصدد، غمز عاملون في مراكز أخرى بأن من ضمن أسباب صدور التعميم لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب ربما «تحسّب السلطات» من ضغوط قد تمارسها دول تطالب بـ«حماية الأقليات».

بيد أن العبدالله يؤكد أن ذلك التعميم «ليس له تلك الأبعاد»، وأن المعايير التي تم اعتمادها هي «دراسات أجرتها لجان تم تشكيلها من اختصاصيين في المراكز، واستندت على (التقييم) الخاص بكل عامل، وحاجة كل مركز».

«حكم إعدام للعائلات»

في ظل مخاوف العاملين على مصيرهم، يتحدث العبدالله عن «احتمال إعادة تدوير لهم في ظل النقص في عدد العمال والخبراء والاختصاصيين في كثير من مراكز (الهيئة) الواقعة في المحافظات الشمالية والشرقية».

بالنسبة لموظفة أخرى في «الهيئة» جرى إبلاغها بالالتحاق بالعمل بعد قرار التمديد، فإن «عملية التدوير» هي «أمر ممكن» إذا كان النقل إلى مراكز قريبة، كأن يُنقل الموظف من مركز دمشق إلى مركز بريفها أو إلى القنيطرة، مع توفير وسائل نقل من قبل «الهيئة». ولكن التدوير يكون بمنزلة «تعجيز» إن جرى نقل الموظف من مركز في جنوب البلاد إلى أقصى الشمال أو الشرق؛ لأن «الراتب لن يكفي لإيجار منزل حتى».

حركة المارة في ساحة المرجة وسط دمشق (رويترز)

واللافت أن قرارَي التوقيف والتمديد لم يشملا كافة المتعاقدين؛ فإحدى الموظفات بعقد سنوي في «الإدارة العامة للشؤون المدنية» التابعة لوزارة الداخلية، فُصلت هي و479 آخرون من عملهم في أبريل (نيسان) 2025 بقرار فجائي صادر عن معاون وزير الشؤون المدنية، ولم تتبلّغ الموظفة بتمديد عقدها ثلاثة أشهر. وما زاد من مصيبتها أن قرارات إنهاء العمل شملت زوجها أيضاً العامل في المؤسسة العامة للكهرباء، ما أدى إلى فقدان العائلة كافة مصادر العيش.

«حكم بالإعدام على العائلة»، تصف السيدة ما جرى معها ومع زوجها، لافتة إلى أن زوجها أُصيب على أثر ذلك بـ«جلطة دماغية»، ولا يزال يعاني من تداعياتها الخطيرة.

تحديات الهيكلة الإدارية

تكشف تحديات إعادة الهيكلة التي واجهها الاقتصاد السوري مفارقات جوهرية تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنمو المستدام، وفق المستشار الاقتصادي زياد عربش.

ويوضح عربش لـ«الشرق الأوسط» أن «أولى المفارقات تكمن في أن عودة المهجّرين تفترض زيادة الطلب على الخدمات العامة إلى نحو الضعف، خاصة في مجالات التعليم والصحة، الأمر الذي يتطلب توظيف المزيد من الكفاءات رغم وجود (فائض وظيفي) موروث. فهذا يتطلب إعادة تأهيل عوضاً عن الصرف». ويوضح عربش أنه «مع وجود (موظفين أشباح) وقع العبء على الموظفين الحقيقيين الذين استمروا في تقديم الخدمات لأعداد أكبر من المستفيدين، كتأمين التعليم لخمسة ملايين طالب، في حين عمدت وزارات عديدة إلى رفد المؤسسات بعشرات آلاف الموظفين».

المفارقة الثانية، بحسب عربش، أن القطاع العام ليس وحده الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل، بل القطاع الخاص أيضاً، ويقول: «بدلاً من التركيز على مزيد من الكفاءة في كلا القطاعين، يتم بيع أصول المؤسسات العامة قبل هيكلتها، لا بل إن تفكيك مؤسسات الدولة ينتهك المبادئ العامة ودور الدولة كضامن للعقد الاجتماعي».

أما المفارقة الثالثة، فهي وجود بطالة مقنّعة، مقابل نقص حاد في الكفاءات الرقمية المطلوبة لآلاف فرص العمل في قطاعات تعتمد بشكل أساسي على التحول الرقمي، و«خصوصاً مع الحديث عن الاستثمارات في السياحة والاتصالات، وبناء المرافق لجذب الرأسمال العربي المهاجر، وهذا كله يتطلب استراتيجية انتقالية تجمع بين الشفافية والتدريب لتحويل المفارقات إلى محركات نمو»، بحسب عربش.

أنيت شماس من الوزارة الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية تزور أحد المراكز الثمانية المنتشرة في أنحاء سوريا للتدريب على المهارات ودعم سبل العيش (الأمم المتحدة)

ويستبعد عربش أن تتخلى الحكومة تماماً عن هؤلاء الموظفين المتعاقدين، لكنها تواجه تحدياً حقيقياً. ويقول: «صحيح أن النظام السابق ترك إرثاً مشيناً بعد عقود مما يسمى إصلاح القطاع العام (والذي لم يكن إلا غطاء لنهبه)، وواجهت السلطة الجديدة اليوم (موظفين أشباحاً) مسجلين على سجلات الرواتب دون وجودهم، لا بل إن البعض كان له عدة رواتب في عدة مؤسسات للدولة... لكن التعميم غير مبرر، ففي اليوم التالي للتحرير استمرت المؤسسات في تقديم الخدمات دون انقطاع للمياه أو الكهرباء، وتابع ملايين الطلاب دراستهم».

تباينات الرواتب

المعاناة والقلق لا يقتصران على الموظفين الحكوميين المتعاقدين، بل يطولان «المثبتين» الذين استمروا في أداء عملهم في الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال السنوات الماضية.

وتتمثل معاناة هؤلاء، وفق عدد منهم، في وجود فروقات كبيرة بين رواتبهم الشهرية، ورواتب موظفين قدموا من الشمال السوري والمهاجر.

موظف في مؤسسة حكومية بدمشق، مضى على عمله أكثر من 20 عاماً، لا يتجاوز راتبه الشهري حالياً 170 دولاراً، يؤكد أن زملاء جدداً له في نفس المكتب قدموا من الشمال حيث عملوا في «حكومة الإنقاذ» التي كانت تتبع «هيئة تحرير الشام»، يتقاضون نحو 500 دولار، في حين تصل مرتبات رؤساء أقسام لنحو 1000 دولار، والمديرون الجدد الذين قدموا من تركيا يتقاضون أكثر من 3000 دولار.

ويقول الموظف الذي فضّل عدم ذكر اسمه واسم المؤسسة، إن الأمر يتسبب في «غصة كبيرة له وللآلاف من زملائه، ويشعرهم باستمرار فقدان العدالة».

ويوضح مصدر حكومي حالي في دمشق، كان موظفاً لدى «حكومة الإنقاذ» في الشمال السوري قبل التحرير، أن الأخيرة كان لديها سلم رواتب وفق قانون العاملين رقم «53»، وهو مماثل لقانون العاملين رقم «50» المعمول به في مناطق سيطرة النظام السابق.

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويذكر المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «رواتب (الإنقاذ) في تلك الفترة كانت تبدأ من 125 دولاراً وتصل إلى 500 دولار، كما كان يوجد رواتب أعلى، وهذا التفاوت موجود حتى وفق القانون رقم (50)».

ويرى المصدر أن هذا التفاوت في الرواتب أمر طبيعي في هذه المرحلة الانتقالية، وسيتم معالجته تدريجياً مع صدور «قانون الخدمة المدنية الجديد» بعد انطلاق عمل مجلس الشعب.

ووفقاً للمصدر، فإن «عملية الدمج بين الكيانات الموجودة في الدولة معقدة، وقد تستغرق وقتاً طويلاً؛ لأن حكومة النظام السابق كانت تعمل وفق القانون (50)، و(الإنقاذ) وفق القانون (53)، و(الإدارة الذاتية) الكردية وفق قانون خاص بها».

حلول عملية

المستشار الاقتصادي عربش، وخلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال إن مسألة وجود فارق في رواتب موظفين في مرتبة واحدة «تهدد العقد الاجتماعي وتفاقم المفارقات الثلاث السابقة».

ويوضح أن «وجود رواتب منخفضة (مثل 200-300 دولار) مقابل 500-700 دولار لبعض الموظفين الجدد يولّد توتراً، ويقوّض الاستمرارية المؤسساتية؛ ولذلك يُفترض أن تجعل الحكومة هذه القضية أولوية لتعزيز الوحدة الوطنية، مدعومة بضغط دولي واستثمارات».

وفي رأيه، فإن معالجة مشكلة الفارق في رواتب الموظفين تتطلب «نهجاً تدريجياً، مع التركيز على الشفافية والكفاءة».

ويذكر عربش أن النهج التدريجي للمعالجة يتضمن عدة طرق، هي «توحيد جداول الرواتب بصيغة موحدة بناءً على الخبرة والموقع، مع زيادة تدريجية للمثبتين (20 في المائة سنوياً لثلاث سنوات مثلاً)، ممولة بإيرادات الاستثمارات في قطاعات الطاقة والفوسفات والسياحة».

قوات الأمن في مواجهة محتجين يطالبون بتحسين الأوضاع المعيشية في دمشق في 17 أبريل (أ.ب)

ويمكن معالجة الأمر من خلال حوافز أداء، كربط نسبة من الراتب بمؤشرات واضحة، ما يحفز الكفاءة، وكذلك من خلال تعويض انتقالي بتقديم منح للمثبتين في أكثر المناطق فقراً لسد الفجوة، وبرامج تدريب مشتركة لتبادل الخبرات.

وأيضاً «يمكن معالجة الأمر من خلال رصد رقمي، كاعتماد تطبيق (حقيبة الراتب الشفاف) لمراقبة الفوارق، وهو مستوحى من نموذج نفذته السعودية سابقاً».

وهذه الطرق، بحسب عربش، تحوّل الفائض الوظيفي قوة في الموارد البشرية، مع تقاطع هيكلة القطاع الخاص باعتماد مسارات النهوض التكنولوجي والمؤسساتي؛ بمعنى أن تتحول عدة موارد إلى كفاءات رقمية للاستثمارات. لكن إلى أن تتم هذه العملية وغيرها، أو أن توضع خطط بديلة للتعامل مع تحديات الإدارة العامة والأعباء الاقتصادية للأسر السورية، يبقى أن عدداً لا يستهان به من المعيلين والمعيلات فقدوا مصدر دخلهم الوحيد، وزادوا هوامش الفقر الممتدة كل يوم.


مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
TT

مدارس الحوثيين في اليمن... معسكرات تجنيد مبكّر

تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)
تلامذة يمنيون في الطابور الصباحي في إحدى مدارس صنعاء (إ.ب.أ)

منذ صعودها عام 2014 في اليمن، عمدت جماعة الحوثي «أنصار الله» إلى ترسيخ أقدامها في البنية التعليمية وإحداث تغيير واسع شمل المناهج الدراسية وأسماء المدارس واعتماد أنشطة موجهة واستحداث نظم تعليمية خاصة، بحيث تحوّل التعليم ساحة صراع على الهوية وتشكيل للوعي، ومكاناً لاستقطاب الناشئة لتجنيدهم.

وبينما عمدت الجماعة إلى إهمال المدارس الحكومية ومحاربتها بكل ما أوتيت من قوة، شرعت في إنشاء نظام يعتمد على فكرة تحويل المدرسة أو المؤسسة التعليمية إلى معسكرات، واعتماد مؤسسات جديدة تحمل اسم «مدارس شهيد القرآن»، منظومةً بديلة.

سطو وتمدد

ترافق ذلك بالسطو على الكثير من أبنية المدارس الحكومية وتحويل أسمائها إلى الاسم الجديد، كمدرسة كمران في إب مثلاً التي تحولت إلى مدرسة «شهيد القرآن»، إلى جانب استبدال بأسماء مدارس أخرى أسماء قيادات ورموز مرتبطة بالجماعة، في خطوة عدّها تربويون محاولة لإحلال هوية تعليمية جديدة محل التعليم الرسمي.

ولم يقتصر الأمر على المدارس الحكومية، بل امتد أيضاً إلى عدد من المساجد المهمة كالجامع الكبير في ذمار وما يعرف بالمدرسة الشمسية، وكذلك جامع الفردوس في حي سعوان بالعاصمة صنعاء، وغيرها من الجوامع التي تحولت إلى مراكز حوثية تحت الاسم نفسه: «مدرسة شهيد القرآن».

تلاميذ في باحة مدرسة مدمرة في صنعاء وكانت الأمم المتحدة حذرت من أن أكثر من مليوني طفل يمني وأكثر من 170 ألف أستاذ باتوا خارج التعليم (غيتي)

في ظرف ثلاث سنوات فقط، أصبحت هناك وفرة من المدارس تحت هذا العنوان على امتداد المحافظات والمديريات الخاضعة لسيطرة الجماعة. تلك المدارس هي من الانتشار والتوسع بحيث لم تعد مقتصرة على المدن وعواصم المحافظات فحسب، خصوصاً أنها تعتمد مشروعاً تعبوياً مغلقاً. فيعيش الطلاب في بيئة داخلية توفر لهم السكن والمعيشة والمستلزمات، وفي الوقت نفسه تغرس فيهم هوية فكرية مرتبطة بالجماعة، وهو ما يتجلى في انتقاء هذا المصطلح «شهيد القرآن» المرتبط بمؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي.

من خبر عابر إلى ظاهرة مقلقة

في 3 مارس (آذار) 2024، أعلنت سلطات الحوثيين عن تخرج ثلاثة آلاف طالب من شبكة مدارس «شهيد القرآن» الداخلية.

قد يبدو الخبر للوهلة الأولى عادياً، لكن إذا ما تم الأخذ بعين الاعتبار مسألة أن هذا العدد (ثلاثة آلاف طالب) هو نتاج سنتين فقط من العمل المغلق للجماعة داخل تلك المدارس، فإنه سيبدو كبيراً جداً مقارنة بالمدة الوجيزة التي لا تتعدى ثلاث سنوات من مشروع تأسيس المدارس الذي بدأت ملامحه تتضح في عام 2022.

وتتحدث وسائل إعلام الجماعة عن أن تأسيس هذه المدارس بدأ عام 2022، بمدرسة واحدة في العاصمة، ثم مدرسة في كل محافظة، قبل أن تنتشر بوقت قياسي خصوصاً في العاصمة صنعاء.

وبحسب بعض المعطيات، فإن التجربة استلهمت من «حزب الله» اللبناني ومنظومته التعليمية في لبنان، وإن كانت جماعة الحوثي لا ينقصها هذه الأفكار لتأسيس مدارسها الخاصة كسلطة مطلقة تعمل على عقول الناشئة. ويمكن العثور في خطابات مؤسسها حسين الحوثي على أفكار تتضمن مشروعاً تعليمياً، كما أن تصريحات عدد من مسؤولي الجماعة تؤكد أن هذه المدارس «تُعد جزءاً من مشروع الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي، وتهدف إلى تخريج أجيال واعية بالقرآن وقادرة على مواجهة التحديات الثقافية».

هياكل إدارية غير معلنة

اتخذت الجماعة الاسم الرسمي لمدارسها (مدارس شهيد القرآن الثانوية للعلوم الشرعية)، دون الإفصاح عن المزيد من المعلومات حول قرار الإنشاء والجهة الناظمة. ورغم الغموض المتعمد في عدم ذكر أي تفاصيل، يمكن للمتابع أن يستشف قدراً لا بأس به من المعلومات المغلوطة التي تمنح تصوراً واضحاً عن تلك المنشآت.

فعلى سبيل المثال، يشير أحد الإعلانات الذي ورد في صفحة الإدارة التعليمية لمديرية السبعين على «فيسبوك» عن «قرار جمهوري» بإنشاء تلك المدارس. ولكن عند مقاطعة المعلومة مع مصادر أخرى وما إذا كان هناك قرار جمهوري فعلاً، يتبين أن لا معلومات دقيقة.

أيضاً هناك أخبار أن لهذه المدارس مجالس إدارة، وورد ذلك في الخبر الذي تداولته وسائل إعلام الجماعة عن تدشين مدارس شهيد القرآن بمحافظة حجة من قبل وزير التربية والتعليم حينها يحيى بدر الدين الحوثي وعضو مجلس إدارة مدارس شهيد القرآن ثائر الرازحي.

طفل يمني يعبر الشارع قرب آلية عسكرية (إ.ب.أ)

وبالمثل يمكن العثور على معلومات تتعلق بتلك المدارس في الإعلان الذي أوردته ثانوية العلوم الشرعية التابعة لجامعة دار العلوم الشرعية عن فتح باب التسجيل لطلاب المرحلة الأساسية. فثانوية العلوم الشرعية هذه هي نفسها مدرسة شهيد القرآن.

أيضاً هناك «الإدارة العامة للمدارس الثانوية للعلوم الشرعية»، التي يبدو أنها إدارة مستجدة في وزارة التربية ويديرها القيادي في الجماعة محمد الطوقي ولها علاقة بتلك المدارس، حيث ستكون هذه الإدارة حاضرة في عدد من الفعاليات الخاصة بمدارس شهيد القرآن. ومع ذلك لا يمكن الجزم بأنها فعلاً تتبع تلك الإدارة، حيث قد يبدو الأمر شكلياً هنا وهناك.

وفوق كل ذلك يأتي اسم «التعبئة العامة»، وهي جهاز استحدثته الجماعة، وظيفته الأساسية تعبئة المجتمع واستقطاب الشباب والموظفين، وتنظيم دورات عسكرية وآيديولوجية، ويتبع مباشرة قيادة الجماعة، ويعمل بالتنسيق مع وزارة الأوقاف والجهات الدينية. هذا الجهاز حاضر بقوة أيضاً في المدارس، حيث عادة ما تتم الإشارة إلى حضور مسؤول التعبئة في هذه الفعالية أو ذلك التدشين. وذلك نمط معتمد لدى كل من «حزب الله» اللبناني والفصائل الموالية لإيران في العراق كما أنه نموذج عملت عليه إيران نفسها داخلياً لسنوات طويلة.

لا رقابة رسمية

يقول أحد أعضاء الهيئة التدريسية، ويعمل في إحدى مديريات محافظة صنعاء، وتحدث لـ«الشرق الأوسط» مفضلاً عدم الكشف عن اسمه، إن مدارس شهيد القرآن لا تخضع لأي رقابة تربوية أو إشراف مؤسسي رسمي، كما لا تُنشر مناهجها أو برامجها التعليمية للعلن، ما يجعل طبيعة المحتوى محاطة بالغموض وغير قابلة للتقييم.

وبحسبه، فإن إدارة هذه المدارس مرتبطة بمكاتب أنصار الله الثقافية والتربوية، وليست خاضعة للرقابة التعليمية التقليدية.

كذلك تتلقى مدارس «شهيد القرآن» دعماً مباشراً من جماعة الحوثيين «أنصار الله» عبر مكاتبها الثقافية والتربوية. أما المصادر المحتملة لذلك الدعم فهو موارد الجماعة (جبايات، دعم داخلي)، ومساهمات إجبارية من شخصيات أو مؤسسات مرتبطة بها.

وبينما لا توجد بيانات شفافة عن حجم التمويل أو مصادره، يشير الخطاب الإعلامي إلى أن تمويل هذه المدارس يأتي من صندوق الزكاة ومن الهيئة العامة للتعبئة، ما يعكس طبيعة ارتباطها المباشر بالمؤسسات العقائدية والمالية للجماعة.

طفلان يبيعان الحلوى خلال تظاهرة مؤيدة لإيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

شروط القبول والاستقطاب

مع بداية كل عام دراسي، وتحديداً من بداية السنة الهجرية التي اعتمدتها الجماعة موسماً دراسياً ضاربة عرض الحائط بشيء اسمه الموسم الدراسي الشتوي المعتمد عالمياً، يتم الإعلان عن فتح باب الالتحاق للطلاب الذين أنهوا المرحلة الأساسية، بشرط أن تتراوح أعمارهم بين 15 و17 عاماً، وأن يجتازوا مقابلات شخصية واختبارات قبول دقيقة تتضمن معايير تتعلق بالالتزام العقائدي، والاستعداد للتفرغ الكامل لعامين كاملين دون انقطاع.

وتعدّ المميزات المعروضة للطلاب إحدى أهم أدوات الاستقطاب: تكفّل كامل بالمعيشة، سكن داخلي، وجبات، ملابس، رسوم دراسية مجانية، إلى جانب برامج وأنشطة يومية مكثفة تُعرّف بأنها «عقائدية وإيمانية». وتضم مرافق سكن طلابي متكامل، مطابخ، فصولاً دراسية، جامعاً، وقاعات مخصّصة للمحاضرات والبرامج الدينية المكثّفة.

في الوقت الحالي تعمل مدارس «شهيد القرآن» أساساً على مستوى التعليم الثانوي (ثلاث سنوات)، وليس على مرحلتي الابتدائي أو الإعدادي، لكنها مشروع يتوسع تدريجياً وقد أعلنت الجماعة نيتها أن يشمل لاحقاً مراحل دراسية أخرى.

ويمنح الطلاب المتخرجون في تلك المدارس شهادات اعتراف مباشر من «الأكاديمية العليا للقرآن الكريم وعلومه» (وهي مؤسسة تابعة أيضاً للجماعة) ويمكن أن يلتحقوا في تخصّصات تشمل: الإعلام، الإدارة، الدراسات الإسلامية، الشريعة والقانون، إضافة إلى قبول خريجيها في الجامعات الحكومية والأهلية، وفي الكليات العسكرية والأمنية التابعة للجماعة.

أطفال يمنيون في صنعاء (غيتي)

برنامج صارم وترغيب للأساتذة

على الرغم من غياب المعلومات التفصيلية وعدم وجود برنامج مُعلن يوضح آلية التعليم داخل مدارس شهيد القرآن، فإن تصريحات مديري بعض الفروع تكشف ملامح يومٍ دراسي مُنهك يمتد من ساعات الفجر الأولى وحتى المساء.

يقول أحمد الكرشمي، المشرف الثقافي في مدرسة شهيد القرآن في بني الحارث – صنعاء، إن اليوم يبدأ عند الساعة الرابعة فجراً، حيث يتجمع الطلاب لأداء طقوس الاستغفار وصلاة الفجر جماعة، ثم يجلسون في حلقات لقراءة القرآن الكريم حتى السادسة صباحاً. بعدها يتناولون الإفطار ويصطفّون لحضور الإذاعة المدرسية قبل بدء الحصص الدراسية الروتينية حتى الساعة الواحدة والنصف ظهراً.

وبعد فترة راحة قصيرة حتى الثالثة عصراً، يبدأ البرنامج العقائدي المكثّف الذي يشمل دراسة «الملزمة الأسبوعية» لملازم حسين بدر الدين الحوثي، وحضور المحاضرات الدينية اليومية، إضافة إلى مشاهدة أفلام وبرامج وثائقية تُنتجها الجماعة كجزء من عملية «التثقيف الإيماني» المستمر. ويمتد هذا الإيقاع الصارم لسنتين كاملتين داخل بيئة مغلقة ومعزولة عن الأسر، باستثناء الإجازات الطويلة، في إطار منظومة تعليمية تهدف إلى إعادة تشكيل وعي الطلاب وترسيخ الولاء العقائدي.

لا يتوقف الاستقطاب عند الطلاب؛ ففي وقت يفقد فيه المعلمون الحكوميون رواتبهم وفرص عملهم، يلجأ العديد منهم إلى العمل في مدارس شهيد القرآن بعدّها الجهة الوحيدة التي تلتزم بصرف الرواتب. وبعد قبولهم، يخضع المعلمون لبرامج تثقيفية عقائدية تشمل دورات في «التنشئة التعبوية» لضمان توافقهم مع توجهات الجماعة قبل السماح لهم بالتدريس.

أنشطة وبرامج غير صفية

تكشف الأنشطة التي تُنفَّذ داخل مدارس شهيد القرآن عن منظومة تعبئة طقسية ورمزية متكاملة، تتجاوز التعليم الديني التقليدي إلى بناء ارتباط مباشر بين الطلاب وقيادات الجماعة ورموزها العقائدية. إذ تُنظّم المدارس رحلات دورية لزيارة قبر حسين بدر الدين الحوثي في مران، وضريح صالح الصماد في الحديدة، ومواقع أخرى مرتبطة بقيادات قُتلت في الحرب، وتُقدَّم هذه الزيارات للطلاب بوصفها «محطات إيمانية» تُعزز الولاء وتربطهم بتاريخ الجماعة.

كما تحيي المدارس سنوياً مناسبات عقائدية مثل «يوم الشهيد» وذكرى مقتل حسين بدر الدين الحوثي، عبر فعاليات خطابية ومسيرات وعروض مسرحية يجسّد فيها الطلاب مشاهد قتالية باستخدام أسلحة غير حقيقية، في محاكاة درامية لمعركة الجماعة، وبهدف ترسيخ فكرة «الجهاد» والولاية في وعي الطلاب.

بحسب مدير مدرسة «شهيد القرآن» في أمانة العاصمة عبد الله سمينة، فَإنَّ «هذه المدرسة تطبق نموذجَ المدرسة الداخلية؛ وإلى جانب تعليمِها للمواد الدراسية المعتمدة من قبل وزارة التربية والتعليم كالرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء واللغة الإنجليزية واللغة العربية تهتم أَيْـضاً بجوانبِ التنمية الروحية والإيمَـانية للطلاب».

ويقول أحد المعلمين السابقين الذين خرجوا من المدرسة، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن الأنشطة في المدارس ليست عشوائية، بل جزء من برنامج تعبوي متكامل.

وقال: «يتدرب الطلاب على الخطابة، والظهور أمام الكاميرا، ويشاركون في تمثيل مشاهد قتالية، ويخضعون لأنشطة أمنية مثل لعبة (كشف الجاسوس)... كل شيء في المدرسة كان يهدف لتشكيل الولاء قبل التعليم».

عناصر من الحوثيين يستعرضون في مدينة الحديدة الساحلية على البحر الأحمر (أرشيفية - رويترز)

من الفصل إلى العرض العسكري

للتدريبات العسكرية حصة وازنة إذ يتم من خلالها تعريف الطلاب على أنواع الأسلحة، كما يحدث أن تنظم مدرسة ما عرضاً عسكرياً لطلابها، كما فعلت مدرسة شهيد القرآن للعلوم الشرعية بمحافظة ريمة بتاريخ 12 فبراير (شباط) 2025.

وتمتد التعبئة إلى الفضاء البصري للمدرسة نفسها، حيث تمتلئ الفصول والساحات بصور قيادات الجماعة وشعاراتها وعبارات طائفية مرتبطة بالهوية الإيمانية، ما يجعل الطالب محاطاً بشكل دائم بالرموز والرسائل التي تسعى الجماعة إلى غرسها في وعيه. ويشير المعلم ذاته إلى أن «المدرسة ليست مؤسسة تعليمية، بل مكان لتشكيل الطالب فكرياً وروحياً».

طلاب ينسحبون تحت الضغط

صادق (اسم مستعار)، أحد طلاب تلك المدارس في محافظة صنعاء، اضطر لترك الدراسة بطلب من والده المغترب بعد معرفته بأن التعليم في منطقته أصبح «عقائدياً بالكامل». تحدّث إلينا صادق عبر تسجيلات خاصة عن بعض ما يجري داخل مدرسته، موضحاً أن اليوم الدراسي لم يعد قائماً على ست حصص كما يفترض، بل لا تُدرّس سوى ثلاث حصص، بينما تُخصَّص الساعات المتبقية لبرامج تتضمن «محاضرات تثقيفية» داخل مسجد مستحدث في المدرسة، تستمر بين ساعة وثلاث ساعات يومياً.

يقول صادق: «بعد المحاضرة يسألنا المشرف عن مضمونها، وإذا لم يعرف أحد الطلاب الإجابة يضربه ضرباً شديداً... كثير من الطلاب توقفوا عن الحضور».

ويضيف أن أغلب الدروس التي تُقدّم للطلاب تتمحور حول «الهوية الإيمانية، الصبر، الجهاد، الولاية»، مؤكداً وجود تسرّب كبير للطلاب بسبب الضغط النفسي والبرامج المفروضة.

تظاهرة شبيبة تابعة للحوثيين تأييداً لإيران وحزب الله في العاصمة صنعاء (أ ف ب)

أجيال برؤى متناقضة

وجود هذه المدارس يخلق ازدواجية بين التعليم الرسمي (المعترف به وطنياً ودولياً) والتعليم الموازي، ما يضع الطلاب في موقع هش إذا تغيرت الظروف السياسية.

ينقل الإعلام الرسمي التابع للجماعة تصريحات ملقنة لطلاب منخرطين في تلك المدارس، وهي تصريحات تكشف مدى التعبئة التي تجعل من المدارس الأخرى متهمة في نظرهم بأنها لا تقدم علماً ولا وعياً حقيقيين. هذه التعبئة مقصودة وتأتي في سياق القضاء تماماً على التعليم الرسمي.

كأن يقول أحدهم مثلاً إن «المدارس الأخرى تبني جيلاً غير متماسك وغير واعٍ ومعرض للخطر والاستهداف».

هذا التكوين العقائدي يجعل الطلاب الخريجين أقرب إلى كوادر آيديولوجية، لا مجرد طلاب علم، وهو ما يثير جدلاً حول مستقبلهم الأكاديمي والمهني، وهو ثمن طويل الأمد سيترتب على اليمن كله.

فالتعليم الذي يفترض أن يكون فضاءً للتفكير والنقد وبناء المستقبل، جرى اختزاله بمنصة تعبئة، تُقصي الآخر وتعيد هندسة وعي الأجيال على مقاس مشروع عقائدي، ستكون كلفته باهظة على البلد ومستقبله.


«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.