الأسد في سوريا ولبنان... ربع قرن من الاستباحة والتدمير

كانت حكومات لبنان تسقط أو تُصاب بالعرج ويُطعن في تمثيلها (أرشيفية - غيتي)
كانت حكومات لبنان تسقط أو تُصاب بالعرج ويُطعن في تمثيلها (أرشيفية - غيتي)
TT

الأسد في سوريا ولبنان... ربع قرن من الاستباحة والتدمير

كانت حكومات لبنان تسقط أو تُصاب بالعرج ويُطعن في تمثيلها (أرشيفية - غيتي)
كانت حكومات لبنان تسقط أو تُصاب بالعرج ويُطعن في تمثيلها (أرشيفية - غيتي)

مع حلول القرن الحادي والعشرين بدا أنّ الانعطاف في الزمن يحمل انعطافاً في التاريخ. فلنتذكّر العام 2000 الذي منّ علينا ببضعة أحداث يصعب اجتماعها في عام واحد. ففي 10 يونيو (حزيران)، توفّي حافظ الأسد، وبكى كثيرون كما يبكي الضحايا آباء قساة قهروهم وطفّلوهم. لكنّ أكثر منهم قالوا في سرّهم: لأوّل مرّة يصنع الأسد عملاً مفيداً.

وحافظ، الذي كان عمليّاً رئيس البلدين، كان قد أغمض عينيه بعد حدثين شهدهما العام ذاته: ففي مارس (آذار)، كان اجتماعه بالرئيس الأميركيّ بيل كلينتون في جنيف لبحث استئناف التفاوض السوريّ - الإسرائيليّ. هناك قرئ السلام على السلام لأنّ الأسد، وفق عبارته، اختار «الشرف» بديلاً. ومع أنّه كان معروفاً بالجلوس سبع ساعات متواصلة على كرسيّه، فقد تذكّر أنّه كان في شبابه يسبح في بحيرة طبريّا، وأنّ السلام سيكون مرفوضاً ما لم يمنحه كلّ شبر منها.

وفي 25 مايو (أيار)، انسحب الإسرائيليّون من جنوب لبنان التزاماً بالوعد الانتخابيّ الذي قطعه إيهود باراك بالانسحاب من طرف واحد. يومها فُجع أنصار الأسد اللبنانيّون والسوريّون بالانسحاب الذي أحرج إصرارهم على مواصلة حمل السلاح، فسمّوه «مؤامرة الانسحاب». هكذا أخرج أحدهم من قبّعته أرنب «مزارع شبعا» المنسيّة، التي احتلّها الإسرائيليّون في 1967 من سوريّا، فأُرفق الاكتشاف بتجديد صرخة الحرب: إمّا الانسحاب من مزارع شبعا أو فليخرب العالم. لكنْ سريعاً ما هدأت الأعصاب وأُعلن أنّ ذاك الانسحاب يرقى إلى «تحرير» أنجزه «حزب الله» بدعم «سوريّا الأسد».

حافظ الأسد والرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون في جنيف عام 2000 (غيتي)

تدريب بشّار وسياسيّو لبنان

حين توفّي حافظ، روى أحد السوريّين طُرفة عن فلاّح بسيط من درعا توجّه شمالاً نحو دمشق بقصد المشاركة في جنازة الرئيس. لكنّه مع اقترابه من العاصمة، وقعت عيناه على يافطة كُتب عليها: «الأسد خالد لا يموت». هنا، قفل فلاّحنا البسيط عائداً، ظانّاً أنّ الخبر الذي تناهى إليه شائعة فبركها الأعداء الذين يصفهم الإعلام الرسميّ بفبركة الشائعات.

ولم يكن خطأ الفلاّح كاملاً، أو أنّ ذلك ما تبيّن حينما انتقلت السلطة إلى النجل بشّار، فبدا أنّ حافظ خالد حقّاً. فرغم تغييرات حدثت هنا وهناك، ربطها البعض بشباب بشّار ودراسته في لندن واقترانه بفتاة «عصريّة» تعرف العاصمة البريطانيّة كما تعرف كفّها، بقيت النزعة الخرابيّة أقوى ما يتربّع في قصر المهاجرين. هكذا جاز الحديث عن وصيّة حافظ لنجله، ومفادها: فلتَبق الحرائق مشتعلة إلى أن يقضي الله أمراً.

وبشّارُ لم يكن حقل تدريبه إلا لبنان، غرفة نوم النظام السوريّ. ففي 1998، وعلى طريق توريثه الذي بدأ قبل أربعة أعوام مع رحيل أخيه الأكبر باسل، كُلّف بالمسؤوليّة عن الوجود العسكريّ السوريّ في البلد «الشقيق»، حيث بلغ عدد الجنود أربعين ألفاً. وفي سياق تدريبه وثّق النجل علاقته بالسياسيّين اللبنانيّين ممّن كانت أغلبيّتهم الساحقة تطأطئ الرأس أمام أصغر ضابط منتدَب. وهو مثلما استلطف بعضَهم استثقل بعضهم الآخر عملاً بمزاج أرعن طبّقه على آخرين.

وكان أكثر الذين لفحتهم عواطف بشّار، بالإيجابيّ منها والسلبيّ، ثلاثة: حسن نصر الله ورفيق الحريري وإميل لحّود.

فنصر الله، قائد المقاومة، كان مثار إعجابه. فهو، وقد رُسم في 2000 رجل التحرير، مثّل له كلّ ما لا يملكه، هو الذي حصل عبر «توريث جمهوريّ» فريد من نوعه على ما بات يملكه. وإذا كان لوالده الراحل دالّة على نصر الله، وموقع تفاوضيّ قويّ حيال إيران، فاليافع بشّار افتقر إلى الصفتين. ولئن وفّر له «سماحة الأمين العامّ» الشرط الضروريّ لإبقاء النار مشتعلة في كلّ مكان، فقد كان لمقاومته بُعد علاجيّ مخلوط بالسحر على الرئيس غير المجرّب، وذلك بمعنى العلاجيّة التي تراءى للقيصر نقولا وزوجته ألكسندرا أنّ راسبوتين يحملها لابنهما المريض.

«عواطف» الأسد لفحت الحريري ولحود ونصر الله... حباً وبغضاً (أرشيفية - أ.ف.ب)

لكنْ إذا كانت محبّة نصر الله حبّاً لما يستحيل، فمحبّة إميل لحّود كانت حبّاً لما يمكن. فقائد الجيش، الذي أوصلته دمشق إلى رئاسة الجمهوريّة في 1998، كان فيه من العسكريّة ما كان في «الدكتور» بشّار الذي ألبسوه البزّة لأنّ رئاسة سوريّا مكتوبة لعسكريّين. ذاك أنّ لحّود كان قائداً لسلاح البحريّة في الجيش اللبنانيّ، وكان تواضع هذا السلاح، والوقت الضئيل الذي يستدعيه المنصب، يتيح له ساعات طويلة يتشمّس فيها ويدهن جسده بالزيوت في مسبح «الحمّام العسكريّ». ثمّ في 1989 عُيّن لحّود قائداً للجيش، وكان مطلوباً ضابط مارونيّ رفيع الرتبة يقبل الحلول في هذا الموقع بعد تصفية التمرّد الذي قاده القائد السابق ميشال عون. وأغلب الظنّ أنّ سماتٍ شخصيّةً حبّبت بشّار بلحّود أهمّها الضعف المشترك في ربط الكلمات وصياغة العبارات ثمّ تغطية الضعف بقهقهة تُفلت من الفم وتغيب في زحمة اللامعنى في هذا العالم.

بيد أنّ الحريري لم يكن مستساغاً. فالرجل الثريّ الذي يوزّع المال والهدايا بسخاء على ضبّاط سوريّين، مُعوّلاً على مقابل سياسيّ، ليس الثريّ الذي يستهوي بشّار. ذاك أنّ المرغوب من الأثرياء هو مَن يدفع صاغراً، ويكون طموحه الوحيد ألاّ تُصادَر ثروته. أمّا أن يُكتب ويقال إنّ الحريري هو من يبني علاقات سوريّا مع العالم، ومن يقترح على دمشق «النموذج الصينيّ» حيث تبقى السلطة في أيدي أصحابها وتُمنح الحرّيّة للسوق، فهذه كلّها أكلاف باهظة ومهينة ينبغي ألا تُدفع.

وهناك أشياء أخرى أسّست البغضاء للزعيم اللبنانيّ. فقد كان شائعاً أنّ الحريري ينطوي على فائض سنّيّ لا يحتمله الفائض العلويّ في نظام بشّار، وأنّه لا يكتفي بتوحيد الطائفة السنّيّة في لبنان، بل يمدّ نفوذه إلى السنّة السوريّين. ولم يكن أقلّ إثارة للارتياب ما يراه البعض تقاطعاً بين مشروعه السنّيّ ومشروع لبنانيّ لا يزال غامضاً، أو ما ينسبه إليه بعض آخر من رغبة في سلام إقليميّ يكمّل ما بدأه الفلسطينيّون والإسرائيليّون في أوسلو عام 1993. وربّما بدا مستفزّاً لبشّار ما كان يُكثر الحريري من ترداده في وصف نفسه، وهو أنّه «عصاميّ» بنى نفسه بنفسه.

عواصف الخارج وجرائم الداخل

كان لانسحاب الإسرائيليّين من الجنوب أن أسقط حجّة النظام السوريّ في إبقاء جيشه بلبنان، وشجّعت وفاةُ حافظ مَن كان يخاف ويتردّد على الإقدام. أمّا رجل المرحلة فكان البطريرك المارونيّ نصر الله صفير الذي رعى، في سبتمبر (أيلول) 2000، ما عُرف بـ«نداء المطارنة الموارنة» الداعي إلى انسحاب الجيش السوريّ الذي «آن أوانه».

ومضى صفير، بهمّة مصارع شابّ، يوجّه لكماته. ففي ظلّه أُسّس، في أبريل (نيسان) 2001، «لقاء قرنة شهوان» الذي اعتُبر نواةً لما بات معارضة. ولئن جمع اللقاء هذا سياسيّين مسيحيّين، فإنّه مدّ جسوراً، منظورة وخفيّة، مع الحريري ووليد جنبلاط المصابين بـ«الاستياء» من بشّار ومن عامله في لبنان إميل لحّود. وفي صيف العام، وبالشراكة مع جنبلاط، أشرف البطريرك على «مصالحة الجبل» بين المسيحيّين والدروز. والأخيرة اكتسبت أهميّتها من أنّ الجبل المسيحيّ - الدرزيّ عمود الوطنيّة اللبنانيّة الفقريّ. وفي موازاة تحرّك رجال الدين والسياسيّين المسيحيّين، اهتزّ المجتمع المسيحيّ، في 7 أغسطس (آب)، عبر تظاهرات طلاّبيّة أعلنها قواتيّون، قائدهم سجين، وعونيّون، قائدهم منفيّ. وبدون مذكّرات توقيف أو مبرّر قانونيّ، زُجّ في المعتقلات مئات المتظاهرين الشبّان المطالبين بحرّيّة التعبير وخروج القوّات السوريّة.

لكنّ الجوار الإقليميّ كان يضجّ بأحداث أكبر. ففي 2003 غزا الأميركيّون العراق، وبعد عام وجد الكرد السوريّون في القامشلي/قامشلو ما يشجّعهم على الانتفاض فانتفضوا. وفيما راح الأسد يردّ على تلك الزلازل بشحن الإرهابيّين إلى العراق، حيث يزرعون عبوات الموت، مضت واشنطن تلوّح له بالعصا الغليظة فواجهها بعبوة سياسيّة فُجّرت في بيروت. فقد تمسّك بشّار بالتجديد للحّود، مع انتهاء ولايته الدستوريّة في 2004، رافعاً محبّته له إلى هيام، وهذا لأنّ لحّود، وفق المراقبين، «المارونيّ الوحيد الذي يطمئنّ له الأسد في ظلّ ظروف المنطقة الجديدة».

وفي سبتمبر من العام نفسه صدر عن مجلس الأمن القرار 1559 الداعي إلى انسحاب القوّات الأجنبيّة المتبقّية من لبنان، وحلّ جميع الميليشيات ونزع سلاحها. وقد بدا واضحاً بما يجلو اللبس أنّ المستهدَفين بالقرار هما بشّار، الذي عليه أن ينسحب، ونصر الله، الذي عليه أن ينزع سلاحه. هكذا كان لا بدّ أن يردّ المستهدَفان بعمل يطال إمّا جنبلاط الذي دفعه التجديد للحّود إلى الموقع المسيحيّ المعارض، أو الحريري، الممتعض من التجديد، والذي تسبّب له امتعاضه بإهانة مباشرة من الأسد، خصوصاً أنّ الشكوك قد حامت بشأن دور له في صدور القرار الأمميّ.

ربّما بدا مستفزّاً لبشّار ما كان يُكثر الحريري من ترداده في وصف نفسه وهو أنّه «عصاميّ» بنى نفسه بنفسه

هكذا شهد يوم 14 فبراير (شباط) 2005 الجريمة التي أودت بالحريري ومعه الوزير باسل فليحان و21 شخصاً من المرافقين، قبل أن تتناسل الجرائم وتحصد مجموعة معتبرة من السياسيّين والصحافيّين المعروفين بمعارضتهم الأسد ونصر الله.

وكما أنّ سوريّا سوريّتان فلبنان لبنانان. هكذا انشقّ البلد بين كتلة عُرفت بـ«8 آذار» تيمّناً بيوم مظاهرتها الضخمة التي شكرت «سوريّا الأسد»، وأخرى عُرفت بـ«14 آذار» تبعاً ليوم المظاهرة التي فاقتها ضخامة، والتي احتجّت على اغتيال الحريري وطالبت بخروج الجيش السوريّ.

بالفعل خرجت قوّات الأسد من لبنان في 30 أبريل، لكنّ نصر الله آثر أن يهدي قائدها رستم غزالة «بندقيّة المقاومة» لأنّه لم يشأ للجنود السوريّين أن يغادروا ضعفاء مذلولين. بيد أنّ «لعنة الحريري» طاردت غزالة مثلما طاردت سلفه غازي كنعان لتنسج واحدة من القصص الخفيّة في سيرة بشّار. فرستم، المُعيّن في 2002 على رأس الهرم الأمنيّ محلّ غازي، شاركه القتل والتعذيب اللذين تشهد عليهما بلدة عنجر البقاعيّة وفندق البوريفاج البيروتيّ، كما شاركه رعاية شبكات التهريب والمخدّرات التي تتوزّع عائداتها عليهما وعلى نظامهما وحلفائهما في «محور المقاومة». لكنّ رستم كان أشدّ فظاظة وانضباطاً في ولائه من غازي، ولربّما عاد هذا إلى سنّيّة الأوّل التي أحوجته إلى المزايدة في الولاء قياساً بعلويّة الثاني، ابن بلدة القرداحة، الذي بلغ به اطمئنانه حدّ الافتخار بصداقة الحريري بعدما بات الأخير مغضوباً عليه.

في الأحوال كافّة، شاع أنّ الخوف من انكشاف معلومات تتّصل بمقتل الزعيم اللبنانيّ هو ما أودى، في 2015، برستم، المؤتمن على السرّ وعلى بندقيّة المقاومة. أمّا كنعان الذي نُقل من لبنان في 2001 ثمّ سُلّم وزارة الداخليّة السوريّة، فكان ممّا شاع عنه تسريبه معلومات تتعلّق بالجريمة. وفي 2005، قُتل غازي في مكتبه برصاصتين أو ثلاث، فأشاعت السلطة أنّه انتحر. ولأنّ النكتة السوداء تتّجه إلى حيث الجرح، تردّد أنّ كنعان انتحر برصاصتين أو ثلاث، وفي السنوات اللاحقة تأكّد أنّ الانتحار من خصال عائلته، إذ «انتحر» أيضاً اثنان من أشقّائه.

بيد أنّ الشكل الآخر لتكامل سوريا اللبنانيّة ولبنان السوريّ كان ماليّاً. فقد تبيّن لاحقاً وجود علاقة بين جريمة الحريري وفضيحة سبقتها بعامين. ذاك أنّ من سُمّوا رجال «النظام الأمنيّ اللبنانيّ السوريّ المشترك» غرفوا، بالرشوة والاختلاس، ملياري دولار من «بنك المدينة»، ما أدّى إلى انهياره. وكان البنك المذكور، وفق وثائق حصلت عليها لاحقاً لجنة التحقيق الدوليّة في جريمة الحريري، قد شارك بنوكاً أخرى أعمال تهريب وتبييض غامضة.

لبنان كان «غرفة نوم» النظام السوري حيث تدرب بشار الأسد (أرشيفية - أ.ف.ب)

رَسَن لربط الشقيق بالشقيقة

إبّان ما سُمّي «عهد الوصاية»، والذي ورّثه القرن العشرون للحادي والعشرين، أُخضع لبنان لنظريّة بعثيّة عنوانها «عروبة لبنان». والعروبة هذه لا تليق كلمة في وصفها ككلمة المسخرة. فهي مثلاً طالبت اللبنانيّين بالوقوف، في السرّاء والضرّاء، بجانب سوريّا وإيران غير العربيّة ضدّاً على مصر والعراق والخليج والمغرب. بيد أنّ أخطر ما في تلك العروبة أنّها شكّلت، للمرّة الأولى في تاريخ لبنان الحديث، آيديولوجيا رسميّة يُحدّد بموجبها «الصديق» و«العدوّ»، فحلّت بهذا محلّ الحرّيّة التي كانت تقليديّاً مُحرّك الرأي ومصدر الموقف في لبنان.

فحافظ، وعلى الطريقة السوفياتيّة، كان قد أحكم ربط بيروت بدمشق، من خلال اتفاقيّة «معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق» الموقّعة في 1991. وعن الاتّفاقيّة هذه رُبطت سياسة لبنان الخارجيّة بسياسة سوريّا الخارجيّة، ولكنْ أيضاً باتت لدمشق اليد العليا في التعيينات الإداريّة والعامّة، لا سيّما منها الأمنيّة والعسكريّة، وفي تسمية مديري الوزارات والقضاة، ورسم توجّهات المنابر الإعلاميّة ومدى حرّيّتها وخريطة العمالة وتدجين النقابات.

ومع بشّار استمرّت هذه العروبة رسَناً يربط الشقيق الأصغر بشقيقته الأكبر. صحيح أنّ الوريث أحدث انفراجاً جزئيّاً بُعيد تسلمّه السلطة، وهو وإن لم يدم طويلاً أتاح هامشاً من الحركة والتعبير لناشطين في المجتمع المدنيّ السوريّ. ومع لبنان، بدت واضحةً آثار التحوّل الجزئيّ نحو اللبرلة، أو «اقتصاد السوق الاجتماعيّ». فقد أنشأت مصارف لبنانيّة فروعاً في سوريّا، واستثمر لبنانيّون، بعضهم رجال أعمال وبعضهم نصّابون ومتزلّفون، كما استُؤجرت خبرات لبنانيّة لإدارة اقتصاد تحرّرت بعض أوجهه. ومع التقدّم في الخصخصة، وتوسّع الاقتصادات المافيويّة الموازية، تعاظم اعتماد الدولة السوريّة على العمالة الضخمة المصدّرة إلى لبنان بوصفها مصدر إعفاء لدولتها من مسؤوليّتها حيال شعبها.

لكنّ أحداثاً كثيرة كانت تشي بأنّ القوانين الأساسيّة لعلاقة البلدين لا تزال سارية المفعول. فالنجل مدّ يده مثلاً إلى مجال جديد هو الأحزاب المسيحيّة المعروفة بالعداء التقليديّ لآل الأسد. هكذا، وبالاستفادة ممّا كان يوصف بـ«التهميش المسيحيّ»، ثُبِّتَ في 2001 كريم بقرادوني في رئاسة حزب الكتائب، هو الذي انتقل، على مدى السنوات، من البشيريّة إلى البشّاريّة.

وجاءت قمّة بيروت في 2002، والتي صدرت عنها مبادرة السلام العربيّة، برهاناً على استمرار تلك القوانين في العلاقات العربيّة والخارجيّة. فقد أفضى تواطؤ بشّار ولحّود إلى حرمان ياسر عرفات من التحدّث إلى القمّة التي يُفترض بها أن تناقش موضوع فلسطين، وذلك «منعاً لدخول الإسرائيليّين على خطّ المكالمة» كما قيل.

لكنّ العلاقة الوحيدة المحترمة التي أتاحتها تلك السنوات، جسّدها مثقّفون وكتّاب سوريّون شرعوا ينشرون أعمالهم في الصحافة اللبنانيّة، كما يتردّدون على بيروت منشئين مع زملاء لبنانيّين صداقات عاش بعضها طويلاً. بيد أنّ هذه العلاقة النادرة في نظافتها لم تخلُ من غصّة رافقت تعرّف بعض اللبنانيّين إلى خيرة أبناء الشعب السوريّ: فالأخيرون، ومن دون استثناء تقريباً، أتوا من سجون قضى واحدهم فيها، وهو في بواكير طلّته على الحياة، ما بين عشر سنوات وعشرين.

إلى الحرب مع إسرائيل در

كذلك سمح الانفتاح النسبيّ بظهور ما عُرف بـ«إعلان بيروت دمشق» حيث وقّع، في مايو 2006، مئات المثقّفين والناشطين السوريّين، فضلاً عن زملائهم اللبنانيّين، على ذاك «الإعلان» الذي طالب الحكومة السوريّة بتصحيح العلاقة مع لبنان، واحترام استقلاله وسيادته، فضلاً عن إنهاء الاغتيالات السياسيّة فيه. وكان لذاك «الإعلان» أن شكّل نهاية الانفتاح النسبيّ المذكور، فكلّف بعض موقّعيه السوريّين غالياً، اعتقالاً لسنوات ومضايقات وفصلاً من العمل.

لقد تأدّى عن خروج القوّات السوريّة من لبنان، وشعور «حزب الله» وحلفائه بالعزلة، وكذلك صعود الأجندة الوطنيّة التي حملتها حركة 14 آذار، وارتفاع أصوات سوريّة تتضامن مع اللبنانيّين، شعور مُلحّ بضرورة تحويل الاتّجاه وقلب الأسود أبيض. وعلى جاري العادة، ما من شيء يؤدّي هذه الوظيفة كالحرب مع إسرائيل. لكنْ أيضاً على جاري العادة، خطف «حزب الله» مشاعر التأييد والمبايعة في العالم العربيّ، بما فيه سوريّا، بعد خطفه، في يوليو (تمّوز) جنديّين على الحدود اللبنانيّة - الإسرائيليّة.

هكذا، وبسبب ما أسماه نصر الله «انتصاراً إلهيّاً»، راح الحزب الخمينيّ يشغل، في الداخل اللبنانيّ، الدور الذي كان يشغله رستم غزالة قبل انسحاب جيشه. وإذ غدا الحضور الإيرانيّ أقلّ خفاء ممّا كان، غدا الحضور السوريّ مهمّة تُمارَس في الأنفاق والدهاليز أكثر ممّا على سطح الأرض الظاهر.



 

إبّان ما سُمّي «عهد الوصاية» الذي ورّثه القرن العشرون للحادي والعشرين أُخضع لبنان لنظريّة بعثيّة عنوانها «عروبة لبنان»

وكان أن نشأ ازدواج قاتل: من جهة أغلبيّة شعبيّة ونيابيّة تجد تمثيلها في حكومة فؤاد السنيورة، ومن جهة أخرى، «انتصار إلهيّ» يحول سلاحه وتحالفاته دون أيّ حكم مستقرّ. وإلى تعطيل الحكومة، وتعطيل العاصمة نفسها بالخيام التي نُصبت في وسطها، شهد عام 2007 حادثاً كبيراً بدا لوهلة غريباً. ففي مايو قتلت جماعة عُرفت بـ«فتح الإسلام» 27 جنديّاً لبنانيّاً كانوا نياماً في أسرّتهم، واندلعت معارك شرسة استمرّت حتّى آخر الصيف في مخيّم نهر البارد الفلسطينيّ الذي دُمّر بنتيجتها. لكنّ ما تبيّن بعد ذاك أنّ المدعوّ شاكر العبسي، قائد «فتح الإسلام»، كان ممّا فبركته المخابرات السوريّة. فهو كان سجيناً في دمشق، أُطلق سراحه ليتولّى إرسال إرهابيّين إلى العراق، وبعد مواجهات البارد فرّ إلى العاصمة السوريّة، وهناك، وبحسب ما تردّد، قُتل في ظروف لم يُعرف شيء عنها.

وبات الالتزام بالاستحقاقات الدستوريّة أشبه بالمستحيل. فاستمرّ الفراغ الذي سبق انتخاب ميشال سليمان رئيساً للجمهوريّة ستّة أشهر، وكان حلفاء «حزب الله» ودمشق قد غزوا بيروت بالسلاح، ما استدعى عقد مؤتمر الدوحة بقطر، ومن ثمّ انتخاب سليمان.

ومن قبيل التنازلات الشكليّة تقرّر، في 2008، وللمرّة الأولى منذ نشأة الدولتين، إنشاء سفارتين في البلدين. إلاّ أنّ ما اعتُبر إقراراً سوريّاً باستقلال لبنان ظلّ يتعرّض لتقويض متعدّد الأشكال. فبذريعة «ثلث معطّل»، أو احتجاجاً على تسهيل أعمال المحكمة الدوليّة بصدد جريمة الحريري، أو نزولاً إلى الشارع من خلال لابسي «قمصان سود»، كانت الحكومات تسقط أو تُصاب بالعرج ويُطعن في تمثيلها، وهذا علماً بأنّ انتخابات 2009، كسابقتها انتخابات 2005، أنتجت أكثريّة من الـ14 آذاريّين.

وعلى هذا النحو استؤنفت حياة سياسيّة معاقة، يحيطها التشهير ويتهدّدها القتل.

ما بعد الثورة وما بعد سقوط الأسد

حين انفجرت الثورة السوريّة في 2011، بدا أنّ روحاً لطيفة هبّت على لبنان المريض، روحاً قد تتحوّل ريحاً عاصفة تأخذ في طريقها العفنَ المتراكم. وبالفعل بادر شبّان وشابّات إلى التعبير العفويّ عن تضامنهم، بمظاهرة سلميّة وإضاءة شموع وكتابة بيانات، وكان واضحاً أنّ التضامن مع سوريّا تحرّكه، هذه المرّة، الحرّيّة ومطلب الكرامة، لا العروبة والمقاومة وباقي العناوين المشابهة التي كانت السبب التقليديّ لحركات التضامن. ولم يتكاسل شبّيحة الأحزاب ومُوالو دمشق و«حزب الله» في تعرّضهم للمتضامنين والاعتداء عليهم ومحاولة إرعابهم، ولم تنجُ من الاتّهام السفارة السوريّة الجديدة في بيروت التي اعتبر البعض أنّ توجيهها أعمالاً كهذه هو أهمّ وظائفها «الدبلوماسيّة».

إلاّ أنّ طرابلس التي كانت الأكثر جهراً في تأييدها الثورة تلقّت العقاب الأسوأ. ففي 2013 حصدت تلك المدينة، التي جعلها الجوار الجغرافيّ أشدّ المناطق اللبنانيّة تعرّضاً لأذى النظام الأسديّ، انفجارين تسبّبا بمجزرة في مسجدي التقوى والسلام قُتل من جرّائها 49 قتيلاً وجُرح أكثر من 800 شخص. وعملاً بالطقوس إيّاها، تبيّن لاحقاً أنّ مجموعة إرهابيّة أخرى تابعة لدمشق كانت وراء السيّارتين المفخّختين.

وتفاقم عامذاك ما عُرف بمساجين سجن رومية الإسلاميّين، وذلك بسبب معركة بلدة عبرا، قريباً من مدينة صيدا، بين أنصار الداعية السلفيّ أحمد الأسير و«سرايا المقاومة اللبنانيّة» التابعة لإيران، وتدخّل القوى الأمنيّة لصالح الأخيرة. وبينما كان شبّان إسلاميّون يُعتقلون بحجّة انضمامهم إلى الثوّار السوريّين، أو إعلان نيّتهم في ذلك، فُتح الملفّ الذي يعود إلى عام 2000 مع ما عُرف بأحداث الضنّيّة، والذي ضخّمه، في 2007، اتّهام آخرين بالتورّط في معارك نهر البارد ضدّ الجيش اللبنانيّ. وعلى العموم، بلغ عدد المساجين 1200 شخص أوقعت بهم، بطرق مختلفة، المنظومة الأمنيّة اللبنانيّة التي تديرها دمشق. والأسوأ أنّ هؤلاء، الذين أُودعوا «غوانتانامو اللبنانيّ»، لم يُحقّق معهم ولم يحاكَموا حتّى اليوم، بحجّة افتقار المؤسّسة القضائيّة إلى شروط تنفيذ مهمّة كهذه.

والحال أنّ النفوذ السوريّ، بنتيجة الثورة ثمّ الحرب الأهليّة، صار أشدّ اضطراراً للهبوط إلى الأنفاق والدهاليز. ففي 2012 انفجرت «قضيّة ميشال سماحة» التي تساءل اللبنانيّون عمّا إذا كانت جريميّتها أكبر من فضائحيّتها أم العكس. ذاك أنّ الوزير السابق، الذي يُعَدّ «من أصدقاء الأسد»، تورّط في نقل متفجّرات من سوريّا إلى لبنان والتخطيط لتنفيذ تفجيرات رُجّح أنّ مهندسها كان علي المملوك، مستشار بشّار الأمنيّ.

وباتت دمشق، في تلك الغضون، أشدّ اضطراراً للالتفاف على العقوبات الدوليّة عبر المنافذ الاقتصاديّة التي يتيحها لبنان. وأغلب الظنّ أنّ المرحلة تلك شهدت توطّد الشراكة الماليّة مع «حزب الله» في ما خصّ أعمال التهريب، لا سيّما الكبتاغون. والحال أنّه منذ 2019 خصوصاً، حين صدر «قانون قيصر»، وبالتعاون مع مافيات روسيّة، بات هذا النشاط يردّ مليارات الدولارات على أطراف التحالف الممانع.

لكنْ مقابل سياسة الأنفاق والدهاليز، تُركت العلنيّة الفجّة لـ«حزب الله» الذي بدأ تدخّلَه العسكريّ المباشر في سوريا، عام 2013، متذرّعاً بالدفاع عن مقام السيّدة زينب، ما جعل تطوّع أفراد لبنانيّين إلى جانب الثورة أقرب إلى هوايات صبيانيّة. وتلازم التدخّل، الذي ما لبث أنّ اكتسب طبيعة احتلاليّة وتهجيريّة للسكّان، مع تطوّرات بقدر ما أفضى إلى تطوّرات. فهو، وقد نقل سوط التعذيب إلى يد لبنانيّة، ترافق مع انتفاخ في نظريّة «حلف الأقلّيّات» التي تُرك تنظيرها للعونيّين ممّن التحقوا بالحزب وبدمشق منذ 2006. وكانت الرسالة التي أريدَ إيصالها أنّ المسيحيّين والشيعة والعلويّين، ممثّلين بالعونيّين والحزب ونظام الأسد، يقفون سدّاً واحداً في وجه السنّة ممثّلين بـ... داعش! وبذريعة مقاتلة الأخير وحماية اللبنانيّين منه، كان يُهجَّر سوريّو المناطق الحدوديّة التي يحتلّها الحزب، ما يفاقم مشكلة اللجوء السوريّ التي لن تلبث أن تنفجر.

والراهن أنّ لبنان الرسميّ حاول النأي بنفسه عن الصراع السوريّ منذ انفجار الوضع هناك. هكذا رعى رئيس الجمهوريّة، أواسط 2012، المؤتمر الذي أصدر «إعلان بعبدا» معبّراً عن توافق الجميع، بمن فيهم «حزب الله»، على عدم التدخّل. بيد أنّ طهران، الساعية إلى دعم حليفها السوريّ، سارعت إلى زجّ حزبها فانزجَّ بحماسة قاتلاً ومقتولاً.

أصدقاء الأسد في لبنان... سجلّ جرائم وفضائح (أرشيفية - سانا)

وفي الخطّ التصاعديّ الذي سلكته الكارثة شهدت بيروت يوم 4 أغسطس 2020 يوماً غير مسبوق في تاريخها المأسويّ. فالحدث الذي استرجع معه المؤرّخون الزلزال الذي ضرب المدينة ومدناً ساحليّة أخرى في منتصف القرن الميلاديّ السادس، كان «أكبر انفجار غير نوويّ في التاريخ»، بحسب وصف شاع. وقيل الكثير عن أنّ مقرّبين من نظام الأسد بالصفقات والتهريب، جاؤوا بخزين نيترات الأمونيوم الذي انفجر ودمّر ربع المدينة، وقيل أكثر منه عمّا يتسبّب به الضباب السياسيّ ومناخ «المقاومة» المعطّل للدولة والمحاسبة. وفي الأحوال كافّة، فبعد تهديد مسؤول الحزب الأمنيّ، وفيق صفا، بـ«قبع» القاضي طارق البيطار، طوي الأمر وسط شعور عارم بموت يُستحسن أن يُختم بدفن صامت.

وكان لتلك السنوات التي افتتحتها الثورة أن حملت إلى بيروت أعداداً من السوريّين، فيهم العائلات والأفراد، ممّن صدروا عن مناطق سوريّا وطبقاتها وطوائفها. وبين هؤلاء واللبنانيّين نشأت صلات حميمة، تبادل فيها الطرفان الصداقات والتعارف الذي شمل البيوت والمآكل والعادات وشراكة الهمّ والشكوى، وهذا فضلاً عن انعقاد زيجات بين سوريّين ولبنانيّات ولبنانيّين وسوريّات.

لكنْ على مقربة من هؤلاء جميعاً، كانت تعتمل مشكلة تسبّبت بها وحشيّة النظام، وفي عدادها وحشيّة «حزب الله». فقد تفاقم اللجوء السوريّ وبات عدد اللاجئين الضخم عبئاً ثقيلاً على بلد يعاني أزمة اقتصاديّة طاحنة، ويتشارك أبناؤه أنفسُهم في علاقات من العداء والريبة المتبادلين. وإذ أحسّت البيئة الاجتماعيّة الأفقر والأشدّ اعتماداً على العمل اليدويّ بمنافسة سوريّة، كان من تعابير المنافسة ظهور مشاعر عنصريّة رافقها تقييد لحركة السوريّين وانتهاكات مباشرة نزلت ببعضهم. وفي معرض التوتّر كان صعباً على المتوتّرين، وقد أجّجهم العونيّون وقوى سياسيّة أخرى، إدراك أنّ أحداً لا يستطيع حلّ مشكلة يرفض النظام السوريّ حلّها. ودائماً كان اللبنانيّون الأشدّ رحابة ينبّهون إلى ذلك، ويذكّرون بأنّ قطاع الزراعة يعتمد على ما بين 300 و400 ألف سوريّ، والشيء نفسه يقال في قطاع البناء، وهذا فضلاً عن حضور العمالة السوريّة في مجالات الكهرباء والسباكة وميكانيك السيّارات وسواها.

وإذ سقط الأسد، وولّى هارباً إلى موسكو، كان للّبنانيّين حصّتهم من التركة الهيوليّة التي خلّفها النظام الساقط. فهناك، كما بيّنَ خلع الأبواب والأقفال، مخطوفون ومساجين لبنانيّون في سجونه أنكرَ النظامان وجودهما. بعض هؤلاء حُرّروا، وبعضهم الآخر يستمرّ البحث عنهم. وهناك ما ضربه الإسرائيليّون من مصانع أسلحة وأنفاق على الحدود المشتركة للبلدين، وعلاقات سياسيّة وماليّة تنتظر التحقيق فيها بين رموز في سلطتي البلدين. والأخطر أنّ رجالاً من معاوني الأسد لجأوا إلى لبنان، محاطين برعاية الحكومة وحماية «حزب الله». ويُستحسن بالسلطة اللبنانيّة أن تسلّم هؤلاء إلى ضحاياهم، إن لم يكن حبّاً بسوريّا، وبإحقاق الحقّ، فحرصاً على علاقات سليمة بين البلدين في المستقبل. عندها فقط يمكن القول إنّ ربع القرن الفائت، الذي اكتوى بالاستباحة والتعذيب، انتهى حقّاً.


مقالات ذات صلة

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

شؤون إقليمية جانب من المباحثات الموسعة بين وزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان في دمشق في 13 سبتمبر بحضور وفدي البلدين (الخارجية التركية)

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

أكدت تركيا أن الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي أن تتوقف «قوات سوريا الديمقراطية» عن كونها تهديداً، عادّةً أن إسرائيل تشكل الخطر الأكبر على استقرار جارتها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع خلال كلمته في دبي الثلاثاء (الشرق الأوسط)

الشرع: التحولات الاقتصادية تتطلب قرارات «صادمة»

في تعليق ضمني على احتجاجات الوقود في سوريا، قال الشرع إن إدارة المرحلة تتطلب قدراً من التدرج واتخاذ قرارات قد تكون «صادمة» في بعض الأحيان.

«الشرق الأوسط» (دبي)
المشرق العربي عناصر من الجيش السوري في ريف دمشق (أ.ف.ب) p-circle

سوريا: 10 جرحى بصفوف قوى الأمن بعد اشتباكات في السويداء

أصيب عشرة عناصر من قوى الأمن الداخلي السورية في اشتباكات، ليل الاثنين، مع مجموعات محلية مسلحة في السويداء ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جنود من الجيش السوري (أ.ف.ب) p-circle

قتيلان مدنيان في اشتباكات بغرب مدينة السويداء السورية

قُتل مدنيان في اشتباكات دارت، الأحد، بين مجموعات مسلحة محلية وقوات حكومية غرب مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مفتي الجمهورية السابق أحمد بدر الدين حسون خلال جلسة محاكمته اليوم في دمشق (سانا)

الحكم بالمؤبد على «مفتي البراميل» في سوريا

أصدر القضاء السوري حكماً حضورياً بالسجن المؤبد بحقّ مفتي الجمهورية السابق أحمد بدر الدين حسون، بعد إدانته بجرائم عدة؛ بينها إثارة النعرات الطائفية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
TT

الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)

بعد إسقاط نظام بشار الأسد، بدأت السلطات السورية العمل على تشكيل جيش جديد عبر دمج الفصائل الثورية المسلحة التي شاركت في القتال والاقتتال خلال سنوات الحرب ضمن وزارة الدفاع، في خطوة أولى هدفت إلى وضع مختلف التشكيلات العسكرية تحت مظلة مؤسسة رسمية واحدة.

في المرحلة التي عقبت سقوط النظام، ضم الجيش السوري الجديد نحو 22 فرقة عسكرية، كانت امتداداً مباشراً للفصائل السابقة، واحتفظت هذه التشكيلات بهياكلها وقياداتها وتركيبتها الداخلية، لكنها انتقلت «إدارياً» للعمل تحت مظلة وزارة الدفاع السورية.

لكن هذه الصيغة لم تكن تعني انتهاء الحالة الفصائلية بقدر ما مثلت مرحلة أولى من عملية الدمج غير السهلة؛ فقد اتخذت تلك الفصائل مسميات جديدة كـ «فرق» و«ألوية» تعمل ضمن هيكلة وزارة الدفاع المستحدثة، من دون أن تفقد كامل بنيتها السابقة أو شبكات النفوذ والولاءات التي شكلتها خلال سنوات الحرب.

وبقيت في كثير من الحالات مرتبطة بمناطق معاقلها والوفاء لقادتها، وبشبكاتها الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، الأمر الذي جعل عملية الدمج أقرب إلى جمع الفصائل تحت مظلة واحدة منها إلى بناء جيش مؤسساتي موحد.

عناصر من الجيش السوري في ريف دمشق (أ.ف.ب)

تفكيك التكتلات الفصائلية

مع مرور الوقت، بدأت دمشق الانتقال إلى مرحلة ثانية أكثر وضوحاً في إعادة بناء المؤسسة العسكرية، تقوم على إعادة تشكيل الوحدات ودمجها في تشكيلات جديدة، وصولاً إلى العمل على تفكيك التكتلات الفصائلية من الداخل.

هذه المرحلة تحديداً، بدأت بعملية أكثر حساسية تتمثل في تفكيك الإرث السابق بوصفه عبارة عن كتل قوة داخل الجيش الجديد، فأعيد توزيع العناصر على التشكيلات المختلفة، بما يقلل من قدرة المجموعات على الاحتفاظ بهياكلها السابقة أو إعادة إنتاج النفوذ الخاص داخل المؤسسة العسكرية.

وتشكل هذه الخطوة بحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط»، واحدة من أصعب مراحل هيكلة الجيش السوري؛ إذ لم يعد التحدي في دمج الفصائل ضمن كيان واضح هو الجيش، بل في القدرة على «قصقصة أجنحة الفصائل داخل هذا الجيش»؛ فالفصائل التي تحولت بعد سقوط النظام إلى فرق تابعة لوزارة الدفاع، احتفظ بعضها بتماسكه التنظيمي ومناطقيته، كما بقيت علاقات الولاء للقادة حاضرة وإن بدرجات مختلفة، إلى جانب الارتباط شبكات مالية وإدارية واجتماعية نشأت، وتجذرت طوال أكثر من عقد من الزمن.

صورة أرشيفية لمقاتل من المعارضة السورية يرفع علامة النصر وهو يقف على متن طائرة عسكرية تابعة لقوات موالية لحكومة بشار الأسد داخل مطار حماة العسكري 7 ديسمبر 2024 (رويترز)

انتقال لم يكتمل بعد

لكن هذه العملية لم تصل بعد إلى هدفها النهائي؛ إذ لا تزال بعض الفرق داخل الجيش تحتفظ ببنيتها السابقة وإن بدرجات متفاوتة، بينما تتواصل الترتيبات لإعادة توزيعها وإعادة تنظيم قيادات جديدة لها ومناطق انتشار ومهام مختلفة.

هذا يعني أن الجيش السوري يمر حالياً بمرحلة تتراوح بين نموذجين: نموذج دمج الفصائل بشكل غير فعال عقب سقوط النظام ضمن وزارة الدفاع، ونموذج الجيش المؤسساتي الذي يفترض أن تتلاشى فيه الفصائلية والمناطقية، وتصبح فيه سلسلة القيادة والقرار العسكري مرتبطة بالدولة السورية.

في هذا الإطار، قال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة السورية تستكمل اليوم عملية الدمج الإجباري للفصائل كافة وإضعاف مواطن القوة التي تمتعت بها خلال السنوات الماضية»، معتبراً أن هذه الخطوة ضرورية جداً، فمن دونها لن تستطيع دمشق تأسيس جيش موحد وبناء دولة مستقرة.

جنود سوريون يهرعون إلى موقع انفجار مستودع أسلحة في إدلب مخلّفاً 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (إ.ب.أ)

وأوضح المصدر الذي فضَّل عدم الكشف عن اسمه أن ما شهدته الأيام السابقة من تفكيك بعض الكتل العسكرية، وفي مقدمتها «جيش الإسلام» الذي جرى دمجه ضمن الفرقة 70، وتفكيك مجموعات «العمشات» و«الحمزات» و«أحرار الشرقية»، سبقته عمليات مشابهة طالت «أحرار الشام» و«الجبهة الشامية»، وهي فصائل كانت متماسكة ولها مصالح اقتصادية وجهوية، وقد نجحت إدارة الرئيس أحمد الشرع في تفكيكها تدريجياً وبهدوء ودون ضجة؛ ما أدى إلى سحب قوة هذه التكتلات التي كانت تشكل ثقلاً داخل الجيش.

فصائل داخل الدولة

المهمة الأساسية الآن هي هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية بعد ضم الفصائل إليها، ومن ثم تفكيك البنية الفصائلية داخل الدولة السورية بشكل كامل.

وهناك فصائل لا تزال موجودة داخل الجيش، لكن معظم التشكيلات التي كانت تنتمي لـ «الجيش الوطني» السابق قد فككت بمعظمها، ويجري حالياً تفكيك «جيش سوريا الحرة» الذي كان حليفاً مهماً للولايات المتحدة في قاعدة منطقة التنف قرب الحدود الأردنية.

ويوضح المصدر أن هناك تنسيقاً كاملاً بين إدارة الشرع وكل من تركيا والولايات المتحدة في عملية تفكيك الفصائل داخل الجيش السوري الجديد؛ إذ كان يُعتقد سابقاً أن شخصيات مثل أبو عمشة وحاتم أبو شقرا وسيف بكور بولاد، وهم حلفاء لتركيا، قد يثير تحييدهم حساسية لدى أنقرة، قد يدفعها للضغط باتجاه عدم إبعادهم، لكن ما حدث كان العكس تماماً فتركيا اليوم تبدي حرصاً على تفكيك المكونات التي كان حليفة سابقة لها.

«كتائب خالد بن الوليد» وهي جزء من «هيئة تحرير الشام» تقدّم عرضاً عسكرياً بعد الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد (أرشيفية - رويترز)

«هيئة تحرير الشام» في الهيكلية الجديدة

رغم جهود التفكيك والدمج وإعادة بناء مؤسسة عسكرية متجانسة، فإن المصدر يؤكد أن «الهيكلية النهائية للأجهزة الأمنية وللجيش تهدف إلى أن يبقى ضباط وقادة (هيئة تحرير الشام) حصراً والقادة المهمين في جبهة النصرة في المفاصل الرئيسية ومواقع القيادة والقرار، وأن كل من جرى تعيينه من الضباط المنشقين أو قادة الفصائل التي تم حلها وتوزيعها سيكون قائده أو رئيسه في النهاية شخصية من (تحرير الشام)».

ويرى المصدر أن «هذا التوجه منطقي في هذه المرحلة الحساسة التي تواجه فيها الدولة تحديات داخلية وخارجية كبيرة؛ إذ إن العمل السياسي يتطلب وجود نواة صلبة وتماسك داخلي، وإن لم تكن القرارات المفصلية الأمنية والعسكرية مضمونة فلن يكون بالإمكان بناء أي شيء، وستكون المؤسسات عرضة للاختراق وخاضعة للتجاذبات الداخلية».

عناصر من قوات الأمن السورية في اللاذقية (أرشيفية - رويترز)

رواية القيادة

تحدثت «الشرق الأوسط» إلى العقيد عبد المعطي الحلبي، وهو أحد القيادات العسكرية في الجيش السوري الجديد ومن الضباط الذين كانوا في الصف الأول داخل جبهة النصرة سابقاً، فأكد أن تفكيك الفصائل «ليس استهدافاً لأحد»، بل «ضرورة وجودية لبناء مؤسسة عسكرية حقيقية».

وأوضح الحلبي أن الإبقاء على الفصائل ككتل متماسكة داخل الجيش «يعني ببساطة الإبقاء على ولاءات متعددة داخل المؤسسة العسكرية»، وهو ما يهدد القرار الأمني والعسكري، ويجعل الدولة هشة.

وأضاف: «لا يمكن أن نبني جيشاً وطنياً إذا بقيت كل مجموعة تعد نفسها كياناً مستقلاً، ولها اقتصادها الخاص، وولاءاتها»، مشيراً إلى أن الدولة تعمل على توزيع القيادات وإعادة توزيعها.

وفي ما يتعلق باختيار قادة الفيالق من «هيئة تحرير الشام»، قال الحلبي إن هذا الأمر ليس دقيقاً كما يشاع، موضحاً أن «(تحرير الشام) هي أول من حل نفسه، واندمجت في الدولة، رغم أنها تمتلك خبرة تنظيمية وأمنية وإدارية سبقت بها الجميع، وخاضت تجربة الحكم والإدارة في إدلب، وخاضت تجربة العمل الأمني المعقد، ولديها قدرة على ضبط الأرض والمؤسسات».

وأضاف: «لو أبقينا الأمور على الحالة السابقة، ستعود الحساسية المناطقية والولاءات القديمة. نحن نريد قيادة موحدة، صلبة، لا تخضع لأي تجاذبات، في هذه المرحلة، وهذا بمشاركة الجميع دون تمييز».

تعيين حجي محمد نبو المعروف بلقب «جيا كوباني» نائباً لقائد «الفرقة 60» في الجيش السوري العاملة في الحسكة مارس الماضي (حساب فيسبوك)

5 فيالق وتغييرات مرتقبة

يقول الباحث في الشؤون الأمنية في مركز جسور للدراسات، رشيد حوراني، لـ«الشرق الأوسط»، إن الهيكلية الجديدة للجيش السوري ستبقي، على الأرجح، على صيغة تشكيل 5 فيالق في الجيش، مع احتمال إجراء تغييرات على مستوى القيادات وقوام الفيالق ومناطق انتشارها ومهامها العملياتية، مشيراً إلى أن المرحلة السابقة أظهرت الحاجة إلى تعزيز مرونة تحرك هذه التشكيلات في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.

وأوضح حوراني أن «على الأرجح الإبقاء على الهيكلية التي أعلن عنها مؤخراً، المتضمنة تشكيل 5 فيالق في الجيش السوري، ولكن التغيير قد يطول القيادات وقوام الفيالق العسكرية التي أعلن عنها، وتنظيم أماكن انتشارها، ومناطق العمليات الخاصة بها بشكل أكبر مما كان سابقاً؛ لأنه خلال المرحلة السابقة تم الوقوف على نقاط تتعلق بمرونة تحرك تلك الفيالق استجابة للمهددات الداخلية والخارجية، ومن ثم تكون الهيكلية المقبلة تغييراً في القيادات وأساليب عمل كل فيلق بما يتناسب ومهامه».

دخان يتصاعد من خلف جندي سوري على أثر انفجار مستودع أسلحة في إدلب خلّف 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (أ.ف.ب)

وفيما يتعلق بالهدف من الهيكلة الجديدة، يرى حوراني أن إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية ترتبط بمرحلة أوسع من إعادة بناء الجيش السوري وتطوير آليات عمله، بما يتناسب مع متطلبات الدولة والمرحلة المقبلة.

وكانت مواقع سورية قد تداولت أخباراً مفادها أن الترتيبات الجديدة وضعت الفيلق المكلف بالمنطقة الشرقية تحت قيادة العميد أحمد محمد الجاسم، المعروف في الأوساط العسكرية بـ«أبو محمد شورى»، وهو الضابط الذي ارتبط اسمه سابقاً بإدارة الفرقة 66.

بينما تتحدث مصادر أخرى على أن المنطقة الشمالية ستخضع لقيادة العميد عواد الجاسم «أبو قتيبة الشامي»، الذي ارتبط اسمه بالفرقة 60، في إطار إعادة توزيع الفرق الأربع العاملة هناك.

أما ما يتصل بالمنطقة الوسطى، فتذكر بعض المصادر أن العميد هيثم العلي «أبو مسلم آفس» سيكون على رأس الفيلق المسؤول عن هذا القطاع، في حين تتحدث تسريبات أخرى عن أن العاصمة دمشق ستشهد ترتيبات مختلفة يقودها العميد عمر محمد جفتشي «مختار التركي» الذي يدير حالياً فرقة دمشق العسكرية.

وفي المقابل، تتداول منصات محلية أن المنطقة الغربية والساحل سيخضعان لإشراف العميد منير الشيخ «أبو أسامة»، ضمن فيلق يضم 4 فرق أعيد تنظيمها مؤخراً.

معضلة الفصائل الأكثر تطرّفاً

حول الفصائل الأكثر تطرفاً، قال الحلبي إن الدولة تتعامل معها «بمنهجية دقيقة»؛ إذ سيجري تفكيكها وتوزيع عناصرها داخل الفيالق بما يمنع تشكل أي كتل داخل الجيش.

وأضاف: «هذه الفصائل تمتلك خبرة قتالية مهمة، لكن يجب أن تعمل ضمن مؤسسة، لا ضمن عقلية الجماعة أو التنظيم. لذلك سيتم توزيعها بشكل مدروس داخل الفيالق، بحيث تذوب في البنية العسكرية الجديدة».

وختم الحلبي قوله بأن التحدي الأهم الآن هو الانتقال من «الذهنية الفصائلية إلى ذهنية الدولة».

وعن المقاتلين الأجانب وبينهم التركستان وغيرهم، داخل الهيكلية العسكرية الجديدة، أوضح حوراني أن هذه الجماعات أصبحت منضوية ضمن الجيش، لا سيما في الفرقة 84، ومن ثم فإنها تخضع، من حيث المبدأ، للقواعد والقوانين العسكرية نفسها التي تنطبق على بقية الوحدات.

وقال: «انضوت الجماعات الإسلامية الأجنبية ضمن الجيش في الفرقة 84 بشكل خاص وأصبح يسري عليهم ما يسري على جميع الوحدات العسكرية، وأي مخالفة منهم يتم التعامل معهم وفق القانون العسكري النافذ».

وفي ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد خطوات لإزالة أو تفكيك بعض الفصائل المتطرفة الموجودة ضمن التشكيلات العسكرية، في ظل وجود مطالب دولية مرتبطة بهذا الملف، يرى حوراني أن التعامل مع هذه الفصائل سيبقى جزءاً من عملية بناء الجيش واستخلاص الدروس من المراحل السابقة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود محددين أساسيين يحكمان هذا الملف.

الرئيس السوري أحمد الشرع في مؤتمر إعلان انتصار الثورة السورية وسط حضور موسع من فصائل إدارة العمليات العسكرية 29 يناير 2025 (أ.ف.ب)

موقف الفصائل من إعادة الهيكلة

عن التحفظات الفصائلية، ومخاوف الفصائل التي انضمت إلى وزارة الدفاع من تداعيات إعادة الهيكلة، يلفت حوراني إلى أن هذه الفصائل باتت تدرك الفارق بين طبيعة التشكيلات التي نشأت خلال مرحلة إسقاط النظام السابق، وبين متطلبات بناء جيش يعمل ضمن مؤسسات الدولة.

ويشرح: «تدرك الفصائل التي انضمت لوزارة الدفاع أن طريقة عمل وتشكيل الفصائل في مرحلة إسقاط النظام يختلف عن طريقة تشكيل الجيش ومهامه ضمن كيان الدولة؛ ولذلك كانت هناك استجابة كبيرة من جميع الفصائل لعملية الدمج، على الرغم من أن تقارير غربية حذرت من طريقة الدمج وآثاره، لكن الهدف العام للفصائل سهل المهمة وجعل عملية تشكيل الجيش تسير بسلاسة».

وحول بقاء بعض قادة الفيالق محسوبين على جهات فصائلية معينة، وما يفسر ذلك، يرى حوراني أن الأمر يرتبط بالخبرة التي راكمها الجناح العسكري لـ«هيئة تحرير الشام» خلال السنوات التي سبقت سقوط النظام.

وقال: «كون الجناح العسكري لـ(هيئة تحرير الشام) تطور بشكل كبير قبل سقوط النظام من ناحية التدريب والتنظيم والخبرة في أساليب العمل العسكري، وتريد القيادة اليوم الاستفادة من ذلك».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يراقب تقدم جنود إسرائيليين داخل الأراضي السورية مطلع سبتمبر الجاري (د.ب.أ)

تنسيق سوري ـ تركي ودور أميركي

عن الدور الإقليمي والدولي في عملية إعادة هيكلة الجيش، أشار حوراني إلى أن التنسيق السوري ـ التركي في المجال العسكري بات معلناً، ويشمل جوانب التنظيم والتدريب، لافتاً إلى أن ذلك انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية في كل من سوريا وتركيا.

وقال: «لا يخفي الجانب السوري والتركي التنسيق العسكري بينهما المشتمل على التنظيم والتدريب، وهو ما انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية لكل من سوريا وتركيا، وهذا التعاون موافق عليه من الجانب الأميركي الذي أوصى بدوره مجلس الشيوخ لجنة الأمن والدفاع فيه بتقديم تقرير خلال العام 2026 بإمكانية إقامة شراكة عسكرية مع سوريا، وهذا يندرج ضمن دور سوريا في مكافحة الإرهاب».

أهداف الدور التركي

وحول أهداف الدور التركي، خصوصاً في عملية بناء الجيش السوري، يعتقد حوراني أن هذا الدور يحمل مجموعة من الأهداف المرتبطة بالأمن القومي التركي، إلى جانب أهداف سياسية وعسكرية تتصل بموقع أنقرة في سوريا والمنطقة.

ويقول: «أهداف الدور العسكري متعددة، أبرزها حماية الأمن القومي التركي وبناء الجيش السوري الموحد الذي يقطع الطريق على قيام كيانات انفصالية تهدد الداخل الكردي كتنظيم (قسد) شرق سوريا سابقاً، وتعزيز نفوذ تركيا السياسي والعسكري وتكرار تجربتها العسكرية في بناء الجيوش في الدول الأفريقية، إضافة إلى دور تركيا في دعم الإدارة السورية الجديدة التي كانت داعمة لها خلال الثورة».

عبدي مع مجموعة من قواته بلباس الجيش السوري (مواقع التواصل)

معركة بناء لا مجرد دمج

في المحصلة، تكشف عملية إعادة هيكلة الجيش السوري أن التحدي الذي تواجهه دمشق لا يتمثل فقط في إدخال الفصائل المسلحة السابقة إلى وزارة الدفاع، وإنما في إنهاء قدرتها على العمل ككتل مستقلة داخل المؤسسة العسكرية.

فالمرحلة الأولى قامت على استيعاب الفصائل تحت مظلة الدولة، بينما تركز المرحلة الحالية على تفكيك هياكلها الداخلية، وإعادة توزيع عناصرها وقياداتها، وتغيير مناطق انتشارها ومهامها، بما يمنع إعادة إنتاج الولاءات المناطقية والفصائلية.

وبينما تؤكد السلطات العسكرية أن الهدف هو بناء جيش موحد لكل السوريين، تبرز في المقابل تساؤلات حول حجم الدور الذي ستحتفظ به الشخصيات القادمة من «هيئة تحرير الشام»، وحول طبيعة العقيدة العسكرية للجيش الجديد، وحدود التأثير التركي والدولي في عملية بنائه.

وفي نهاية المطاف، تبدو إعادة الهيكلة اختباراً أساسياً لقدرة الدولة السورية الجديدة على الانتقال من مرحلة «الفصائل المنتصرة» إلى مرحلة «المؤسسة العسكرية التابعة للدولة»، وهي عملية لم تكتمل بعد، وستحدد نتائجها إلى حد كبير شكل الدولة السورية وأمنها خلال المرحلة المقبلة.


ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
TT

ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)

خلّفت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية ندوباً لا تزال ماثلة على شواهد في الولايات المتحدة، وذكريات رهيبة في وجدان الأميركيين وكثيرين عبر العالم. وإذا كانت التداعيات الأولى ظهرت سريعاً في غزوين أميركيين لكل من أفغانستان (2001) والعراق (2003)، فإن البعض يجادل بأن حرب إيران اليوم تقع - في جانب منها - ضمن السياق ذاته.

وإذ يحيي الأميركيون هذا العام الذكرى السنوية الـ25 للهجمات التي أدت إلى سقوط نحو ثلاثة آلاف قتيل مع صدْم برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك بطائرتين مدنيتين ووزارة الدفاع (البنتاغون) في واشنطن العاصمة بطائرة مدنية ثالثة، فضلاً عن رابعة أُسقطت في بنسلفانيا، لم تنته بلدان مثل أفغانستان، والعراق، وسوريا، واليمن، والصومال ونيجيريا وغيرها بعد من إحصاء العدد النهائي لمئات آلاف من الضحايا، وربما أكثر من الذين سقطوا في الحروب الأميركية والعالمية المتواصلة مُذّاك ضد تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وغيرهما من الجماعات الإرهابية.

طُبعت هذه الاعتداءات على «الوجه الدّامي» لأميركا، حيث لم تغلق بعد السجالات الدائرة حول «سجلات سريّة» يقال إنها لم تنشر بعد على رغم مضي ربع قرن على الوقائع المستعادة سنويّاً ليوم 11/ 9، لحظة بلحظة، ودقيقة بدقيقة، وساعة بساعة، وعاماً بعد آخر.

رسم بياني يُظهر عدد الطائرات ومسار كلٍّ منها قبل لحظة الارتطام

ويحيي الأميركيون هذه اللحظات والدقائق كل عام، بتسجيلها في الذكرى، وبوصفها بداية تاريخ جديد للبلد الذي نشأ رسمياً قبل 250 عاماً، ويقرعون أجراس الحزن بالمواقيت التالية:

منذ الساعة 5:45 فجر 11/ 9، حين اجتاز خاطفان، نقاط التفتيش الأمنية في مطار بورتلاند الدولي بولاية ماين، ليستقلا رحلة إلى مطار لوغان الدولي في بوسطن في ماساتشوستس، ثم الرحلة الرقم 11 لـ«أميركان إيرلاينز» التي أقلعت الساعة 7:05 صباحاً وعلى متنها 76 راكباً مع طاقم من 11 شخصاً وخمسة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: لوس أنجلس في كاليفورنيا.

وكذلك، أقلعت من بوسطن الرحلة 175 لشركة «يونايتد أيرلاينز» الساعة 8:15 صباح اليوم ذاته، وعلى متنها 51 راكباً وطاقم من تسعة أفراد وخمسة خاطفين، متجهة أيضاً إلى لوس أنجلس.

وعند الساعة 8:20 صباحاً، أقلعت الرحلة 77 لـ«أميركان إيرلاينز» من واشنطن العاصمة، وعلى متنها 53 راكباً وستة من أفراد الطاقم وخمسة خاطفين، متجهة كذلك إلى لوس أنجلس.

وطارت من مطار نيوارك في نيوجرسي الرحلة 93 لـ«يونايتد أيرلاينز» عند الساعة 8:42 صباحاً، وعلى متنها 33 راكباً وسبعة من أفراد الطاقم وأربعة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: سان فرانسيسكو، كاليفورنيا.

صورة أرشيفية للحظة اصطدام الطائرة ببرج التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

دقائق الرعب

لم تمضِ دقائق حتى ارتطمت الرحلة 11 الساعة 8:46 صباحاً بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي عند الناحية السفلى من مانهاتن في نيويورك. وتسمّر الناس في كل أصقاع الأرض أمام الشاشات لمشاهدة ما لم يخطر ببال أحد من غير المهاجمين أنفسهم.

وقبل أن يفيق أحد من صدمة «حادثة» البرج الشمالي، صدمت الرحلة 175 البرج الجنوبي بعد دقائق قليلة أخرى، في تمام الساعة 9:03 صباحاً، ليتيقّن الجميع أن ما يحصل أكبر بكثير مجرد «حادثة» لطائرات ضلّت طريقها فوق المدينة العامرة.

ظلّت الأفواه فاغرة طويلاً وسادت حالة من الذهول.

حتى الرئيس جورج دبليو بوش، الذي كان داخل صف ابتدائي لمدرسة في فلوريدا، بدا غير مصدق لما يحصل، حين همس في أذنه كبير موظفي البيت الأبيض آنذاك أندرو كارد، الساعة 9:05 صباحاً لإبلاغه بالهجوم على البرج الثاني. وكتب بوش لاحقاً: «قررت عدم النهوض فوراً ومغادرة الصف. لم أرد إثارة ذعر الأطفال. أردت بث شعور بالهدوء... مررت بأزمات كافية لأعرف أن أول ما يجب على القائد فعله هو بث الهدوء».

غير أن السكينة التي سعى إليها الرئيس الأميركي بدت سراباً مع ارتطام الرحلة 77 بالمبنى الأيقوني لوزارة الدفاع (البنتاغون) عند الساعة 9:37 صباحاً، في حين كان المسافرون على الرحلة 93 يتعاركون مع الخاطفين حتى الساعة 10:02 صباحاً، حين تحطمت الطائرة فوق حقل خالٍ في شانكسفيل، بنسلفانيا. لم يعرف أحد ما كانه الهدف النهائي لخاطفي الرحلة 93، بيد أن كثيرين رجَّحوا أن تكون متجهة إما إلى البيت الأبيض أو مبنى الكابيتول.

الدمار الهائل والرماد الذي خلَّفته تفجيرات «11 سبتمبر» في دقائق (أ.ف.ب)

أبعاد «آبوكاليبتيكية»

أعطت الصحافة الأميركية أبعاداً «آبوكاليبتيكية» لانهيار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي أولاً عند الساعة 9:59 صباحاً. ثم انهيار البرج الشمالي بعد 29 دقيقة، الساعة 10:28 صباحاً.

لم تكن تلك اللحظات من ذلك الثلاثاء المشؤوم، مجرد توثيق لوقائع ضربة يعدّها البعض أخطر أميركياً من هجوم بيرل هاربر الذي كان السبب المباشر لدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية ضد اليابان الإمبراطورية وبقية دول المحور: ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

وأعادت هجمات 11/ 9 تشكيل الأمن الأميركي والحياة اليومية للأميركيين وغير الأميركيين على نطاق واسع، من المطارات إلى السياسة الخارجية والمجتمعات المحلية.

وبعد أيام فقط من الهجمات، اتخذ الرئيس بوش قرارات مهمة لتوحيد 22 جهازاً فيدرالياً، أصدر الكونغرس «قانون باتريوت» موسعاً صلاحيات المراقبة والتحقيق الفيدرالية. وتغيّر أمن الطيران جذرياً مع إنشاء إدارة أمن النقل، التي فرضت فحص جميع الأمتعة بالأشعة السينية. وصار خلع الأحذية إجراءً روتينياً. كما ألزم الكونغرس شركات الطيران بأبواب قمرة قيادة محصّنة، وأُنشئت «قائمة حظر الطيران»، وفرضت بطاقة «الهوية الحقيقية» إلزامياً للسفر الداخلي.

وارتفعت ثقة الأميركيين بالحكومة الفيدرالية لأول مرة منذ عهد جونسون، ورفع 80 في المائة من البالغين العلم الأميركي في أكتوبر (تشرين الأول) 2001 وسط موجة وطنية واسعة. لكن الهجمات أشعلت أيضاً موجة «إسلاموفوبيا» وعنف ضد المسلمين في أنحاء مختلفة من الولايات المتحدة وعبر العالم.

«حرب عالمية» على الإرهاب

بالإضافة إلى ذلك، كانت هجمات 11 سبتمبر 2001 بمثابة إعلان «الحرب على أميركا»، التي أعلنت بصفتها القوة العظمى الوحيدة عالمياً في مستهل الألفية الثالثة، أن «ما قبلها ليس كما بعدها»، وأنها إيذان ببدء الحرب الأميركية والعالمية على الإرهاب.

بهذه الروحية، خاطب الرئيس بوش الأمة الأميركية ليلة ذلك اليوم، الذي سقط فيه زهاء ثلاثة آلاف قتيل، والذي لا يزال مؤثراً على نمط حياة الأميركيين إلى يومنا هذا، بعد أي مضي ربع قرن. وركز في خطابه على طمأنة الأميركيين، مرسلاً التباشير الأولى لما صار لاحقاً «مذهب بوش» في السياسة الخارجية؛ إذ قال: «لن نفرق بين الإرهابيين الذين ارتكبوا هذه الأعمال ومن يؤويهم»، وممهداً أيضاً الطريق لإطلاق الحملة العسكرية اللاحقة ضد أفغانستان «طالبان» بعدما رفضت تسليم زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن.

الدخان متصاعداً من برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك لحظة التفجيرات (غيتي)

وعلى رغم انهيار الحكم الطالباني الأول بعد قرابة شهرين من «عملية الحرية الدائمة» العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة مع تحالف دولي، طالت الحرب على الإرهاب في هذا البلد المضطرب 20 عاماً.

وفي خطابه الأول عن «حال الاتحاد» بعد هجمات 11/ 9، أعطى الرئيس بوش في مطلع عام 2002 التصور الأكثر تكاملاً عن حرب «ستتواصل لعقود» تخوضها الولايات المتحدة لاجتثاث الإرهاب والدول الراعية له وفقاً للمنظور الأميركي. أعلن الهدف النهائي ضد ما سماه «محور الشر» الذي ضم كلاً من العراق وإيران وكوريا الشمالية، مضيفاً اتهاماً آخر بأن هذه الدول تنتج أيضاً أسلحة دمار شامل.

إطلاق مصطلح «محور الشرّ»

أسس الرئيس بوش في الخطاب الذي كتبه له ديفيد فروم لحرب العراق التي أطاحت في 2003 نظام البعث بقيادة الرئيس صدام حسين. وأشار فروم في حديث لصحيفة «النهار» اللبنانية آنذاك، إلى أنه بنى تعبير «محور الكراهية» (الذي استبدل به الرئيس بوش مصطلح «محور الشرّ») على استعارات من خطاب الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عن «التاريخ الذي سيبقى وصمة عار» الذي ألقاه في 8 ديسمبر (كانون الأول) 1941، بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر، ليقرر خوض حرب ليس فقط ضد اليابان الإمبراطورية، بل أيضاً ضد ألمانيا النازية.

الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتفقدان الأضرار في مبنى البنتاغون غداة هجمات 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

لم يكتفِ الرئيس بوش بالحرب ضد أفغانستان، بل أرسل القوات الأميركية أيضاً إلى العراق. وحسب مشروع «تكلفة الحرب» لدى جامعة براون، قُتل نحو 940 ألف شخص بالعنف المباشر في هاتين الحربين، في حين تجاوز إجمالي الضحايا 4.5 ملايين بحلول عام 2023 بسبب الآثار غير المباشرة. وارتفع الإنفاق العسكري 50 في المائة في العقد التالي للهجمات، بتكلفة إجمالية تجاوزت 5.6 تريليونات دولار بحلول 2018، وأُنشئ معتقل غوانتانامو الذي احتجز 780 شخصاً.

وقال فروم: «بالنسبة لروزفلت، لم يكن بيرل هاربر مجرد هجوم، بل كان بمثابة تحذير من هجمات مستقبلية أسوأ من عدو آخر، بل وأكثر خطورة». وكذلك، ربط بين العراق إيران و«القاعدة» و«حزب الله» التي شكَّلت على رغم التناقضات بينها، «محور كراهية ضد الولايات المتحدة». وأضيفت إليه كوريا الشمالية بسبب تطويرها أسلحة نووية.

وفي وقت تواصلت فيه الحرب على الإرهاب في أفغانستان، شكلت حرب العراق بداية لحرب أوسع نطاقاً ضد «محور الشر»، فاندفع النظام الإيراني إلى استغلال انهيار الحُكمين الطالباني والبعثي نحو ملء جزء رئيسي من الفراغ الجيوبوليتيكي الهائل بإنشاء «محور المقاومة» والذي سمّاه الملك عبد الله بن الحسين لاحقاً «الهلال الشيعي» - سعياً إلى امتداد جغرافي من إيران إلى لبنان، عبر كل من العراق وسوريا، التي اكتفى المسؤولون الأميركيون بتصنيفها ضمن الدول الراعية للإرهاب بسبب علاقاتها بالجماعات المسلحة ودورها كنقطة عبور حيوية للأسلحة والدعم الموجه إلى وكلاء إيران، وأبرزهم «حزب الله»، قبل التحوّل الكبير الذي شهدته دمشق في نهاية عام 2024.

واستخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هجمات 7 أكتوبر 2023 لتشبيهها بهجمات 11 سبتمبر 2001 وفتح حرباً لا سابق لها ضد «حماس» وغيرها من الجماعات الموالية لإيران - ولاحقاً «حزب الله» في لبنان - غير آبه بسقوط عشرات آلاف الضحايا بين الفلسطينيين واللبنانيين.

حرب إيران... حيث لم ينفع شيء

لم يتمكن الرئيس بوش ومن أتى بعده من الرؤساء الأميركيين من وضع حد لحال العداء المستحكمة بين الولايات المتحدة وإيران، أو من لجم الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني، على رغم الشكاوى المتكررة من دول الجوار بسبب استمرار تدخلاته في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. بل تعاقب الرؤساء الأميركيون على استخدام مقاربات مختلفة؛ أملاً في تغيير يدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من الاستقرار.

نسخ من صحيفتي «همشهري» و«جام جم» الإيرانيتين تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «بندقية العقوبات الفارغة» (إ.ب.أ)

لم ينفع شيء. وجاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى ولايته الثانية عازماً على إحداث تغيير جوهري في إيران، ومردداً اتهامات من مسؤولين أميركيين سابقين وحاليين بأنها «آوت» أيضاً مسؤولين من «القاعدة» مطلوبين للعدالة الأميركية، فضلاً عن دعم «حزب الله» في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن والجماعات الشيعية المسلحة في العراق، وإن ركز أكثر على سعي النظام الإيراني إلى صنع أسلحة نووية والمزيد من الصواريخ الباليستية والمسيَّرات.

يمكن وضع الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة مع إيران منذ نهاية فبراير (شباط) 2026 في سياق الحروب الأميركية ضد «محور الشر» التي أعلنها الرئيس بوش، وأوضحتها لاحقاً مستشارة الأمن القومي وزيرة الخارجية سابقاً كوندوليزا رايس بأن «دعم إيران المباشر للإرهاب الإقليمي والعالمي، وسعيها الدؤوب لاقتناء أسلحة الدمار الشامل، يناقض أي نيات حسنة أبدتها في الأيام التي أعقبت أسوأ الهجمات الإرهابية في التاريخ».

خلاصة الأمر، أن الولايات المتحدة لطالما عدَّت إيران راعية للإرهاب وخصماً محتملاً وخطيراً في الشرق الأوسط.


معتقل غوانتانامو... «الاستثناء» الذي أصبح قاعدة

مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
TT

معتقل غوانتانامو... «الاستثناء» الذي أصبح قاعدة

مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)

في الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر (أيلول)، يبدو معتقل غوانتانامو أقل شبهاً بسجن بقي مفتوحاً بالخطأ، وأكثر اقتراباً من مؤسسة متجذرة عرفت كيف تقاوم الزمن.

كان يُفترَض أن يكون المعتقل الذي افتُتِح في القاعدة البحرية الأميركية بخليج غوانتانامو في يناير (كانون الثاني) 2002 حلاً مؤقتاً لحالة استثنائية: احتجاز مقاتلين أسرى في «الحرب على الإرهاب» بعيداً من البر الأميركي، ومن دون أن تنطبق عليهم، حسب منطق الإدارة الأميركية آنذاك، القواعد القانونية التي تحكم السجون التقليدية أو أسرى الحروب.

مشهد عام لقاعدة غوانتانامو الأميركية في الخليج الكوبي قبيل إنشاء المعتقل فيها مطلع 2002 (أ.ف.ب)

لكن المؤقت طال.

ومع مرور ربع قرن، لم يعد السؤال يقتصر على: لماذا لم يُغلق غوانتانامو؟ بل ماذا حدث للفكرة التي أنشأته؟ وكيف أمكن لاستثناء قانوني وسياسي وُلد في لحظة «تروما جماعية» بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، أن يتحول إلى مؤسسة قادرة على البقاء، والاستمرار حتى بعدما تغيّرت الإدارات في البيت الأبيض والحروب في الميادين وشكل التهديدات وأسماء أصحابها.

بعد الهجمات، دخلت الولايات المتحدة حرباً جديدة سمتها «الحرب على الإرهاب». وفي إطار هذه الحرب، نشأ نظام واسع للاعتقال خارج المألوف القانوني، اعتمد على السرّية والاحتجاز المفتوح زمنياً، وعلى محاولة الفصل بين «الحرب» العسكرية، والأرضية التشريعية التي تحكمها عادة.

لافتة ترحيبية عند مدخل قاعدة معتقل غوانتانامو بعد تحديثه (أرشيفية - أ.ف.ب)

وجاء غوانتانامو أوضحَ مثالٍ لتناقض تكشف تدريجياً؛ ففي حين نشأت عدة مواقع اعتقال سرية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، في بلدان متعددة، واعتمدت برامج استجواب قهرية ولا إنسانية، وأصبحت لاحقاً جزءاً من أكثر الفصول إثارة للجدل في الحرب الأميركية على الإرهاب، بقي غوانتانامو مختلفاً. لقد امتلك ميزة إضافية.

كان مكاناً حيّاً. نما وتطوّر وامتد على مساحة جغرافية أكبر عبر السنوات، منذ لحظة افتتاحه، مطلع يناير (كانون الثاني) 2002، وإلى اليوم. وهو إذ يتكيّف مع الإدارات الأميركية المتبدّلة بين جمهورية أو ديمقراطية، ويطور أساليبه وأنماطه، لم يبتعد قيد أنملة عن الفكرة المؤسسة له، والمجال الحيوي الهائل للسلطة السياسية؛ أن الدولة الأميركية، في ظروف استثنائية، تستطيع أن تنشئ مساحة استثنائية، وأن المحتجَز يمكن أن يكون «مقاتلاً عدواً» من دون أن يكون أسيراً بالمعنى التقليدي، ومن دون أن يكون متهماً أمام محكمة جنائية، وأن الحرب يمكن أن تكون طويلة إلى درجة يصبح معها الاحتجاز نفسه بلا نهاية محددة. وذلك هو حال عدد من سجناء غوانتنامو اليوم، بعد نحو ربع قرن.

جندي أميركي يعبر قرب الشريط الشائك الذي أحاط بـ«كامب إكس» قبل إغلاقه (أ.ف.ب)

غوانتانامو بوصفه أرشيفاً

ربما في الأيام الأولى التي أعقبت 11 سبتمبر، كان من السهل فهم منطق الاستثناء؛ فقد كانت أميركا لا تزال تحت صدمة الهجمات، وكانت الإدارة الأميركية تتعامل مع تنظيم القاعدة باعتباره تهديداً يتجاوز حدود الدول والجيوش التقليدية.

لكن المعضلة تكمن في الاستثناء نفسه وليس فقط في لحظة إنشائه. المشكلة في قدرته على البقاء بعد زوال اللحظة التي أنشأته.

هنا تحديداً تكمن كل قصة غوانتانامو.

وصول الدفعة الأولى من المعتقلين إلى قاعدة غوانتانامو حيث وُضعوا في أقفاص مكشوفة يناير 2002 (غيتي)

فقد أُرسل إليه في البداية رجال اعتبروا جزءاً من الحرب الجديدة بأدواتها الجديدة، لكن السنوات كشفت أن كثيراً من المحتجزين لم يكونوا من كبار قادة «القاعدة»، وأن بعضهم أُرسل إلى هناك بناء على معلومات خاطئة أو صلات هامشية أو بسبب مكافآت مالية، قبل أن يجدوا أنفسهم في نظام يصعب الخروج منه.

على مدى سنوات، مرّ بالمعتقل نحو 800 رجل، لم يبقَ اليوم منهم سوى عدد قليل. وفي مطلع 2025، كان العدد الرسمي 15 محتجزاً، بينهم من ينتظرون النقل إلى دول أخرى، وآخرون يخضعون لإجراءات أمام اللجان العسكرية، وثلاثة ما زالوا في الاحتجاز من دون تهم جنائية أو موافَقة على نقلهم.

لكن انخفاض العدد لم يعنِ انتهاء المشكلة.

على العكس، كلما تقلص عدد المحتجزين، أصبح غوانتانامو أقل شبهاً بسجن جماعي خارج عن السياق العام، وأكثر شبهاً بأرشيف حي للحرب على الإرهاب: ملفات قانونية لم تُحسم، واعترافات انتُزعت في ظروف قسرية، ومحاكمات عسكرية تأخرت سنوات، وأشخاص لا تزال الدولة الأميركية تجد صعوبة في تحديد كيفية التعامل معهم وإنهاء احتجازهم.

صيد ثمين في حفرة مظلمة

قد يكون من الإجحاف اختصار قصة معتقل بحجم غوانتانامو في شخصية واحدة؛ لكن خالد شيخ محمد نموذج صارخ عن تلك التناقضات الهائلة في هذا الملف.

خالد شيخ محمد «العقل المدبّر» لهجمات «11 سبتمبر» فور إلقاء «سي آي إيه» القبض عليه في باكستان عام 2003 (أ.ب)

الرجل المتهم بأنه العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر لم يصل إلى غوانتانامو فوراً. سبقت ذلك سنوات من المطاردة والاعتقال السري، واحتجاز لدى وكالة الاستخبارات المركزية، واستجوابات قاسية، ثم نقل إلى غوانتانامو عام 2006 مع عدد من «كبار الشخصيات» أو كما سمّوا آنذاك بـ«الصيد الثمين»، الذين كانوا محتجَزين في مواقع سرية سبق ذكرها، وسُمّيت «الحفر المظلمة».

وهنا تتقاطع قصة الرجل مع قصة المكان: أين تنتهي الحرب وتبدأ العدالة؟ وهل يمكن لمحاكمة جريمة بحجم 11 سبتمبر أن تقوم على أدلة تشكلت، جزئياً، داخل منظومة سرية استخدمت التعذيب والإكراه؟

بعد أكثر من عقدين على الهجمات، ما زالت القضية تبحث عن خواتيمها. وأخيراً حدَّد قاض عسكري في أغسطس (آب) الماضي موعداً مبدئياً في 5 يونيو (حزيران) 2028 لمحاكمة خالد شيخ محمد وثلاثة متهمين آخرين أمام محكمة عسكرية في غوانتانامو، بعد سنوات طويلة من التعثر القانوني.

لكن المفاجأة وقعت؛ فبعدما تغيرت لوائح المحاكمات، قرر الادعاء المضي في القضية من دون استخدام اعتراف رئيسي أدلى به خالد شيخ محمد عام 2007 أقرّ فيه بمسؤوليته عن الهجمات، وذلك بعدما اعتُبِر غير طوعي وانتُزِع بالإكراه.

وللمفارقة، لم يستأنف الادعاء القرار خشية تأخير موعد المحاكمة أكثر من ذلك.

هكذا أصبح المعتقل جزءاً من مشكلة كان يفترض أن يحلها؛ فبعدما حكم على مئات الأبرياء، ها هو اليوم قد يبرئ مذنباً.

«كامب دلتا 2 و3» ذات الإجراءات الأمنية المشددة حيث اعتُقل كبار قادة تنظيم «القاعدة» في صورة تعود لعام 2006 (أ.ف.ب)

وتواجه واشنطن اليوم معضلة أكبر؛ فهي من جهة تريد محاكمة المسؤولين عن أكبر هجوم إرهابي تعرضت له على أراضيها، وطي هذه الصفحة، ومن جهة أخرى، هي مضطرة إلى مواجهة الورطة التي أوقعت نفسها بها: ماذا تفعل الأدلة عندما يكون الطريق الذي أنتجها موضع طعن قانوني؟

لهذا لم تعد قضية خالد شيخ محمد مجرد قضية رجل متهم بالإرهاب. إنها أيضاً قضية الدولة التي أرادت أن تحقق العدالة من دون أن تدفع الثمن القانوني الكامل لها.

عدّ تنازلي... إلى ما لا نهاية

في 2009، عندما أعلنت إدارة أوباما المنتخب حديثاً نيتها إغلاق المعتقل، وكان ذلك أصلاً أحد وعود حملته الانتخابية، على أن يتم ذلك في 22 يناير 2010، حملتني مهمة صحافية إلى غوانتانامو. كان عمره 8 سنوات وشهد خلالها توسعة تلو الأخرى و«تحسينات» خدمية متعددة، وبدأت فيه المحاكمات في قاعات محكمة ذات أقواس خشبية ومقاعد للحضور وكل ما يلزم من مشهدية العدالة.

«كامب العدالة» حيث أنشئت قاعات المحاكمات المسبقة الصنع في صورة التُقطت نهاية 2008 (أ.ف.ب)

في ذلك الوقت، كانت إدارة المعتقل تستقدم الصحافيين لتعرض عليهم ظروفه، وقد بات يشبه السجون الفيدرالية بمطابخ تقدم اللحوم الحلال، وملاعب رياضية ونشاطات متنوعة ومواعيد صلاة، أملاً في أن تعوّض شيئاً ولو يسيراً من صور الأقفاص المتراصة وسط حر جزيرة استوائية.

بالتوازي، كانت الإدارة السياسية في واشنطن تفاوض دولاً متعددة لنقل المحتجزين إليها. والسؤال العملي كان بسيطاً: كيف يمكن إخراج الموجودين وإغلاق المكان؟

لكن المكان وسكّانه والمحامون المتطوعون للدفاع عنهم هناك في نيويورك... كلهم قالوا شيئاً آخر.

فقد أُتيح في تلك الزيارات، المنظمة والمراقبة بشدة، رؤية أجزاء كثيرة من المعتقل ومرافقه المحدّثة والمطوّرة، لكن أجزاء أخرى بقيت خارج نطاق الرؤية. وكانت الجملة التي تتكرر على مسامع الزوار، من العسكريين تحمل وعداً يفوق قدرة المكان على الإيفاء به: «هنا سترون الحقيقة عارية»، قالوا.

لكن هل يمكن فعلاً رؤية الحقيقة عارية من خلف ستار؟

مدخل «كامب 6» في صورة تعود إلى عام 2014 وتظهر لافتة كُتب عليها «معتقلون في المنشأة. التزموا الصمت» (أ.ف.ب)

كان هناك، مثلاً: «كامب 7»، القسم الأكثر غموضاً، المخصص لـ«الصيد الثمين» من كبار قادة «القاعدة»، وكان وجوده معروفاً، ومبناه يطل على بقية الأبنية من هضبة قريبة. لكن تفاصيله محاطة بالسرية المطلقة.

وفي «كامب 6»، مثلاً، كان المحتجزون يطلّون، أو يحاولون أن يطلّوا، من خلال فتحات ضيقة في النوافذ، وأصواتهم تصل إلينا من مسافة قبل أن نلتمس صورتهم. «كاذبون! كاذبون!» كانت الصرخة التي تتكرر من خلف تلك الجدران. لم يكن ممكناً رؤية الوجوه بوضوح فقد كان رفع النظر إلى المساجين ممنوعاً، لكن الاتهام كان مسموعاً بوضوح.

كان ذلك في حد ذاته درساً صغيراً في طبيعة هذه المنشأة: يمكن أن تكون أبوابها مفتوحة بما يكفي كي تراها، ومغلقة بما يكفي كي لا تعرف كل ما فيها.

وفي ذلك الوقت أيضاً، كان قائد القوات المشتركة في القاعدة، الأميرال توم كوبمان، يصف إغلاق المعتقل بأنه مهمة صعبة «لكنها ليست مستحيلة».

قول منطقي لسياق 2009.

ففي ذلك الوقت، لم تكن الاستحالة في الإغلاق تقنية. الأمر لا يتطلب إنهاء حرب أو تفكيك دولة. كان المطلوب نقل مئات الرجال، واتخاذ قرارات سياسية وقانونية بشأن مَن يُحاكم ومن يُطلق سراحه ومن يُنقَل إلى بلد ثالث، ثم إغلاق منشأة كغيرها من المنشآت. وراح كل قرار يحمل قراراً.

باحة داخلية مشتركة في «كامب 6» وبدت حولها زنزانات الاعتقال بعد تجديد المباني بمعتقل غوانتانامو خلال 2008 (أ.ف.ب)

هل يعود المحتجز إلى بلده؟ هل تقبله دولة ثالثة؟ هل يمثل أمام محكمة مدنية أم عسكرية؟ هل يمكن إطلاق سراحه إذا لم تكن هناك أدلة كافية لمحاكمته؟ وماذا عن أجهزة الاستخبارات التي ترى أنه يشكل خطراً؟ ماذا تفعل الدولة بشخص لا تستطيع إدانته، ولا تثق في إمكانية إطلاقه؟

بهذا المعنى، أصبح غوانتانامو أقل ارتباطاً بعدد المعتقلين وظروف احتجازهم «المحسَّنة»، بقدر ما هو مرتبط بهيكلية القرار داخل الإدارة الأميركية وتسلسل القيادة المتشعّب الذي نشأ حولهم.

ماذا فعل غوانتانامو بأميركا؟

ربما كان الخطأ في النظر إلى غوانتانامو بوصفه مشكلة حقوقية خارجية فقط.

لقد كان، في جانب مهم منه، تجربة أميركية داخلية حول حدود السلطة.

فبعد 11 سبتمبر، امتلكت السلطة التنفيذية قوة هائلة باسم الأمن القومي. ثم جاء القضاء ليضع حدوداً لهذه القوة في سلسلة من القضايا الشهيرة، من «رسول ضد بوش» إلى «حمدان ضد رامسفيلد» ثم «بوميدين ضد بوش». وفي كل مرة تقريباً، كان السؤال نفسه يعود بصيغة مختلفة: هل يمكن للحرب أن تخلق منطقة خارجة عن القانون؟

الإجابة معقدة لا شك.

جنديان أميركيان يدخلان إلى «كامب دلتا 1» الذي يخضع لحراسة مشددة (غيتي)

فالكونغرس أقرَّ قوانين، والإدارات غيّرت سياساتها، والمحاكم تدخلت، والجيش أعاد صياغة قواعد الاحتجاز، والولايات المتحدة نقلت عدداً كبيراً من المعتقلين أو أطلقت سراحهم. لكن المؤسسة التي نشأت في لحظة الاستثناء بقيت ولا تزال وقد يعاد تدويرها لتستمر إلى أجل غير مسمّى بمهام جديدة.

لهذا السبب فإن التطورات الأخيرة في القاعدة تكتسب أهمية تفوق مجرد خبر عابر.

في يناير (كانون الثاني) 2025، وجّهت إدارة الرئيس دونالد ترمب وزارة الدفاع والأمن الداخلي إلى توسيع «مركز عمليات المهاجرين»، في قاعدة غوانتانامو البحرية، إلى كامل طاقته، بهدف توفير مساحة إضافية لاحتجاز مهاجرين. ومنذ ذلك الحين، أكدت وثائق ICE وجود إجراءات خاصة لاحتجاز المهاجرين في القاعدة، بما في ذلك في «كامب 6» و«مركز عمليات المهاجرين».

وعليه، بعد سلسلة من محطات التوقيف والاحتجاز، نقل آدم عبد الله، وهو صومالي يبلغ 31 عاماً أوقفته سلطات الهجرة في مينيسوتا، ونقلته إلى غوانتانامو من دون تهمة واضحة، ووجوده قانوني، ويجري مراجعات دورية مع سلطات الهجرة. وأفادت وسائل إعلام أميركية بأنه يقبع منذ نحو أسبوعين في «كامب 6»، وأنه واحد من 8 أشخاص من الصومال محتجزين هناك.

لا يعني هذا أن معتقل «الحرب على الإرهاب» ومراكز احتجاز المهاجرين هما المؤسسة القانونية نفسها، ولا أن الأشخاص المحتجزين فيهما يخضعون للمنظومة ذاتها، لكن إعادة استخدام المنشأة نفسها لتنفيذ اعتقالات خارج المنظومة القانونية وبعيداً من البر الأميركي تطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله:

هل تستعاد أدوات «الحرب على الإرهاب» في خوض «الحرب على المهاجرين»؟ وهل يُعاد تدوير المعتقَل السيئ السمعة، مرة بعد أخرى بحسب ساكن البيت الأبيض؟

«كامب 6» بغوانتانامو في صورة تعود لعام 2008 (غيتي)

ليس ضرورياً أن تكون الحربان متطابقتين كي يستحق السؤال أن يُطرح.

فغوانتانامو لم يعد فقط نتاجاً لما حدث في 11 سبتمبر، بل أصبح اختباراً يومياً لما يمكن أن يحدث للأدوات التي تصنعها الدول في لحظات الخوف، ثم تكتشف لاحقاً أنها أسهل في اختراعها من إلغائها.

إنه ببساطة قصة الاستثناء الذي استحال قاعدة.