احتجاجات إيران تدخل يومها الرابع وتحذيرات من «زعزعة الاستقرار»

الرئاسة تنتقد ضغوطاً داخلية

متظاهرون في طهران خرجوا إلى الشوارع احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية وتراجع العملة الإيرانية (أ.ف.ب)
متظاهرون في طهران خرجوا إلى الشوارع احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية وتراجع العملة الإيرانية (أ.ف.ب)
TT

احتجاجات إيران تدخل يومها الرابع وتحذيرات من «زعزعة الاستقرار»

متظاهرون في طهران خرجوا إلى الشوارع احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية وتراجع العملة الإيرانية (أ.ف.ب)
متظاهرون في طهران خرجوا إلى الشوارع احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية وتراجع العملة الإيرانية (أ.ف.ب)

دخلت أحدث موجة من الاحتجاجات المعيشية في إيران يومها الرابع، وقال الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إن طهران تواجه ضغوطاً متعددة، معرباً عن أسفه لوجود إجراءات داخلية تلحق الأضرار بالبلاد، وذلك في وقت تصاعدت تحذيرات مسؤولين في السلطة القضائية والأجهزة الأمنية، من مواجهة حازمة لأي محاولات لاستغلال الحراك من أجل «زعزعة الاستقرار».

وقال المدعي العام الإيراني، محمد كاظم موحدي آزاد، في تصريحات نقلها التلفزيون الرسمي، إن «الاحتجاجات المعيشية السلمية» تمثل جزءاً من الواقع الاجتماعي وهي مفهومة، ويجب التعامل معها والرد عليها عبر المسار القانوني.

لكنه شدد في المقابل على أن «أي محاولة لتحويل الاحتجاجات الاقتصادية إلى أداة لخلق انعدام الأمن، أو تخريب الممتلكات العامة، أو تنفيذ سيناريوهات مصممة من الخارج، ستواجه برد قانوني متناسب وحاسم».

في موقف مماثل، قال غلام رضا سليماني، قائد ميليشيا «الباسيج»، الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري»، إن «الأعداء يركزون على القضايا الاقتصادية والمعيشية، وتسعى الولايات المتحدة وإسرائيل، عبر الركوب على بعض حالات السخط، إلى دفع عناصرهما إلى الواجهة».

وأدى هبوط الريال الإيراني إلى اندلاع أكبر موجة احتجاجات تشهدها البلاد منذ ثلاث سنوات، حيث بدأت التجمعات يوم الأحد واستمرت حتى الثلاثاء.

صورة من فيديو يظهر اعتقال متظاهرين على يد الشرطة الإيرانية

وتواصلت المظاهرات الاحتجاجية الأربعاء، في محافظات فارس وأصفهان وخراسان وكرمانشاه، ولرستان. وأفادت تقارير محلية صباح الأربعاء، من مدينة فسا في محافظة فارس الجنوبية، بخروج تجمعات احتجاجية تخللها تدخل أمني، حيث أظهرت مقاطع متداولة استخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق محتجين في بعض الشوارع وردد المحتجون شعارات مرتبطة بالأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار.

ونقلت «رويترز» عن وسائل إعلام رسمية أن محتجين في مدينة فسا حاولوا اقتحام مبنى حكومي محلي. وقالت السلطات إن «مجموعة منظمة حاولت، قبل ساعات قليلة، الدخول إلى مبنى المحافظة في فسا، لكن المحاولة أُحبطت بتدخل قوات الأمن»، مشيرة إلى اعتقال «زعيمة مثيري الشغب»، وهي امرأة تبلغ 28 عاماً.

من جهتها، نقلت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن مسؤول محلي قوله إن أربعة «مهاجمين» أوقفوا، فيما أُصيب ثلاثة من أفراد قوات الأمن خلال الحادث. وأظهر مقطع فيديو بثته وسائل إعلام رسمية أشخاصاً يحاولون فتح بوابة المبنى بالقوة.

واتسعت الاحتجاجات في إيران مع انتقالها من الأسواق التجارية في طهران إلى الجامعات وعدد من المدن، في تطور لافت للحراك الذي بدأ الأحد على خلفية تفاقم الأزمة الاقتصادية، وتراجع الريال إلى مستويات قياسية، وارتفاع معدلات التضخم وتزايد الضغوط المعيشية. وأظهرت فيديوهات، تداولت مساء الثلاثاء، محتجين في عدة مدن يشعلون النيران ويغلقون شوارع في مواجهة قوات مكافحة الشغب.

وكانت وسائل إعلام إيرانية، قد أفادت الثلاثاء، بتنظيم مظاهرات طلابية في جامعات عدة بالعاصمة، إضافة إلى أصفهان، مع تسجيل تجمعات في كرمانشاه وشيراز ويزد وهمدان وأراك، وحضور أمني مكثف في مشهد. وردد المحتجون هتافات سياسية منددة بالنظام، في تكرار لموجات احتجاج هزت البلاد منذ 2017.

وأفاد تقرير مكتب «وكالة الصحافة الفرنسية» من طهران، الأربعاء، أن وتيرة هذه التحركات لا تزال، حتى الآن، أقل اتساعاً من موجة الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد أواخر عام 2022 عقب وفاة الشابة الإيرانية مهسا أميني أثناء احتجازها لدى الشرطة.

وأعلنت وزارة العلوم الإيرانية إجراء تغييرات في إدارات الحراسات بعدد من جامعات طهران، مبررة الخطوة بأنها ضمن «الدورات الإدارية المعتادة وإعادة الهيكلة». وفي السياق ذاته، أعلنت جامعة طهران الإفراج عن أربعة طلاب أوقفوا خلال تجمع الثلاثاء، مؤكدة خلوها حالياً من أي موقوفين، من دون الكشف عن الجهة التي نفذت الاعتقالات.

انتقادات للحكومة

بدورها، قالت فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة، إن «الاحتجاج السلمي حق للشعب وفقاً للدستور، ونحن نعترف به». وأشارت إلى التأكيد على فصل احتجاجات الأيام الأخيرة على الغلاء عن «القضايا السياسية».

وأوضحت فاطمة مهاجراني أن الرئيس يشدد على «سماع صوت الناس والحفاظ على التفاعل معهم». وأكدت أن الحكومة تتابع معالجة المشكلات وستطلع المواطنين على النتائج.

وقبل ذلك بيوم قالت فاطمة مهاجراني: «الحكومة تعترف بالاحتجاجات، ونؤكد حق التجمعات السلمية المعترف به في دستورنا. عندما يرتفع صوت الناس فهذا يعني أن الضغوط كانت شديدة، ومهمة الحكومة هي الاستماع إلى هذه الأصوات. ومن الطبيعي أن يؤدي تضخم يتجاوز 50 في المائة إلى رفع صوت الناس».

واحتجت صحيفة «كيهان»، التابعة لمكتب المرشد علي خامنئي، بشدة على تصريحات فاطمة مهاجراني. ووصف رئيس تحرير الصحيفة، حسين شريعتمداري، الاحتجاجات بأنها «مصممة من قِبَل إسرائيل»، معتبراً أن المحتجين «أدوات لإسرائيل». وأضاف: «عندما تشير كل الأدلة إلى ارتباط مجموعة صغيرة من مثيري الشغب بالنظام الصهيوني، ولا تظهر المشكلات الاقتصادية حتى في شعاراتهم، فعن أي احتجاجات تتحدثين يا سيدتي المتحدثة؟!».

وأضاف: «لقد تراجع أصحاب الأصناف بعد أن تبيّن لهم الوجه الحقيقي لأدوات إسرائيل. أي جزء من هذه التي تسمينها احتجاجات يستحق الاستماع إليه؟».

وكانت الحكومة قد دعت إلى التهدئة عبر الحوار، وأعلن الرئيس، مسعود بزشكيان، تكليف وزير الداخلية الاستماع إلى «المطالب المشروعة» للمحتجين. في المقابل، حذر رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، من محاولات «استغلال الاحتجاجات».

محافظ جديد للبنك المركزي

وعينت إيران محافظاً جديداً للبنك المركزي عقب استقالة المحافظ السابق، على خلفية تراجع قياسي في قيمة العملة الوطنية أمام الدولار الأميركي، وهو ما أشعل احتجاجات واسعة في البلاد.

وعاد عبد الناصر همتي، وزير الشؤون الاقتصادية والمالية السابق، لمنصبه السابق، محافظاً جديداً للبنك المركزي، خلفاً لمحمد رضا فرزين الذي قدّم استقالته، الاثنين.

وأفادت فاطمة مهاجراني بأن همتي نال ثقة مجلس الوزراء رسمياً. وكتبت على منصة «إكس»، أن جدول أعمال المحافظ الجديد سيتضمن التركيز على كبح التضخم وتعزيز قيمة العملة، إضافة إلى معالجة سوء إدارة القطاع المصرفي.

وبعد مشاركته في اجتماع الحكومة، تعهد همتي بإعادة الاستقرار الاقتصادي إلى المجتمع، معرباً عن عزمه مكافحة الفساد والريع الناجمين عن تعدد أسعار الصرف.

وقال همتي: «سنقضي على منظومة الفساد والريع المرتبطة بتعدد أسعار الصرف»، معتبراً أن تعدد الأسعار من الأسباب الرئيسية لاضطرابات سوق العملة. وأضاف: «سنتجه تدريجياً إلى إلغاء سعر الصرف التفضيلي وتوحيد سعر الصرف».

بزشكيان يتحدث خلال اجتماع تقديم محافظ البنك المركزي (الرئاسة الإيرانية)

في وقت لاحق، نقل موقع الرئاسة الإيرانية عن الرئيس بزشكيان قوله إن بلاده تواجه ضغوطاً متعددة، مضيفاً: «نحن في ظروف تُفرض فيها ضغوط خارجية من قبل أعداء البلاد، وللأسف في الداخل أيضاً، بدلاً من التكاتف والدعم، نشهد أحياناً مواقف وإجراءات تؤدي إلى إضعاف البلاد وإلحاق الضرر بها».

وتابع بزشكيان: «معيشة الناس هي هاجسي اليومي، ونعمل على اتخاذ إجراءات أساسية لإصلاح النظام النقدي والمصرفي والحفاظ على القوة الشرائية للمواطنين».

وكان همّتي (68 عاماً) قد شغل سابقاً منصب وزير الاقتصاد في حكومة بزشكيان، قبل أن يُقيله البرلمان في مارس (آذار) الماضي، على خلفية اتهامات بسوء الإدارة وادعاءات بأن سياساته أضعفت الريال أمام العملات الصعبة.

ويقول خبراء إن معدل تضخم بلغ نحو 40 في المائة أسهم في تصاعد السخط الشعبي. وجرى تداول الدولار الأميركي، الأربعاء، عند مستوى 1.38 مليون ريال، مقارنة بنحو 430 ألف ريال عندما تولّى فرزين منصبه في عام 2022. وأغلق عدد كبير من التجار وأصحاب المحال أعمالهم وخرجوا إلى شوارع طهران ومدن أخرى احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية.

وأدى التراجع السريع في قيمة العملة، إلى جانب الضغوط التضخمية، إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية وغيرها من السلع الأساسية، ما زاد الأعباء على ميزانيات الأسر التي تعاني أصلاً من تداعيات العقوبات الغربية المفروضة على إيران بسبب برنامجها النووي. ومن المتوقع أن يتفاقم التضخم مع تعديل أسعار البنزين الذي أُدخل خلال الأسابيع الأخيرة.

وكان سعر صرف الريال يبلغ نحو 32 ألف ريال للدولار الواحد عند توقيع الاتفاق النووي عام 2015، الذي رفع العقوبات الدولية مقابل فرض قيود صارمة على البرنامج النووي الإيراني. غير أن الاتفاق انهار بعدما انسحب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من جانب واحد، منه عام 2018 خلال ولايته الأولى.

ردود داخلية وخارجية

وقال المخرج السينمائي الإيراني البارز، جعفر بناهي: «هذه الانتفاضة إرادة قررت أن تبقى، وأن تمضي قدماً، وأن تدفع التاريخ إلى الأمام». وأضاف: «منذ أربعة أيام والشعب صامد، لا من أجل الصراخ، بل من أجل التغيير. الشارع لا يفتح بالسلاح، بل بالإرادات».

وجددت وزارة الخارجية الأميركية، عبر حسابها الناطق باللغة الفارسية، دعم المحتجين الإيرانيين. وكتبت في منشور على منصة «إكس» الأربعاء: «نشعر بقلق عميق إزاء التقارير ومقاطع الفيديو التي تُظهر أن محتجين سلميين في إيران يواجهون الترهيب والعنف والاعتقال. إن المطالبة بالحقوق الأساسية ليست جريمة. على نظام الجمهورية الإسلامية أن يحترم حقوق الشعب الإيراني وأن يضع حدّاً للقمع».

والثلاثاء، نشر الحساب منشوراً آخر، جاء فيه: «يطالب طلاب الجامعات في مختلف أنحاء إيران بحقوقهم الأساسية، حتى في الوقت الذي تتعامل فيه القوات الأمنية معهم بشكل متكرر عبر الترهيب والعنف. هؤلاء الطلاب يمثلون بعضاً من أكثر أبناء البلاد تعليماً وموهبة، لكنهم حُرموا من فرصة بناء حياة كريمة بسبب السياسات الفاشلة لنظام الجمهورية الإسلامية وتجاهله الحقوق الأساسية للمواطنين».

من جهته، وجه نفتالي بينيت، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، رسالة جديدة للإيرانيين، كتب في منشور بمنصة «إكس»، مرفقاً صورة للاحتجاجات في إيران: «أيها الشعب الإيراني العزيز، لستم وحدكم». وکان بينيت، قد وجه رسالة عبر الفيديو، الاثنين، ودعا الإيرانيين للنزول إلى الشارع.

في الأثناء، ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي (الموساد)، دعا الأربعاء، المتظاهرين الإيرانيين إلى تكثيف تحركاتهم، معلناً وقوفه «معهم على الأرض»، وفق بيان بالفارسية نُشر عبر حساب منسوب لـ«الموساد» يحمل الشارة الزرقاء، على منصة «إكس».

وحسب «وكالة الصحافة الفرنسية» بثت إذاعة الجيش الإسرائيلي بالعبرية، رسالة «الموساد».

ويأتي هذا الموقف بعد محادثات عُقدت هذا الأسبوع بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترمب، لوّح خلالها ترمب بإمكانية توجيه ضربات جديدة لإيران إذا أعادت بناء برامجها النووية أو الصاروخية.

وكانت طهران قد اتهمت إسرائيل مراراً بالوقوف وراء عمليات تخريب واغتيالات استهدفت منشآتها النووية وشخصيات عسكرية وعلمية داخل البلاد.

وفي يونيو (حزيران) 2025، شنّت إسرائيل هجوماً غير مسبوق على إيران استهدف مواقع عسكرية ونووية ومناطق سكنية، ما أشعل حرباً استمرت 12 يوماً، ردّت خلالها إيران بهجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ باتجاه إسرائيل، وفق بيانات رسمية.


مقالات ذات صلة

اتفاق إيران... نار التصريحات تُعيد خلط الأوراق

شؤون إقليمية مضيق هرمز كما يبدو من شاطئ مدينة بندر عباس الإيرانية (أ.ب)

اتفاق إيران... نار التصريحات تُعيد خلط الأوراق

بعد موجة التفاؤل التي رافقت إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرب «انتهاء الحرب» مع إيران عبر توقيع مذكرة تفاهم عادت التصريحات المتبادلة لتربك المشهد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - طهران)
شؤون إقليمية إيرانيون يمرون أمام لوحة إعلانية سياسية في طهران - إيران 11 يونيو 2026 (إ.ب.أ)

وكالة إيرانية: مذكرة التفاهم مع أميركا تتضمّن رفع العقوبات وتستبعد مناقشة برنامج الصواريخ

أعلنت وكالة «مهر» الإيرانية أن مذكرة التفاهم مع واشنطن تشمل التزام أميركا برفع العقوبات وسحب قواتها من المناطق حول إيران ورفع الحصار البحري.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ مهدي صادقي رفقة شخصين من بينهم محمد عابديني في صورة حصل عليها المدعون الفيدراليون في بوسطن من هاتفه (رويترز)

أميركا تفرج عن مهندس إيراني المولد بكفالة قبل محاكمة تتعلق بهجوم في الأردن

سمحت ‌قاضية أميركية بالإفراج بكفالة عن مهندس من أصل إيراني قبل أيام قليلة من محاكمته بتهم تتعلق بهجوم بطائرة مسيرة على ​قاعدة عسكرية أميركية في الأردن.

«الشرق الأوسط» (بوسطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في العاصمة واشنطن... 10 يونيو 2026 (إ.ب.أ) p-circle

ترمب يعلق الهجوم على إيران ويبقي الحصار البحري

تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، عن تنفيذ ضربات كانت مقررة على إيران مساء الخميس، بعد ساعات من تلويحه بضرب طهران «بقوة شديدة».

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
رياضة عالمية متظاهرون يطالبون بتعليق عضوية إيران أو استبعادها من المنافسات الدولية (رويترز)

محتجون يطالبون «فيفا» باستبعاد إيران من كأس العالم بسبب النظام

قال محتجون إنَّ كثيراً من الأميركيين من أصل إيراني يشعرون بالخجل بدلاً من الفخر إزاء مشارَكة المنتخب الإيراني في كأس العالم، ويطالبون «فيفا» بإبعاده.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

اتفاق إيران... نار التصريحات تُعيد خلط الأوراق

مضيق هرمز كما يبدو من شاطئ مدينة بندر عباس الإيرانية (أ.ب)
مضيق هرمز كما يبدو من شاطئ مدينة بندر عباس الإيرانية (أ.ب)
TT

اتفاق إيران... نار التصريحات تُعيد خلط الأوراق

مضيق هرمز كما يبدو من شاطئ مدينة بندر عباس الإيرانية (أ.ب)
مضيق هرمز كما يبدو من شاطئ مدينة بندر عباس الإيرانية (أ.ب)

بعد موجة التفاؤل التي رافقت إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرب «انتهاء الحرب» مع إيران عبر توقيع مذكرة تفاهم، عادت التصريحات المتبادلة وتفسيراتها لتربك المشهد في الساعات الأخيرة التي سبقت التوقيع.

وكان ترمب قد أعلن أن توقيع مذكرة التفاهم سيتم في دولة أوروبية خلال عطلة نهاية الأسبوع. وفي المقابل، نشرت وسائل إعلام إيرانية مسودة قالت إنها للمذكرة المتفق عليها مع واشنطن، وتضمنت 14 نقطة، أبرزها رفع العقوبات عن النفط الإيراني، وسحب القوات الأميركية المشاركة في الحصار البحري، مقابل إعادة فتح مضيق هرمز.

كما شملت المسودة الإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة، ووقف الأعمال القتالية على مختلف الجبهات بما فيها لبنان، إلى جانب هدنة تمتد 60 يوماً لإجراء مفاوضات تهدف إلى التوصل لاتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي، مع استبعاد ملف الصواريخ الإيرانية من النقاش.

غير أن الرئيس الأميركي سارع إلى التشكيك في تلك التسريبات، وكتب عبر منصته «تروث سوشيال» أن «البنود التي سربتها إيران لا علاقة لها بما تم الاتفاق عليه كتابة»، لافتاً إلى أن ما نُشر «لا يمت للحقيقة بصلة»، وأن الإيرانيين «يفتقرون إلى النزاهة ولا يتعاملون بحسن نية».

عراقجي وشريف

وفي السياق نفسه، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، عبر منصة «إكس»، إن التوصل إلى مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة أصبح «أقرب من أي وقت مضى»، داعياً وسائل الإعلام إلى التوقف عن التكهنات بشأن مضمونها إلى حين إقرارها رسمياً.

وأوضح أن المسودة ستُوقّع «عن بُعد» عند استكمالها، وهو ما قد يحصل «خلال الأيام المقبلة».

وأضاف في مقابلة مع التلفزيون الرسمي أنه «بمجرد استكمال المراحل النهائية من مفاوضاتنا، سيُوقّع هذا الاتفاق ويُعلن. وسيتم التوقيع في البداية بشكل رقمي. سيوقّع كل طرف عن بُعد. وبعد ذلك سيُعلن أن مذكرة التفاهم هذه وقّعها الطرفان»، مشيرا إلى أن ذلك «قد يحدث خلال الأيام المقبلة. أنا متفائل جدا».

وتناول مسألة البرنامج النووي بقوله إن «طهران ترى أن الطريقة الوحيدة للتعامل مع مخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب هي تخفيفه داخل البلاد». وتابع: «كان موقفنا دائما أن الطريقة الوحيدة للتعامل مع مخزون المواد العالية التخصيب هي تخفيفها داخل إيران».

وقال كبير المفاوضين الإيرانيين رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف: «يجب الوفاء بالالتزامات بها، فلا أعذار ولا شروط... لا سبيل آخر لإتمام الصفقة المرتقبة».

ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول كبير في إدارة ترمب أن طهران لن تحصل على أي من أصولها المجمدة قبل تنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاق.

من جانبه، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، يوم الجمعة، أنه تم الاتفاق على النص النهائي لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران. وكتب شريف على منصة «إكس»: «يمكننا التأكيد أن نصاً نهائياً ومتفقاً عليه من اتفاق السلام قد تم التوصل إليه، وباكستان تعمل حالياً بشكل وثيق مع الطرفين لوضع اللمسات الأخيرة على الخطوات التالية». وأضاف: «لم يكن السلام أقرب مما هو عليه الآن». وتابع شريف: «في ظل جهود الوساطة الباكستانية المكثفة، نُدرك تماماً حملة التضليل الإعلامي المتواصلة التي يشنها من يسعون إلى تخريب اتفاق السلام».

طهران: القرار لم يُحسم بعد

في المقابل، أكدت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية أن طهران لم تحسم موقفها النهائي من الاتفاق الذي أعلنه ترمب لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، رغم حديثه عن إمكانية توقيعه نهاية الأسبوع.

وأفادت وكالة «إرنا» بأن «الخطوط العريضة للنص» ما زالت قيد الإعداد، مشددة على أن إيران لن تتعهد بالتخلي عن إدارة مضيق هرمز أو العودة إلى ما قبل التصعيد العسكري الأميركي-الإسرائيلي.

كما نقلت وكالة «مهر» مسودة من 14 بنداً قالت إنها لمذكرة التفاهم، تتضمّن وقفاً فورياً ودائماً للأعمال العدائية في جميع الجبهات بما فيها لبنان، ومنح مهلة 60 يوماً للتفاوض حول الملف النووي ورفع العقوبات الأميركية.

وحسب «مهر»، تنص المسودة على الإفراج عن 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة، على أن يُتاح نصف المبلغ خلال فترة التفاوض، فيما يُفرج عن الباقي لاحقاً ضمن الاتفاق النهائي.

وأكدت «إرنا» أن إيران ستتمسك بحقوقها النووية في أي مفاوضات مقبلة، بما في ذلك حق تخصيب اليورانيوم والاحتفاظ بالمواد المخصبة، مشيرة إلى أن هذه الملفات ستكون محور النقاشات حول الاتفاق النهائي.

تشكيك أميركي وتفاصيل متباينة

جدد ترمب، في تصريحات منفصلة، تأكيده أن ما نُشر عن الاتفاق لا يعكس الحقيقة، واصفاً التسريبات الإيرانية بأنها غير دقيقة ولا تتطابق مع ما تم التوصل إليه فعلياً.

وفي المقابل، شدّد مسؤولون في الإدارة الأميركية، حسب «رويترز»، على أن أي اتفاق مع إيران سيكون «مشروطاً بالأداء»، وأن الإفراج عن الأصول المجمدة لن يتم قبل الالتزام الكامل ببنود التفاهم.

وأوضح مسؤول أميركي أن الاتفاق يتضمن «تدمير وإزالة» المواد النووية الإيرانية وتفكيك البرنامج النووي، بالإضافة إلى ضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحاً وعدم تمويل إيران جماعات مسلحة، مؤكداً أن «هذا اتفاق قائم على التنفيذ».

كما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مسؤول أميركي آخر أن طهران وافقت مبدئياً على تفكيك برنامجها النووي والتخلص من اليورانيوم المخصب، ضمن إطار مشابه للنقاط السابقة المتعلقة بالأموال المجمدة والملاحة في المضيق.

في المقابل، أكدت مصادر إعلامية إيرانية أن المذكرة تتضمن التزام واشنطن برفع العقوبات وسحب قواتها من بعض المناطق المحيطة بإيران، بالإضافة إلى إعادة فتح مضيق هرمز ورفع القيود النفطية، مع استبعاد ملف الصواريخ من أي مفاوضات.

وأشارت هذه المصادر إلى أن أي صيغة نهائية للاتفاق ستحتاج إلى مصادقة السلطات الإيرانية المختصة قبل دخولها حيز التنفيذ.

ميدانياً، أفاد مسؤول أميركي بأن القوات الأميركية أسقطت طائرتَين مسيرتَين أطلقتهما إيران باتجاه سفن تجارية في مضيق هرمز، في أحدث حادثة ضمن التوترات المستمرة بين الجانبَين. وأضاف أن حركة الملاحة عبر المضيق استمرت بشكل طبيعي رغم الحادثة.

إلغاء الضربات

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قد أعلن، مساء الخميس، إلغاء الضربات التي كان مقرراً شنها ضد إيران، قائلاً إن طهران وافقت «على أعلى مستوى» على بنود تفاهم أولي، وإن الاتفاق حظي بدعم إقليمي واسع شمل دولاً؛ بينها السعودية والإمارات وقطر وتركيا والبحرين والكويت ومصر والأردن. وأضاف أن موعد التوقيع ومكانه سيتحددان قريباً، مع إبقاء الحصار البحري المفروض على إيران قائماً إلى حين استكمال الاتفاق.

وجاء إعلان ترمب بعد ساعات من تصعيد حاد، لوّح خلاله بشن ضربات «قوية جداً» على إيران، وهدد بالسيطرة على جزيرة خرج، مركز صادرات النفط الإيرانية الرئيسي.

لكن طهران سارعت إلى نفي رواية ترمب؛ إذ قال مصدر قريب من فريق التفاوض الإيراني، لوكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، إن إيران «لم توافق بعدُ على أي نص» يتعلق بمذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة.

كما تبادل الطرفان الضربات، يوم الخميس، لليوم الثاني على التوالي. وأفادت قيادة «سنتكوم» بأن القوات الأميركية استهدفت مواقع مراقبة واتصالات ودفاعات جوية داخل إيران، في حين أعلن «الحرس الثوري» مهاجمة أهداف أميركية في البحرين والكويت والأردن، مع استمرار التوتر حول مضيق هرمز.

وقال علي عبد اللهي، قائد عمليات هيئة الأركان المشتركة الإيرانية، إن أي هجوم أميركي جديد سيؤدي إلى اتساع الحرب وتهديد أمن التجارة والطاقة. كما حذر قاليباف من أن واشنطن تتجه نحو «مستنقع لا نهاية له».


باكستان: تم «الاتفاق» على مسودة التفاهم النهائية بين أميركا وإيران

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)
TT

باكستان: تم «الاتفاق» على مسودة التفاهم النهائية بين أميركا وإيران

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف (رويترز)

أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الجمعة، أنه تم الاتفاق على النص النهائي لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكتب شريف على منصة «إكس»: «يمكننا التأكيد أن نصاً نهائياً ومتفقاً عليه من اتفاق السلام قد تم التوصل إليه، وباكستان تعمل حالياً بشكل وثيق مع الطرفين لوضع اللمسات الأخيرة على الخطوات التالية».

وأضاف: «لم يكن السلام أقرب مما هو عليه الآن».

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في وقت سابق، إن الولايات المتحدة وإيران «أقرب من أي وقت مضى إلى التوصل لاتفاق لإنهاء الحرب».

وكتب عراقجي على منصة «إكس»: «مذكرة تفاهم إسلام آباد أقرب من أي وقت مضى»، في إشارة إلى عاصمة باكستان التي تؤدي دور الوساطة الرئيسي بين البلدين.

وأضاف بعدما نشرت وسائل إعلام إيرانية تفاصيل مفترضة عن مسودة التفاهم: «في انتظار إتمام الاتفاق، ينبغي على وسائل الإعلام الامتناع عن التكهن بمضمونه».

من جانبه، تابع شريف: «في ظل جهود الوساطة الباكستانية المكثفة، نُدرك تماماً حملة التضليل الإعلامي المتواصلة التي يشنها من يسعون إلى تخريب اتفاق السلام».

وذكر موقع «أكسيوس» الإخباري أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب «لا يزال يعتقد أنه يمكن توقيع اتفاق مع إيران في مطلع الأسبوع أو يوم الاثنين».


فرنسا تنظم مؤتمراً لدعم «حل الدولتين» بمقاطعة إسرائيلية وأميركية

ماكرون خلال زيارته معرض «كنوز غزة» في معهد العالم العربي ويظهر ممسكاً بخريطة «فلسطين» مرسومة على قماش (أرشيفية - أ.ف.ب)
ماكرون خلال زيارته معرض «كنوز غزة» في معهد العالم العربي ويظهر ممسكاً بخريطة «فلسطين» مرسومة على قماش (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

فرنسا تنظم مؤتمراً لدعم «حل الدولتين» بمقاطعة إسرائيلية وأميركية

ماكرون خلال زيارته معرض «كنوز غزة» في معهد العالم العربي ويظهر ممسكاً بخريطة «فلسطين» مرسومة على قماش (أرشيفية - أ.ف.ب)
ماكرون خلال زيارته معرض «كنوز غزة» في معهد العالم العربي ويظهر ممسكاً بخريطة «فلسطين» مرسومة على قماش (أرشيفية - أ.ف.ب)

منذ صدور «إعلان نيويورك» قبل عام، وتبنّيه من جانب 142 دولة، متضمناً خريطة طريق متكاملة لتنفيذ «حل الدولتين»، فضلاً عن اعتراف 11 دولة إضافية بدولة فلسطين، لم تُسجَّل أي خطوات ملموسة نحو قيام الدولة الفلسطينية الموعودة. بل على العكس، ازدادت الأوضاع تعقيداً ومأساوية؛ إذ قُتل نحو ألف فلسطيني في غزة منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فيما وسّعت إسرائيل نطاق سيطرتها على القطاع، مستقطعة أكثر من 60 في المائة من مساحته.

وفي الضفة الغربية، تتواصل اقتحامات القوات الإسرائيلية للمدن والقرى، فيما بلغ النشاط الاستيطاني مستويات غير مسبوقة، مترافقاً مع تصاعد عنف المستوطنين المدعومين من الحكومة الأكثر يمينية في إسرائيل. كما أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وما يرافقها من أزمات، مثل اضطراب أسواق الطاقة، واحتمال إغلاق مضيق هرمز، وارتفاع معدلات التضخم والغلاء، دفعت ملف «حل الدولتين»، الذي تعارضه إسرائيل والولايات المتحدة، إلى المواقع الخلفية.

ولأن الوضع على هذه الحال، كثّفت فرنسا اتصالاتها، وجمعت عشرات منظمات المجتمع المدني من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، التي ملأت مدرجات القاعة الكبرى، بعد عام كامل على اجتماع مماثل أسفر عن إصدار «نداء باريس»، بهدف إعادة الملف إلى دائرة الاهتمام والاستفادة من انعقاد قمة «مجموعة السبع» التي تترأسها فرنسا هذا العام في مدينة إيفيان (شرق البلاد، قرب الحدود السويسرية).

لكن الصعوبة أن الملف المذكور، رغم إدراجه على لائحة الموضوعات التي سينكب قادة «السبع» على درسها مع قادة الدول الذين دعتهم فرنسا، لن يحظى بالأولوية المعطاة لملف إيران وأوكرانيا ولبنان والعلاقات مع الصين، إضافة إلى الحوكمة الاقتصادية العالمية.

وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يتوسط الصورة التذكارية للمشاركين في مؤتمر «حل الدولتين» (أرشيفية - رويترز)

ولهذا الغرض، فإن اجتماع باريس -الذي يحظى بمشاركة 15 وزير خارجية وعشرات الدبلوماسيين، وبحضور مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، ولكن بمقاطعة إسرائيلية وأميركية- صدر عنه «دعوة للعمل» موجهة بالدرجة الأولى لقادة الدول الكبرى المجتمعة، بدءاً من يوم الاثنين في إيفيان، فضلاً عن اجتماع وزراء خارجية الاتحاد في بروكسل، في اليوم نفسه، كما أفادت كايا كالاس في كلمتها.

وتتضمن «دعوة العمل» توصيفاً للوضع، إذ يرى المشاركون أن المنطقة «تتجه إلى مزيد من التصدع»؛ حيث «غزة مدمرة، وإسرائيل لا تزال تحت التهديد، كما أن إرهاب المستوطنين والتوسع الاستيطاني والضم الفعلي، والتهديدات التي تواجه السلطة الفلسطينية، تواصل تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقبلية». وتدعو الوثيقة قادة قمة إيفيان إلى التحذير من أن «الصراع مهدد مرة أخرى بأن يُهمل ويُترك جانباً»، مؤكدة أن «نافذة الحل مفتوحة لكنها تضيق».

وتطرح الدعوة خطة من 8 نقاط، أولاها المطالبة بوقف دائم لإطلاق النار، وتحويله إلى ترتيب دائم وخاضع للرقابة». وتدعو النقطة الثانية إلى «توحيد مختلف الأطر ضمن مسار تنفيذي واحد» لتحقيق حل الدولتين في إطار إقليمي». وتسرد النقطة الثانية تفاصيل عملية، منها تأكيد المحددات المعروفة دولياً منذ عشرات السنين. فيما النقطة الثالثة تُطالب بـ«وقف الاستيطان والضم، للحفاظ على إمكانية الحل السياسي»، وكذلك وقف الإجراءات القمعية والهدم والطرد والتجريف.

وتتناول النقطة الرابعة الوضع في غزة، وضرورة إعادة توفير مقومات الحياة فيها بكل أشكالها، بما في ذلك إعادة الإعمار. وتنص الدعوة على الحاجة إلى «تعزيز الأمن المتبادل» من خلال إطار زمني إنساني خاضع للمساءلة إضافة إلى إجراءات عملية، أولها نزع سلاح «حماس» مقروناً ببرامج تسريح وإعادة الاندماج وضمانات أمنية متعددة الأطراف «من خلال مجموعة السبع والشركاء الإقليميين».

وتبرز في النص دعوة «تجديد الشرعية الفلسطينية عبر الانتخابات والإصلاح المؤسسي، ومنع انهيار السلطة الفلسطينية، وإعادة ربط غزة بالضفة الغربية».

ثم يطالب المجتمعون بـ«اعتبار الاندماج الإقليمي»، أي التطبيع مع إسرائيل، «محفزاً لإنهاء الاحتلال والتقدم نحو حل الدولتين» وكأنه يجعل من التطبيع شرطاً للسماح بولادة الدولة الفلسطينية. وفي النهاية تُطالب «الدعوة» بـ«الانضمام إلى الصندوق الدولي للسلام الإسرائيلي - الفلسطيني».

العلم الفلسطيني يرفرف بجوار علم مدينة نانت أمام مبنى البلدية في فرنسا (أرشيفية - رويترز)

في الواقع، يبدو ما صدر عن الاجتماع بالغ الطموح، ويشكّل برنامجاً متكاملاً من الناحية النظرية، غير أن الإشكالية الأساسية تكمن في الموقف الإسرائيلي، الذي يرفض بشكل قاطع قيام دولة فلسطينية، ويتخذ ما يراه ضرورياً لقطع الطريق أمام أي مبادرة من شأنها إحياء الأمل لدى الفلسطينيين في قيام دولتهم يوماً ما.

وقال مصدر عربي، تعليقاً على مجريات الاجتماع، إن المشكلة الرئيسية التي تواجه قيام الدولة الفلسطينية لا تكمن في المجتمع المدني، الذي رغم ميله المتزايد نحو اليمين واليمين المتطرف والعنصرية، لا تزال فيه مجموعات تؤمن بالحل السياسي، بل في الحكومات الغربية التي وفّرت الحماية لإسرائيل وما زالت تفعل ذلك، رغم البيانات والتصريحات، من خلال الامتناع عن اتخاذ تدابير وإجراءات عملية تُلزمها باحترام القوانين الدولية.

وينطبق ذلك، وفق المصدر المشار إليه، على الاتحاد الأوروبي الذي امتنع، رغم ما يجري في غزة من إبادة والعنف في الضفة الغربية، عن اتخاذ أي تدبير يوجع إسرائيل، وأولها المسّ باتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، التي تمنح الطرف الأخير تسهيلات وامتيازات اقتصادية وعلمية، فضلاً عن الاستفادة من المشاركة في برامج علمية.

ويبقى أن التوجه إلى «مجموعة السبع» سيواجه موقفاً أميركياً معارضاً جذرياً، أو على الأقل رافضاً لفرض أي إجراءات بحق إسرائيل، علماً بأن واشنطن سعت العام الماضي، عبر ضغوط دبلوماسية وسياسية، إلى إجهاض المبادرة الدولية لحل الدولتين، كما فرضت عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية، على خلفية القرار الصادر بحق نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق.

وعلى أي حال، فإن اجتماع باريس الذي ضم العشرات من الناشطين يبقى مفيداً؛ أقله من خلال إعادة وضع الملف الفلسطيني على جدول التداولات الدولية، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية جدية، وإلا فإن اجتماع باريس لن يغير شيئاً من الواقع المأساوي في غزة وبعض أقاليم الضفة الغربية، ولن يعيد الأمل بحصول تطور إيجابي من أي نوع كان.