ماذا قرأ المثقفون المصريون عام 2015؟

الرواية تتصدر قائمة أكثر الكتب قراءة عربيا وغربيا

ماذا قرأ المثقفون المصريون عام 2015؟
TT

ماذا قرأ المثقفون المصريون عام 2015؟

ماذا قرأ المثقفون المصريون عام 2015؟

استطلعنا آراء مجموعة من الكتاب الأدباء والكتاب عن أهم الكتب التي قرأوها هذا العالم، وكانت هذه الإجابات:
يقول القاص أحمد الخميسي: «رواية صبحي موسى (المورسكي الأخير) إضافة حقيقية لعالم الرواية المصرية من حيث الموضوع أو الرؤية أو المعالجة، وتؤكد المجموعة القصصية (شق الثعبان) لشريف صالح أننا أمام قاص كبير له رؤيته الخاصة للعالم والبشر يفسح للقارئ هواء جديدا للتنفس داخل النص. أما الكتاب الثالث الذي أثار اهتمامي فهو (وثائق التمويل الأجنبي السري لمنظمات مصرية) لعبد القادر شهيب، عن خطورة موضوعه الموثق حول التمويل الأجنبي الذي تمكن من شراء شريحة واسعة من العقل المصري والمثقفين وتطويعهم لأوراق عمل وأهداف تناقض كل نفع للوطن على كافة المستويات السياسية والثقافية».
ويقول الروائي وحيد الطويلة: «قرأت رواية (نصف مسافة) لمحمد صالح البحر، التي قاربت ما حدث في ثورة يناير بذكاء دون السقوط في فخ المباشرة، وتشير إلى أن المغامرة ضرورية لحل المعضلات التي عششت في دواخلنا وأعاقت كل حلم بالأمل، وأعدت قراءة (تاريخ البطاركة) الذي حققه المثابر الذكي عبد العزيز جمال الدين، و(متاهة الإسكافي) الكتاب النثري الفاتن، وهو من أجمل الكتب، عن (دار الثقافة الجديدة)، الذي يستقصي فيه عبد المنعم رمضان سيرة حياة من حوله عبر سيرته؛ سيرة يتجاور فيها أبوه مع سعاد حسني، وتسطع ذكرى حبيباته مع تحولات اليسار، في لغة فاتنة يندر أن نجد مثيلا لها. وقرأت (مصحة الدمى) للقاص المغربي الفاخر أنيس الرافعي، وهي مجموعة خلق فيها كعادته قصا ليس مغايرا لما تعودنا عليه ولا مناوئا له، بل يكتب كأنه يكتب القص على فروع الشجر وأوراق الريح، مما جعل الدمى تحكي حياتنا، وأعدت قراءة (مذكرات فيلليني) قرأتها مرارا، وعبر روح النص بنيت روايتي الجديدة (حذاء فيلليني)؛ مذكرات مهما بدت واقعيتها فإنها أولا وأخيرا انبنت على لعبة فيلليني الأثيرة.. الأحلام أصدق ما يكون».
أما الروائية د. عزة رشاد، فتقول: «قرأت للمغربية فاطمة المرنيسي (هل أنتم محصنون ضد الحريم)، الذي ترصد فيه (فيروس الحريم) تاريخيًا من هارون الرشيد حتى رجل عصرنا، الذي تساوره الرغبة لرؤية زوجته وزميلته بالعمل تخدمه كالجارية والمحظية. وتفحص ميكانزمات عقلنة هذه الرغبة الدفينة لدى الغرب، الذي يعتبر نفسه متحضرا ومحصنًا، لكن الفيروس يهاجمه، ويكفي للتأكد: النظر للمرأة الغربية بالإعلانات وعروض الأزياء. وكتاب محمد أركون (تحرير الوعي الإسلامي.. نحو الخروج من السياجات الدوجمائية المغلقة)، الذي يستعرض انغلاقية الفكر الإسلامي المعاصر، الذي يتراجع لدرجة اعتبار الدين هو فقط اليوم الآخر، دون المحاولة الجدية لبلوغ مبلغ مسلمي العصر الذهبي في العلوم؛ آملاً خلخلة أنظمة التصور العتيقة التي لم تخلِف سوى الاستبعاد المتبادل. وكذلك قرأت مجموعة قصص (البرلينية الصغيرة) للسويسري روبرت فالرز، وترجمة خليل كلفت، مكتوبة قبل قرن، لكنها تصلح لكل الشعوب والأزمنة».
ويقول الروائي منير عتيبة: «قرأت رواية (العالم على جسدي) ليوسف نبيل وزينب محمد، وهي رواية متميزة وتستحق قراءة متعمقة، و(حكايات يوسف تادرس) لعادل عصمت، و(جبل الطير) لعمار علي حسن، و(الموريسكي الأخير) لصبحي موسى، ومن المجموعات القصصية (أحمر شفاه) لشريف عابدين، و(ممرات سرية للفرح) لحنان سعيد، و(حيل للحياة) لرحاب إبراهيم. ومن القصص القصيرة جدا: (حياة قيد الاحتراق) لصابرين الصباغ، و(مسار إجباري) لهناء عبد الهادي، وغيرها كثير كثير». ويضيف: «أريد أن ألفت النظر إلى كتاب غير أدبي لكنه مهم جدا وهو «مسجد في ميونيخ.. النازيون ووكالة الاستخبارات المركزية وبزوغ نجم الإخوان المسلمين في الغرب» لإين جونسون، وهو درس رائع في الصحافة الاستقصائية، كما أنه يتتبع فكرة استخدام الدين الإسلامي في السياسة العالمية أثناء الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، ويكشف كثيرا من الحقائق حول دور المخابرات الأميركية والألمانية وجهات أخرى في هذا الموضوع».
وتذكر القاصة سعاد سليمان أن أهم قراءاتها كانت «السمان والخريف» لنجيب محفوظ: «ولم أكن قد قرأت له معظم أعماله من قبل، وأذهلتني هذه القدرة الاستثنائية على الغوص في الأعماق البشرية وهذا البناء شديد الأحكام ليس فقط لبنية الرواية ولكن للشخصيات كذلك، وقرأت رواية (البينيلوبية) أسطورة بينيلوب وأوديسيوس، تأليف الكاتبة الكندية مارجريت أتوود، وهي إعادة رؤية للأسطورة الشهيرة بشكل عصري يدخل فيه عالم الإنترنت والمحاكمات العصرية على جرائم الآلهة، والرواية محاولة لتخليص الأسطورة من فكرة التبجيل والتقديس والزيف ونزع القداسة عن الأرباب الرومانية، وهي فكرة مبهرة جدا بالنسبة لي، وأخيرا قرأت كتاب سليمان فياض (الوجه الآخر للخلافة الإسلامية)، وهو كتاب شديد الجاذبية نظرا لما يتمتع به المؤلف من قدرة على الصياغة الأدبية ممزوجة بالمادة التاريخية البحثية، وهو كتاب يبحث في دور استغلال الحكام للدين من أجل قهر الشعوب وتثبيت عروشهم، ولو على جثث الشعوب المقهورة».
واختار الشاعر أحمد فضل شبلول، من بين أهم الكتب التي قرأها: «الفن الإغريقي» لثروت عكاشة، وهو عبارة عن موسوعة متحفية ضخمة عن هذا الفن المؤسِّس وقعت في نحو ثمانمائة صفحة ومزودة بالصور والرسوم التي ترسخ لهذا الفن لدى القارئ العام. ورواية (قهوة سادة) للكاتب المسرحي والروائي السيد حافظ، التي كتبها (بحثا في روح مصر المتخاذلة سبعة آلاف عام، وبحثا عن روح مصر أخرى، للإنسان فيها معنى وقيمة وحضارة حقيقية فعلا وقولا)، وهي في حقيقة الأمر ليست رواية واحدة، وإنما ثلاث روايات جمعت في كتاب واحد، استطاع مبدعها أن ينسج بينها خيطا حريريا لا يراه إلا من تذوق سحر الكتابة الإبداعية، وتداخل الأنواع والأجناس الأدبية، أو الكتابة عبر النوعية».
ويقول الناقد والكاتب مصطفى عبد الله: «الكتاب هو زادي اليومي، وعلى امتداد العام لفتت انتباهي مئات الكتب، من بينها: رواية (الأزبكية) لناصر عراق التي قامت على جهد بحثي امتد لسنوات، لإضاءة الزمن التاريخي التي دارت فيه أحداثها، و(كلية فيكتوريا) الذي نجحت مؤلفته في توثيق تاريخ واحد من أعرق المعاهد العلمية المصرية التي نال منها الزمن، و(مريم والرجال) رواية الطبيب والنحات والروائي والقاص المهاجر الدكتور شريف ماهر مليكة، التي تصور ببراعة كيف تعايش الإخوان والأقباط في مصر».
ويقول الروائي المصري رؤوف مسعد: «إعجابي بالنصوص (أي نصوص) ينبع من تقديمها لمحة من الواقع ومن ما وراء الواقع. نص الطويلة يقدم للقارئ واقعا (اعتياديا)، أي مقهى وزبائنه الاعتياديين لكنه أيضا يقدم بحث هؤلاء الزبائن – الذين ارتبطوا بالمقهى – باعتباره قدرهم الذي لا خيار لهم فيه (مثلما نرتبط بوالدينا وبأوطاننا)، وكيف يبحثون عن أشياء يعلمون بشكل غامض أنهم غير قادرين على الحصول عليها (مثل السعادة والاكتفاء العاطفي والجنسي). وهذا أجده أيضا في نص القمحاوي الذي عزل شخوصه وحياتهم في فندق خلف زجاج نوافذه حيث البحر بمداه الفسيح وبرموزه المتعددة عن السفر والانتقالات والحرية؛ يتحركون في أبهاء الفندق وغرفه؛ يلبي لهم الفندق وخدمه حاجاتهم الأساسية لمواصلة الحياة، مثلما يلبي الفندق لخدمه (وخادماته) حياة موازية وزائفة».
الكتابان الآخران «الخصوصيات الثقافية في الرواية العربية» لشهلا العجيلي، و«قبطي في عصر مسيحي» لزبيدة محمد عطا، يهتمان كل في مجاله بالمهمشين وبالمارقين. وتعبير المروق هو ما نحتته الدكتورة العجيلي، معتبرة أن المروق الإبداعي يصنع التاريخ ويهزأ بالمسلمات والثوابت في حياتنا اليومية. وتلقي دراسة الباحثة زبيدة محمد عطا ضوءا كاشفا على المهمشين والأقلية الدينية القبطية في مصر، وإن كانت تعتبر أن «المسيحية» تشمل القبطية باعتبارها مذهبا ودينا وهوية قومية أيضا، وهذا يعطي براحا وانفساحا للتعامل مع الدين - من وجهة نظري - باعتباره مرجعا ثقافيا دينويا يتفاعل جدليا مع المقدس والإلهي.
أما الشاعر ميسرة صلاح الدين، فيقول: «قرأت (حكايات الأخوين جريم)، الذي تناول أبرز حكايات الأطفال الشعبية الألمانية، التي قام بجمعها الأخوان واعتمد عليها والت ديزني في استلهام الكثير من أعماله الكارتونية، بينما أبرز ما قرأت من دواوين الشعر (أوراق العشب) للشاعر الأميركي والت وايتمان، و(قصائد مضادة) للشاعر التشيلي نيكانور يارا. أما في مجال العلوم الإنسانية فقد أعدت بشغف قراءة بعض أعمال د. فؤاد زكريا منها: (التفكير العلمي)».



«روائع الأوركسترا السعودية» تعزف في قلب روما بمشاركة أندريا بوتشيلي

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)
جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)
TT

«روائع الأوركسترا السعودية» تعزف في قلب روما بمشاركة أندريا بوتشيلي

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)
جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

في أمسية امتزجت فيها أنغام الموسيقى بروح التاريخ، تحولت ساحة فينوس الأثرية في الكولوسيوم بروما إلى مسرح مفتوح للحوار الثقافي بين السعودية وإيطاليا، مع اختتام «روائع الأوركسترا السعودية» حفلاتها العالمية بمشاركة الفنان العالمي أندريا بوتشيلي، في واحدة من أبرز المحطات الفنية للمشروع السعودي العالمي.

وبرعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي رئيس مجلس إدارة هيئة الموسيقى، اختتمت هيئة الموسيقى جولتها الـ11 من «روائع الأوركسترا السعودية» في العاصمة الإيطالية، وسط حضور ثقافي وفني، في أمسية جمعت الموسيقى السعودية والإيطالية والعالمية على خلفية أحد أشهر المعالم التاريخية في العالم.

شارك في الحفل 32 موسيقياً من الأوركسترا والكورال الوطني السعودي إلى جانب 30 موسيقياً من أوركسترا «فونتان دي روما» (هيئة الموسيقى)

وشارك في الحفل 32 موسيقياً من الأوركسترا والكورال الوطني السعودي، إلى جانب 30 موسيقياً من أوركسترا «فونتان دي روما»، بقيادة المايسترو الإيطالي مارشيلو روتا، في عرض موسيقي مشترك عكس روح التبادل الثقافي بين البلدين، وضم مجموعة مختارة من الأعمال السعودية والإيطالية والعالمية، إلى جانب ألحان وطنية وتوزيعات أوركسترالية متنوعة.

كما استعرض الحفل عدداً من الفنون الأدائية السعودية التقليدية، شملت «عرضة وادي الدواسر»، و«فن الخطوة»، و«الفن الينبعاوي»، قدمها 55 مؤدياً تحت مظلة هيئة المسرح والفنون الأدائية، في إطار جهودها لإبراز التنوع الثقافي والفني للمملكة وتعريف الجمهور العالمي بالموروث الأدائي السعودي.

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

وشهدت الأمسية تقديم مقطوعة موسيقية بعنوان «الحِجر وروما»، بكلمات المؤرخ والباحث الدكتور سليمان الذيب، استلهمت الروابط الحضارية والثقافية بين المملكة وإيطاليا، وعكست امتداد الحوار الثقافي بين الحضارتين عبر الموسيقى، بوصفها لغة مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية والزمنية.

وأعرب الفنان العالمي أندريا بوتشيلي عن سعادته بالمشاركة مع الأوركسترا والكورال الوطني السعودي، مؤكداً أن الغناء بجوار الكولوسيوم يحمل دائماً «مشاعر استثنائية»، لكنه رأى أن المشاركة مع الفرقة السعودية أضفت على التجربة «طابعاً أكثر تميزاً»، مضيفاً أن الموسيقى «لغة قادرة على وصل الثقافات وتجاوز حدود الزمان والمكان».

اختتام الجولة الـ11 من «روائع الأوركسترا السعودية» في العاصمة الإيطالية وسط حضور ثقافي وفني (هيئة الموسيقى)

وقال الرئيس التنفيذي لهيئة الموسيقى، باول باسيفيكو، إن تقديم «روائع الأوركسترا السعودية» في روما يمثل «محطة استثنائية في مسيرة الموسيقى السعودية، ورمزاً يعكس عمق الحوار الثقافي»، مؤكداً أن التعاون الفني مع أوركسترا «فونتان دي روما» على أحد أعرق المعالم التاريخية في العالم يهدف إلى تقديم الموروث الموسيقي الوطني لجمهور عالمي، وبناء شراكات إبداعية مستدامة تسهم في تطوير المنظومة الموسيقية السعودية.

الحفل استعرض عدداً من الفنون الأدائية السعودية التقليدية لإبراز التنوع الثقافي والفني للمملكة وتعريف الجمهور العالمي بالموروث الأدائي السعودي (هيئة الموسيقى)

من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لهيئة المسرح والفنون الأدائية الدكتور محمد حسن علوان، أن المشاركة جسدت امتزاجاً بين عراقة المسرح الروماني بوصفه رمزاً حضارياً عالمياً، والفنون الأدائية التقليدية السعودية بوصفها جزءاً من الهوية الوطنية، مشيراً إلى أن العرض قدم الثقافة السعودية بطابع فني يبرز حضورها الدولي ويعزز التواصل الثقافي بين الشعوب.

بدوره، وصف المايسترو مارشيلو روتا التعاون بين الأوركسترا والكورال الوطني السعودي وأوركسترا «فونتان دي روما» بأنه «تجربة فنية ثرية»، مشيراً إلى وجود تقاطع في الفهم والانضباط والإحساس الموسيقي رغم اختلاف الأساليب والتقاليد الفنية، ما أتاح تقديم الأعمال السعودية والإيطالية في إطار حوار موسيقي متناغم.

جانب من حفل «روائع الأوركسترا السعودية» في روما (هيئة الموسيقى)

ويأتي حفل روما ضمن سلسلة جولات «روائع الأوركسترا السعودية» التي تسعى من خلالها هيئة الموسيقى إلى دعم الحضور الثقافي السعودي عالمياً، وتمكين الفنانين السعوديين من التفاعل مع جمهور دولي، والاحتفاء بالهوية الموسيقية الوطنية، بالتوازي مع جهود الهيئة في بناء منظومة موسيقية مستدامة داخل المملكة.


أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية

أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية
TT

أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية

أشكال مقاومة لعصر العبودية وقواعد الحداثة الفنية

يفتتح مركز كامدن للفنون بلندن المعرض الاستعادي للفنان الغياني دونالد لوك بثلاث لوحات رُسمت بالأسود وحده. تلك بداية صادمة، حيث تميزت اللوحات بطابعها الانتهاكي لقواعد التودد للمُشاهد الباحث عن المتعة البصرية؛ ما يجعل النظر إليها مثيراً لقلق استفهامي، سيكون مفيداً على مستوى التعامل مع عالم ذلك الفنان واجتهاده في ربط التجريد بقضية إنسانية ذات صبغة سياسية. في أحد تلك الأعمال استعمل صفوفاً من المسامير الحادة تبرز من السطح كما استعمل في لوحة أخرى شبكاً معدنياً من ذلك الذي يُستعمل في السجون. تلك اللوحات الغامضة بموادها المختلفة التي يعود زمن إنتاجها إلى سبعينات القرن العشرين. وعلى رغم لجوء فنانها إلى لغة التجريد الهندسي، فإنها تخرج التجريد من عالم متعته الجمالية لتزج به في مهمة تمثيل تضاريس مزارع قصب السكر في غيانا (تقع على الكاريبي شمال قارة أميركا الجنوبية) التي أنشأها المستعمرون الهولنديون في القرن السادس عشر ثم سيطر عليها البريطانيون لاحقاً.

لم يصور الفنان البريطاني من أصل غياني، دونالد لوك (1930 -2010) تلك المزارع رغبة منه في أن يحاكي أشكالها المرئية من فوق إلا لأنه كان يسعى إلى التذكير بزمن العبودية والعمل بالسخرة. وهنا بالضبط تكمن أهمية فن لوك بوصفه محاولة للمزج بين الاهتمامات الشكلية التي تتطلبها صناعة لوحة حديثة والمضامين التي ينطوي عليها التاريخ المظلم للعبودية والاستعمار. تكمن فضيلة هذا المعرض الشامل في إخلاصه لرؤية الفنان التي لا يمكن فك ارتباطها بقضية إنسانية سعى مثقفو الاستعمار الثقافي إلى تحويلها مسألة اختلاف في الثقافات من خلال تأطيرها بأبعاد فلكلورية. لقد عمل الفنان عبر تجربته الممتدة من منتصف الستينات إلى أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين على التخلص من عبء تلك الأوهام المترفة وتسليط الضوء على مأساة شعب، عانى من التهجير من ثقافته و لغته و تاريخه.

الثقافة السوداء في قلب الحداثة

يجمع المعرض بين الخزف والرسم والنحت. كان مناسباً للوك أن يكون كما شعبه خزَّافاً ورساماً ونحاتاً. وإذا ما كان المعرض الذي يضم 80 عملاً فنياً يكشف عن أن الفنان الغياني قد لعب دوراً محورياً في فن النحت البريطاني في فترة ما بعد الحرب الثانية، فإنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على تجربة طوَّر فنانها أدواته التجريبية ليصل بها إلى مستوى من البراعة الشكلية، لم يكن في الإمكان فصلها عن الموقف الإنساني الذي اتخذه الفنان في مواجهة مشكلات الهوية والقهر، وهي المشكلات التي واجهها شعبه.

يستعرض معرض «أشكال مقاومة» المراحل الفنية التي تطوَّر من خلالها عالم لوك في مختلف مسيرته الفنية متنقلاً بين منازله في غيانا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، متأثراً بالأشخاص والأماكن التي عاش فيها خلال رحلته. فالمعرض يبدأ بأعماله الخزفية المبكرة التي تستحضر أشكالاً بشرية وطبيعية ويتتبع انتقال الفنان إلى فن النحت متعدد الوسائط واللوحات السوداء أحادية اللون من سلسلة «المزارع» في سبعينات القرن الماضي. كما يعرض لوحاته الضخمة من تسعينات القرن الماضي والتي واصلت ممارسة عملية التجميع التي اتبعها لوك من خلال دمج صور جاهزة ومواد خزفية ومعدنية وخشبية. ويقدم القسم الأخير من المعرض مجموعة مختارة من الأعمال التجريبية التي أنجزها لوك خلال السنوات الأخيرة من حياته في أتلانتا، هناك حيث مزج بين الذاكرة والأساطير، متأثراً بشدة بالمشهد الفني النابض بالحياة وتقاليد التجميع في جنوب الولايات المتحدة. وبهذا يكون العرض مخلصاً لغايته في تسليط الضوء على «المساهمات الفريدة والمتنوعة للثقافة السوداء في الحداثة».

الكاريبي بمفردات جماله الحية

في ستينات القرن الماضي برز دونالد لوك خزَّافاً تكشف أوانيه عن قدرة هائلة على التعبير بحرية من خلال أشكال حيوية ابتكرها لتكون عنواناً لتحرره من القيود الصارمة التي كانت تضع فن الخزف ببريطانيا في إطار صناعة ذات هوية فنية محددة. بدا واضحاً أن ذلك الفنان القادم إلى بريطانيا من ثقافة أخرى كان قادراً على أن يمارس الفن بحرية من غير أن يخضع للتقاليد التي يخضع لقوانيها الآخرون تلقائياً. يقول: «كنت أعمل من غير أن ألتزم بالقيود القديمة التي لا تزال تُعيق الإبداع في الكثير من ورش العمل في بريطانيا». ذلك ما جسدته أعماله الطينية التي احتفى من خلالها بالجسد البشري والأشكال العضوية. بعد تلك التجربة التي كشف من خلالها عن اختلافه الصادر عن اختلاف مرجعياته البصرية انتقل إلى المرحلة الأهم في مسيرته الفنية، وهي المرحلة التي تمثلها سلسلة المزارع. في تلك الأعمال التي أنتجها الفنان بغزارة في سبعينات القرن الماضي نجحت تقنية دمج الخزف بالمعدن والخشب والعشب والسجاد والفراء والطلاء والورنيش في معالجة موضوعات الاستعباد في غيانا خلال الحقبة الاستعمارية بشكل مباشر. في تلك الأعمال أرسى الفنان بأسلوب متمرد ملامح هويته الفنية الشخصية المتحررة من قيود الجغرافيا وفي الوقت نفسه من تقاليد المدرسة البريطانية.

لا يمكن النظر إلى تجربة دونالد لوك إلا من خلال مقاربات تتعلق بالوضع الإنساني الذي يعيشه فنانو الشتات. ففكرة مساهمة الثقافة السوداء في الحداثة الفنية تظل واحدة من أهم الأفكار التي لا يمكن تجاهلها في عصر ما بعد الاستعمار. تلك رؤية متعددة الطبقات ومعقدة من جهة اكتظاظها بأزمات يكمن أساسها في الصراع بين ما هو إرث شخصي وذلك الإرث الاستعماري الذي صار جزءاً من تاريخ غيانا وسواها. كان لوك نموذجاً لفنان برع في تأثيث شتاته بمفردات كاريبية حية.

وهب بلاده حياة متخيلةبعد حصوله على منحة متحف غوغنهايم التي هيأت له فرصة الانتقال للولايات المتحدة عام 1979، حيث أقام أولاً في فينيكس ومن ثم أريزونا لينتقل عام 1990 إلى أتلانتا، جورجيا حتى وفاته انغمس لوك في التفكير بالماضي بطريقة مزدوجة. ماضي تجربته الفنية؛ إذ عاد إلى الخزف متعدد الوسائط وماضي الإرث الفني الغياني؛ إذ عاد إلى استلهام مفردات الفلكلور المحلي في رسوماته بالفحم واللجوء إلى التجسيد في زخرفة الأواني الخزفية. كان عقد التسعينات الحيز الذي شهد ذروة تعبير لوك عن رغبته في التحرر من قواعد الفن الغربي فكانت معارضه تجمع بين جوانب من الفن الشعبي الأميركي - الأفريقي والأساطير الكاريبية. لقد أنتج حينها أعمالاً فنية مزج من خلالها منحوتاتٍ مرتجلة وأشياء وتمائم مصنوعة من مواد مُستعملة وخشب مُهمل وخصلات شعر بشري.

ربما شكَّل ذلك التداخل ما بين التعلق المدهش بالبنى الفنية الكاريبية ذات المنحى السحري وبين الانتماء للحداثة الفنية بكل أساليبها وصولاً إلى التجريد مصدراً لغموض، سيكون بمثابة امتياز شخصي. من ذلك لوحاته التي هي عبارة عن مساحات شاسعة من الطلاء الأسود رُسمت بضربات فرشاة عشوائية وعفوية كانت مغطاة بخليط مربك من الأشياء والصور الفوتوغرافية. تتداخل قطع الخشب والمعدن والغراء مع صور فوتوغرافية ونسخ مصورة لجنود المرحلة الاستعمارية والعائلة المالكة البريطانية والأسلحة إضافة إلى منحوتاته التي مثلت فرصته لاستعراض اللحظات المأساوية التي عاشتها بلاده منذ القرن التاسع عشر.

غير أن ذلك ليس كل شيء في مسيرة فنان مهم مثل دونالد لوك الذي نجح في أن يكون فناناً حديثاً، لكن بشروطه؛ ما وهبه القدرة على أن يضم إلى آليات عمل الحداثة تعليقاته على العنف الذي شكَّل محور ذاكرته. لقد وهب لوك الحداثة الفنية من خلال استلهامه لتراث بلاده حياة لم تكن متوقعة.


حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب
TT

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

في مجموعتها القصصية «متحف الأخطاء» الصادرة أخيراً عن «دار الشروق» بالقاهرة، تنظر الكاتبة المصرية منصورة عز الدين إلى السرد عبر عدسةٍ مراوغة، ليتشكّل من خلال تخوم اللغة، ويختبر حدود المكان وموقع الإنسان داخله، فالشخصيات تتحرّك داخل مساحات من سعادة متوتّرة، تقتطع من العالم أزمنةً تتلكّأ في مغادرتها، أو تُوسّعها عبر الخيال، تحت وطأة سؤالٍ خفي؛ هل نسير إلى الأمام أم إلى الخلف؟

مفهوم «الخطأ» الذي يؤرّق بطلة القصة الأولى، يتسرّب صداه عبر قصص المجموعة بوصفه خيطاً ناظماً، حيث يُعاد تعريفه والالتفاف حوله، من خلال أبطالٍ مُنسحبين، ينظرون إلى وجودهم في العالم بوصفهم «ذنباً» يستوجب الاعتذار، فيعتري بطلة قصة «متحف الأخطاء» تطرّفٌ حاد في استجابتها للمحيطين بها: «عاشت لبنى كأنها تعتذر للعالم عن وجودها فيه»، فيبدو إيقاع حياتها مشدوداً إلى الحذر والانسحاب، ومحاولات دائمة للتغلّب على «دبيب الذنب»، ولا يلبث هذا الإيقاع أن يتكرّر بوجهٍ آخر لدى بطلة قصة «هذا كل ما في الأمر»، التي يغمرها شعور خفي بأنها مدينة للآخرين بشيءٍ لا تعرفه.

أبعد من إِرم

تتبدى نصوص المجموعة بوصفها قصصاً مُنفصلة، في حين تطرح الكاتبة «ثلاثية» قصصية تُقرأ كمُتتالية قصصية متصلة، عبر «رفقة ظلي»، و«أبعد للمشتاق من إرم»، و«تفاح نورماندي»، التي تتوزّع فيها الحكاية بين ثلاث شخصيات يتقاطع مسارهم داخل زاوية قدرية مشتركة، وفي لعبةٍ فنية تُبنى على تناوب الضوء والظل على ملامح أبطالها، تتشكل الحكاية عبر كشف وإضمار، لترسم عالماً مشدوداً إلى الأسى، على هيئة مثلثٍ مغلق: الزوج، والزوجة، والحبيبة.

يبدو تعقيد هذه العوالم، في ظاهره، نابعاً من تباعد المكان السردي الذي يجمع الشخصيات الثلاث، حيث يتفرّقون بين بلدانٍ متباعدة، غير أن هذا التباعد الجغرافي، وفروق التوقيت، لا يلبثان أن ينزاحا لصالح غربةٍ داخلية أعمق، يعيشها كلّ منهم على حِدة، فتغدو محاولات التواصل بينهم مدفوعةً بالاشتياق والغيرة، والحيرة معاً.

ففي «تفاح نورماندي» تنشغل الزوجة الفرنسية بتتبّع فتور علاقتها الزوجية، وتبدأ في البحث عن شواهِد عبر تفاصيل يومية؛ هاتفٌ مغلق، وآخر صامت، وإفراطٌ في استخدام زوجها لتعبيرات «الإيموجي» في تعليقات موجّهة إلى امرأة بعينها عبر مواقع التواصل، على غير عادته. تتحوّل هذه التفاصيل، بالنسبة لها، شواهد على علاقة تتشكّل في الخفاء، يتبعها تتبعٌ مستمر لتحديثات الصور على «إنستغرام» على كل من حِساب زوجها وحِساب الفتاة التي تُراودها الظنون بشأنها، حيث تغدو المقارنة بين تلك التحديثات أداةً لقراءة تطوّر علاقتهما المُفترضة.

من هنا تنزلق البطلة إلى «التلصّص» لاستكمال أحجية انجذاب زوجها إلى أخرى، في لعبةٍ سردية تستثمر فيها منصورة عز الدين توتّر الحب الذي يُضاعفه الفضاء الإلكتروني، في مقابل واقعٍ يتآكل بصمت، حيث لا تعود «الافتراضية» نقيضاً له، بل امتداداً ملتبساً يعيد تشكيل حدوده.

وفي موازاة ذلك، يقترب السرد من الزوج السوداني «إدريس»، بطل قصة «أبعد للمشتاق من إرم»، الذي لم يكن سفره إلى آيوا سيتي سوى تكريس لمسافاتٍ عاطفية طويلة تفصله عن زوجته المقيمة في فرنسا. تُزعجه اتصالاتها، في وقتٍ يحنّ فيه إلى مَرابع قريته القديمة في السودان، ويلازمه طيف امرأةٍ أخرى، تتبّع الزوجة حضورها بحدسها عبر ما تلتقطه من إشاراتٍ «خوارزمية» على مواقع التواصل.على هذا النحو، تبدو القصص الثلاث وكأنها انعكاساتٍ لعلاقة تتآكل، وأخرى مُحاصَرة داخل طيفٍ من نُحب.

ورغم تعدّد واتساع الأماكن التي تدور فيها قصص المجموعة، فإن الكاتبة تضع أبطالها داخل مساحاتٍ أضيق، سواء عبر الحنين أو المراجعة الذاتية، حيث ينسحبون من دوائر الصخب إلى عزلاتٍ صغيرة؛ السير في حديقة، أو الوقوف في ظلّ شجرة، حيث «الجمال واضح لمن يرغب في رؤيته»، وهي عبارةٌ تنسحب على الشجن والرحيل، كما في قصة «نجمة الصباح»، حيث تصنع البطلة عالماً موازياً على الورق، تبتكر فيه بطلةً مُتخيلة، قبل أن تتداخل معها تدريجياً في حياةٍ رحيبة لا تُغادر خطواتها طاولة المقهى الذي تجلس فيه، حيث «الأحلام تعبر الجسر قبل أصحابها».

حمولة اللغة

في مستوى آخر، تبدو اللغة في المجموعة ساحة أخرى للاشتباك، والمناورة والتوتّر، بحمولتها الثقافية والعاطفية، فبطلة «هذا كل ما في الأمر»: تستدعي رد فعلها الانفعالي تجاه صديقتها الفرنسية فتقول: «رددت بالعربية بعبارات مقتطعة، ثم حين استعادت أنفاسي بعض انتظامها، أخبرتها بالإنجليزية أنها أفزعتني، وأنني كنت فقط أتأمل النهر، فردّت عليّ بفرنسيتها المتعالية»، ليبدو اللجوء إلى اللغة الأم فعلاً عفوياً منحازاً للذات والحزن، فتلوذ البطلة بلغتها العربية وهي تستعيد «نوازلها وأحزانها» القديمة في دفقة شعورية متصلة، تعجز صديقتها عن التقاط معناها بلغتها الفرنسية، مكتفية بالتعاطف والمؤازرة، في حين يلوذ بطل قصة «ثوب العالم» بلغة الصمت: «أنتظر أن يأتي من يتحدث بلغتي؛ كي أطلعه على سر من أسراري».

ورغم هيمنة الزمن المعاصر على قصص المجموعة، تشد الكاتبة خيطها الناظم القائم على تمثيلات «الأطياف» ومراياها، إلى فضاءٍ برزخي يتجاوز حدود الزمان والمكان، مستعيدةً التراث وعالم الليالي في قصة «سرحة الغزلان»، لا من مركز «شهرزاد»، بل من موقعها بوصفها طيفاً تستدعيه زوجة «شهريار»، التي أُلصق بها ذنب الخيانة عبر التاريخ.

من هذا الموضع السردي المغاير، تُستعاد الحكاية من طرفها المهمَّش، فتُزاح السردية المكرَّسة إلى موضع الشك، في لعبةٍ فنية تُعيد توجيه الحكاية لتقويض مركزها، فيصدر السرد هنا عن صوت «جُلبهار»، الزوجة التي تستيقظ في برزخها عقب غدر شهريار بها وقتلها، لتعيد تأويل الحكاية من جديد.

 في هذا الانزياح، لا تعود صورة «الملك السعيد» بوصفه الملك المأزوم الذي تُبرَّر جرائمه بوصفها ردّ فعل على خيانة زوجته، بل يُعاد النظر إليها بوصفها سردية كرّست العنف وبرّرته. ومن ثم، يتقدّم صوت «جُلبهار» بحمولة «ما ورائية»، مخاطباً «شهرزاد» بصوتٍ يُخلخل منطق الحكاية والنجاة بها، مُتسائلاً: «أَمِن المجدي هدهدة السفّاح بالحكايات؟».