الضربات الجوية المكثفة تربك قيادات «داعش» في الرقة والحسكة وشرق حلب

فصائل معارضة جديدة تنضم إلى «قوات سوريا الديمقراطية» لمواجهة التنظيم المتطرف

الضربات الجوية المكثفة تربك قيادات «داعش» في الرقة والحسكة وشرق حلب
TT

الضربات الجوية المكثفة تربك قيادات «داعش» في الرقة والحسكة وشرق حلب

الضربات الجوية المكثفة تربك قيادات «داعش» في الرقة والحسكة وشرق حلب

شتّتت الضربات الجوية المكثفة التي نفذتها قوات التحالف الدولي والطائرات الروسية، قيادات تنظيم داعش في الرقة وريف حلب الشرقي والحسكة في شمال سوريا، وفرضت «حالة من الإرباك» في صفوف التنظيم، بعد «ضرب مقرات القيادة والسيطرة». هذا في الوقت، الذي أعلنت فيه عدد من الفصائل المقاتلة في إدلب وحلب الانضمام إلى «قوات سوريا الديمقراطية» والعمل تحت قيادتها، وذلك بعد تحقيق هذه القوات التي تشكلت منتصف الشهر الماضي من فصائل عربية وكردية تقدما في محافظة الحسكة، بعد نحو أسبوعين من انطلاق أولى عملياته العسكرية في 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وبدأ التنظيم، أمس، بإجلاء عائلات مقاتليه الأجانب من الرقة والشدادي في ريف الحسكة الجنوبي، إثر «الضربات الجوية الكثيفة التي استهدفت مقرات التنظيم وتمركزاته وتحركاته في المنطقة»، كما قال رامي عبد الرحمن مدير المرصد السوري، مشيرا إلى أن التنظيم «بدأ بعملية إجلاء إلى مناطق أكثر أمنًا باعتقاده، تتوزع بين ريف الرقة الشرقي، وأرياف دير الزور». ولفت إلى أن «الضغط العسكري الذي تفعّل خلال اليومين الماضيين، ألزم التنظيم بإخلاء مقرات كثيرة، وقوض قدرته على التحرك، وإخفاء آلياته العسكرية في أكثر من موقع».
وقالت قوة المهام المشتركة التي تقود عمليات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، أمس، إن التحالف نفذ الاثنين 23 ضربة جوية استهدفت «داعش» في سوريا والعراق، بما في ذلك منشآت نفطية يستخدمها التنظيم المتشدد. وأضافت في بيان، أن 6 ضربات نفذت قرب 3 مدن سورية واستهدفت عدة مواقع قتالية، إلى جانب وحدة لفصل النفط والغاز قرب البوكمال و3 منشآت نفطية قرب دير الزور تابعة للتنظيم المتشدد.
وأقر تنظيم داعش باستهداف مقراته في سوريا، إذ أعلن أحد مناصريه على «تويتر»، أن «بوارج صليبية في البحر المتوسط قصفت ريف حلب الشرقي والرقة بالصواريخ بعيدة المدى»، بحسب تعبيره.
وقال ناشطون إن القصف لمواقع سيطرة «داعش» تفعل خلال اليومين الماضين «بشكل غير مسبوق». وقال ناشط في الرقة لـ«الشرق الأوسط»، إن المدينة «تعيش على وقع التفجيرات الناتجة عن القصف الجوي، بينما يخلي التنظيم مواقع سيطرته، ويلوذ مقاتلوه بأحياء يسكنها المدنيون، منعًا لاستهدافهم». وقال إن حجم القصف «قوّض حركة التنظيم وشرطة (الحسبة) التي اختفت من الشوارع».
وانسحب الأمر نفسه على مناطق ريف حلب الشرقي، إذ أكد «مكتب أخبار سوريا»، أن القصف «غير المسبوق» من قبل القوات النظامية والطيران الحربي الروسي، على القرى والبلدات المحيطة بالمطار، أجبرت آلاف المدنيين على النزوح من بلداتهم والتوجه إلى مناطق أكثر أمنًا كالرقة وجرابلس ومنبج الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش. وأشار إلى أن «الطيران الروسي قصف في اليومين الماضيين البلدات المحيطة بمطار كويرس بقنابل عنقودية «ذات القدرة التدميرية الكبيرة»، على حد تعبيره، حيث يترفق إلقاؤها مع إحداث أكثر من 40 انفجارًا بآنٍ واحد، مما يؤدي لدمار «واسع» في المنطقة المستهدفة، مشيرًا إلى أن القنابل العنقودية أدت في بلدة دير حافر إلى دمار حيين سكنيين «بشكل كامل».
وعمّ «الإرباك» سائر مناطق سيطرة تنظيم داعش، كما قال عبد الرحمن، مشيرًا إلى أن «كمية الغارات وقوتها خلقت حالة من الإرباك غير المسبوق»، مؤكدًا أن التنظيم «في تشتت مستمر». وأشار عبد الرحمن إلى أن القصف الذي تستهدفه به طائرات التحالف، «وصل إلى المنطقة الحدودية مع العراق، حيث استهدفت مروحيات يعتقد أنها تابعة للتحالف من نوع أباتشي الأميركية، تحركات للتنظيم في ريف دير الزور الشرقي المحاذي للحدود العراقية». وركزت الضربات الجوية في شرق سوريا، بعد هجمات باريس، على استهداف مواقع إنتاج النفط ومناطق سيطرته في محيطها، قائلاً إن القصف من هذا النوع «يتجدد يوميًا على المنطقة».
وبموازاة الضربات الجوية، شن التنظيم هجومًا على حقل جزل النفطي حقل جزل شرق حمص، في هجمات أراد منها «إرباك» القوات النظامية التي «باتت قريبة جدًا من مدينة تدمر، وعلى أهبة استعادة السيطرة على القريتين وتدمر» في ريف حمص الشرقي، كما قال عبد الرحمن، موضحًا أن هذا التقدم «يعود إلى فاعلية الضربات الروسية التي استهدفت مقراته بشكل كبير خلال الأسابيع الماضية».
وذكرت وكالة «سانا» الرسمية السورية، أمس، وناشطون معارضون، أن القوات النظامية استعادت سيطرتها على قرية الحدث التي تبعد نحو 30 كيلومترًا من الطريق السريع بين دمشق وحمص، في ريف حمص الجنوبي الشرقي بعد معارك مع «داعش». وقال مدير المرصد إن اشتباكات عنيفة تدور بين القوات الحكومية ومقاتلي «داعش» في حوارين المتاخمة لمهين.
في الوقت نفسه، نقلت «سانا» عن مصدر عسكري، قوله، إن القوات الحكومية «تواصل تقدمها باتجاه قريتي حوارين ومهين ومدينة القريتين»، وذلك بالتزامن مع العمليات المستمرة في الريف الغربي لمدينة تدمر، حيث نخوض معارك على بعد 8 كيلومترات غرب المدينة.
وبالتزامن، يخوض التنظيم معارك عنيفة في ريف الحسكة، في محاولة منه لصد هجمات شنتها قوات كردية وعربية. وقال ناشطون إن «قوات سوريا الديمقراطية» باتت على مسافة 25 كيلومترًا عن معقله في محافظة الحسكة في منطقة الشدادي، حيث أجلى معظم عائلات مقاتليه الأجانب.
في السياق نفسه، بث ممثلون عن فصائل مقاتلة في حلب وإدلب، بيانا مصورا أعلنوا فيه الانضمام لـ«قوات سوريا الديمقراطية». وأوضح البيان أن الدافع للانضمام يعود إلى «التطورات الأخيرة على الساحة السورية، وتمدد الإرهاب في الكثير من المناطق، وتنفيذه المجازر بحق الشعب السوري». وحدد البيان أن الإرهاب «يتمثل بتنظيم داعش وأخواته والنظام البعثي المجرم». وأضاف أن «الانتصارات التي حققتها (قوات سوريا الديمقراطية) في منطقة الجزيرة (شمال شرق) بالتعاون مع التحالف الدولي، ودحر (داعش) في الكثير من المناطق»، كانت داعمة لانضمام الفصائل إلى القوات. كما أدانت الفصائل المنضمة ما وصفته بـ«المجزرة» بحق الشعب الفرنسي، معلنة التضامن مع فرنسا وجميع الدول التي تحارب الإرهاب.
والفصائل التي وقعت على الانضمام أمس هي، هي فصيل جيش الثوار، وقوات الفرقة 30، ولواء «شهداء» ريف إدلب، ولواء عين جالوت، ولواء 99 مشاة، ولواء الحمزة، ولواء القعقاع، ولواء المهام الخاصة 455، ولواء السلاجقة، والفوج 102، وأحرار الشمال، وقوات العشائر في حلب وريفها، وجبهة الأكراد.
وبدأت بالحملة بتاريخ 30 - 10 - 2015 بمشاركة جميع الفصائل المقاتلة ضمن «قوات سوريا الديمقراطية»، وهي: جيش الثوار، ووحدات حماية الشعب، ووحدات حماية المرأة، وقوات الصناديد، وبركان الفرات (شمس الشمال)، والمجلس العسكري السرياني، ولواء التحرير، وتجمع ألوية الجزيرة.



الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.