كيف تُغيّر طفرة الذكاء الاصطناعي التعليم في عام 2025

تعمل على تفكيك «فكرة التعليم» ذاتها

كيف تُغيّر طفرة الذكاء الاصطناعي التعليم في عام 2025
TT

كيف تُغيّر طفرة الذكاء الاصطناعي التعليم في عام 2025

كيف تُغيّر طفرة الذكاء الاصطناعي التعليم في عام 2025

يتخطى الذكاء الاصطناعي مجرد أتمتة سير العمل في عام 2025: إنه يعمل على تفكيك فكرة التعليم ذاتها، كما كتب فيكتور داي(*).

عصر تقادم المعرفة وتقادم التكنولوجيا

وما كان يُنظر إليه في السابق على أنه إنجازات تُحَقق لمرة واحدة، مثل الحصول على درجة البكالوريوس، أو على شهادة مهنية، أو دورة تدريبية سنوية للشركات، لم يعد ضمانة للاستمرارية في عالم تتقادم فيه المعرفة بالسرعة التي تتقادم بها التكنولوجيا نفسها تقريباً.

أزمة في المهارات

أفاد ما يقرب من نصف قادة تطوير المواهب الذين شملهم استطلاع «تقرير التعلم في مكان العمل» لعام 2025 Workplace Learning Report من منصة «لينكدإن-LinkedIn» بأنهم يرون أزمة في المهارات، مع وجود ضغط على المؤسسات لتزويد الموظفين بمهارات الأدوار الحالية والمستقبلية من خلال البناء الديناميكي للمهارات، لا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي، والذكاء الاصطناعي التوليدي.

نمو سوق الذكاء الاصطناعي في التعليم

وبالمثل، من المتوقع أن ينمو سوق الذكاء الاصطناعي في قطاع التعليم الذي يشمل التعليم الأساسي والثانوي، والتعليم العالي، والتدريب المؤسسي، ليصل الإنفاق فيه إلى ما بين 32.27 مليار دولار بحلول عام 2030، و127.2 مليار دولار بحلول عام 2035، مدفوعاً بارتفاع حاد في الطلب على التعلم المخصص في التدريب على مهارات الشركات المتوائمة مع سوق العمل، والحلول التكنولوجية التعليمية القابلة للتوسع.

المهارات تتقادم خلال عامين بدلاً من عقد كامل

يقول هوغو سارازين، الرئيس التنفيذي لشركة «يوديمي»، إحدى كبرى منصات التعلم عبر الإنترنت في العالم: «نشهد تقادم المهارات في غضون عامين إلى ثلاثة أعوام بدلاً من عقود. يُظهر الطلب على منصتنا أن المهنيين يدركون أن التعلم لا يمكن أن يتوقف عند التخرج في عالم يقوده الذكاء الاصطناعي». وهو يتوقع أن تصبح الجامعات على نحو متزايد بمثابة منصات إطلاق، تمنح الشهادات العلمية جنباً إلى جنب مع «عضوية رقمية» -أي استمرار التدريس والتدريب في التكنولوجيا- تمتد مدى الحياة. ويضيف سارازين أن ما يقرب من 5 إلى 8 أشخاص يسجلون في دورة تدريبية عن الذكاء الاصطناعي على المنصة كل دقيقة.

11 مليون تسجيل عالمي في دورات الذكاء الاصطناعي

ووفقاً لتقرير «اتجاهات التعلم والمهارات العالمية لعام 2026» الصادر عن «يوديمي»2026 Global Learning and Skills Trends Report، فقد ارتفعت معدلات التسجيل في الدورات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بمقدار 5 أضعاف خلال العام الماضي، متجاوزة 11 مليون تسجيل على مستوى العالم. كما وجدت الدراسة اهتماماً متزايداً بأدوات الذكاء الاصطناعي، مثل «مايكروسوفت كوبايلوت - Microsoft Copilot»، و«غيت هب كوبايلوت-GitHub Copilot»، ما يؤكد الطلب القوي على الكفاءة العملية، والإتقان في مجال الذكاء الاصطناعي. من المحتمل أن يكون هذا الارتفاع قد عزز نمو سوق «يوديمي»، حيث أعلنت الشركة عن إيرادات بلغت 199.9 مليون دولار للربع الثاني من عام 2025، بزيادة قدرها 3 في المائة عن العام السابق.

الذكاء الاصطناعي + التفكير النقدي= المكاسب والأرباح

ويقول سارازين: «تدرك الشركات أن الموظفين القادرين على استخدام الذكاء الاصطناعي بطلاقة، مع التفكير النقدي في مخاطره ومخرجاته وتأثيراته، هم من سيحققون أكبر المكاسب التجارية. نحن نشهد تحول الميزانيات من فعاليات التدريب السنوية إلى بناء المهارات المستمر والمتكامل الذي يندرج ضمن سير العمل اليومي، مما يساعد الموظفين على تعلم المهارات بالتحديد عندما يحتاجون إليها».

«اللياقة المهارية» والقدرة على التكيف في عصر الذكاء الاصطناعي

يصف سارازين هذا التحول بأنه بزوغ فجر عصر «اللياقة المهارية-skill fitness»، حيث يصبح التعلم أشبه بالتمرين الرياضي: فطلاقة استخدام الذكاء الاصطناعي هي القوة، والتفكير النقدي هو تمارين القلب، والتواصل هو المرونة. لم يعد التعليم محطة توقف عابرة، بل صار نظاماً مستمراً مدى الحياة. ويقول: «في مجال اللياقة البدنية، لا تذهب إلى صالة الألعاب الرياضية مرة واحدة ثم تعلن أنك لائق مدى الحياة. ولكن، هذه هي الطريقة التقليدية التي تعاملنا بها اعتيادياً مع التعلم». غير أن المهارات تترسخ فقط عندما تتم ممارستها في سياقها المناسب -والذكاء الاصطناعي يُمكّن هذا النوع من الممارسة على نطاق واسع.

لعب الأدوار... بالذكاء الاصطناعي

تتيح أداة «لعب الأدوار بالذكاء الاصطناعي-AI Role Play» من شركة «يوديمي»، التي أُطلقت في مايو (أيار) من العام الجاري، للموظفين التدرب على سيناريوهات من العالم الحقيقي، مثل التفاوض، أو محادثات التقييم المرجعي، أو حل النزاعات من خلال محاكاة مدفوعة بالذكاء الاصطناعي. ويتوقع سارازين قائلاً: «في العام المقبل، سوف تشهد حالات استخدام التجربة والاختبارات التشغيلية باستخدام الذكاء الاصطناعي انفجاراً، متجاوزة المحادثات وصولاً إلى التنفيذ الفعلي».

القدرة على التكيف

جيل الألفية الجديدة «Gen Z»، المستعد للهيمنة على القوى العاملة، يدرك أن ميزته الحقيقية في عالم مشبع بالذكاء الاصطناعي هي القدرة على التكيف. وفقاً لتقرير «يوديمي» عن «الجيل زد في مكان العمل» Gen Z in the Workplace report، فإن نسبة 84 في المائة من المهنيين من هذا الجيل يمنحون الأولوية الآن لتطوير المهارات التكيفية، مثل اتخاذ القرار، والتواصل، والتفكير النقدي على حساب التدريب التقني البحت. ويقول سارازين: «نشأ الجيل زد مع تكنولوجيا تتطور باستمرار. إنهم بصدد أن يصبحوا الجيل الأول الذي يتميز بولع أصيل في استخدام الذكاء الاصطناعي، مع بقائه متمحوراً حول الجانب الإنساني بصورة واضحة».

تكامل حذر لأجل مستقبل مسؤول

بينما من المتوقع أن تجعل عمليات دمج الذكاء الاصطناعي التعلم أسهل، يحذر الخبراء من أنه من الأهمية بمكان الفصل بين التقدم الحقيقي والضجيج التسويقي. يقول شاي ريشيف، خبير التعليم ورئيس جامعة يونيفيرسيتي أوف ذي بيبول: «في حين أن التكنولوجيا تحمل وعداً كبيراً لتحسين جودة التعليم، إلا أن تأثيرها الكامل لا يزال قيد القياس». ثم يتابع قائلاً: «يجب على المؤسسات المسؤولة ضمان أن المطالبات مدعومة بأدلة حقيقية، وأن نشرها يفيد الطلاب عالمياً بالفعل، لا سيما أولئك الذين يلجأون إلى الخيارات عبر الإنترنت بدافع الضرورة». وأضاف أنه بينما يمثل التخصيص من خلال الذكاء الاصطناعي فرصة قوية، فإنه يحمل أيضاً مخاطر العزلة والتحيز. ثم قال: «إذا كانت مجموعات البيانات الأساسية ضمن أنظمة التعليم التي تعمل بالذكاء الاصطناعي معيبة، أو إذا عززت الخوارزميات من أوجه التفاوت القائمة، فقد تضخم التكنولوجيا المشكلات بدلاً من حلها». وأعربت كافيتا غاي، الرئيسة التنفيذية لشركة «نيكتير»، عن نفس القلق، مشيرة إلى أن طرح خدمة تعليمية واحدة تعمل بالذكاء الاصطناعي ومصممة بشكل سيئ يمكن أن تثير عناوين رئيسة حول «الذكاء الاصطناعي يضر بالتعلم»، حتى وإن كان الواقع أكثر تعقيداً. وتقول غاي: «الأمر كله يتعلق بمدى مسؤولية المؤسسات في نشر مثل هذه الخدمة وصيانتها». ثم تضيف: «المسار المسؤول هو إجراء تجارب تشغيلية منضبطة، مع قياس النتائج، والتكرار (بغرض التحسين)».

التعليم الرسمي له دور حاسم في وضع أساسات قوية

كما أشارت غاي إلى أنه بينما سهّلت أدوات الذكاء الاصطناعي من اكتساب مهارات العمل والمهارات التقنية، لا يزال التعليم الرسمي والشهادات الجامعية يضطلعان بدور حاسم في تطوير أساسات قوية وعمق في الخبرة. ثم تقول: «الخطر الحقيقي يكمن في أن يتوقف الطلاب والمهنيون عن تعلم كيفية تمييز شكل العمل (الجيد). ومن دون هذا الأساس، لا يمكنهم الحكم على الجودة، أو تقييم الابتكار». وتضيف: «تكمن الفرصة الحقيقية في استخدام الذكاء الاصطناعي على أنه (معلم سقراطي)؛ يرشد الأفراد عبر الأخطاء، ولا يُنفذ العمل نيابة عنهم. هذا ما يحافظ على حيوية التفكير النقدي في عالم يضع الذكاء الاصطناعي أولاً».

التعليم الجديد: تنمية ثقافة مواكبة التقدم التكنولوجي

يؤكد هذا المنظور على حقيقة أعمق: قد يصبح التعليم قريباً أقل تركيزاً على استهلاك المحتوى، وأكثر تركيزاً على تنمية الثقافة. سوف تحتاج المؤسسات والجامعات إلى التعامل مع التعلم على أنه قيمة مشتركة ومنهج جماعي يواكب التغير التكنولوجي. يقول سارازين: «تماماً مثل الكهرباء أو الإنترنت، أعتقد أن الذكاء الاصطناعي سوف يصبح بنية تحتية غير مرئية. لن تفكر في (استخدام الذكاء الاصطناعي للتعلم)، لأن التعلم سيكون ببساطة مُعززاً بالذكاء الاصطناعي بصورة افتراضية». ثم يختتم قائلاً: «بدلاً من التنافس، سوف يُكمل الذكاء الاصطناعي والجامعات بعضهما البعض، ما يساعد المتعلمين على بناء المهارات بتنسيق يناسب احتياجاتهم الفريدة على أفضل وجه».

* مجلة «فاست كومباني» خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

الحمية التي أفادت صديقك… لماذا قد لا تناسبك؟

صحتك الحمية التي أفادت صديقك… لماذا قد لا تناسبك؟

الحمية التي أفادت صديقك… لماذا قد لا تناسبك؟

مراجعة حديثة تختبر الفوارق بين الوعود والنتائج

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
الاقتصاد متداول يتفاعل قرب شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» وسعر صرف الدولار مقابل الوون في غرفة تداول العملات الأجنبية بمقر بنك هانا بسيول (أ.ب)

أسهم كوريا الجنوبية تتراجع مع هبوط شركات الرقائق قبيل نتائج «سامسونغ»

تراجعت الأسهم الكورية الجنوبية، يوم الثلاثاء، مع استئناف التداول بعد عطلة طويلة، متأثرة بانخفاض أسهم شركات الرقائق.

«الشرق الأوسط» (سيول)
خاص مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)

خاص الصمود الرقمي... جاهزية سعودية لاستمرار الخدمات الحكومية

تستند الجاهزية الرقمية في السعودية إلى إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال، لضمان توافر الخدمات الحكومية ومواكبة المتغيرات والاحتياجات اليومية.

عبير حمدي (الرياض)
أوروبا رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني (د.ب.أ)

ميلوني تسعى لتسجيل صوتها علامة تجارية وسط مخاطر التزييف العميق بالذكاء الاصطناعي

تقدمت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني بطلب إلى مكتب الاتحاد الأوروبي للملكية الفكرية لتسجيل صوتها علامة تجارية، لحماية نفسها من مقاطع التزييف العميق.

«الشرق الأوسط» (روما )
أوروبا صحافي يجرب نظارة مزودة بالذكاء الاصطناعي في كاليفورنيا (أ.ب)

النرويج تقترح حظراً مؤقتاً على نظارات الذكاء الاصطناعي في أماكن عامة

أعلنت الحكومة النرويجية اليوم (الاثنين) أنها تعتزم اقتراح حظر مؤقت على استخدام النظارات المزودة بالذكاء الاصطناعي في بعض الأماكن العامة.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن )

اكتشاف فيروس اختطف جيناً بشرياً... واحتفظ به

اكتشاف فيروس اختطف جيناً بشرياً... واحتفظ به
TT

اكتشاف فيروس اختطف جيناً بشرياً... واحتفظ به

اكتشاف فيروس اختطف جيناً بشرياً... واحتفظ به

اكتشف العلماء فيروساً يحمل سمة بشرية طفيفة، إذ ظهر أنه يضم جيناً اختُطف من أسلافنا قبل نحو 100 ألف عام. ومن المحتمل أن يستخدم هذا الفيروس جيناتنا البشرية لإصابتنا بالعدوى.

فيروسات تختطف الجينات

أثبتت دراسات سابقة أن الفيروسات قادرة على التقاط جينات من الكائنات المضيفة لها. غير أن الاكتشاف الجديد -الذي نُشر الأسبوع الماضي في دورية «ساينس» Science قد يمثل الحالة الأولى المعروفة لفيروس يحمل جيناً بشرياً اكتسبه في مرحلة حديثة نسبياً من التاريخ التطوري. ويعلق نيلس إيلدي، عالم الأحياء التطورية في جامعة يوتا الذي لم يشارك في هذا البحث: «هذا الأمر يمسنا بشكل مباشر أكثر».

براعة الفيروس في سرقة الحمض النووي

إن آلية تكاثر الفيروسات تجعلها بارعة بشكل خاص في سرقة الحمض النووي (دي إن إيه)، فهي تغزو الخلية، ثم تسيطر على آلياتها الحيوية عن طريق حقن جيناتها الخاصة بداخلها. ثم تُجبر الخلية المصابة على إنتاج نسخ من الجينات الفيروسية، بالإضافة إلى البروتينات التي تغلف هذه الجينات لتكوين فيروسات جديدة. وفي النهاية تنفجر الفيروسات الجديدة خارجة من الخلية المصابة، ما يؤدي إلى موت الخلية.

وأحياناً قد تشوب هذه العملية أخطاء، فيتم دمج جزء من الحمض النووي للكائن المضيف ضمن الجينات الفيروسية الجديدة. وهذا الخطأ الجزيئي قد يشكل تهديداً لصحة الإنسان.

فيروس... بجين بكتيري

وعلى سبيل المثال، يمكن للفيروسات التي تصيب البكتيريا أن تلتقط جينات كانت البكتيريا تستخدمها لمقاومة المضادات الحيوية. ورغم أن هذه الجينات لا تعود بفائدة مباشرة على الفيروسات نفسها، فإنّها تتيح لها نقل هذا الحمض النووي إلى بكتيريا أخرى تصيبها لاحقاً؛ وتُعد هذه إحدى طرق انتشار مقاومة المضادات الحيوية.

فيروس... بجين بشري

والآن اكتشف العلماء فيروساً التقط جيناً من البشر. لم يكن هذا الجين مخفياً، أو يصعب العثور عليه؛ فقد اكتشفه سيدريك فيشوت Cedric Feschotte، عالم الأحياء في جامعة كورنيل، وزملاؤه أثناء فحصهم لقواعد بيانات الجينات الفيروسية. ويقول فيشوت: «لا أكاد أصدق أن أحداً لم يسبقنا إلى هذا الاكتشاف، إذ يمكن لأي شخص العثور على هذه الجينات حرفياً في غضون دقائق قليلة».

وقد اكتشف فيشوت وزملاؤه الجين البشري داخل فيروس «المليساء المعدية»، وهو فيروس يرتبط بصلة قرابة بعيدة بفيروس الجدري. ويسبب هذا الفيروس ظهور بثور صغيرة على الجلد، عادة ما تختفي تلقائياً بعد بضعة أشهر. ويصيب هذا الفيروس البشر فقط، وغالباً ما يصيب الأطفال.

يُعد الجين البشري المعني المسمى «بي سي 200» جِيناً غامضاً؛ إذ ينتج في الدماغ جزيء حمض نووي ريبوزي (آر إن إيه) لم يحدد العلماء وظيفته بدقة بعد. ويرجح بعض الباحثين أن الجين «بي سي 200» يساهم في ضبط معدل إنتاج البروتينات داخل خلايا الدماغ.

غزو واستيلاء قبل 100 ألف عام

ويحتوي جين «بي سي 200» الموجود في فيروس «المليساء المعدية» على طفرات لا توجد في النسخة التي يحملها البشر. وقد تراكمت هذه الطفرات منذ أن التقط الفيروس الجين من أسلافنا، ما أتاح للباحث فيشوت وزملائه تقدير أن الفيروس قد استولى على هذا الجين البشري قبل نحو 100 ألف عام.

يتميز جزيء الحمض النووي الريبوزي الذي يشفره الجين «بي سي 200» بتركيبة فريدة قد تدفع خلايانا أحياناً إلى إدراجه ضمن قطعة جديدة من الحمض النووي منقوص الأكسجين (دي إن إيه). وتُدمج هذه القطعة لاحقاً في جينومنا، مما يؤدي إلى تكوين نسخة إضافية من الجين «بي سي 200».

178 نسخة من الجين «بي سي 200» في الجينوم البشري

ويبدو أن هذه العملية تكررت كثيراً؛ فقد رصد فيشوت وزملاؤه 178 نسخة من الجين «بي سي 200» في الجينوم البشري، وقد تراكمت عبر ملايين السنين. ومن المحتمل أن يكون هذا الخلل هو السبب في انتقال الجين إلى الفيروس أيضاً. ومهما كانت طريقة وصوله، فقد ظل الجين «بي سي 200» موجوداً في الفيروس طوال المائة ألف عام الماضية. ولم يعثر فيشوت على أي عينة من فيروس «المليساء المعدية» تخلو من الجين «بي سي 200»، ما يشير إلى أن الفيروس يستفيد من هذا الجين البشري لصالحه.

ورغم أن الوظيفة الأصلية للجين «بي سي 200» ربما كانت تتعلق بتنظيم البروتينات في أدمغتنا، فإنّ الفيروس وجد له -على ما يبدو- وظيفة جديدة. وقد رجح الباحث إيلدي أن فيروس «المليساء المعدية» قد يستخدم جيننا للتحكم في عملية إنتاج البروتينات، وهي العملية المعروفة باسم «التحويل والانتقال». وأضاف إيلدي: «تعشق فيروسات الجدري Poxviruses التلاعب بعملية التحويل والانتقال».

هل هناك فيروسات مماثلة تحمل جينات بشرية؟

تحاول الخلايا المصابة بالفيروسات أحياناً إيقاف مصانع البروتين فيها لوقف إنتاج فيروسات جديدة، غير أن فيروسات الجدري قادرة على استخدام بروتينات العائل (أو المضيّف) لإعادة تشغيل تلك المصانع. وقد يشكل هذا الأمر مشكلة للبشر؛ إذ من المحتمل أن يقدم جين «بي سي 200» الخاص بنا هذه الخدمة لفيروس «المليساء المعدية» عند إصابتنا بالعدوى.

وأخيراً تساءل فيشوت عما إذا كان هو وزملاؤه قد عثروا بمحض الصدفة على مثال نادر للغاية لجين بشري داخل فيروس، أم أن هذه الظاهرة شائعة في الفيروسات. وقال: «بصراحة، يدفعني هذا الأمر إلى إجراء المزيد من البحث».

* خدمة «نيويورك تايمز»


بقايا فيروسات قديمة في جينوم الإنسان تتنبأ بالاستجابة للعلاج الكيميائي

بقايا فيروسات قديمة في جينوم الإنسان تتنبأ بالاستجابة للعلاج الكيميائي
TT

بقايا فيروسات قديمة في جينوم الإنسان تتنبأ بالاستجابة للعلاج الكيميائي

بقايا فيروسات قديمة في جينوم الإنسان تتنبأ بالاستجابة للعلاج الكيميائي

قد تكشف «بقايا فيروسات» عمرها ملايين السنين سر استجابة مرضى سرطان الدم للعلاج الكيميائي؛ إذ أظهرت دراسة جديدة أن أنماط نشاط هذه التسلسلات الفيروسية القديمة داخل الجينوم، ترتبط بضعف الاستجابة للعلاج. وقد أدى إدراجها في نماذج الذكاء الاصطناعي إلى تعزيز القدرة على التنبؤ بالمرضى الأكثر عرضة لمقاومة العلاج.

وأجرى الدراسة باحثون من جامعة كينغز كوليدج لندن، حيث حللوا بيانات سريرية وبيولوجية لـ271 مريضاً مصاباً بابيضاض الدم النقوي الحاد acute myeloid leukemia (AML)، تلقوا العلاج الكيميائي المعتاد. ونُشرت النتائج بدورية «Blood Neoplasia» في أغسطس (آب) 2026، وأشارت إلى أن ما يُعرف بـ«الجينوم المظلم» قد يحمل مؤشرات إضافية تساعد مستقبلاً في تحسين اختيار العلاج وتطوير استراتيجيات أكثر تخصيصاً لمرضى سرطان الدم.

عندما لا ينجح العلاج

يبدأ سرطان الدم النقوي الحاد في نخاع العظم، ويمكن أن يتطور بسرعة ويؤثر في إنتاج خلايا الدم الطبيعية. ورغم استخدام مجموعة من الفحوصات لتقييم المرضى، فإن الأطباء لا يستطيعون حتى الآن التنبؤ بدقة بمن سيستجيب للعلاج الكيميائي ومن سيصاب بمرض مقاوم للعلاج.

وفي بعض الحالات لا يحقق المريض هدأة كاملة رغم تلقي العلاج. وتُعرف الحالة باسم ابيضاض الدم النقوي الحاد المقاوم للعلاج، ما يجعل اختيار الاستراتيجية العلاجية المناسبة تحدياً كبيراً.

ولبحث إمكانية تحسين التنبؤ، طور العلماء 3 نماذج متعددة الطبقات للتعلم الآلي أضافوا إليها تدريجياً أنواعاً مختلفة من المعلومات السريرية والبيولوجية، أما النموذج النهائي فأضيفت إليه بيانات تتعلق بنشاط بقايا الفيروسات القديمة الموجودة في الجينوم.

فيروسات من الماضي داخل جيناتنا

تعرف هذه البقايا باسم الفيروسات القهقرية الداخلية endogenous retroviruses (ERVs) وهي أجزاء متبقية من فيروسات قديمة أصابت أسلاف الإنسان قبل ملايين السنين، ثم اندمجت في المادة الوراثية وأصبحت جزءاً من الجينوم البشري.

وتوجد هذه التسلسلات بصورة رئيسية في الأجزاء غير المشفرة من الجينوم، وهي مناطق لا يزال العلماء لا يفهمون جميع وظائفها بشكل كامل، ويُشار إلى بعضها أحياناً باسم «الجينوم المظلم» (dark genome).

ولا تعني هذه البقايا بالضرورة وجود عدوى فيروسية نشطة، لكن نشاطها يمكن أن يؤثر في عدد من العمليات البيولوجية بما في ذلك تنظيم تشغيل الجينات والإشارات المناعية والالتهابية.

الذكاء الاصطناعي يكشف إشارة إضافية

وعندما أضاف الباحثون معلومات نشاط الفيروسات القهقرية الداخلية إلى البيانات السريرية والجزيئية الأخرى، تحسنت قدرة النموذج على التنبؤ باستجابة المرضى للعلاج الكيميائي.

كما سجل النموذج النهائي عدداً أقل من النتائج الإيجابية الكاذبة؛ أي الحالات التي يتنبأ فيها النموذج خطأً بأن المريض سيصاب بمرض مقاوم للعلاج رغم احتمال استجابته للعلاج الكيميائي.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج تشير إلى أن المعلومات المخفية في أجزاء من الجينوم التي غالباً ما تحظى باهتمام أقل، قد تضيف قيمة إلى الأساليب التقليدية التي تركز على الجينات المعروفة.

هل تحاكي الخلايا عدوى فيروسية؟

يعتقد العلماء أن أحد التفسيرات المحتملة يرتبط بظاهرة تُعرف باسم «المحاكاة الفيروسية» (viral mimicry)، حيث تتصرف الخلية كما لو أنها تواجه نشاطاً فيروسياً حقيقياً. وقد يؤدي ذلك إلى تنشيط إشارات مناعية والتهابية داخل الخلية؛ وهي عمليات قد تساعد وفق الفرضية التي يدرسها الباحثون في الحفاظ على بعض خلايا سرطان الدم في حالة تجعلها أكثر مقاومة للعلاج الكيميائي.

لكن الدراسة لا تثبت حتى الآن أن نشاط هذه التسلسلات الفيروسية هو السبب المباشر لمقاومة العلاج، لذا تحتاج هذه الآلية إلى مزيد من الأبحاث والتجارب لتأكيدها.

وقال الدكتور محمد مهدي كريمي كبير المحاضرين في المعلوماتية الحيوية بجامعة كينغز كوليدج لندن والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن معظم أبحاث السرطان تركز على الجينات التقليدية، بينما تظل أجزاء كبيرة من «الجينوم المظلم» أقل دراسة. وأضاف أن النتائج تشير إلى إمكانية استخدام بصمة مستمدة من التسلسلات الفيروسية القديمة، إلى جانب بيانات التعبير الجيني التقليدية للمساعدة في التنبؤ بالاستجابة للعلاج.

خطوة نحو علاج أكثر تخصيصاً

يؤكد الباحثون أن النتائج لا تعني أن تحليل الفيروسات القهقرية الداخلية أصبح اختباراً سريرياً جاهزاً لاتخاذ قرارات علاجية؛ فلا تزال هناك حاجة إلى دراسات سريرية أكبر للتحقق من دقة النموذج وفائدته لدى مجموعات مختلفة من المرضى.

وقد حصل الباحثون على بيانات المرضى من تجربة «Beat AML»، وهي دراسة بارزة في مجال الطب الدقيق لسرطان الدم أُطلقت عام 2016.

ويرى الباحثون أن دمج إشارات «الجينوم المظلم» مع المعلومات السريرية والجينية التقليدية قد يساعد مستقبلاً في التعرف المبكر على المرضى الأكثر عرضة لمقاومة العلاج ويدعم تطوير استراتيجيات علاجية أكثر تخصيصاً لسرطان الدم النقوي الحاد.


دراسة حديثة: الدماغ البشري ليس عضواً واحداً بل اثنان!

من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)
من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)
TT

دراسة حديثة: الدماغ البشري ليس عضواً واحداً بل اثنان!

من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)
من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)

من المتفق عليه على نطاق واسع في علم الأعصاب والطب أن الدماغ البشري عضو واحد. ومع ذلك، تُظهر الأبحاث الحديثة التي قادتها كلية الطب بجامعة ستانفورد نتائج تتعارض مع هذا الاعتقاد العلمي الراسخ منذ فترة طويلة؛ إذ تشير دراسة جديدة نُشرت في مجلة «العلوم العصبية الطبيعية» إلى أن الدماغ البشري نشأ من عضوين منفصلين، وهو اكتشاف قد يؤثر على خيارات العلاج المستقبلية للأمراض التنكسية العصبية واضطرابات الدماغ، وفقاً لموقع «سايكولوجي توداي».

قاد هذه الدراسة كايل لوه، الأستاذ المشارك في جامعة ستانفورد، وأجراها المؤلفان كارولين دوندس وريان جوكهاي، إلى جانب فريق من الباحثين من جامعة ستانفورد، وجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، ومعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا بكاليفورنيا.

قد يجد الشخص العادي أن هذا أمر معقول، فمن المعروف أن المخ يتكون من نصفين؛ دماغ أيمن ودماغ أيسر. ومع ذلك، فإن هذين ليسا المنطقتين اللتين يشير إليهما الباحثون في هذه الدراسة. بدلاً من ذلك، فإن العضوين هما مزيج من الدماغ الأمامي والدماغ المتوسط يعملان كوحدة واحدة، والدماغ الخلفي.

في علم التشريح العصبي، يتكون الدماغ من ثلاث مناطق رئيسية: الدماغ الأمامي، والدماغ المتوسط، والدماغ الخلفي. يقع أكبر جزء من دماغ الإنسان البالغ، وهو الدماغ الأمامي، في الجزء الأمامي من الدماغ، ويحتوي على مناطق الوظائف المعرفية العليا مثل الاستدلال، والكلام، وإدارة الحركات الإرادية، والعواطف، والتكاثر، والأكل، والنوم، ودرجة حرارة الجسم. وتُعد اللوزة الدماغية والحصين والوطاء (تحت المهاد) والمهاد والجهاز الحوفي جميعها جزءاً من الدماغ الأمامي.

وتُعتبر القشرة الحديثة، الواقعة في الدماغ الأمامي، الجزء الأحدث من الدماغ، وتظهر إلى حد كبير في الثدييات.

الدماغ (د.ب.أ)

ويربط بين الدماغ الأمامي الكبير والدماغ الخلفي منطقة أصغر بكثير تُسمى الدماغ المتوسط، وهو ينظم الرؤية والمعالجة الحسية والمنعكسات الحركية. وفي الجزء الخلفي من الرأس يقع الدماغ الخلفي، وهو ينظم وظائف الجسم الأساسية مثل إيقاع التنفس والنوم والحركة ومعدل ضربات القلب.

ويشير مصطلح «جذع الدماغ» إلى الجزء من الدماغ الذي يربطه بالنخاع الشوكي، وهو مزيج من الدماغ المتوسط وأجزاء من الدماغ الخلفي، والجسر، والنخاع المستطيل.

حتى وقت قريب كان يُعتبر أقدم جزء من الدماغ البشري هو جزء الزواحف من الدماغ، والذي يشمل جذع الدماغ والمخيخ. وقد شاع مفهوم «الدماغ الزواحف» بفضل نظرية الدماغ الثلاثي التي قُدمت عام 1969 في سلسلة من المحاضرات ألقاها عالم الفسيولوجيا والطبيب النفسي في جامعة ييل بول ماكلين (1913 - 2007). وتقسم نظريته الدماغ البشري وفق ثلاثة خطوط من التطور المتميز: مركب الزواحف المكون من جذع الدماغ، ومركب الثدييات القديم المكون من الجهاز الحوفي، ومركب الثدييات الحديث المكون من القشرة الحديثة.

ومع ذلك، بدأت نظرية الدماغ الثلاثي تفقد قبولها. وهناك دراسة مختلفة، نُشرت في مجلة «ساينس» عام 2022 من قبل باحثين من معهد ماكس بلانك لأبحاث الدماغ، تدحض مفهوم وجود منطقة دماغية أقدم بعد اكتشاف مجموعة من الخلايا العصبية المتشابهة بين الثدييات والسحالي، والموجودة في جميع أنحاء الدماغ، على الرغم من فترة 320 مليون سنة من التطور المنفصل.

كيف يتطور الدماغ؟

في هذه الدراسة الجديدة التي قادتها جامعة ستانفورد سعى الباحثون إلى فهم عملية تطور الدماغ وتحديد المرحلة التي تتمايز فيها مناطق الدماغ المختلفة، وتحديداً أرادوا معرفة ما إذا كان الدماغ بأكمله ينشأ من سلف واحد أم من عدة أسلاف.

والخلايا السلفية هي خلايا منقسمة يمكنها أن تتكاثر وتتمايز إلى أنواع مختلفة من الخلايا. وعلى عكس الخلايا الجذعية، فإن الخلايا السلفية مهيأة مسبقاً للتطور إلى نوع معين من الخلايا، ويمكنها تجديد نفسها عدداً محدوداً من المرات. أما الخلايا الجذعية فيمكنها التجدد إلى أجل غير مسمى، وهي قادرة على التمايز إلى مجموعة متنوعة من الخلايا.

أنشأ الفريق نموذجاً باستخدام الخلايا الجذعية البشرية متعددة القدرات (hPSCs) إلى جانب فئران المختبر. والخلايا الجذعية متعددة القدرات هي خلايا جذعية بالغة غير متمايزة تم تحفيزها لتكون أشبه بالخلايا الجذعية الجنينية.

وفي عام 2006 اكتشف شينيا ياماناكا طريقة الخلايا الجذعية المحفزة متعددة القدرات (iPSCs). وتمتلك هذه الخلايا الخاصة القدرة على التحول إلى أي نوع من الخلايا في جسم الإنسان، فضلاً عن تجديد نفسها.

واكتشفوا أنه أثناء تكوين المعيدة (مرحلة تكوين المعدة الجنينية)، ينشأ سلَفان دماغيان في الوقت نفسه وبالتوازي. وتكوين المعيدة هو المرحلة أثناء التطور الجنيني التي تحول الجنين من كرة مجوفة أحادية الطبقة من الخلايا، تُسمى الكيسة الأريمية، إلى معيدة متعددة الطبقات.

ويقدّر الباحثون أن عملية التطور المزدوج المتوازي هذه تعود إلى نحو 550 إلى 600 مليون سنة مضت، وأنها موجودة لدى العديد من الأنواع مثل الرئيسيات، والسمك المخطط، والفئران، والدجاج، وديدان البلوط.

وقد يكون هذا الاكتشاف محفزاً لتحول مهم في علم الأعصاب وعلم النفس والطب النفسي والطب. علاوة على ذلك، قد تؤدي القدرة على نمذجة خلايا عصبية وظيفية للدماغ الخلفي إلى تسريع تطوير علاجات جديدة لأمراض واضطرابات الدماغ في المستقبل.