«الشرق الأوسط» في كواليس حفل افتتاح كأس آسيا

ورودٌ تنبت في الصحراء وحيوانات «كليلة ودمنة» تسرق الأضواء

إحدى شخصيات عرض «الفصل المفقود من كليلة ودمنة» أمام استاد لوسيل في الدوحة (الشرق الأوسط)
إحدى شخصيات عرض «الفصل المفقود من كليلة ودمنة» أمام استاد لوسيل في الدوحة (الشرق الأوسط)
TT

«الشرق الأوسط» في كواليس حفل افتتاح كأس آسيا

إحدى شخصيات عرض «الفصل المفقود من كليلة ودمنة» أمام استاد لوسيل في الدوحة (الشرق الأوسط)
إحدى شخصيات عرض «الفصل المفقود من كليلة ودمنة» أمام استاد لوسيل في الدوحة (الشرق الأوسط)

ينسى الجالس في وسط مدرّجات «استاد لوسيل» لـ25 دقيقة، أنه متواجدٌ في ملعبٍ لكرة القدم. يغيب العشب الأخضر وتتوارى شِباك المرمى وتصمت صفّارات الحُكّام، لتتقدّمَ المشهدَ صحراء نبتت في رمالها واحة من الورود، وأضاءت سماءها نجوم الأمل ودوت فيها مفرقعاتُ الترحيب بضيوف كأس آسيا لكرة القدم، التي تنظّمها دولة قطر بنسختها الـ18.

أضاءت مدرّجات الملعب أنوارا على هيئة نجوم واشتعلت سماؤه بالمفرقعات (استديوهات كتارا)

لحفل الافتتاح الذي يمتدّ نصف ساعة ويقف خلف تنفيذه 1600 شخص، أرادت الجهة المُنتجة «استوديوهات كتارا» رسائلَ إنسانية هادفة، تمتدّ من أدنى الشرق إلى أقصاه. وللغاية، فقد نهل فريق العمل من كتابٍ يضرب عميقاً في التراث الأدبيّ والفلسفيّ الآسيويّ عموماً والعربيّ خصوصاً؛ «كليلة ودمنة».

استند العرض الافتتاحي لكأس آسيا إلى كتاب «كليلة ودمنة» لكونه انعكاساً للثقافات الآسيوية جميعاً (استديوهات كتارا)

«الفصل المفقود من كليلة ودمنة»

العرضُ الموسيقيّ والبَصريّ الضخم هو امتدادٌ للحكاية، ويحمل عنوان «الفصل المفقود من كليلة ودِمنة». بحكمته المنبثقة من الهند والعابرة إلى الفُرس ثم إلى العرب والعالم من خلال الترجمات، يدور لبُّ الرسالة حول مفاهيم إنسانية كاحترام الآخر وتقبّل اختلافاته الثقافية والاحتفاء بها.

قبل الدخول إلى أرض الملعب الذي استحالَ مسرحاً ضخماً، تتحضّر الشخصيات في الكواليس. ليست مهمةً سهلة أن يعتمر 24 ممثلاً رؤوس حيوانات صُنعت خصيصاً في جنوب أفريقيا من أجل هذا العرض، وذلك على أيدي 14 حِرَفياً. كلٌ من أبطال أسطورة «كليلة ودمنة» يمثّل دولةً آسيويّة من الدول المُشارِكة، وقد تطلّبَ الأمر أبحاثاً لمعرفة الحيوانات التي ترمز إلى تلك البلاد.

صُنعت رؤوس الحيوانات وأزياؤها خصيصاً لعرض «الفصل المفقود من كليلة ودمنة» (الشرق الأوسط)

هنا أسدٌ يمازح زميله الدبّ، وهناك طاووسٌ أزرق يتباهى بجناحَيه الملوّنين، أما تنّين كومودو الإندونيسي فيأخذ قسطاً من الراحة جلوساً لأن الزيّ ثقيل. صُنعت رؤوس الحيوانات وأزياؤها بحِرَفيّة ودقّة عاليتَين، وقد استغرق تحضيرها 4 أشهر على ما يخبر أحد أعضاء الفريق «الشرق الأوسط». أما الممثلون الذين يرتدونها فآتون من مختلف أنحاء العالم؛ بعضهم من روسيا، وصربيا، وكوريا الجنوبية، فيما قدم آخرون من عدد من الدول العربية.

استراحة حيوانات «كليلة ودمنة» قبل انطلاق الحفل الافتتاحي لكأس آسيا (الشرق الأوسط)

ذكاء بشريّ مائة في المائة

على كثبان الرمل التي تفترش أرض الملعب وبين آلاف أوراق الورد المتناثرة فوقها، تقف الشخصيات مستعدّةً لانطلاق صفّارة العرض. العدّ العكسيّ من 10 إلى 1 يُتلى باللغة العربيّة، ليصدح بعد ذلك صوت عبير نعمة بشخصية «ثانون». عن هذه الإطلالة التي مزجت فيها الغناء والأداء التمثيلي، تقول الفنانة اللبنانية لـ«الشرق الأوسط» إنها مدعاة فخر بالنسبة إليها. «لهذه المشاركة قيمة إنسانية كبيرة خصوصاً في هذه الفترة الأليمة التي تمرّ بها منطقتنا»، تضيف نعمة التي رأت في العمل رسالة عدالة وصداقة وإنسانية، في وقتٍ العالم هو أحوَج ما يكون إلى صداها الإيجابي.

الفنانة عبير نعمة مع المؤلف الموسيقي للعمل إيهاب عبد الواحد والموزع نادر حمدي (إدارة أعمال الفنانة)

صحيحٌ أن التكنولوجيا لعبت دوراً كبيراً في العرض الافتتاحيّ، إلا أنّ القيّمين عليه يؤكّدون أن الذكاء البشريّ وحده تولّى التفاصيل من ألفها إلى يائها، من دون الاستعانة بالذكاء الاصطناعي. للأزياء مصمّموها الذين أعدّوا تصاميم سينمائيّة تذكّر بأفلام الفنتازيا، ومعظمها مستوحى من الثقافات الآسيوية القديمة. وللديكور مهندسوه الذين لم يكتفوا بكثبان الرمل وواحة الورد، بل رفعوا 5 مرايا ضخمة وسط الملعب، بشكلٍ يحاكي خشبات المسارح العالمية، هذا إلى جانب المؤثرات البصريّة والضوئيّة الخاصة.

اعتمد فريق العمل تصاميم سينمائية تذكّر بأفلام الفنتازيا (الشرق الأوسط)

في هذا الإطار، يوضح المنتج المنفّذ للعمل محمود حماقي أن مستوى العرض لا يقلّ شأناً عن حفلات افتتاح الألعاب الأولمبية. ويلفت حماقي إلى أنّ التحضير بدأ منذ سنة تحديداً، أي فور الانتهاء من فعاليات كأس العالم 2022؛ «لم نُرِد عرضاً اعتيادياً ولا تقليدياً، بل كان الهدف إحياء تراث رمزيّ مع الحفاظ على عنصر الإبهار».

كثبان الرمل وواحة الورد في وسط ملعب لوسيل في الدوحة (الشرق الأوسط)

من الملعب إلى المسرح

يمزج النص ما بين الشعر والفلسفة، وهو يستقي من روح «كليلة ودمنة» ليضفي عليها لمسةً إنسانية هادفة وعميقة. تقوم الرؤية وفكرة السيناريو التي وضعها الرئيس التنفيذي لاستوديوهات كتارا أحمد الباكر، على ابتداع فصل جديد من الكتاب الأصليّ، يشجّع الناس على الإيمان بأنفسهم وبأهدافهم، رغم غرابة ما يصادفون في الطريق. وبقلم الكاتبة الكويتية هبة مشاري حماده، تحوّلت القصة إلى «ميوزيكال» بأغانٍ على درجة عالية من الإنسانية، تعكس الرسائل بشكلٍ ترفيهيّ جذّاب.

كما تتآخى حبّات الرمل لتصنع صحراء، وكما تتلاحم أوراق الورد لتصير وردةً، يمكن للبشر أن يفعلوا. هذا ما تتمنّاه الأغنية حين تصدح: «سأصفّق لك فصفّق لي»، أو عندما تهتف: «لنقترب من بعض كتفاً إلى كتف، ولنحبّ بعضنا البعض حتى نكون الهدف».

الإصغاء إلى الملاحظات الأخيرة قبل الدخول إلى أرض الملعب (الشرق الأوسط)

منذ انطلاق النغمة الأولى، تتّضح الضخامة الموسيقيّة. يقرّ المؤلّف والمنتج الموسيقي المصري إيهاب عبد الواحد، الذي تعاون توزيعاً مع الفنان نادر حمدي، وعزفاً مع أوركسترا قطر الفلهارمونية، بأنّ «افتتاح حدثٍ عالميّ خاص بكرة القدم بواسطة قصة مثل (كليلة ودمنة) شكّل تحدياً صعباً». بسرعةٍ قياسية تطلّبت سهراً وتفرّغاً كاملاً، أُنجزت الموسيقى خلال شهرَين. ويلفت عبد الواحد إلى أن «التركيز انصبّ على صناعة ألحان ذات مستوى عالمي تستطيع أن تلمس المتفرّجين أينما أتوا، شرط أن تبقى وفيّة للروح العربية».

شكّل حفل الافتتاح لقاءً جامعاً لمواهب عربية، فإضافةً إلى عبير نعمة من لبنان قدّم عددٌ من الفنانين أصواتهم وأداءهم التمثيلي لـ«الفصل المفقود من كليلة ودمنة»؛ في طليعتهم حمود الخضر من الكويت، وفهد الحجاجي وناصر الكبيسي ومشعل الدوسري من قطر.

وبما أن «جمال الحكاية يضاهي روعة الأهداف»، على ما يقول أحد المقاطع المغنّاة، فإنّ العرض لن يتوقّف عند حدود استاد لوسيل. يكشف القيّمون على استديوهات كتارا أنّهم في صدد تطوير العرض إلى مسرحية موسيقية متكاملة، تمتدّ لساعتَين من الوقت. حُدّد موعد الافتتاح المبدئي في الربع الأول من عام 2025، على أن تنطلق المسرحية من الدوحة إلى عواصم خليجية وعربية وأجنبية. أما الهدف الأساسي من ذلك، فهو سرد حكاياتٍ شرقية وعربية من منظور عربي، وبصناعةٍ محلّية.

أزهار الصحراء خلال التدريبات النهائية للحفل الافتتاحي (الشرق الأوسط)

تحيّة لفلسطين

قبل أن تنسحب الرمال وتتطاير أوراق الورد استعداداً لبدء المباراة، قُدّمت باقة الختام إلى غزّة وفلسطين. بصوت الفنانة القطرية الشابة دانة المير، صدحت «الملالة» الفولكلورية، بمرافقة أوركسترالية عصرية إلى جانب الرقصة الفلسطينية التقليدية.

اختتام العرض الافتتاحي بلوحة مغنّاة من أداء دانة المير تحيّة لفلسطين (استديوهات كتارا)

«لطالما حلمت بأن أقدّم صوتي لفلسطين، وعظيم جداً أن يتحقق الحلم ضمن حدث كرويّ عالمي في الدوحة». هكذا تختصر المير تأثّرها بالمُشاركة، هي التي افتتحت بصوتها الأوبرالي كأس العالم 2022.


مقالات ذات صلة

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

يوميات الشرق أوبرا «توت عنخ آمون» بالتعاون بين مصر وإيطاليا (فيسبوك)

أوبرا «توت عنخ آمون» تنطلق من القاهرة إلى العالم

فكَّر حواس في تقديم أوبرا عن توت عنخ آمون بالتعاون مع موسيقي إيطالي، مستوحاة من شخصيات حقيقية وقصة درامية من وحي أفكاره.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق فريق العمل وتحية الختام (الشرق الأوسط)

مسرحية «تقبرني»... بين تراجيديا الإغريق وسخرية الواقع اللبناني

يُسلَّم الجمهور عند مغادرته منشوراً كتبه إدمون حدّاد يوضح فيه فلسفة المسرحية ورسالتها الشخصية حول أنتيغون والبحث عن متنفس قبل الموت.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق العرض استعاد مسيرة الفنان نجيب الريحاني (المركز القومي للمسرح المصري)

«صاحب السعادة نجيب الريحاني»... مسرحية تبرز مسيرة رائد الكوميديا المصرية

تحت عنوان «صاحب السعادة... نجيب الريحاني» استضاف مسرح الغد بالقاهرة عرضاً فنياً إحياء لذكرى رائد الكوميديا المصرية الراحل.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق ميرنا وليد والمطرب مصطفى شوقي في أحد مشاهد المسرحية (وزارة الثقافة المصرية)

«ابن الأصول»... كوميديا استعراضية تبرز الصراع بين الحب والمال

تضع مسرحية «ابن الأصول» أبطالها في لحظة اختيار فاصلة، لتكشف ماذا يفعل الإنسان الفقير حين تهبط عليه ثروة مفاجئة.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق العرض المسرح «على كيفك ميل» بمسرح نهاد صليحة (أكاديمية الفنون)

«على كيفك ميل»... مسرحية كوميدية تحتفي بـ«نوستالجيا» التسعينات في مصر

في حالة تستدعي نوستالجيا فترة التسعينات في مصر، جاء العرض المسرحي «على كيفك ميل» ليقدم لنا حالة فنية تمزج بين الكوميديا وتراجيديا الحياة اليومية للأسر المصرية.

محمد الكفراوي (القاهرة )

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
TT

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)

ندّد أكثر من 80 مخرجاً وممثلاً، بينهم الإسباني خافيير بارديم، والبريطانية تيلدا سوينتون، بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة، في بيان اطلعت عليه وكالة الصحافة الفرنسية، الثلاثاء.

وقال الموقّعون إنهم «مصدومون من الصمت المؤسسي لمهرجان برلين السينمائي الدولي» حيال القضية، وعبروا عن استيائهم من «تورطه في فرض رقابة على الفنانين الذين يعارضون الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة ضد الفلسطينيين في غزة».

وجاء البيان إثر الجدل الذي أثاره رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز، بعدما رد على سؤال بشأن غزة الأسبوع الماضي بالقول: «يجب أن نبقى بعيدين عن السياسة».

صورة من مبنى مارتن غروبيوس في برلين لأجنحة في سوق الفيلم الأوروبي (EFM) الذي يقام على هامش الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي (أ.ف.ب)

ومن بين المخرجين البارزين الذين وقعوا الرسالة البريطاني مايك لي والأميركي آدم مكاي.

وتضم القائمة العديد من الفنانين الذين قدموا أعمالا في مهرجان برلين السينمائي. وقد فازت سوينتون نفسها العام الماضي بجائزة «الدب الذهبي» المرموقة.

وقال المقوعون إنهم «يختلفون بشدة» مع تعليقات فيندرز، مؤكدين استحالة فصل صناعة الأفلام عن السياسة. وأضافوا في البيان: «كما أصدر المهرجان بيانات واضحة في الماضي بشأن الفظائع المرتكبة ضد الشعوب في إيران وأوكرانيا، فإننا ندعو مهرجان برلين السينمائي الدولي إلى الوفاء بواجبه الأخلاقي والإعلان بوضوح عن معارضته للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل».

ولم يعترض الموقعون فقط على موقف مهرجان برلين بعدم الخوض في قضية الحرب الإسرائيلية في غزة، ولكن أيضا على «الدور الرئيسي للدولة الألمانية في تمكين ذلك».


«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
TT

«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

في حي مشيرب بالدوحة؛ حيث أقيمت فعاليات «آرت بازل قطر»، ارتدت الأبنية والساحات المغطاة لوحات حمراء اللون تشير إلى مواقع العرض في المباني المحيطة، وفي الساحات الخارجية المختلفة.

كان الجو العام مليئاً بالحيوية والحماسة لإقامة هذا المعرض العالمي لأول مرة في المنطقة العربية. ولكنه لم يكن نسخة مكررة من «آرت بازل» بمعارضه المختلفة في سويسرا وهونغ كونغ وميامي بيتش، بل اكتسب شكلاً مختلفا في الدوحة، فالرؤية الفنية للمدير الفني، وائل شوقي، أخذت المعرض من الصيغة المعروفة للغاليريهات، التي تعرض مجموعة من الأعمال لفنانين مختلفين، إلى صيغة مختلفة ركزت على الفنان، بحيث عرض كل غاليري أعمال فنان واحد فقط، وهو ما غير تجربة التجول بين المعارض وجعلها ممتعة بشكل كبير، وتحولت التجربة إلى اكتشافٍ لأفكارِ وممارسة فنان بعينه في إطار السوق الفنية.

وعلق وائل شوقي على ذلك: «ما جذبني إلى هذا الدور هو إمكانية إقامة معرض فني لا يفصل بين السوق والمعرفة، بل ينظر إليهما على أنهما جزء من منظومة واحدة. يتيح الشكل المفتوح لـ(آرت بازل قطر) للفنانين تقديم أفكار مكتملة لا مجتزأة، ويدعو الجمهور إلى لقاء حقيقي مع العمل الفني، وبالتالي يشكل المعرض مساحة مميزة للوصول إلى الفن من جهة، ولتقديم المعرفة وتفعيل الحوار الثقافي وتوليد الفرص للفنانين من جهة أخرى».

زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر (آرت بازل قطر)

التجول عبر الغاليريهات المشاركة يرسم صورة لمشهد فني غني ومنتعش في المنطقة، وهو ما تحول أرقاماً، فقد زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر، ومثل جامعو الأعمال الفنية والرعاة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا نحو نصف العدد.

ووفق البيان الرسمي، فقد شهدت صالات العرض من قطر والسعودية والإمارات تفاعلاً واضحاً من جامعين ومؤسسات فنية، وكان الطلب ملحوظاً بشكل خاص على الفنانين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا والجنوب العالمي.

خلال جولة «الشرق الأوسط» على الغاليريهات المشاركة، كان لا بد من التوقف أمام عدد منها قدم أعمالاً مميزة جذبت الحضور بجماليات عالية، وموضوعات تناقش قضايا الإنسان والكوكب.

علي بني صدر.... بين الأساطير والواقع

يعرض غاليري «بيروتين» مجموعة من أعمال الفنان الإيراني علي بني صدر، تتصدرها اللوحات الضخمة التي تنطق بأسلوب مميز بحوار بين الأساطير والشخوص الخيالية وهموم الإنسان المعاصر. ولأول مرة نرى منحوتات من عمل الفنان. تماثل منحوتاته الشخوص والأشكال الغامضة في اللوحات، وبشكل ما تبدو كل منحوتة كأنها عنصر خرج من اللوحة، وهو ما يمثل للناظر نوعاً من الحوار البصري بين الاثنين.

يتجول الفنان في معرضه الصغير، وبابتسامته المعهودة يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه حضر إلى الدوحة لزيارة المتاحف ولحضور هذه النسخة من «آرت بازل» لاختلافها عن النسخ الأخرى: «لم أزر الدوحة من قبل، ولكنني أردت الحضور للمعرض لأرى فكرة المعرض الفردي لكل فنان». يقول إن الفكرة تعمل لمصلحة الفنان... «بالتأكيد؛ فالزوار يمكنهم التركيز على الأعمال وفهمها بشكل أفضل، بعكس الوضع في معارض الفن العالمية الأخرى».

من أعمال الفنان علي بنيصدر (الشرق الاوسط)

يتحدث عن أعماله في العرض، وهي تضم لوحات بألوان الباستيل، والمنحوتات التي يقدمها لأول مرة: «بدأت عمل المنحوتات العام الماضي. كنت دائماً أشكل القطع بالطين، ولكني لم أجرب العمل بالبرونز من قبل. كانت تجربة مذهلة في الحقيقة، فأنا من محبي الفن القديم؛ ولهذا اعتمدت على أسلوب عمره 5 آلاف عام. كثيرون علقوا بأن المنحوتات تبدو كنماذج ثلاثية الأبعاد لتفاصيل من لوحاتي». يفسر ارتباطه بفنون الشرق الأدنى بأنها «تحمل صفات قد تبدو مستقبلية، وهو ما يثير اهتمامي».

إدريس خان... طبقات من الرموز والمعاني

في غاليري «فيكتوريا ميرو»، نسبح في عالم الفنان إدريس خان، الذي يقدم أعمالاً تبدو مثل المخطوطات القديمة المذهبة، بعضها مكتوب على خلفية زرقاء اللون، مما يستدعي إلى الذهن «مخطوطة المصحف الأزرق»، وهي مخطوطة أثرية تعود إلى العصر الفاطمي (ما بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين). تحت عنوان «الزمن الحاضر... الزمن الماضي»، نرى سلسلة من اللوحات المزينة بورق الذهب تستوحي تقاليد الثقافة الإسلامية، ولكن بمكنون معاصر.

عمل للفنان إدريس خان (الشرق الاوسط)

مخطوطات إدريس خان هنا مبهمة... لا نستطيع تبين الكلمات ولا الأحرف. تشير المشرفة على العرض إلى أن الفنان استخدم رموزاً موسيقية في بعضها ونصوصاً فلسفياً خاصة.

تقول المشرفة على الغاليري: «كثيراً ما يعمل الفنان على النصوص، ويُركّبها في طبقات. وفي حالة هذه السلسلة، كان يقرأ كثيراً للشاعرة الأميركية إميلي ديكنسون، وبينما كان يفكر في رؤيتها العالم وطريقة تعاملها مع الحياة، وتأملاته الخاصة في أعمالها، حوّلها قصائد؛ بعضها تُرجم إلى العربية، وبعضها الآخر خضع لبرنامج كومبيوتري خاص حوّلها نوتات موسيقية. هو ليس مهتماً بصنع شيء يُقرأ. بل يتعلق الأمر بتكثيف كل المشاعر، وكل المحتوى الروحي الموجود فيه، في لحظة بصرية واحدة».

سمية فالي و«مجلس العشاق»

في ساحة تتوسط مباني المعرض في حي مشيرب، تعرض الفنانة الجنوب أفريقية، سمية فالي، عملها المعنون: «في مجلس العشاق»، وهو عمل تركيبي تم خصيصاً لمعرض «آرت بازل قطر» الافتتاحي، وهو بيت شعري يُنسب إلى شعراء متصوفين؛ من بينهم رابعة العدوية.

ويُشيد عمل فالي بأماكن التجمع المدمَّرة أو المتضررة في أنحاء العالم الإسلامي. يستلهم العمل من مجموعة متنوعة من المواقع؛ من ساحات قرطبة، إلى حدائق غزة، ومن ضفاف نهر كشمير، إلى أروقة حيي «ديستريكت6» ومشيرب في قطر، ليُنسج العمل الذاكرة والعمارة والحضور الجماعي معاً. كان كل منها مكاناً للتجمع، حيث عاشت الصلاة والشعر والتجارة والتأمل والتعايش والمعارضة جنباً إلى جنب.

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «في هذا العمل، استلهمتُ من أماكن التجمع المفقودة في الفن الإسلامي؛ من كنائس ومساجد، بالإضافة إلى الأسواق والساحات العامة والشوارع، التي فُقدت أو دُمّرت في أنحاء متفرقة من العالم؛ من جنوب أفريقيا وقرطبة وغزة. يتتبع هذا العمل مخططات بعض هذه الأماكن وأشكالها، ويرسم ملامحها. إنه يدور حول فكرة التكاتف لإعادة البناء معاً، بشكل جماعي».

يتكون العمل من مجموعة من القطع السوداء التي يمكن نقلها وتحريكها؛ «لذا يمكن استخدامها مساحةً للتأمل، أو للتجمعات» بينما على الأرض نرى القطع تمثل خريطة معمارية قديمة «استوحيناها من الأماكن المفقودة».

عمران قريشي وإحياء تقاليد النسج

في ركن من العرض أشبه بنصف غرفة ملونة، كأنها صنعت من نسيج ملون، جلس شخصان يركّبان الخيوط الملونة على مقاعد خشبية صغيرة. في عمل الفنان الباكستاني عمران قريشي نرى إعادة تصور لنسيج «الشارباي» التقليدي - وهو عنصر أساسي في الحياة المنزلية بجنوب آسيا - بلغة هندسية دقيقة تجمع بين التجريد والترابط.

في هذه السلسلة الجديدة، يُحوّل قريشي النسيج البسيط للسرير إلى عمل فني باستخدام خيوط نايلون نابضة بالحياة، مشدودة على إطارات فولاذية صناعية. يضم العمل الفني مجموعة متناغمة من الزخارف الهندسية، بما في ذلك أنماط «المعين» و«المتعرج» و«الصليب»، مُنفذة بألوان لافتة من الأحمر والأزرق، والأخضر والأصفر، والأزرق والذهبي، بينما يتخذ بعض الأعمال شكل إطارات مستطيلة مثبتة على الجدران تُحاكي زخارف المخطوطات الإسلامية.

عمل الفنان عمران قريشي (الشرق الاوسط)

يقول الفنان لـ«الشرق الأوسط»: «تلقيتُ تدريباً في فن رسم المنمنمات بالكلية الوطنية للفنون في لاهور، وكان تدريبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بهذا الفن. ثم بدأتُ تجاوز حدود الرسم المصغر... وهذا أحد أعمالي الحديثة. تخيلتُ صفحات مخطوطة مفتوحة، وإطاراً، وحافة، ثم ابتكرتُ سطحاً ثلاثي الأبعاد يمكن للناس دخوله، بل يمكنهم التجول فيه إن أرادوا». بشكلٍ ما، يمكن للزائر دخول العمل والجلوس على المقاعد ليصبح جزءاً من العمل الفني... يضيف: «أردت بطريقة ما إحياء (الشارباي) التقليدي واستكشاف إمكانية ربطه بالفن المعاصر، أو طرق جديدة للنظر إلى هذا التقليد نفسه».


ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
TT

ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)

في حضوره العالمي الأول ضمن مسابقة «الأفلام القصيرة» في مهرجان «برلين السينمائي الدولي»، يقدّم الفيلم اللبناني «يوماً ما ولد» تجربة سينمائية مكثفة تنطلق من حكاية طفل في قرية حدودية، لكنها تنفتح على أسئلة أوسع تتعلق بالسلطة والاختلاف والذاكرة والعنف الكامن في الصوت قبل الصورة.

الفيلم الذي كتبته وأخرجته ماري روز أوسطا، لا يكتفي بسرد واقعة عن طفل يمتلك قدرة غير اعتيادية، بل يحوّل هذه القدرة إلى استعارة مركّبة عن الطفولة حين تُدفع إلى الاختباء، وعن المجتمعات التي تخشى كل ما يتجاوز معيار «الطبيعي».

وتدور القصة حول صبي في الحادية عشرة يعيش مع عمه في قرية لبنانية اعتادت على أصوات الطائرات الحربية باعتبارها جزءاً من يومها العادي، وفي هذا السياق المشحون، يكتشف الطفل أنه يمتلك قدرة غامضة لا يفهم حدودها.

العم الذي يتولى رعايته، يحاول بكل السبل أن يبدو «عادياً»، ويذيب أي علامة اختلاف قد تجلب الانتباه أو الخطر، غير أن القمع لا يطفئ الطاقة، بل يؤجل انفجارها، وعندما يؤدي اختبار بريء لهذه القدرة إلى سقوط طائرتين حربيتين، يصبح السر عبئاً، وتتحول المخيلة إلى قوة لا يمكن احتواؤها.

ما يمنح الفيلم عمقه الحقيقي ليس الحدث الفانتازي في ذاته، بل الطريقة التي يُبنى بها بوصفها انعكاساً لخبرة معيشة، فالبيت الذي تجري فيه الأحداث ليس مجرد ديكور، بل ذاكرة متجسدة، بناء أسمنتي غير مكتمل فوق بيت حجري قديم، سلالم تؤدي إلى فراغ، غرف مفتوحة على الريح والنباتات. هذا الفضاء، الذي استُلهم من بيت أجداد المخرجة في شمال لبنان، يتحول إلى متاهة رمزية.

المخرجة اللبنانية (الشرق الأوسط)

وتقول ماري روز أسطا لـ«الشرق الأوسط» إن «الفيلم وُلد من لحظة شخصية عميقة تعود إلى عام 2006، حين كانت مراهقة في بيروت لا تتابع الأخبار ولا تنشغل بالسياسة».

مضيفة: «لم نكن معتادين في بيروت على سماع صوت الطائرات الحربية، في ذلك اليوم، دخل الصوت إلى غرفتي فجأة. شعرت بشيء غير طبيعي، وكأن هناك حدثاً يوشك أن يقع، من دون تفكير قلت (بوم) وبعد لحظات وقع انفجار فعلاً قرب المنزل».

استدعاء الكارثة

وأضافت أنها في تلك اللحظة شعرت كأنها تسببت بالانفجار، «كأن لدي قوة خارقة استدعت الكارثة»، قبل أن تدرك أن ما حدث كان بداية الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو (تموز) 2006.

وأكدت أن هذا الشعور بالتصادم بين الصوت والحدث، بين الخيال والواقع، ظل عالقاً بداخلها لسنوات، مضيفة: «في تلك اللحظة كبرت فجأة، فهمت معنى أن تدخل الحرب إلى حياتك من دون استئذان، أن تشعر بأن حياتك العادية يمكن أن تنقلب في ثانية، وأنك بلا قدرة على القرار».

وأضافت أن «شخصية الطفل تحمل جانباً شخصياً واضحاً؛ لأن البيت الذي صُوِّر فيه الفيلم هو بيت جدها في شمال لبنان، وهو بيت غير مكتمل ظل شاهداً على انهيار اقتصادي قديم بعد إفلاس البنك الذي كان يضع فيه أمواله ولم يتمكن من استردادها حتى الآن».

وأكدت أن «هذا البيت كان بالنسبة لها مساحة حرية، فلم يكن الكبار يخافون أن يفسد شيء فيه، وكانت تركض بين دهاليزه وتخرج إلى الأرض المحيطة به، وتواصل بين الخرسانة والطبيعة، بين الداخل والخارج، مما خلق لديها عالماً من الخيال».

استعادت المخرجة موقفاً شخصياً في طفولتها (الشركة المنتجة)

وأشارت إلى أن «شعورها بالحرية في ذلك المكان امتزج لاحقاً بذكريات الانهيارات المتكررة في لبنان، كأن التاريخ يعيد نفسه، وكأن البيوت غير المكتملة تشبه بلداً يعيش مشاريع لم تكتمل».

وفي حديثها عن البعد السياسي، شددت على أن السياسة في الفيلم ليست شعاراً مباشراً، بل طبقة طبيعية نابعة من واقعها كونها امرأة لبنانية، مضيفة: «هذا الصوت حفظته في جسدي. عندما أسافر وأسمع طائرة مدنية، أقفز من مكاني. هذه صدمة تراكم، فنحن نعيش تحت تهديد دائم، لا نعرف متى تحوم الطائرات فوقنا وماذا سيحدث، في لحظة ما، تتمنى لو أن لديك القدرة على الردع، على إيقاف هذا الاجتياح».

وعن تمويل الفيلم أوضحت أن «الرحلة لم تكن سهلة، خصوصاً في سياق عربي يعاني من محدودية مصادر الدعم للأفلام القصيرة، لكنها أكدت أن المشروع قام على جهد جماعي، وصوّرت في المنطقة التي تعرفها جيداً، وعملت مع ممثلين وأصدقاء آمنوا بالفكرة، وهو الأمر الذي سهل الكثير من العقبات».