حزب ساويرس يسعى لحصد أغلبية البرلمان بإثارة الجدل حول «الهوية الإسلامية وأوضاع المسيحيين»

مسؤول بالأزهر لـ {الشرق الأوسط}: المادة الثانية بالدستور «خط أحمر».. و«الدعوة السلفية»: لن نسمح بذلك

حزب ساويرس يسعى لحصد أغلبية البرلمان بإثارة الجدل حول «الهوية الإسلامية وأوضاع المسيحيين»
TT

حزب ساويرس يسعى لحصد أغلبية البرلمان بإثارة الجدل حول «الهوية الإسلامية وأوضاع المسيحيين»

حزب ساويرس يسعى لحصد أغلبية البرلمان بإثارة الجدل حول «الهوية الإسلامية وأوضاع المسيحيين»

استبق مراقبون أجندة البرلمان المصري المزمع انعقاد أولى جلساته مطلع العام الجديد، التي تنتظرها العديد من القضايا الملحّة اقتصاديًا واجتماعيًا، وأشار المراقبون إلى أن المعركة الأكثر قوة داخل مجلس النواب ستكون بين الدعوة السلفية وذراعها السياسية، حزب النور، وحزب المصريين الأحرار الذي يرأسه رجل الأعمال الشهير نجيب ساويرس، لافتين إلى أن حزب ساويرس جدد اتجاهه لحصد أغلبية البرلمان بإثارة الجدل حول الهوية الإسلامية وأوضاع المسيحيين في الدستور المصري.
وكشفت قيادات سلفية عن أن «المصريين الأحرار» سوف يتجه لإجراء تعديل على المادة الثانية «هوية مصر»، والثالثة «أهل الكتاب».. وأن مجلس النواب سوف يوافق على التعديل، لكن لن نسمح بذلك، بينما جاء رد «المصريين الأحرار» على لسان متحدثه الإعلامي أنهم «يحترمون كل مواد الدستور».
في غضون ذلك، قال قيادي مسؤول في مشيخة الأزهر لـ«الشرق الأوسط» إن المادة الثانية «خط أحمر»، والثالثة تضمن حقوق المسيحيين واليهود.
وتنص المادة الثانية الخاصة بهوية مصر في الدستور الذي جرى الاستفتاء عليه مطلع يناير (كانون الثاني) عام 2014، على أن «الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع». بينما تنص المادة الثالثة على أن «مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية، وشؤونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية».
من جانبه، قال ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية في مصر لـ«الشرق الأوسط» إن «ساويرس، وحزبه، يريد تغيير المادة الثانية.. والتعديل مسألة وقت، ومجلس النواب سيوافق عليه»، مشددا بقوله: «لن نسمح بذلك»، وأضاف: «إنني عندما قلت إن الدعوة السلفية مستعدة للتعاون مع (المصريين الأحرار) قصدت من ذلك وفقا للدستور.. لأننا ندعو للمشاركة وليس للمغالبة».
في حين قال الشيخ محمود عبد الحميد مسؤول «الدعوة السلفية» بالإسكندرية، عضو شيوخ حزب النور لـ«الشرق الأوسط» إن «المادة الثانية لها رأي عام يحرسها»، مؤكدا أنه «لا يستبعد أن يحارب ساويرس المادة الثانية من الدستور محاربة شديدة، لو حصل على أغلبية في البرلمان وشكّل الحكومة الجديدة».
وفاز حزب المصريين الأحرار بالمركز الأول متصدرًا جميع الأحزاب السياسية المصرية خلال انتخابات المرحلة الأولى التي جرت الشهر الماضي، وحصد 41 مقعدًا، وعقب حصوله على أعلى نسبة من المقاعد البرلمانية تردد بقوة أن «المصريين الأحرار» ذا التوجه الليبرالي يسعى لتشكيل الحكومة الجديدة عقب إتمام الاستحقاق الأخير لخريطة طريق المستقبل. ويرى مراقبون أن «الدعوة السلفية» تلعب بورقة مواد الهوية لكسب أرضية كبيرة في الشارع تمكّنها من ضرب «المصريين الأحرار».. فضلا عن سعيها لاستغلال العداء الكبير الذي يكنّه تيار الإسلام السياسي لحزب ساويرس لدعوة المصريين لانتخاب مرشحي «النور» خلال المرحلة الثانية من الانتخابات التي ستبدأ يومي 21 و22 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي بالنسبة لخارج مصر، ويومي 22 و23 نوفمبر داخل مصر.
وقال الدكتور شعبان عبد العليم الأمين العام المساعد لحزب النور: «سوف نحذر المصريين من سيطرة حزب ساويرس على الحياة البرلمانية من أجل مستقبل الهوية الدينية»، لافتا إلى أن «(النور) سوف يستخدم جميع حقوقه الدستورية للوقوف ضد أي محاولات من حزب ساويرس لتعديل المادة الثانية، والشعب المصري لن يقبل هذا الكلام الذي يردده رجل الأعمال بقوة الآن»، موضحا أنه «سمع ساويرس أكثر من مرة يتحدث عن نيته لتعديل، بل لإلغاء المادة الثانية».
وأكد عبد العليم، وهو أحد المتحدثين الرسميين لـ«النور» أنه وارد جدا حدوث توافق على تعديل المادة الثانية في ظل حصول حزب «المصريين الأحرار» على الأغلبية داخل البرلمان، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أن «النور» لا يمانع التعاون مع ساويرس في حال التزامه بمواد الدستور تحت قبة البرلمان.
في السياق ذاته، قال قيادي مسؤول بالأزهر (إحدى أكبر المؤسسات الدينية الإسلامية في العالم) إن «الأزهر معروف بمواقفه الثابتة في مسألة تعديل المادة الثانية، التي عبر عنها أحمد الطيب شيخ الأزهر عندما أعلن في أول بيان له بعد ثورة 25 يناير 2011 مباشرة، أن المادة الثانية من الدستور خط أحمر.. وأن المساس بها مساس بهوية الأمة».
يُشار إلى أن المادة الثانية من الدستور قد أثارت الكثير من الجدل منذ ثورة 25 يناير، التي أطاحت بنظام حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، إذ طالبت قوى مسيحية وعلمانية باعتماد صيغة مغايرة يتم من خلالها التأكيد على دور مبادئ الشريعة دون أن تُعتبر «المصدر الرئيسي» للتشريع، واقترحت عدة صيغ لذلك، لكنها رُفضت من قبل القوى الإسلامية والأزهر وقتها.
وأضاف المسؤول، الذي رفض ذكر اسمه، أن «أي محاولة للاقتراب من المادة الثانية ستواجَه بكل قوة»، لافتا إلى أن «الأزهر يهيب بالجميع عدم الحديث عن المادة الثانية لأنها تمثل عقيدة الأمة والمصدر الأهم لهويتها ومبادئها وأصولها وهي المصدر الرئيسي لتشريعاتها.. والمادة الثالثة تضمن حقوق المسيحيين واليهود».
وتابع بقوله: «الأزهر من موقعه لا يقبل الجدل، ولن يسمح لأحد بأن يجر الأمة عقب اكتمال آخر استحقاقات خريطة طريق المستقبل باسم خلافات لفظية، لخلافات تثير المخاوف وتفتح أبواب الفرقة والفتنة التي تشغلنا عن الالتفات إلى عظائم الأمور».
وكان الأزهر قد خاض حربًا في الدستور «المعدل» الذي وضعته جماعة الإخوان عام 2012، رافضًا المساس بالمادة الثانية، وأصر أن تكون كما وردت في دستور عام 1971، لأنها تمثل عقيدة الأمة والمصدر الأهم لهويتها.
وتؤكد مشيخة الأزهر أن المادة الثانية بصياغتها الحالية هي عنوان توافق بين جميع القوى السياسية في مصر، وتوجه أكثر من خطاب؛ الأول خطاب إلى المشرع المصري للعمل على صناعة القوانين المصرية في كل فروع القانون، على أن تكون مستمدة من الشريعة الإسلامية، بمذاهبها المعتبرة أو مستفيدة من التراث القانوني العالمي، شريطة ألا يتعارض مع الشريعة، وبما يحقق مصالح الناس.. والثاني خطاب إلى القضاء المصري ممثلا في المحكمة الدستورية العليا باعتبارها الجهة الوحيدة المنوط بها أمانة النظر في دستورية القوانين وإلغاء كل نص قانوني يخالف الشريعة الإسلامية.
وشهدت لجنة الخمسين التي عدّلت دستور جماعة الإخوان عام 2014، محاولات حسم الخلاف بين «النور» والأزهر من ناحية، والكنيسة المصرية من ناحية أخرى، فيما يتعلق بمواد الهوية.. وكان هناك اختلاف في وجهات النظر بشأن المواد «الثانية والثالثة» و219 المفسرة لمبادئ الشريعة الإسلامية، التي وضعها إسلاميون في دستور عام 2012 لتفسير المادة الثانية بشكل أكثر تشددًا، وتم إلغاؤها من ديباجة الدستور الحالي. فضلا على إصرار ممثلي الكنائس المصرية الثلاث (الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية) على تغيير كلمة في المادة الثالثة من دستور «الإخوان»، وهي «غير المسلمين»، واعتماد «المسيحيين واليهود»، وتم الاستجابة لهم واستبدالها، مدللين بأن «عدم استبدالها من الإخوان يميل إلى الطائفية».
واشتكى المسيحيون المصريون من إجراءات تمييزية بحقهم خلال عهد مبارك، وفي عهد جماعة الإخوان، رغم أن الدستور والقانون في البلاد يتيحان حرية الاعتقاد، ويجرمان التمييز على أساس الدين.
إلى ذلك، قال نادر الصيرفي، المسيحي، عضو بحزب النور، إن الخلاف بين النور والمصريين الأحرار على الوثيقة الدستورية الحالية، مؤكدا أن «(المصريين الأحرار) لديه اتجاه واضح ومعلن لرفض المادة الثانية»، لافتا إلى أن «ساويرس أكد أكثر من مرة للمسيحيين أنه ليس هناك مادة ثانية.. ونريد مصر دولة علمانية»، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أن المسيحيين لا يجدون غضاضة في المادة الثالثة التي أصر عليها الأزهر في الدستور المصري، وأي محاولات للمساس بوحدة المسيحيين والمسلمين ستُقابل بحزم.
ويرى مراقبون أن مادتي «الهوية الإسلامية وأوضاع المسيحيين سوف تجدد الخلاف بين تيار الإسلام السياسي والكنيسة المصرية، وهي المعركة المؤجلة بين الطرفين».
وتعليقا على ادعاءات «النور»، قال شهاب وجيه المتحدث الرسمي لـ«المصريين الأحرار»، إن حزبه يحترم بشدة الدستور المصري الذي وضعته لجنة الخمسين، ووافق عليه الشعب المصري بأغلبية ساحقة، رغم التحفظ على بعض النقاط فيه.. رافضا الحديث عن هذه المواد، مؤكدا أن «الحديث عن تعديل مواد الدستور ليس وقته الآن».
وقال وجيه لـ«الشرق الأوسط» إن «(النور) فقد القاعدة الأكبر له وفقد عددًا كبيرًا من مؤيديه في الشارع؛ هناك انقسام كبير داخل (النور) بشأن الاستمرار في الانتخابات، حتى بعد فوزه بعدد من المقاعد»، لافتًا إلى أن «(النور) خسائره في المرحلة الثانية ستكون أكثر من الأولى، والانقسامات سوف تزداد داخله.. وهو يروج لأي شيء الآن من أجل كسب أرضية جديدة».
وحزب المصريين الأحرار ذو مرجعية ليبرالية أعلن عن تأسيسه ساويرس في 13 أبريل (نيسان) عام 2011، عقب ثورة 25 يناير، وضم نخبة من المفكرين والنشطاء السياسيين.
وسبق أن تداول أنصار لحزب ساويرس مطبوعًا منسوبًا لـ«المصريين الأحرار» في أحياء باب الشعرية والحسين والأزهر بوسط القاهرة خلال المرحلة الأولى من الانتخابات، تفيد برغبة مؤسس «المصريين الأحرار» في تولي رئاسة الحكومة المصرية بعد انتخاب مجلس النواب وحصول حزبه على الأغلبية التي تمكّنه من تشكيل الحكومة، لكن شهاب وجيه قال إنه من «المبكر جدًا الحديث عن تشكيل الحكومة الآن».



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.