أفلام إسرائيلية وفلسطينية ممنوعة والأسباب سياسية

تُعرض في المهرجانات ولا تجد سوقاً أميركية

«لا أرض أخرى» (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» (ياباياي ميديا)
TT

أفلام إسرائيلية وفلسطينية ممنوعة والأسباب سياسية

«لا أرض أخرى» (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» (ياباياي ميديا)

في ليلة افتتاح الدورة التاسعة والخمسين من مهرجان كارلوفي فاري في جمهورية تشيك، قبل يومين، تم منح «جائزة الرئاسة» إلى الممثلين فيكي كريبس، وبيتر سارغارد، وسط تصفيق الحاضرين وقوفاً. لكن بينما تحدّثت الممثلة اللوكسبورغية عن مشاعرها حيال هذا الاحتفاء، اختار الممثل الأميركي الحديث عن السياسة، داعياً إلى سينما تُنير العقول وتنفتح على ما يحدث حول العالم دعماً للتقارب وتحقيق السلام.

كلام جميل لم يقم المهرجان بتوفير نصّه على منصّته الرسمية، بعد ما أورد فيه الممثل ملاحظاته حول السياسة الأميركية الخارجية، التي قال عنها إنها «تشهد انسحابها من مسؤولياتها العالمية».

بيتر سارغارد في «كارلوفي فاري» (كارلوفي فاري)

دعا الممثل (رأيناه مؤخراً في «September 5») إلى فعل دولي جماعي لتوفير البيئة الصالحة للسلام العالمي، مشيراً: «بلادي منقسمة بدورها سياسياً ونوعياً وعنصرياً». وأضاف أن اليهود فيها منقسمون حول الحرب الدائرة بدورهم.

مواقف ومنصّات

كلمة الممثل هي دعوة دبلوماسية عامّة ترغب في تضمين كلماتها الدعوة إلى لقاء جديد بين فرقاء النزاعات الدولية، يتحمّل فيها كل منهم مسؤولية كاملة لنشر السلام والمحبة، وختم قوله باستعارة عبارة وردت على لسان الرئيس السابق للجمهورية التشيكية فاسلاف هافل، حول السعي لاتفاق الفرقاء أينما كانوا: «الغرفة لا تستطيع البقاء دافئة إذا كان نصفها الآخر بارداً».

ينضم سكارسغارد لعدد من الممثلين والمخرجين، الذين منذ سنوات غير بعيدة يوظّفون وقوفهم على المنصة، سواء لقبول تكريم أو جائزة، للجهر بآراء سياسية بنّاءة قدر الإمكان. المخرج البريطاني كن لوتش تحدّث عن حاجة أوروبا لمعالجة مشكلات الفقر ومسائل التأمين الصحي والاجتماعي، في كل مرّة وقف فيها على منصّات برلين والبافتا ومهرجان «كان». هذا الأخير بعد فوزه بالسعفة الذهبية عن واحد من أهم أفلامه «I‪, Danel Blake» صعد إلى المنصّة وألقى كلمة استغرقت 10 دقائق عن رسالة الفيلم لمشاهديه.

في العام ما قبل الماضي، حين فاز «منطقة الاهتمام» (Zone of Interest) بجائزة برلين لعام 2023، ثم بالأوسكار في العام ذاته، وقف المخرج جوناثان غلايزر وأعلن موقفه المعادي لما تقوم به إسرائيل في غزّة. وفي العام الماضي، ندّد المخرج الإسرائيلي يوفال إبراهام، من على منصّة الأوسكار حين فاز هو والفلسطيني حمدان بلال (واثنان آخران) بأوسكار أفضل فيلم تسجيلي، بالممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين لسنوات قبل الحرب الحالية في قطاع غزّة. في حين انتزع «منطقة الاهتمام» عروضاً محدودة في الولايات المتحدة، بعد جهود مضنية، ما زال «لا أرض أُخرى» محصوراً في عرضين صغيرين في نيويورك ولوس أنجليس.

مشهد من «منطقة الاهتمام» (آي إم دي بي)

نقد فرنسي - فلسطيني

وفي هذا العام، انتقدت رئيسة لجنة التحكيم في مهرجان «كان»، جولييت بينوش، في أول ظهور رسمي لها على المنصّة، الحرب على غزة، داعية إلى سلام عادل وإيقاف الأعمال العدائية.

ما يوحي به كل هذا هو تحوّل المهرجانات والمناسبات السينمائية السنوية إلى فرصة لإطلاق المواقف السياسية التي يصبّ معظمها في الحاجة إلى السلام العادل، وانتقاد الحكومة الإسرائيلية واعتداءاتها على الآمنين.

المخرجان الفلسطينيان عرب وطرزان ناصر فازا في «كان» هذا العام أيضاً بجائزة أفضل إخراج في مسابقة «نظرة ما» عن فيلميهما «ذات مرّة في غزة»، ولم يوفّرا نقدهما لما يحدث في الأراضي الفلسطينية عندما اعتليا المنصّة لتقديم الفيلم.

إنه كما لو كانت المهرجانات، التي عادة ما تفضّل ألا تتحوّل مناسباتها إلى جدالات سياسية، هي الوحيدة التي لا تتيح إلقاء الخطب السياسية فقط، بل الفوز بأفلام ضد الخط السياسي الرسمي للدول الغربية على الأخصّ. أما بالنسبة لعرض الفيلم في المدن الأميركية، فكان في المهرجانات فقط، فشهد عروضاً في مهرجانات بالم سبرينغز ودنفر وشيكاغو وفيلادلفيا وهاواي ونحو 10 مهرجانات أخرى سواها.

نوع من الحصار

ما هو مُلاحظ أن معظم الأفلام التي تفوز بجوائز في المهرجانات الدولية، والتي تتحدّث عما يقع حولنا، في فلسطين وسواها، لا تلقى ما تستحقه من رواج في العروض الأميركية. هذا إذا ما سنحت لها فرصة إيجاد شركات راغبة في توزيعها.

إنه كما لو كان الأمر هو السماح بمن يريد الإفصاح عما يفكّر به في المناسبات العالمية، خصوصاً الأوروبية، لكن حين يصل الأمر إلى عرض الأفلام ذاتها في الولايات المتحدة فإن الأمر يختلف. بالكاد يجد الفيلم موزّعاً يجرؤ على توقيع عقد توزيع مع منتجي العمل. غالباً سيجد الأبواب موصدة كحال «لا أرض أخرى»، علماً بأنه إسرائيلي الإنتاج.

«لا أرض أخرى» (آي إم دي بي)

عروض المهرجانات مهمّة. هناك جمهور لها، لكن العروض التجارية هي الأهم، لأنها تمثّل الرأي العام وعدم تمتعها بالعروض التجارية هو نوع من حصار مفروض، ينتزع من الفيلم موقفه لحجمه ومنع إبداء وجهة نظره.

ما يحدث هو أن الاستديوهات الكبيرة لا تشتري حقوق هذه الأفلام مطلقاً، كونها مملوكة، في معظمها، لسياسات مؤيدة للجانب الإسرائيلي، والشركات الصغيرة لا تستطيع ضمان الرواج، وتفضل ألا تغمس قدميها في مواضيع ساخنة، تنتج عنها خسارة مادية أو مواجهات مع أي لوبي سياسي. لذا تفضل أن تلعبها آمنة.

لا لـ«نعم»

لا يتوقّف هذا النوع من التعامل على أفلام تعبّر عما يحدث في غزّة أو في أي موضع فلسطيني آخر فقط، بل يتعدّى الأمر إلى أي فيلم لا ينقل ما يعبّر عن وجهة النظر الإسرائيلية الرسمية. في واقع الأمر «لا أرض أُخرى» هو فيلم إسرائيلي، لكنه منافٍ لسياساتها، كذلك الحال في فيلم إسرائيلي عُرض في مهرجان «كان»، في قسم «نصف شهر المخرجين»، عنوانه «نعم» (Yes)، يتولّى وصف الطاقم الحاكم ومحيطه بالسيطرة على عواطف وآراء الغالبية، التي لا تستطيع إلا الموافقة (في الغالبية) على قرارات السُلطات.

ملصق فيلم «نعم»

حين حاول مخرجه ناداف لابيد والشركة المنتجة (AMP) النفاذ به إلى السوق الأميركية بعد افتتاحه في «كان»، حيث يعرضه مهرجان كارلوفي فاري هذا الأسبوع، وجد الصدّ ذاته الذي لاقاه «منطقة الاهتمام» و«لا أرض أُخرى» من قبل. وللغرابة، رفضت 3 مهرجانات أميركية شمالية، هي «نيويورك فيلم فستيفال» وتيليورايد وتورنتو، عرضه.

حالياً يواجه المنتِج الفلسطيني رشيد مشهراوي صعوبة في إيجاد صالة أميركية لعرض فيلمه «من المسافة صفر»، علماً بأن الفيلم المكوّن من 22 فيلماً قصيراً لـ20 مخرجاً، لا يتلو موقفاً سياسياً ولا ينتقد خطاباً إسرائيلياً، ما ألّب عليه عدداً من النقاد في أميركا وأوروبا، بل يعمد لمجرد تصوير الوضع المعاش في غزة قبيل نهاية العام الماضي، عندما كانت الأحوال ما زالت نسبياً مقبولة.

حرية تعبير ولكن...

اللافت أن الأفلام الأميركية التي تنتقد السياسة الأميركية الداخلية منها أو الخارجية لا تواجه الوضع نفسه.

أي فيلم آخر ينتقد الولايات المتحدة، بعيداً عن الموضوع الفلسطيني - الإسرائيلي، مسموح به، خصوصاً إذا كان إنتاجاً أميركياً. العديد من الأفلام الأميركية دارت حول رؤساء جمهورياتها نقداً، وأكثر منها تمحورت حول موضوع الفساد بين رجال الأمن، وصولاً إلى «سي آي إيه» و«إف بي آي»، وأي ركن آخر في الهرم الحكومي. ولا يوجد إحصاء كامل للأفلام التي عرضت أو ناوأت التمييز العنصري في الولايات المتحدة. إلى جانب الأفلام التي فتحت الأعين على المخاطر البيئية أو حذّرت من كوارثها، وتبنّت موقف المندد بقصر نظر المسؤولين حيالها.

لكن ليس من بين أي من هذه الأفلام ما لم يعرض في صالات السينما أو في محطات التلفزيون أو في المنصّات المنزلية المختلفة.

حيال ذلك، ليس عجيباً أن يغيب الممثلون والمخرجون، في غالبيّتهم، عن إبداء الرأي في هذا الصراع الدائر في فلسطين. إذا أيّدوا وجهة النظر الإسرائيلية فسيتعرضون لهجوم كبير من قبل الرأي العام، وإذا رفضوها وأبدوا موقفاً مؤيداً لضحايا غزّة ثارت عليهم المؤسسات.

في الواقع، أنه في الحالتين تلعب شركات الإنتاج الدور الأول في هذا الفيلم القريب من الكوميديا؛ هي لا تشجع على إبداء رأي مناوئ للغزاويين خوفاً من خسارة الممثل لحجم نجوميّته، وبالتالي إيرادات فيلمه المقبل، لكنها بالتأكيد لا تريد للسينمائيين خوض الموضوع نفسه من وجهة نظر تعارض ما يقع. يمكن لهم، كما فعل مارك روفالو وتيلدا سوينتن والمخرج مايك لي والعشرات سواهم، توقيع احتجاجات في بيانات شجب، لكن لا تأثير دامغاً لهذا، كما لو أن أحدهم وقف موقفاً منفرداً وحادّاً، كما فعلت الممثلة سوزان ساراندون، التي أدّى بها الأمر إلى عدم الرغبة في التعاون معها، كما صرّحت في مقابلة لها في «الديلي تلغراف» اللندنية قبل 3 أشهر.


مقالات ذات صلة

«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

يوميات الشرق فيلم «مسألة حياة أو موت» يُقدِّم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء (هيئة الأفلام السعودية)

«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

اختارت السعودية الفيلم الروائي «مسألة حياة أو موت» لتمثيلها رسمياً في جوائز الأوسكار لفئة أفضل فيلم دولي خلال الدورة 99 في خطوة تعزز حضور سينما المملكة دولياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق يشكل المنتدى منصة تجمع المستثمرين وصناع الأفلام (هيئة الأفلام)

«منتدى الأفلام السعودي» يعود إلى الرياض أواخر أكتوبر

تنطلق النسخة الرابعة من منتدى الأفلام السعودي يومي 28 و29 أكتوبر في استوديوهات جاكس للأفلام بالرياض، برعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان

يوميات الشرق «مهرجان السينما الأوروبية» من 8 إلى 17 أكتوبر (متروبوليس)

«مهرجان السينما الأوروبية» يحتفي بالكوميديا والرومانسية والكلاسيكيات

يستمرّ المهرجان حتى 17 أكتوبر في سينما «متروبوليس» بشارع مار مخايل في بيروت، وتُنظّمه بعثة الاتحاد الأوروبي في لبنان.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق ياسمين المصري وكلارا خوري في مشهد من فيلم الافتتاح «شكراً لأنك تحلم معنا» (إدارة المهرجان)

«السينما الفلسطينية بالسويد» يروي حكايات المعاناة والذاكرة

اختارت لجنة المهرجان 22 فيلماً للمسابقة الرسمية من بين 73 عملاً تقدّم بها صنّاع سينما من قرابة 20 دولة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الخالة خلال مشاركتها في وثائقي «سكوت السهل» (زينة صفير)

«سكوت السهل»... زينة صفير تكسر صمتاً عمره نصف قرن

تتنقّل في الفيلم بين الذاكرة العائلية الحميمة وتاريخ البلاد، ساعيةً إلى فهم مأساة لم تنتهِ بانتهاء الحرب.

فيفيان حداد (بيروت)

تركي آل الشيخ يكشف عن «وجهة نجران» الترفيهية الجديدة

تمتد «وجهة نجران» على مساحة تبلغ 100 ألف متر مربع (هيئة الترفيه)
تمتد «وجهة نجران» على مساحة تبلغ 100 ألف متر مربع (هيئة الترفيه)
TT

تركي آل الشيخ يكشف عن «وجهة نجران» الترفيهية الجديدة

تمتد «وجهة نجران» على مساحة تبلغ 100 ألف متر مربع (هيئة الترفيه)
تمتد «وجهة نجران» على مساحة تبلغ 100 ألف متر مربع (هيئة الترفيه)

كشف المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه في السعودية، الأربعاء، عن تفاصيل «وجهة نجران» الترفيهية الجديدة في المنطقة الواقعة جنوب غربي المملكة.

وجاءت التفاصيل في فيديو تشويقي نشره آل الشيخ على حسابه الرسمي في منصة «إكس» للتواصل الاجتماعي، تمهيداً لافتتاح الوجهة الترفيهة الجديدة خلال عام 2027.

وتمتد «وجهة نجران» على مساحة تبلغ 100 ألف متر مربع، وتضم مرافق متنوعة تجمع بين المطاعم والمتاجر ومساحات الفعاليات، بما يسهم في إثراء الخيارات الترفيهية المتاحة في المنطقة.

وتُقدِّم الوجهة باقة من التجارب التي تشمل الفعاليات، والعروض الحية، والسينما، إلى جانب مجموعة من الألعاب والأنشطة الترفيهية؛ بينها «البولينج والكارتينج» وغيرها، بما يلائم اهتمامات مختلف شرائح الزوار.

وينتظر أن تُوسع «وجهة نجران» نطاق الخيارات الترفيهية في المنطقة، من خلال تنوع مرافقها وتجاربها، وما توفره من أنشطة للسكان والزوار على مدار العام.

تأتي «وجهة نجران» ضمن مبادرة «وجهات الترفيه»، إحدى مبادرات «هيئة الترفيه» لتطوير وجهات ترفيهية حديثة في عدد من مناطق ومدن المملكة، وتوفير بنية تحتية دائمة وقابلة لاستضافة مختلف أنواع الفعاليات والتجارب طوال العام.


لماذا تُعد عبارة «أحبب نفسك أولاً» خرافةً في العلاقات؟

التقدير الصحي للذات قد يعود بالنفع على العلاقات (بيكسباي)
التقدير الصحي للذات قد يعود بالنفع على العلاقات (بيكسباي)
TT

لماذا تُعد عبارة «أحبب نفسك أولاً» خرافةً في العلاقات؟

التقدير الصحي للذات قد يعود بالنفع على العلاقات (بيكسباي)
التقدير الصحي للذات قد يعود بالنفع على العلاقات (بيكسباي)

ربما تكون قد سمعت من قبل نصيحة: «عليك أن تحب نفسك قبل أن تتمكن من حب الآخرين». وهناك صيغة أخرى لهذه العبارة مفادها أنه ما لم تتعلم حب نفسك، فلن تستطيع حب الآخرين على النحو الأمثل.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بأخبار الصحة النفسية والعقلية، يمكن أن نطلق على هذا المبدأ اسم «نهج الخطوتين» في الحب: حب الذات أولاً، ثم العلاقات لاحقاً.

وللوهلة الأولى، تبدو هذه النصيحة جذابة. فإذا افترضنا أن حب الذات يشير إلى تقديرها، فإن هناك بالفعل أبحاثاً تشير إلى أن التقدير الصحي للذات قد يعود بالنفع على العلاقات؛ إذ وجدت دراسة جمعت نتائج عشرات الأبحاث أن تقدير الذات كان مؤشراً إيجابياً لعلاقات أفضل.

وربما يمنحك التقدير العالي للذات القدرة على حب الآخرين بشكل أفضل. ووفقاً لهذا المنطق، قد يسهم انخفاض تقدير الذات في سلوكيات مثل السعي المفرط للحصول على الطمأنينة، أو الخوف من الرفض، أو الغيرة، أو الاعتمادية غير الصحية، أو صعوبة تقبّل الرعاية والاهتمام.

وعليه، فإن ما يترتب على «نهج الخطوتين» هو أنه إذا كنت تعاني من انخفاض تقدير الذات، فينبغي عليك التركيز على تعزيز شعورك بقيمتك الذاتية وتأجيل الدخول في علاقات؛ وإلا فقد تؤذي نفسك أو الآخرين خلال هذه العملية. أو على الأقل، هذا ما تحاول الحكمة السائدة إقناعك به.

«نهج الخطوتين» في الحب مجرد خرافة

في كتابهما «Fight Right»، يصف جولي وجون غوتمان، وهما من أبرز خبراء العلاقات في العالم، فكرة ضرورة حب الذات قبل التمكن من حب الآخرين بأنها مجرد خرافة. ويشيران إلى أنه لا أحد يستطيع حب نفسه بشكل مثالي؛ إذ يعاني معظمنا - في مرحلة ما من حياته - من قدر من انعدام الأمان والشك في الذات.

وهذا يطرح سؤالاً بديهياً: متى نعرف أننا نملك قدراً كافياً من حب الذات يتيح لنا البدء في حب الآخرين؟

ويسلط الزوجان غوتمان الضوء على نتيجة سلبية لهذا النهج القائم على خطوتين؛ فعندما تواجه صعوبات في علاقتك، قد تفترض أن الخطأ يقع على عاتقك وحدك، معتقداً أنك ببساطة لم تتقن فن حب الذات. غير أن أسباب مشاكل العلاقات غالباً ما تكون أكثر تعقيداً من مجرد افتقارك لحب الذات.

وقد ينطوي الأمر على مشكلة في الاتجاه المعاكس أيضاً؛ إذ قد تبالغ في تحليل شخصية الطرف الآخر عند انتهاء العلاقة، وتُرجع سبب الفشل بالكامل إلى افتقاره لحب الذات. لكن، نجاح العلاقة يتطلب في الحقيقة تضافر جهود الطرفين، وقد تكون أنت غافلاً عن ديناميكيات أخرى تحكم العلاقة غير حب الذات.

وهناك نتيجة أخرى لهذا النهج، وهي المبالغة في التعويل على حب الذات باعتباره حلاً سحرياً لجميع مشاكل العلاقات. فقد تقول لنفسك: «لو تعلمت فقط كيف أحب نفسي أكثر، فستكون علاقتي بشريكي رائعة!». وليس بالضرورة أن يحدث ذلك.

ضع في اعتبارك أن هناك عوامل أخرى عديدة تتنبأ بمدى الرضا عن العلاقة؛ فحتى الأشخاص الذين يتمتعون بتقدير صحي للذات يواجهون صعوبات في علاقاتهم.

والأهم من ذلك أن هذا النهج يشجع الناس على تأجيل الانخراط في علاقات حميمة، وذلك عبر الانعزال داخل «شرنقة نفسية». إذاً، ما دام نهج الخطوتين هذا غير صائب، فما البديل؟

الحب رقصة ثلاثية الأطراف

كشفت دراسة شملت أكثر من 14 ألف شخص في هولندا عن أن تقدير الذات كان مؤشراً على الرضا اللاحق عن العلاقات، لكن العكس كان صحيحاً أيضاً؛ إذ أفاد الأشخاص الأكثر رضاً عن علاقاتهم لاحقاً بتمتعهم بمستويات أعلى من تقدير الذات.

وفي الواقع، كان للتفاوت في مستوى الرضا عن العلاقات الاجتماعية تأثير أقوى على تقدير الذات مقارنةً بتأثير التفاوت في تقدير الذات على الرضا عن العلاقات.

بعبارة أخرى، التأثير متبادل؛ فتقدير الذات الإيجابي يمكن أن يحسّن علاقاتك، والعلاقات بدورها يمكن أن تعزز تقديرك لذاتك.

إذاً، ما الطريقة المثلى للتعامل مع الحب؟ ربما لا يشبه الحب تسلسلاً خطياً بقدر ما يشبه الرقصة. يمكن تسمية هذا بـ«رقصة الحب الثلاثية» التي تتألف من ثلاثة عناصر: حب الذات، وحب الآخرين، وتلقي الحب من الآخرين.

وبدلاً من التعامل مع هذه العناصر كمراحل متتابعة، احتضنها جميعاً في آن واحد؛ فكّر فيها كشركاء في الرقص، يرتبطون ارتباطاً وثيقاً ضمن حلقة تمنحك الإيجابية. اتخذ خطوات صغيرة نحو هذه العناصر الثلاثة معاً واسمح لها بأن تعزز بعضها.

إن تعلم النظر إلى نفسك كشخص يستحق الحب يمكن أن يقوي علاقاتك. ولكن الانخراط في العلاقات، واكتشاف قدرتك على التعبير عن الحب، وتجربة حب الآخرين لك، أمور يمكنها أيضاً تعزيز تقديرك لذاتك، مما يعزز بدوره قدرتك على الحب.

لا تحوّل الحب إلى عملية متسلسلة تتألف من خطوتين فقط؛ فبذلك قد تكسر الإيقاع الطبيعي للحب وتلقيه، وهو إيقاع يشكل جزءاً جوهرياً من طبيعتنا البشرية.


«نوبل الكيمياء» لفرنسي وياباني أسهما في تطوير تصنيع الأدوية

ابتكارات العالمين أحدثت ثورة في تصنيع المستحضرات الصيدلانية والنكهات والعطور (رويترز)
ابتكارات العالمين أحدثت ثورة في تصنيع المستحضرات الصيدلانية والنكهات والعطور (رويترز)
TT

«نوبل الكيمياء» لفرنسي وياباني أسهما في تطوير تصنيع الأدوية

ابتكارات العالمين أحدثت ثورة في تصنيع المستحضرات الصيدلانية والنكهات والعطور (رويترز)
ابتكارات العالمين أحدثت ثورة في تصنيع المستحضرات الصيدلانية والنكهات والعطور (رويترز)

قد تُنتج بعض التفاعلات الكيميائية جزيئين يكون كلٌّ منهما صورة مرآتية للآخر، على الرغم من اختلافهما كيميائياً، وقد تختلف الصورتان في تأثيراتهما الحيوية وفي تفاعلهما مع جزيئات أخرى داخل الكائنات الحية. وقد أدرك الباحثون، على مدى عقود، إمكانية تصميم تفاعلات تؤدي، من الناحية النظرية، إلى تكوُّن إحدى هاتين الصورتين المرآتيتين فقط، إلا أن كيفية تحقيق ذلك عملياً ظلّت لغزاً لسنوات طويلة.

وقد مُنحت جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لكلٍّ من الفرنسي هنري ب. كاغان، والياباني كينسو سوايي لتقديمهما حلّاً لهذا اللغز؛ إذ تكتسب اكتشافاتهما أهمية بالغة للكيميائيين الذين يصمّمون تفاعلات تُستخدم في مجالات شتى، مثل تصنيع المستحضرات الصيدلانية والعطور ونكهات الطعام.

وكما أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، الأربعاء، فقد مُنحت جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لكلٍّ من هنري ب. كاغان، من جامعة باريس الجنوبية (باريس ساكلي) في فرنسا، وكينسو سوايي، من جامعة طوكيو للعلوم في اليابان، «لاكتشافهما التأثيرات غير الخطية والتحفيز الذاتي في التخليق العضوي غير المتماثل»، وهو ما أسهم في الكشف عن أسرار تكوين الجزيئات الكيميائية العضوية في الفراغ.

تصور فني يظهر كيف توجد الأحماض الأمينية في صورتين متماثلتين كصورة المرآة - يوهان يارنستاد (الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم)

ووفق بيان الجائزة، فإنه «يوجد جميع الأحماض الأمينية في صورتين متماثلتين كصورة المرآة، مثل اليدين، لكن واحدة فقط منهما تدخل في تركيب البروتينات الموجودة في خلاياك، فيما نادراً ما توجد الأخرى في الطبيعة. كما أن جسم الكائن الحي يتعامل مع كل صورة بطريقة مختلفة عن الأخرى». وتمكّن العالِمان الفائزان بنوبل الكيمياء لهذا العام من حل هذا اللغز، كما استطاعا تقديم تفسير علمي لسبب استخدام الحياة نسخة مرآتية واحدة فقط من تلك الجزيئات.

لغز حيّر الكيميائيين

وقد تفرض جزيئات الحياة تحديات صعبة على الكيميائيين. تخيّل أنك صانع أقفال ومفاتيح يُصنّع المفاتيح حسب الطلب؛ تكمن المشكلة في أنك عند إنتاجها ينتهي بك الأمر دائماً بنسختين متناظرتين كصورة المرآة، لكن واحدة فقط منهما هي التي تعمل، بل قد يتعرّض القفل للتلف إذا حاول العميل فتحه بالمفتاح الآخر. وللأسف، فإن التمييز بين هذين المفتاحين أمر بالغ الصعوبة، ما يضطر العميل في النهاية إلى تسلم كليهما. ولطالما شكّلت كيفية نشوء هذا النوع من عدم التماثل الكيميائي لغزاً حيّر الكيميائيين.

وقال هاينر لينكي، رئيس لجنة نوبل للكيمياء، في بيان الأربعاء: «لقد قدّم هنري كاغان وكينسو سوايي حلّاً للغز كيميائي يعود تاريخه إلى أكثر من قرن من الزمان، وهو: كيف يمكن أن تنشأ ظاهرة التماثل المرآتي الأحادي بشكل تلقائي؟ إن التفاعلات الكيميائية التي طوّراها مذهلة حقاً».

العالم الياباني الحاصل على جائزة نوبل كينسو سوايي (أ.ف.ب)

وتواجه الكيميائيين تحديات مماثلة عند تطوير عقاقير طبية جديدة؛ إذ توجد كثير من جزيئات الأدوية في صورتين متمايزتين، تشكّل كلٌّ منهما صورة مرآتية للأخرى، دون أن تكونا متطابقتين تماماً: فإحداهما تؤدي الغرض العلاجي، فيما قد تتسبّب الأخرى في آثار جانبية غير مرغوب فيها، وأحياناً ضارة.

الكيمياء الأساسية للحياة

ويعود السبب الكامن وراء ذلك إلى طبيعة الكيمياء الأساسية للحياة؛ فالحياة تتسم بما يسميه الكيميائيون «أحادية الكيرالية» (homochirality)، وهي تسمية مشتقة من كلمتين يونانيتين تعنيان «نفس» و«يد». وعلى غرار اليدين، توجد جميع الأحماض الأمينية في صورتين متماثلتين، كصورة ومرآتها، إلا أن واحدة فقط منهما هي التي تدخل في تركيب البروتينات داخل خلايا أجسامنا، فيما نادراً ما توجد الصورة الأخرى في الطبيعة. وينطبق الأمر ذاته على جزيئات السكر التي تُشكّل جزءاً من الحمض النووي (DNA) لدينا؛ فهذه الجزيئات لها صورتان متمايزتان، كصورة ومرآتها، لكن الحياة تستخدم إحدى هاتين الصورتين في بناء الحمض النووي.

ولطالما تساءل الكيميائيون عن كيفية نشوء هذا النوع من «التماثل»؛ فعندما كانوا يجرون تجارب على تفاعلات كيميائية قادرة على تكوين جزيئين متناظرين كصورة المرآة، كانوا يحصلون دائماً على نسب متساوية من كليهما في أنابيب الاختبار. لذلك سعى الكيميائيون جاهدين إلى إنتاج أحد هذين الشكلين المتناظرين فقط؛ لأن الجزيئات التي تتفاعل مع الكائنات الحية، مثل تلك المستخدمة في المستحضرات الصيدلانية، لا تؤدي الغرض المطلوب منها إلا إذا كانت في صورة مرآتية محددة دون الأخرى. وقد تجلّت أهمية تحقيق ذلك بوضوح إثر فضيحة عقار «الثاليدومايد» في أوائل الستينات، حين عانى آلاف الأطفال تشوّهات خلقية ناجمة عن تناول هذا العقار المهدّئ؛ إذ أدرك الباحثون، عند تحليلهم أسباب تلك المأساة، أن الضرر كان ناتجاً عن «الصورة المرآتية» للمادة الفعّالة في العقار.

أدوية «أنقى» وأكثر أماناً

هنري ب. كاغان الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 (أ.ب)

وتأتي جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لتكريم الاكتشافات التي مكّنت الكيميائيين من توجيه تلك التفاعلات الكيميائية والتحكّم فيها من أجل إنتاج أحد أشكال هذا التماثل فقط دون الآخر؛ إذ اكتشف هنري كاغان طريقة للتحكّم في التفاعلات الكيميائية من أجل إنتاج إحدى الصورتين المرآتيتين بنسبة تفوق الأخرى بكثير، وهو ما عُرف بالتأثير غير الخطي لكاغان، عندما اكتشف في عام 1986 أن وجود تفوّق بسيط جداً لإحدى الصورتين المرآتيتين للجزيء في بداية التفاعل يمكن أن يتضخّم بشكل كبير أثناء عملية التصنيع، لتسود تلك الصورة تماماً في النهاية. وقد أحدث اكتشافه ثورة في عمل الكيميائيين الذين يطوّرون تفاعلات لتصنيع كثير من المنتجات الكيميائية الجديدة في مجالات شتى.

كما صمّم كينسو سوايي، في عام 1995، أول تفاعل كيميائي يعتمد على التحفيز؛ إذ يعمل الجزيء الناتج محفّزاً لإنتاج جزيئات تطابقه تماماً، ما يمنح تفوّقاً مطلقاً لصورة مرآتية واحدة فقط. وقد أحدث هذا الاكتشاف ثورة هائلة في صناعة الأدوية والمنتجات الصيدلانية. ويُعدّ تفاعل سوايي واحداً من أكثر التجارب الكيميائية إبهاراً على الإطلاق، وفق وصف القائمين على جائزة نوبل في الكيمياء.

وبفضل أبحاثهما معاً، أصبح من الممكن توجيه التفاعلات لإنتاج أدوية «أنقى» وأكثر أماناً دون الحاجة إلى عمليات فصل معقّدة بعد التصنيع، وهو إنجاز لم يسبق لأحد تحقيقه، باستثناء ما يحدث داخل الكائنات الحية نفسها.

وقال الدكتور طارق قابيل، أستاذ التقنية الحيوية المتفرّغ بكلية العلوم في جامعة القاهرة: «ما أنجزه هذان العالمان يلامس الجوهر الفلسفي والعملي لظاهرة عُرفت بالتناظر المرآوي؛ إذ ينحاز الكون من حولنا، بشكل مذهل، إلى جهة واحدة؛ فالأحماض الأمينية التي تُبنى منها أجسادنا والسكريات التي تمدّنا بالحياة تختار وجهة واحدة فقط، اليسار أو اليمين دون غيرها».

منح جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2026 لكل من هنري كاغان وكينسو سوايي (رويترز)

وأوضح، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أنه «طوال عقود، كان الكيميائيون في مختبراتهم يشبهون صانع مفاتيح أعمى؛ فحين يحاولون تصنيع جزيء حيوي مفيد، يخرجون دائماً بخليط متساوٍ من صورتين مرآويتين، تماماً كمن يصنع قفازاً ليد يمنى وآخر ليد يسرى ويضعهما معاً بلا تمييز، وهو ما أدّى تاريخياً إلى مآسٍ طبية كبرى، حين يكون أحد الشكلين دواءً منقذاً والآخر سمّاً زعافاً».

وأضاف: «لقد جاء هنري كاغان، في عام 1986، ليضع حجر الأساس عبر ابتكار طرق غير مسبوقة للتحكّم في التفاعلات عبر محفّزات دقيقة، ممهّداً الطريق لكينسو سوايي، الذي حقّق المعجزة المختبرية عامَي 1995 و2003 بابتكار تفاعلات ذاتية التحفيز تُنتج صورة مرآوية نقية واحدة بنسبة 100 في المائة، تماماً كما تفعل الطبيعة وحدها دون شريك».

ووصف قابيل هذا الاكتشاف بأنه «ثورة مطلقة في صناعة الأدوية والمستحضرات الدوائية الحديثة»، مضيفاً: «بات اليوم بإمكان شركات الدواء هندسة جزيئات نقية خالية من الشوائب المرآوية المعاكسة، ما يرفع الكفاءة العلاجية إلى أقصى حد ممكن، ويقضي على الأعراض الجانبية السامة الناتجة عن تداخلات الصور غير المرغوب فيها».