أفلام عربية حائرة بين أصولها المحلية والتمويل الأجنبي

بينما تنعم السينما السعودية بالاختلاف والتنوّع

لقطة من السباحتان  (أ-زد سلتِك فيلمز)
لقطة من السباحتان (أ-زد سلتِك فيلمز)
TT

أفلام عربية حائرة بين أصولها المحلية والتمويل الأجنبي

لقطة من السباحتان  (أ-زد سلتِك فيلمز)
لقطة من السباحتان (أ-زد سلتِك فيلمز)

ما هو مثير بالنسبة إلى السينما السعودية ليس أنها بدأت، قبل سنوات قريبة، قويّة ومدعومة وواعدة. هذا في حدِّه ممتاز، لكن المثير هو أن أفلامها مصنوعة في السعودية. أفلام وطنية. منذ أن قدّم محمود الصبّاغ «بركة يقابل بركة» ليتبعه عبد العزيز الشلاحي في «حد الطار»، وشهد أمين في «سيدة البحر»، وهيفاء المنصور في «المرشّحة المثالية»، ثم المجموعة الجديدة التي أطلقت مؤخراً أفلاماً عدّة من بينها «أغنية الغراب» لمحمد السلمان، و«سطار» لعبد الله العراك، و«طريق الوادي» لخالد فهد، و«المدرسة القديمة» لعبد الله الخميس. منذ ذلك الحين وهناك منوال صحيح لتأمين الدعم الكافي لهذه الإنتاجات من هيئة الأفلام في المملكة بالتعاون مع الشركات الخاصّة المنتجة لها.

هوية الفيلم إنتاجه

هذه أفلام عضوية في المنشأ والصناعة والعروض وتختلف عن مهام أخرى لصناديق الدعم السعودية المستعدة لمنح إنتاجية لأفلام غير سعودية.

على أن هذا التميّز لا يقف وحده، بل هناك تميّز مهم آخر متّصل به: الأفلام المذكورة وعدد آخر من الإنتاجات الوطنية ثرية بالتنوّع ما بين الدراما الجادة والكوميديا والرومانسية والرعب وسينما الطرق والرحلات. إنها سينما تحتفل باختياراتها من النصوص وأساليب العمل. السبب في ذلك يعود، ولو إلى حد معيّن، إلى حقيقة أنها أفلام تتجه إلى السوق السعودية الكبيرة أولاً كأفلام تجارية صرفة. إذا ما حققت الخطوة للعروض الخارجية، كما الحال في أفلام هيفاء المنصور ومحمود الصباغ وآخرين، كان ذلك فعلاً بديعاً، لكن في الأساس هي تعبير عن سينما وطنية.

هذه لا نجدها في التداول كثيراً هذه الأيام في سينمات عربية أخرى ولسبب مهم آخر: بات الكثير من الأفلام المنتجة يبحث عن تمويل خارجي لأنه لا توجد قدرات اقتصادية وصناعية محلية كافية.

لم يعد خافياً أن الكثير مما يلفّ مهرجانات العالم من أفلام عربية هو، في عرف احترافيٍّ محض، ليس عربياً. القول بأن هوية المخرج هي التي تمنح هوية الفيلم ليس صحيحاً. أفلام فريتز لانغ الهوليوودية ليست ألمانية تبعاً لمنشئه. أفلام ألفريد هيتشكوك الأميركية ليست بريطانية. أفلام يوسف شاهين ليست كلها مصرية لأنه مصري.

انتماء الفيلم الفعلي هو إلى التمويل الغالب. نعم يبقى لبعض الأفلام قدر من الوطنية لكنه قدر محدود لأن الشركة التي عمدت إلى تمويل الفيلم بنسبة تزيد على الثلثين هي أجنبية.

هذا الاعتماد على الإنتاج الأجنبي ازداد منذ مطلع هذا القرن، وفي المقابل باتت الإنتاجات العربية - العربية أمراً شبه مفقود منذ ذلك الحين أيضاً. انحسرت أكثر من أي وقت مضى بينما ارتفع الاعتماد على التمويل الغربي أكثر من أي وقت مضى أيضاً.

الفيلم السعودي «إنشودة الغراب» (تلفاز 11)

هذا الوضع يطول الكثير من الأفلام التي نمت في لبنان من أفلام فيليب عرقتنجي ودانيال عربيد، إلى أفلام نادين لبكي وغسان سلهب، مروراً بنحو 75 في المائة من الأفلام الأخرى.

«ذيب» و«أوديسا عراقية» و«لأجل سما» هي إنتاجات بريطانية لمخرجين عرب (إخراج ناجي أبو نوّار، وسمير جمال الدين، وعهد الخطيب، على التوالي). الكثير من أفلام المغرب العربي، مثل «أمهات»، و«نحبك هادي»، و«بابيشا»، و«ريح ربّاني»، إلخ... هي أفلام منتجة من شركات فرنسية. أفلام نادين لبكي هي شغل ألماني، كذلك أفلام التونسية كوثر بن هنية، خصوصاً فيلميها الأخيرين «الرجل الذي باع ظهره» و«بنات ألفة».

ومؤخراً شاهدنا «ولد من الجنة» لطارق صالح، و«السباحتان» لسالي الحسيني. الأول إنتاج دنماركي، والآخر بريطاني.

الدعم الفعلي

طبعاً لا يخلو الأمر من رأسمال محلّي (يسمّونه Seed Money) وفي الكثير من الحالات هناك جهات عربية داعمة بنسب متفاوتة، لكن من دون وجود الإنتاج الأجنبي فإن معظم هذه الأفلام لن يشهد نور التوزيع الخارجي والكثير منها لن يجد طريقه إلى المهرجانات وفرص الخروج بالجوائز على غرار ما حدث مؤخراً لأفلام مثل «بنات ألفة» و«على فوهة بركان» و«أم كل الأكاذيب». رأس المال الأول لهذه الأفلام تونسي ولبناني ومغربي لكن الدعم الفعلي ألماني وفرنسي.

هذا يحدث لأسباب محددة تختلف من بلد لآخر أحياناً.

على سبيل المثال، يحتاج بلد يعيش أزمات اقتصادية حافلة، مثل لبنان، إلى التمويل الخارجي. يحتاج بعض شركات الإنتاج المحلية إلى هويات أجنبية لتسهيل التسويق. كذلك يرمي المخرجون المعروفون من خلال تحقيق أفلام مموّلة من الخارج إلى تثبيت أسمائهم في تلك الأسواق الخارجية. على أن السبب الجامع يكمن في أن السوق المحلية لمعظم الدول العربية لا تكفي لتأمين التكلفة لو أُتيحت من داخل البلد ذاته، ناهيك بجني أرباح ما.

ضعف السوق العربية له أسباب أخرى من بينها صعوبة اللهجات وقلة عدد صالات السينما واختفاء التوزيع البديل وفوضى التوزيع للمنصات والمحطات التلفزيونية ثم المشكلات السياسية التي تمنع وصول أفلام بعض الدول إلى أسواق بعض الدول الأخرى.

بعض الدول (كلبنان وسوريا والعراق) تمتعت سابقاً بمثل هذه الصناعات المحلية، لكنَّ ذلك كان من قبل أن تتحوّل صالات السينما في الكثير من مدنها إلى محلات بيع ملابس أو تُهدم لصالح بناء عمارة بمرآب تحتها. هذا حدث لسبب آخر إضافي وهو حقيقة أن صالات السينما لم تعد القناة الوحيدة لعرض الأفلام، بل باتت العروض المنزلية سمة طاغية في بلاد عربية كانت حتى نهاية الثمانينات تعيش رغداً ملحوظاً.

مشهد من «الباريسية» (لو فيلم بيلييه).

الفيلم

إيضاح هذه المسببات المتآلفة والتي تشكّل عراقيل وعوائق تمنع ازدهار صناعة السينما داخل حدود الدول العربية (مفترقة أو مجتمعة) يؤدي بنا إلى دراسة ما يوفره معظم هذه الأفلام للعين الأجنبية التي للمنتج الأجنبي حق اعتمادها كدافع لتمويل فيلم ما.

هل هناك رغبة في مشاهدة فيلم يوظّف الخيال بعيداً عن الواقع على طريقة الأفلام الفانتازية الكبرى؟ هل هو بصدد قبول فيلم كوميدي ولو كان جيّداً؟ هل هو وراء الإبداع والتميّز بحد ذاتيهما؟ هل يريد فيلماً عن فرد ناجح ومجتمع سعيد؟

معظم الأفلام العربية التي وجدت طريقها للمهرجانات والجوائز عبر سنوات (بما فيها جوائز من مهرجانات كان وبرلين وفينيسيا ولوكارنو وسواها) كانت من تلك التي تتناول مواضيع الأزمات التي تفتح العين الغربية على مصاعب عيش وعلى مجتمعات بائسة. تلك التي تتحدّث عن نساء منكوبات، ورجال تحت الأعباء، وبيئات غير سعيدة، ومواضيع سياسية وعاطفية تدخل في بند الممنوعات.

تبعاً لذلك، استجاب عدد كبير من الذين يكتبون عن الأفلام فباتت كتاباتهم تبحث في المضمون ولا تكترث للشكل أو الأسلوب أو العناصر الفنية ذاتها. المضمون الذي لا يصنع الفيلم مهما كان مهمّاً بل يحكيه فقط.

إنها حجارة الدومينو التي إذا أُحسن رصفها تتساقط على التوالي: المنتج بحاجة لتمويل. التمويل بحاجة لموضوع يهم المُشاهد الأجنبي. الاثنان يريدان فيلماً يُعرض في المهرجانات. الجميع لا يسأل عن الصورة الغائبة أو عن تقييم صحيح للأوضاع الاجتماعية وبالتأكيد ليس عن الوجه الإيجابي لأي شيء عربي. وفي النهاية لديك حماس بعض النقاد والكتّاب من دون تخيل أو فحص لما يدور.

مخرجون عرب حققوا مؤخراً الاختلاف عن السائد

قائمة ببعض المخرجين الذين أنجزوا أفلامهم (بصرف النظر عن تقييم نقدي) ضمن حدود السينما العربية وحدها.

شهد أمين: «سيدة البحر»، (السعودية).

محمد السلمان: «أنشودة الغراب»، (السعودية).

حكيم بلعبّاس: «لو يطيحو الحيوط»، (المغرب).

حميد بن عمرة: «كيوكو، موسم حصاد الأحلام»، (الجزائر).

رضا الباهي: «جزيرة الغفران»، (تونس).

مروان حامد: «تراب الماس»، (مصر).

يوسف الشابي: «أشكال»، (تونس).


مقالات ذات صلة

فيلم «العقل والعاطفة»... معالجة جديدة أكثر واقعية وقسوة

يوميات الشرق ديزي إدغار-جونز وإسمي كريد-مايلز في المعالجة الجديدة لفيلم «العقل والعاطفة» (imdb)

فيلم «العقل والعاطفة»... معالجة جديدة أكثر واقعية وقسوة

نشأت المخرجة جورجيا أوكلي وهي تشاهد النسخة السينمائية لرواية جين أوستن «العقل والعاطفة» (1995)، وهو عمل نال المحبة بفضل السيناريو الممتع الذي كتبته إيما تومسون.

سارة باهر (نيويورك)
يوميات الشرق مشهد من فيلم «ماري أنطوانيت» صور في «قصر فرساي» (imdb)

بعد مرور 20 عاماً: فيلم «ماري أنطوانيت» للمخرجة صوفيا كوبولا يعود إلى «قصر فرساي»

تعود كوبولا لاستكشاف فيلم «ماري أنطوانيت» سينمائياً مرة أخرى؛ فبينما كانت تعمل على الفيلم قبل 20 عاماً، كانت هناك عين تراقب من كثب: والدتها إليانور.

لورا كابيل (باريس)
يوميات الشرق صورة مركبة للفنانة نادية لطفي و«سيدة الشاشة» فاتن حمامة والنجمة تحية كاريوكا

بالثوب الأبيض والقلب النابض... فنانات مصريات بمستشفيات حرب أكتوبر

«حرب الكرامة بالأبيض والأسود»... عندما قادت فاتن حمامة ونادية لطفي وتحية كاريوكا وهالة فاخر كتائب «الهلال الأحمر» بالمعادي.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» في منافسات «الأوسكار» (الشرق الأوسط)

9 أفلام عربية في سباق «الأوسكار» وسط منافسة دولية شرسة

من المقرّر إعلان القائمة القصيرة، التي تضمّ 15 فيلماً، في 15 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق الصلح يُعقد... والجرح يبقى (الجهة الإعلامية)

«البارح العين ما نامت»: حكاية زواج قسري من البقاع إلى المهرجانات العالمية

تدور الأحداث على الحدود بين لبنان وسوريا، حيث يشعل إحراق شاحنة خلافاً داخل مجتمع بدوي متماسك.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)
TT

«ديغر» صرخة ضد العبث بالبيئة يطلقها إيناريتو وكروز

 المخرج إيناريتو وراء ممثليه  (وورنر برذرز)
المخرج إيناريتو وراء ممثليه (وورنر برذرز)

أول ما يسترعي الاهتمام حتى من قبل أن يبدأ فيلم «ديغر» في استعراض خطابه السياسي، ذلك القدر الكبير من الخيال الكامن في كتابته ثم ما يوازي ذلك الخيال حجماً من تنفيذ فني وإنتاجي. وهو في هذا يشترك مع عدد من أبرز أفلام السنوات الأخيرة، مثل «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا و«فرانكنشتاين» لغييرمو دل تورو و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن و«الأوديسا» لكريستوفر نولان.

إنها هذه الأفلام ومثيلاتها التي توعز بأن هوليوود لا تكتفي بتحقيق أفلام سهلة القبول لدى الجمهور السائد، بل، وبفضل مخرجين لهم الكلمة الأخيرة، تدفع باتجاه سينما ذات فن وكلمة.

توم كروز وريز أحمد في «ديغر» (وورنر برذرز)

جبل من الجليد

يلتقي فيلم «ديغر» لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو مع «ميغالوبوليس» لفرنسيس فورد كوبولا في تصوّره عالماً غارقاً في اللهو والانشغال بذاته، إلى حد إهمال الأسئلة الجوهرية المتعلقة بسبب وجوده ومسار مستقبله.

لكن «ديغر» لا يتحدّث عن مستقبل بعيد، بل يضع ذلك المستقبل في قلب الحاضر، وكأنه واقع قائم بالفعل. بطله ديغر روكويل (توم كروز) أحد أكبر أصحاب القرار والنفوذ في العالم. ورث إمبراطورية النفط والغاز عن آبائه وأجداده، ثم وسّعها واستثمرها حتى بات يمتلك من السلطة والتأثير ما يجعل رئيس الولايات المتحدة (جون غودمان) يعقد اجتماعاته مع الوزراء والمستشارين في منزل ديغر، لا في البيت الأبيض.

يطير الرئيس إلى مقر ديغر ليبحث مستقبل الأرض بعدما تسبب الاحتباس الحراري في انفصال كتلة جليدية من القطب الشمالي، أخذت في الانجراف باتجاه أوروبا مهددة أجزاء واسعة منها. خلال اللقاء يتبادل الرجلان الاتهامات: الرئيس غاضب ولا يعرف كيف يتصرّف، وديغر يذكّره بأنه هو من وافق سابقاً على مشاريعه الاستثمارية. في هذه الأثناء كانت موجات التسوماني التي أحدثها انهيار جبل الجليد ابتلعت غرينلاند وهولندا وتواصلت في مسارها المدمر صوب ولاية ألاسكا وما بعدها.

يرسم إيناريتو صورة ساخرة وحقيقية محذّراً مما يفترض وقوعه إذا ما استمر العبث بالبيئة. إنه ليس افتراضاً بعيد الاحتمال، والسيناريو الذي كتبه المخرج بنفسه يروي حكاية مستندة إلى الواقع أكثر مما هي خيالية. الخيال والواقع هنا مدمجان بسهولة مثل ورقة ذات وجهين لا يمكن فصلهما.

ديغر أمام المجلس (وورنر برذرز)

معجزة في البال

يبدو ديغر، في مستهل الفيلم، شخصية لا تُطاق. لا يكترث بالآخرين ويكره آراءهم. معتد بنفسه ولا يقبل أن يقترح عليه أحد ما عليه فعله لأنه لا يطيق وجهة نظر مخالفة لما يراه.

عندما تقع الكارثة ويجتاح البحر أجزاء واسعة من أوروبا، يجد ديغر نفسه في مواجهة مجلس حاشد من الغاضبين المطالبين بمحاكمته. وكان مستشاره لشؤون البيئة، الدكتور غانش (ريز أحمد في أحد الأدوار الرئيسية)، قد واجهه منذ البداية بالحقيقة متهماً إياه بالمسؤولية المباشرة عما آلت إليه الأمور. غانش يدرك حجم الكارثة ولا يتردد في المجاهرة بها، حتى حين يرفض ديغر الاستماع إليه.

بعد معارضة يعترف ديغر أمام المجلس بمسؤوليته عن جزء مما حدث، لكنه يقلب الطاولة على الحاضرين، مذكّراً إياهم بأن الذنب ليس ذنبه وحده. فالقادة الذين منحوا التراخيص، ورجال الأعمال الذين سعوا وراء الأرباح، وحتى المستهلكون العاديون الذين طالبوا بالمزيد من الطاقة وما توفره من رفاهية وتقنيات حديثة، جميعهم شركاء في المسؤولية. وبذلك يحوّل إيناريتو الاتهام من فرد واحد إلى مجتمع بأسره، جعل من الاستهلاك المتزايد شرطاً للحياة المعاصرة، ثم فوجئ بالثمن البيئي الذي ترتب على ذلك.

يبدأ الفيلم بستارة مرسومة ترتفع كما لو أننا على وشك مشاهدة عرض مسرحي، وينتهي بتحويل العالم كله إلى خشبة مسرح. ففي المشهد الختامي، يقف الجمهور في الصالة مصفقاً لما شاهده من أحداث، أي للأحداث نفسها التي تابعناها نحن طوال الفيلم، وذلك بعد أن يلقي ديغر بنفسه في البحر.

وقبيل هذه النهاية، يقدّم الفيلم أحد أكثر مشاهده دلالة. فديغر، الذي بات يعيش على متن باخرة بعد الكارثة، يواجه مع مرافقيه أزمة نفاد الطعام. عندها يلجأ إلى الصلاة معتقداً أن معجزة ستنقذهم. يأمر الجميع بالركوع، ثم يقف ويرفع رأسه مبتسماً: لقد تحققت المعجزة وها هي الغرفة مليئة بالطعام. لكن هذا في خياله الجانح وحده. الباقون يدركون أن المعجزة لم تتحقق.

صوب الأوسكار

البداية بستارة مسرحية والنهاية المماثلة تعيداننا إلى فيلم إيناريتو «بيردمان‪:‬ الفضيلة غير المتوقعة للجهل» (Birdman or the Unexpected Virtue of Ignorance) الذي أخرجه سنة 2014 والذي دارت أحداثه داخل المسرح (ما عدا مشاهد قليلة). لكن هذا ليس اللقاء الوحيد بين الفيلمين. هناك أيضاً إدارة الكاميرا في مشاهد يتحرك فيها الممثل والكاميرا في ممرات ضيّقة بين الغرف. المصوّر في كلا الفيلمين واحد هو إيمانويل لوبيزكي.

ما هو مختلف هنا هو قيام المخرج بالاتفاق مع مدير التصوير باعتماد إضاءة باهتة خصوصاً في الساعة الأولى من الفيلم الممتد لنحو ساعتين وعشر دقائق. الضوء يفتقد الحدة والصفاء، إذ تغشاه مسحة باهتة تبدو جزءاً من رؤية الفيلم لعالم ديغر؛ عالم أقرب إلى حلم مضطرب أو كابوس مغبّش تذوب فيه الحدود بين الواقع والوهم. في مشاهد أخرى يميل الاختيار للون البنّي المشابه، حسب الفيلم، للعقلية التقليدية التي يتبناها ديغر والمسؤولين السياسيين والعسكريين.

لا يشبه أداء كروز في هذا الفيلم أي أداء سابق له. خطابه أمام المجلس يشبه خطاب ند بيتي في فيلم سيدني لومت «نتوورك» (1976) وروبرت دوڤال في «الحواريّ» (The Apostle) في 1997. يبدو كروز كما لو أنه أعاد اختراع نفسه وقد وصل إلى سن تسمح له بذلك.

السياسة في «ديغر» هي رداء يرتديه الفيلم بكامله. الرئيس الأميركي قُصد به أن يكون كاريكاتورياً، كذلك المحيطون به. مشكلته أنه آخر من يعلم في كل شيء. لا يستطيع أن يجد حلاً لشيء (ويعترف بذلك) لذا فإن القرار السهل هو لوم الصين وروسيا وشن حرب نووية عليهما، أي مواجهة كارثة بأخرى.

لكن الفيلم يقع في فخ صعب، إذ يطرح الأزمة بقوة ثم يعمد لتمييعها. كما في مشهد المحاكمة التي يخرج ديغر منها منتصراً بعدما وزع المسؤولية على الآخرين.

وفي النهاية يقرر إيناريتو إحالة كل ما سبق إلى عرض مسرحي داخل الفيلم. كان مارتن سكورسيزي خسر قضيّته في «قتلة فلاور مون» (2023) عندما حوّل الفيلم في نهايته إلى برنامج إذاعي. إيناريتو يكرر هذا النوع من النهايات الذي يكاد يُلغي المضامين السابقة ومفاداتها المهمّة.

لن يقف هذا المأخذ حائلاً دون نجاح الفيلم على صعيد الجوائز. فـ«ديغر» يمتلك كل المقومات التي تدفعه بقوة نحو موسم الأوسكار من ناحية الإخراج والتمثيل. إنه من تلك الأفلام التي تخاطب المزاج السائد في المرحلة الراهنة، حيث يتصاعد النقد الموجه إلى أصحاب القرار السياسي والاقتصادي، وإلى السياسات القصيرة النظر التي تهدد مستقبل العالم.


شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
TT

شاشة الناقد: فيلمان جديدان من بطولة براد بت وإيزابل أوبير

إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).
إيزابل أوبير في «ذَ بلود كونتيسا» (ستراند ريليزنغ).

THE BLOOD COUNTESS

★★* إخراج: أولريك أوتنغر

* ألمانيا (2026)/ عروض تجارية.

حرصت المخرجة الألمانية أوتنغر على تقديم فيلم عن مصاصي الدماء يختلف عن كل ما سبقه في هذا الحقل؛ ولذلك سخّرت معظم عناصر العمل لتحقيق هذا التميّز.

مصاص الدماء هنا هو امرأة ذات اسم لا يمكن حفظه هو «بلوتغرافن إرزابت باثوري» (إيزابل أوبير). تصل ليلاً إلى ڤيينا بعد غياب سنوات، ولا تمضي دقائق حتى تنقضّ على رقبة الضحية الأولى. الآخرون حولها يتمتعون أيضاً بأسماء غريبة مثل «بروتوس فون باثور زو كلينغنفلز» و«رودي بوبي فون سترودي» و«غيهايمرات لايشنبيتر». من حسن الحظ أن هذه الأسماء ليست الوحيدة التي تدفع نحو الاختلاف، بل هناك جهد بصري مبذول بعناية فائقة لتأمين ذلك الهدف.

عندما تكتشف «بلوتغرافن» أن هناك من يبحث عن كتاب يستطيع به إبادة الفامبايرز، فإنها تنبري للحصول على ذلك الكتاب لحماية نفسها وأمثالها، وذلك بمساعدة خادمتها «هرمين» (بريجت مينيشماير). هناك تمثيل متوازٍ في حسناته بين أوبير ومينيشماير، لكن باقي الشخصيات لا تترك الأثر نفسه، خصوصاً أن إدارة المخرجة لها قائمة على مبدأ العناية ببطلة الفيلم ومساعدتها أولاً.

بصرياً «ذَ بلود كاونتَس» أخّاذ في جوانب كثيرة. التصاميم الفنية؛ كذلك تصاميم الملابس، والديكورات الداخلية. تستخدم المخرجة ومدير تصويرها إضاءة كافية لإبعاد شبح أفلام الرعب الداكنة. في الواقع تُثري المخرجة الفيلم بتعدد الألوان بدل أن تقّلد الأفلام الأخرى. لكنها عناية تنقلب على نفسها حال يتبدّى أن الفيلم إنما يستند في معظم أحداثه على قصّة بسيطة المفارقات. بذلك تبدو بصريات الفيلم وتصاميمه وألوانه مثل غلاف لمحتوى محدود الفاعلية.

HEART OF THE BEAST

★★1/2

* إخراج: ديڤيد آير (Ayer)

* الولايات المتحدة (2026)/ عروض تجارية.

«جيمس » (براد بت) محاربٌ سابق يستقل وكلبُه «أودين» طائرة برمائية في رحلة مفتوحة التوقعات. الطائرة تسقط في بعض مجاهل ألاسكا (تم التصوير في آيسلندا)، ومن هنا فصاعداً تتوالى فصول الحكاية التي تعتمد على مشاهد الخطر المتوالية. يحشد الفيلم للكثير من هذه المشاهد؛ من السقوط من علٍ في نهر جارف، إلى مواجهة دب ضخم، ومن نوبة قلبية تصيب «جيمس»، إلى هجوم ذئاب جائعة عليه وعلى كلبه. هذا إلى جانب صعوبة الرحلة قبل وبعد إصابات يتعرّضان لها. كلاهما يشرف على الغرق. كلاهما يُصاب، وكلاهما ملتحم مع الآخر في مصير واحد.

براد بت في «قلب الوحش» (باراماونت).

وسط كل هذا، هناك تلك العلاقة الوطيدة بين الكلب وصاحبه. هي علاقة حب يوظّفها الفيلم لمنح مشاهديه مشاعر تطفو فوق الواقع وتحتفي بالعاطفة. يعتمد الفيلم كثيراً على تلك العلاقة وكيف أنها لا تخبو أو تتوقف. تمر بامتحانات كثيرة، وتتجاوزها دائماً. إنه فيلم عن رجل وكلبه كما كانت رواية إرنست همنغواي «العجوز والبحر»؛ الكلب ملاذ «جيمس» بينما البحر ملاذ «العجوز». الفارق أن القيمة الأدبية تنتمي إلى رواية همنغواي على تواضع الفيلم الذي استُخلص منها.

في «قلب الوحش» مشاهد فلاشباك سريعة لـ«جيمس» في رحى الحرب العراقية حيث خدم سابقاً. لا ينوي الفيلم استخدام تلك المشاهد تعليقاً. ربما كان من الممكن منح الفيلم بعض العمق الذي يحتاجه لو فعل، لكن من ناحية ثانية سيكون التعليق إضافة لا لزوم لها في سياق وطبيعة الفيلم.

أداء براد بت توظيفي بدوره. الانفعالات لا تتجاوز ما هو مطلوب على الورق، وأداؤه في المشاهد التي لا تتطلب جهداً بدنياً رتيب. رغم ذلك؛ فإن الفيلم يُثير حب المتابعة بسبب ذلك الرجل وكلبه؛ لأن كليهما يحتاج الآخر.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.