أفلام إسرائيلية وفلسطينية ممنوعة والأسباب سياسية

تُعرض في المهرجانات ولا تجد سوقاً أميركية

«لا أرض أخرى» (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» (ياباياي ميديا)
TT

أفلام إسرائيلية وفلسطينية ممنوعة والأسباب سياسية

«لا أرض أخرى» (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» (ياباياي ميديا)

في ليلة افتتاح الدورة التاسعة والخمسين من مهرجان كارلوفي فاري في جمهورية تشيك، قبل يومين، تم منح «جائزة الرئاسة» إلى الممثلين فيكي كريبس، وبيتر سارغارد، وسط تصفيق الحاضرين وقوفاً. لكن بينما تحدّثت الممثلة اللوكسبورغية عن مشاعرها حيال هذا الاحتفاء، اختار الممثل الأميركي الحديث عن السياسة، داعياً إلى سينما تُنير العقول وتنفتح على ما يحدث حول العالم دعماً للتقارب وتحقيق السلام.

كلام جميل لم يقم المهرجان بتوفير نصّه على منصّته الرسمية، بعد ما أورد فيه الممثل ملاحظاته حول السياسة الأميركية الخارجية، التي قال عنها إنها «تشهد انسحابها من مسؤولياتها العالمية».

بيتر سارغارد في «كارلوفي فاري» (كارلوفي فاري)

دعا الممثل (رأيناه مؤخراً في «September 5») إلى فعل دولي جماعي لتوفير البيئة الصالحة للسلام العالمي، مشيراً: «بلادي منقسمة بدورها سياسياً ونوعياً وعنصرياً». وأضاف أن اليهود فيها منقسمون حول الحرب الدائرة بدورهم.

مواقف ومنصّات

كلمة الممثل هي دعوة دبلوماسية عامّة ترغب في تضمين كلماتها الدعوة إلى لقاء جديد بين فرقاء النزاعات الدولية، يتحمّل فيها كل منهم مسؤولية كاملة لنشر السلام والمحبة، وختم قوله باستعارة عبارة وردت على لسان الرئيس السابق للجمهورية التشيكية فاسلاف هافل، حول السعي لاتفاق الفرقاء أينما كانوا: «الغرفة لا تستطيع البقاء دافئة إذا كان نصفها الآخر بارداً».

ينضم سكارسغارد لعدد من الممثلين والمخرجين، الذين منذ سنوات غير بعيدة يوظّفون وقوفهم على المنصة، سواء لقبول تكريم أو جائزة، للجهر بآراء سياسية بنّاءة قدر الإمكان. المخرج البريطاني كن لوتش تحدّث عن حاجة أوروبا لمعالجة مشكلات الفقر ومسائل التأمين الصحي والاجتماعي، في كل مرّة وقف فيها على منصّات برلين والبافتا ومهرجان «كان». هذا الأخير بعد فوزه بالسعفة الذهبية عن واحد من أهم أفلامه «I‪, Danel Blake» صعد إلى المنصّة وألقى كلمة استغرقت 10 دقائق عن رسالة الفيلم لمشاهديه.

في العام ما قبل الماضي، حين فاز «منطقة الاهتمام» (Zone of Interest) بجائزة برلين لعام 2023، ثم بالأوسكار في العام ذاته، وقف المخرج جوناثان غلايزر وأعلن موقفه المعادي لما تقوم به إسرائيل في غزّة. وفي العام الماضي، ندّد المخرج الإسرائيلي يوفال إبراهام، من على منصّة الأوسكار حين فاز هو والفلسطيني حمدان بلال (واثنان آخران) بأوسكار أفضل فيلم تسجيلي، بالممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين لسنوات قبل الحرب الحالية في قطاع غزّة. في حين انتزع «منطقة الاهتمام» عروضاً محدودة في الولايات المتحدة، بعد جهود مضنية، ما زال «لا أرض أُخرى» محصوراً في عرضين صغيرين في نيويورك ولوس أنجليس.

مشهد من «منطقة الاهتمام» (آي إم دي بي)

نقد فرنسي - فلسطيني

وفي هذا العام، انتقدت رئيسة لجنة التحكيم في مهرجان «كان»، جولييت بينوش، في أول ظهور رسمي لها على المنصّة، الحرب على غزة، داعية إلى سلام عادل وإيقاف الأعمال العدائية.

ما يوحي به كل هذا هو تحوّل المهرجانات والمناسبات السينمائية السنوية إلى فرصة لإطلاق المواقف السياسية التي يصبّ معظمها في الحاجة إلى السلام العادل، وانتقاد الحكومة الإسرائيلية واعتداءاتها على الآمنين.

المخرجان الفلسطينيان عرب وطرزان ناصر فازا في «كان» هذا العام أيضاً بجائزة أفضل إخراج في مسابقة «نظرة ما» عن فيلميهما «ذات مرّة في غزة»، ولم يوفّرا نقدهما لما يحدث في الأراضي الفلسطينية عندما اعتليا المنصّة لتقديم الفيلم.

إنه كما لو كانت المهرجانات، التي عادة ما تفضّل ألا تتحوّل مناسباتها إلى جدالات سياسية، هي الوحيدة التي لا تتيح إلقاء الخطب السياسية فقط، بل الفوز بأفلام ضد الخط السياسي الرسمي للدول الغربية على الأخصّ. أما بالنسبة لعرض الفيلم في المدن الأميركية، فكان في المهرجانات فقط، فشهد عروضاً في مهرجانات بالم سبرينغز ودنفر وشيكاغو وفيلادلفيا وهاواي ونحو 10 مهرجانات أخرى سواها.

نوع من الحصار

ما هو مُلاحظ أن معظم الأفلام التي تفوز بجوائز في المهرجانات الدولية، والتي تتحدّث عما يقع حولنا، في فلسطين وسواها، لا تلقى ما تستحقه من رواج في العروض الأميركية. هذا إذا ما سنحت لها فرصة إيجاد شركات راغبة في توزيعها.

إنه كما لو كان الأمر هو السماح بمن يريد الإفصاح عما يفكّر به في المناسبات العالمية، خصوصاً الأوروبية، لكن حين يصل الأمر إلى عرض الأفلام ذاتها في الولايات المتحدة فإن الأمر يختلف. بالكاد يجد الفيلم موزّعاً يجرؤ على توقيع عقد توزيع مع منتجي العمل. غالباً سيجد الأبواب موصدة كحال «لا أرض أخرى»، علماً بأنه إسرائيلي الإنتاج.

«لا أرض أخرى» (آي إم دي بي)

عروض المهرجانات مهمّة. هناك جمهور لها، لكن العروض التجارية هي الأهم، لأنها تمثّل الرأي العام وعدم تمتعها بالعروض التجارية هو نوع من حصار مفروض، ينتزع من الفيلم موقفه لحجمه ومنع إبداء وجهة نظره.

ما يحدث هو أن الاستديوهات الكبيرة لا تشتري حقوق هذه الأفلام مطلقاً، كونها مملوكة، في معظمها، لسياسات مؤيدة للجانب الإسرائيلي، والشركات الصغيرة لا تستطيع ضمان الرواج، وتفضل ألا تغمس قدميها في مواضيع ساخنة، تنتج عنها خسارة مادية أو مواجهات مع أي لوبي سياسي. لذا تفضل أن تلعبها آمنة.

لا لـ«نعم»

لا يتوقّف هذا النوع من التعامل على أفلام تعبّر عما يحدث في غزّة أو في أي موضع فلسطيني آخر فقط، بل يتعدّى الأمر إلى أي فيلم لا ينقل ما يعبّر عن وجهة النظر الإسرائيلية الرسمية. في واقع الأمر «لا أرض أُخرى» هو فيلم إسرائيلي، لكنه منافٍ لسياساتها، كذلك الحال في فيلم إسرائيلي عُرض في مهرجان «كان»، في قسم «نصف شهر المخرجين»، عنوانه «نعم» (Yes)، يتولّى وصف الطاقم الحاكم ومحيطه بالسيطرة على عواطف وآراء الغالبية، التي لا تستطيع إلا الموافقة (في الغالبية) على قرارات السُلطات.

ملصق فيلم «نعم»

حين حاول مخرجه ناداف لابيد والشركة المنتجة (AMP) النفاذ به إلى السوق الأميركية بعد افتتاحه في «كان»، حيث يعرضه مهرجان كارلوفي فاري هذا الأسبوع، وجد الصدّ ذاته الذي لاقاه «منطقة الاهتمام» و«لا أرض أُخرى» من قبل. وللغرابة، رفضت 3 مهرجانات أميركية شمالية، هي «نيويورك فيلم فستيفال» وتيليورايد وتورنتو، عرضه.

حالياً يواجه المنتِج الفلسطيني رشيد مشهراوي صعوبة في إيجاد صالة أميركية لعرض فيلمه «من المسافة صفر»، علماً بأن الفيلم المكوّن من 22 فيلماً قصيراً لـ20 مخرجاً، لا يتلو موقفاً سياسياً ولا ينتقد خطاباً إسرائيلياً، ما ألّب عليه عدداً من النقاد في أميركا وأوروبا، بل يعمد لمجرد تصوير الوضع المعاش في غزة قبيل نهاية العام الماضي، عندما كانت الأحوال ما زالت نسبياً مقبولة.

حرية تعبير ولكن...

اللافت أن الأفلام الأميركية التي تنتقد السياسة الأميركية الداخلية منها أو الخارجية لا تواجه الوضع نفسه.

أي فيلم آخر ينتقد الولايات المتحدة، بعيداً عن الموضوع الفلسطيني - الإسرائيلي، مسموح به، خصوصاً إذا كان إنتاجاً أميركياً. العديد من الأفلام الأميركية دارت حول رؤساء جمهورياتها نقداً، وأكثر منها تمحورت حول موضوع الفساد بين رجال الأمن، وصولاً إلى «سي آي إيه» و«إف بي آي»، وأي ركن آخر في الهرم الحكومي. ولا يوجد إحصاء كامل للأفلام التي عرضت أو ناوأت التمييز العنصري في الولايات المتحدة. إلى جانب الأفلام التي فتحت الأعين على المخاطر البيئية أو حذّرت من كوارثها، وتبنّت موقف المندد بقصر نظر المسؤولين حيالها.

لكن ليس من بين أي من هذه الأفلام ما لم يعرض في صالات السينما أو في محطات التلفزيون أو في المنصّات المنزلية المختلفة.

حيال ذلك، ليس عجيباً أن يغيب الممثلون والمخرجون، في غالبيّتهم، عن إبداء الرأي في هذا الصراع الدائر في فلسطين. إذا أيّدوا وجهة النظر الإسرائيلية فسيتعرضون لهجوم كبير من قبل الرأي العام، وإذا رفضوها وأبدوا موقفاً مؤيداً لضحايا غزّة ثارت عليهم المؤسسات.

في الواقع، أنه في الحالتين تلعب شركات الإنتاج الدور الأول في هذا الفيلم القريب من الكوميديا؛ هي لا تشجع على إبداء رأي مناوئ للغزاويين خوفاً من خسارة الممثل لحجم نجوميّته، وبالتالي إيرادات فيلمه المقبل، لكنها بالتأكيد لا تريد للسينمائيين خوض الموضوع نفسه من وجهة نظر تعارض ما يقع. يمكن لهم، كما فعل مارك روفالو وتيلدا سوينتن والمخرج مايك لي والعشرات سواهم، توقيع احتجاجات في بيانات شجب، لكن لا تأثير دامغاً لهذا، كما لو أن أحدهم وقف موقفاً منفرداً وحادّاً، كما فعلت الممثلة سوزان ساراندون، التي أدّى بها الأمر إلى عدم الرغبة في التعاون معها، كما صرّحت في مقابلة لها في «الديلي تلغراف» اللندنية قبل 3 أشهر.


مقالات ذات صلة

سوسن قاعود: النجاة من الحرب ليست نهاية القصة

يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)

سوسن قاعود: النجاة من الحرب ليست نهاية القصة

يرصد فيلم «غزة غراد» تجربة الناجين من الحرب بعد مغادرتهم غزة، كاشفاً التحولات النفسية والإنسانية العميقة التي يعيشونها بين الفقد، وبناء حياة جديدة في المنفى.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق بول توماس أندرسون حاملا جوائزه (أ.ف.ب)

6 أوسكارات لـ«معركة بعد أخرى»

لم تكن هناك مفاجآت كبيرة ليلة الأحد عندما أُعلن عن الفائزين بجوائز «الأوسكار» في الحفل الـ98، فمعظم الأفلام التي كان متوقعاً فوزها في وسائل التواصل والصحف فازت

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق صوَّرت المخرجة الإسبانية فيلمها في لبنان (الشركة المنتجة)

إرينه بارتولوميه: انفجار مرفأ بيروت دفعني لصناعة «حلم صيف آخر»

قالت المخرجة الإسبانية إرينه بارتولوميه إن فيلمها «حلم صيف آخر» جاء نتيجة تجربة شخصية عميقة عاشتها أثناء إقامتها في بيروت، متحدثة عن علاقتها بالمدينة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المخرج والمنتج السينمائي الأميركي رايان كوغلر (أ.ف.ب)

«معركة بعد أخرى» يحصد ستة أوسكارات

معظم الأفلام التي كان متوقعاً فوزها في وسائل التواصل والصحف فازت بالفعل، وكذلك معظم المرشحين من المخرجين والممثلين وأبناء المهن المختلفة.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق الملصفق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

بيتر يان دي بوي: «ماريينكا» يعالج تأثير حرب أوكرانيا في مصائر الناس

أراد المخرج البلجيكي بيتر يان دي بوي أن يروي الحرب من خلال حياة الناس لا عبر الأخبار العسكرية أو السياسية.

أحمد عدلي (القاهرة )

فتحي عبد الوهاب: دوري «الشيطاني» في «المداح» كان تحدياً كبيراً

فتحي عبد الوهاب (حسابه على فيسبوك)
فتحي عبد الوهاب (حسابه على فيسبوك)
TT

فتحي عبد الوهاب: دوري «الشيطاني» في «المداح» كان تحدياً كبيراً

فتحي عبد الوهاب (حسابه على فيسبوك)
فتحي عبد الوهاب (حسابه على فيسبوك)

قال الفنان المصري فتحي عبد الوهاب إن ردود الفعل التي تلقاها حول شخصية «سميح» في مسلسل «المداح 6» كانت لافتة بالنسبة له، خصوصاً أن بعض المشاهدين بدأوا يتعاملون مع الشخصية بدرجة من التعاطف أو الإعجاب، رغم أنها في الأساس تجسِّد جانباً شيطانياً داخل الأحداث.

وأكد أنه طرح على نفسه هذا السؤال أثناء العمل، الذي شكّل بالنسبة له تحدياً كبيراً، محاولاً فهم السبب الذي قد يجعل الجمهور ينجذب إلى شخصية تحمل هذا القدر من الشر.

وأضاف، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن أحد التفسيرات التي خطرت له يتعلق بطبيعة الإنسان نفسه؛ فالأشياء الممنوعة أو الخطرة غالباً ما تثير الفضول وتجذب الانتباه، تماماً مثل الأطعمة التي يُنصح بالابتعاد عنها في الحمية الغذائية، لكنها تظل مغرية لكثيرين.

وأشار إلى أن الشخصية تحمل أيضاً قدراً من اللطف والقدرة على التواصل، ما يجعل من يتعامل معها يشعر بأنها قريبة منه أو تفهمه، وهو ما قد يفسِّر جزءاً من تفاعل الجمهور معها.

فتحي عبد الوهاب قدم دوراً لافتاً في مسلسل «المداح» (صفحته على فيسبوك)

وأوضح عبد الوهاب أن «شكل الشخصية تغيّر عبر أجزاء العمل المختلفة؛ ففي بعض المراحل كانت أكثر قسوة وإثارة للخوف، في حين جاء الجزء السادس ليمنحها مساحة مختلفة، تظهر فيها جوانب أكثر هدوءاً وقرباً من البشر».

وأضاف أن هذا التوجّه ناقشه مبكراً مع مخرج العمل أحمد سمير فرج، مع التأكيد على ضرورة تطوير الشخصية درامياً، وعدم الاكتفاء بإعادتها بالشكل نفسه.

وأشار إلى أن التطوير لم يقتصر على الخط الدرامي فقط، بل شمل أيضاً طريقة تقديم الشخصية والأدوات التي يعتمد عليها في أدائها؛ لأن الهدف كان إظهارها بأبعاد متعددة؛ ولهذا ظهرت داخل الأحداث في صور مختلفة، تجعلها تبدو قادرة على التواصل مع الآخرين بسهولة.

ورأى أن تقديم الشخصية بهذا الشكل كان مهماً بالنسبة له بوصفه ممثلاً؛ لأن الإغواء أو التأثير لا يمكن أن يقوم على القسوة الدائمة أو الشكل المنفّر؛ فالشخص الذي يدفع الآخرين إلى السير خلفه لا بد أن يبدو ودوداً أو مقنعاً بدرجة ما، وإلا فلن ينجح في جذبهم. لذلك، كان من الضروري أن تحمل الشخصية قدراً من الهدوء والدبلوماسية، حتى وهي تمارس دورها الشرير داخل القصة.

حماده هلال وفتحي عبد الوهاب على الملصق الترويجي للمسلسل (الشركة المنتجة)

وعن أحداث المسلسل، قال: «في الأساس تنتمي إلى إطار خيالي يتعامل مع الأساطير والماورائيات، ومع ذلك فإن هذه العوالم الخيالية يمكن أن تتقاطع مع الواقع وأدواته الحديثة؛ لأن كل عصر يمتلك وسائله الخاصة التي يمكن أن يستخدمها حتى في القصص الأسطورية».

وأشار، في هذا السياق، إلى أحد المشاهد التي ظهرت فيها شخصية «سميح» وهي تتفاعل مع «تشات جي بي تي»، موضحاً أن الفكرة جاءت من المخرج أحمد سمير فرج قبل تصوير المشهد بوقت قصير، وبدت له مناسبة لفكرة أن الشخصية تستخدم أدوات العصر الذي تعيش فيه، تماماً كما كان يمكن أن تلجأ إلى وسائل مختلفة لو كانت الأحداث تدور في زمن آخر.

وتطرق عبد الوهاب إلى مسألة الشكل البصري للشخصية، خصوصاً ظهورها المتكرر بملابس داكنة، مؤكداً أن «اختيار الأزياء في الأعمال الدرامية لا يعتمد على قرار فردي من الممثل، بل يأتي نتيجة تنسيق بين أكثر من عنصر في فريق العمل، مثل مدير التصوير ومصمم الديكور والمخرج. واختيار اللون الأسود لم يكن عابراً، بل جزءاً من رؤية بصرية متكاملة تخدم الجو العام للشخصية والأحداث».

فتحي عبد الوهاب بمكياج الشخصية (حسابه على فيسبوك)

وتحدث عبد الوهاب كذلك عن بعض الأفكار التي ظهرت خلال مرحلة التحضير للعمل، ومنها الخط المرتبط بالأطفال داخل الأحداث، مؤكداً أن الفكرة كانت مطروحة منذ البداية ضمن تصور عام للحكاية؛ إذ كان الحديث يدور حول أطفال يمتلكون قدرات خاصة ويشكلون جزءاً مهماً من تطور القصة.

وأضاف أنه، خلال النقاشات، اقترح أن تكون هناك حضانة تجمع هؤلاء الأطفال، وهو ما فتح الباب لتطوير هذا الخط داخل المسلسل.

وأشار إلى أنه لا يفضّل التوقف طويلاً عند أي تجربة ناجحة، بل يحرص على التفكير في العمل التالي مباشرة؛ لأن البقاء أسيراً لدور واحد قد يحد من قدرة الممثل على التطور، لافتاً إلى أنه يشعر بأن تنوع الشخصيات التي يقدمها يمنحه مساحة أوسع للتجريب واكتشاف جوانب جديدة في أدائه.

وأكد فتحي عبد الوهاب أنه يقرأ حالياً أكثر من مشروع جديد، من بينها عملان لم يحسم قراره بشأن أيهما سيبدأ به أولاً، إضافة إلى تجربة سينمائية يجري التحضير لها.


رواية القصص طريقة فعالة لتعزيز الذاكرة

السرد القصصي يُعزِّز قدرة الدماغ على التذكر (جامعة ميسيسيبي)
السرد القصصي يُعزِّز قدرة الدماغ على التذكر (جامعة ميسيسيبي)
TT

رواية القصص طريقة فعالة لتعزيز الذاكرة

السرد القصصي يُعزِّز قدرة الدماغ على التذكر (جامعة ميسيسيبي)
السرد القصصي يُعزِّز قدرة الدماغ على التذكر (جامعة ميسيسيبي)

كشفت دراسة أميركية أن دمج المعلومات في قالب قصصي قد يكون وسيلة فعّالة لتعزيز الذاكرة، بل قد يضاهي أو يتفوق على أشهر تقنيات الحفظ المعروفة.

وأوضح باحثون في جامعة ميسيسيبي أن سرد القصص قد يرتبط بتطور الذاكرة لدى الإنسان عبر التاريخ، من العصور القديمة حتى العصر الرقمي الحديث. ونُشرت نتائج الدراسة، الاثنين، في دورية «Evolutionary Psychology».

ويُعد تعزيز الذاكرة والتعلّم هدفاً أساسياً في حياة الأفراد، إذ يعتمد على أساليب تساعد الدماغ على تنظيم المعلومات وفهمها بعمق، بدلاً من حفظها بشكل سطحي، مثل ربط الأفكار بسياق واضح، واستخدام الصور الذهنية، والتكرار المدروس، والتعلّم النشط الذي يشمل الشرح والتطبيق. ويسهم ذلك في تثبيت المعلومات لفترات أطول وتحسين القدرة على استرجاعها عند الحاجة. كما أن تنويع أساليب التعلّم والاعتماد على الفهم بدلاً من التلقين يعززان كفاءة الدماغ، ويجعلان عملية التعلّم أكثر سهولة وفاعلية في الحياة اليومية.

وهدفت الدراسة إلى مقارنة تأثير رواية القصص بأساليب الحفظ التقليدية في تعزيز الذاكرة. وخلالها، طُلب من المشاركين تحويل مجموعة من الكلمات غير المرتبطة إلى قصة مترابطة، بينما استخدم آخرون تقنيات مختلفة، مثل تقييم الكلمات من حيث إيجابيتها أو تخيّل ارتباطها بمواقف معينة.

وأظهرت النتائج أن المشاركين الذين استخدموا أسلوب السرد القصصي تمكنوا من تذكّر عدد أكبر من الكلمات، مقارنة بمن استخدموا طرقاً أخرى، مثل تقييم الكلمات من حيث مدى لطافتها أو إيجابيتها.

كما حققوا نتائج مماثلة، أو أفضل، من تقنية تُعرف بـ«المعالجة المرتبطة بالبقاء»، التي تُعد من أقوى أساليب تحسين الذاكرة، وتعتمد على ربط المعلومات بمواقف افتراضية تتعلق بالبقاء في ظروف صعبة.

وأشارت الدراسة إلى أن كتابة القصص تحديداً تعزز الذاكرة بشكل أكبر، إذ تساعد على ترسيخ المعلومات بعمق، مقارنة بالاكتفاء بتخيّلها، ما يعكس أهمية التفاعل النشط مع المعلومات.

ورغم أنه كان يُتوقع أن يحقق الجمع بين السرد القصصي وتقنية «المعالجة المرتبطة بالبقاء» نتائج أفضل، فإن الدراسة لم ترصد تحسناً ملحوظاً، وهو ما يفسّره الباحثون بأن الطريقتين تعتمدان على الآليات المعرفية نفسها داخل الدماغ.

ويرى الباحثون أن كلتا الطريقتين تعتمد على ما يُعرف بـ«المعالجة الترابطية»، حيث يربط العقل بين المعلومات المختلفة، و«المعالجة الخاصة بالعناصر»، التي تركز على تمييز كل معلومة على حدة.

وأشار الفريق إلى أن هذه النتائج تدعم ما يلاحظه المعلمون داخل الفصول الدراسية، إذ يسهم استخدام القصص في جعل المعلومات أكثر جذباً وأسهل في التذكّر.

وأضافوا أن الإنسان اعتمد على القصص لنقل المعرفة قبل ظهور الكتابة، ما يشير إلى أن الدماغ البشري قد يكون تطوّر ليحتفظ بالمعلومات بشكل أفضل عندما تُعرض في قالب قصصي منظّم.

وأكد الباحثون أن فهم آليات الذاكرة يمكن أن يسهم في تطوير أساليب التعليم، وتحسين قدرة الأفراد على تذكّر المعلومات في حياتهم اليومية.


سوسن قاعود: النجاة من الحرب ليست نهاية القصة

عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)
TT

سوسن قاعود: النجاة من الحرب ليست نهاية القصة

عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الفلسطينية سوسن قاعود إن فيلمها الوثائقي «غزة غراد» جاء من رغبة في الاقتراب من التجربة الإنسانية للناجين من الحرب، موضحةً أن السؤال الذي شغلها منذ البداية لم يكن فقط كيف يهرب الناس من القصف، بل ماذا يحدث لهم بعد ذلك، حين يجدون أنفسهم فجأة في مكان آخر بعيد تماماً عن حياتهم السابقة.

وأضافت، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن «كثيراً من القصص التي تُروى عن الحروب تُركِّز على لحظات الدمار، أو الهروب، في حين أن ما يحدث بعد النجاة يظل أقل حضوراً في السرد، رغم أنه يحمل في داخله طبقات عميقة من المشاعر، والتجارب المعقدة التي تستحق أن تُروى».

المخرجة الفلسطينية سوسن قاعود (مهرجان سالونيك)

وأوضحت سوسن أن «الفيلم يحاول الاقتراب من تلك المساحة الصامتة التي يعيشها الإنسان بعد أن يبتعد جسدياً عن الحرب، لكنه يظل يحملها داخله»، لافتة إلى أن فكرة العمل بدأت من تأملها في مصير العائلات التي تضطر إلى مغادرة غزة تحت ضغط القصف، ثم تجد نفسها فجأة في بيئة جديدة لا تشبه شيئاً من عالمها الأول.

وأكدت أن هذا التحول المفاجئ يخلق حالة مركبة من المشاعر، حيث يمتزج الإحساس بالنجاة مع شعور عميق بالخسارة، لأن الإنسان يكتشف أنه لم يفقد بيتاً فقط، بل فقد أيضاً شبكة كاملة من العلاقات، والذكريات، والتفاصيل اليومية التي صنعت معنى حياته. وعدّت العائلة التي تطرقت إليها في الفيلم نموذجاً لتجربة يعيشها كثير من الفلسطينيين في السنوات الأخيرة.

ويرصد الفيلم الوثائقي «غزة غراد»، الذي عُرض للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية»، رحلة الفلسطيني غسان، الذي يضطر إلى الفرار من القصف الإسرائيلي على غزة برفقة زوجته الروسية آنا وابنتيهما، ليبدأوا حياة جديدة في روسيا. وهناك يجد غسان نفسه أمام تحدي إعادة بناء حياته من الصفر في بلد يختلف تماماً عن المكان الذي نشأ فيه، بينما تحاول الأسرة كلها التأقلم مع واقع جديد.

ومع مرور الوقت يتحول المنفى، الذي بدا في البداية ملاذاً آمناً، إلى مساحة معقدة من المشاعر المتناقضة، حيث تتصارع الرغبة في الاستقرار مع الحنين المستمر إلى البيت الذي تركوه خلفهم. فالحياة التي تركوها في غزة لم تكن مجرد مكان للسكن، بل كانت منظومة كاملة من العلاقات، والذكريات، والعادات اليومية التي صنعت معنى وجودهم لسنوات طويلة.

وثقت المخرجة جوانب مختلفة من حياة العائلة بعد الرحيل من غزة (الشركة المنتجة)

وأكدت المخرجة الفلسطينية أن «الفيلم لا يحاول تقديم قصة بطولية أو استثنائية، بقدر ما يسعى إلى إظهار الحياة اليومية كما هي، بكل ما تحمله من لحظات هدوء، وارتباك، وحنين. وأكثر ما كان يهمني أثناء التصوير هو التقاط اللحظات الصغيرة التي تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تكشف في الحقيقة عن عمق التحولات التي يعيشها الإنسان عندما يجد نفسه في مكان جديد تماماً». كما أشارت إلى أن التصوير بين غزة وروسيا ومصر جرى بترتيب وتنسيق مع العائلة، وإن كانت الصعوبة الأكبر في تصوير الجزء داخل غزة، خصوصاً بعد «طوفان الأقصى» مباشرة.

وتحدثت عن أهمية التفاصيل في بناء الفيلم، مشيرةً إلى أن تلك التفاصيل البسيطة، مثل صمت العائلة داخل البيت الجديد، أو محاولة الأطفال التأقلم مع بيئة مختلفة، تحمل في داخلها كثيراً من المعاني التي لا يمكن التعبير عنها بالكلمات المباشرة. ولفتت إلى أنها حاولت أن تكون الكاميرا قريبة من الشخصيات دون أن تتدخل في حياتها، حتى تظهر المشاعر بشكل طبيعي وصادق، بعيداً عن أي مبالغة، أو افتعال.

الفيلم تناول قصص ما بعد الحرب على غزة (الشركة المنتجة)

وقالت إن «تجربة المنفى التي يعرضها الفيلم ليست مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل هي تجربة نفسية وإنسانية عميقة، لأن الإنسان عندما يترك بلده تحت ضغط الحرب يترك خلفه أيضاً جزءاً من هويته، وذاكرته». موضحةً أن هذا الشعور يصبح أكثر تعقيداً عندما يبدأ الشخص في بناء حياة جديدة في مكان مختلف، إذ يجد نفسه دائماً معلقاً بين عالمين: العالم الذي جاء منه، والعالم الذي يحاول أن يعيش فيه الآن.

وتحدثت كذلك عن الأمل بوصفه عنصراً أساسياً في الفيلم، موضحةً أن «هذا الأمل لا يظهر في صورة كبيرة، أو خطاب مباشر، بقدر ما يتجلى في قدرة الشخصيات على الاستمرار في حياتها رغم كل شيء. فالإنسان يمتلك قدرة مدهشة على التكيف، حتى في أصعب الظروف، وهذه القدرة هي ما تمنح الحياة معناها في النهاية».

وأوضحت أن تصوير الفيلم تطلّب قدراً كبيراً من الصبر، والاقتراب الإنساني من الشخصيات، لأن الهدف لم يكن مجرد تسجيل أحداث، بل فهم التجربة التي يعيشونها من الداخل. ولفتت إلى أن العلاقة التي نشأت بينها وبين العائلة خلال التصوير ساعدت على خلق مساحة من الثقة، وهو ما انعكس في صدق اللحظات التي تظهر على الشاشة.