نوستالجيا إنديانا جونز الجديد ليست في مكانها الصحيح

الجزء الخامس ينطلق للعروض هذا الشهر

فورد ووولر- بريدج في لقطة من «إنديانا جونز وقرص القدر» (ديزني)
فورد ووولر- بريدج في لقطة من «إنديانا جونز وقرص القدر» (ديزني)
TT

نوستالجيا إنديانا جونز الجديد ليست في مكانها الصحيح

فورد ووولر- بريدج في لقطة من «إنديانا جونز وقرص القدر» (ديزني)
فورد ووولر- بريدج في لقطة من «إنديانا جونز وقرص القدر» (ديزني)

عندما قرر المدير العام لمهرجان «كان» تييري فريمو عرض الجزء الجديد والخامس من سلسلة «إنديانا جونز»، سرت بين «النوستالجيين» همسات الإعجاب بهذا القرار. فبمنأى عن قيمة الفيلم الفنية وبصرف النظر عن هاريسون فورد (81 سنة) الذي كان في التاسعة والثلاثين عندما قام ببطولة الفيلم الأول سنة 1981، طغت الحماسة لمشاهدة مغامرة أخرى من تلك المنتمية إلى صاحب السوط والمعادي العنيد للنازية الألمانية (ومن وقف معها) على حسابات العمر وتعداد السنوات، وتوجه لفيف كبير من الصحافيين والنقاد إلى العرض الوحيد الذي أقيم للفيلم في الدورة المنصرمة في الشهر الماضي.

المفاجأة هي أن الحماس لم ينجب إعجاباً بالضرورة حتى مع الأخذ بعين الاعتبار ذلك التصفيق العفوي الذي تبع عرض الفيلم وقبله الاستقبال الحافل لممثله الأول هاريسون فورد. شيء ما نال من ذلك الحماس وانجلى عن مقارنة غير موفقة بين مغامرات إنديانا جونز في تلك الأعوام السابقة وبين مغامراته اليوم.

هكذا وُلد «إنديانا جونز»

الفيلم الخامس من السلسلة يحمل عنواناً يدل على بعض حبكته: «إنديانا جونز وقرص القدر» (Indiana Jones and the Dial of Destiny) وهو عنوان يماثل عناوين الأفلام الأربعة السابقة في إيحاءاته بأنه إنما ينتمي إلى تلك الحقبة الزمنية من الأفلام التي كانت تسودها عناوين مشبعة بالبطولة والتشويق مثل «زورو يعود» و«المبارزة الأخيرة» و«طرزن الكبرى» أو «غزاة ناهشو الجسد»... إلخ.

فكرة مسلسل «إنديانا جونز» لم تكن بالمرّة بعيدة عن أفلام الثلاثينات والأربعينات ومن بينها تلك المسلسلات الأسبوعية التي كانت تعرض في عشرات آلاف الصالات الأميركية حينها. مسلسلات مثل «قانون الغابة» و«الجبل الغامض» و«عودة فو مانشو» و«مغامرات وايلد هيكوك» والمئات غيرها (بداية هذه المسلسلات تعود إلى عام 1910 بفيلم فرنسي عنوانه «أرسين لوبين ضد شرلوك هولمز»).

لم تكن فكرة العودة إلى إطار تلك المسلسلات (كل حلقة من نحو 12 دقيقة يتم تكملتها في حلقة جديدة تعرض في الأسبوع المقبل وصولاً إلى الخامسة عشرة والأخيرة) من بنات أفكار المخرج ستيفن سبيلبرغ، الذي قام بإخراج الأجزاء الأربعة من «إنديانا جونز» جميعاً، بل خطرت على بال المنتج والمخرج جورج لوكاس أولاً. صاحب «ستار وورز» تحدّث مع المخرج والكاتب فيليب كوفمان ومعاً وضعا لبنة مشروع فيلم واحد بعنوان «مغامرات إنديانا سميث» وذلك في سنة 1973.

عمل الاثنان معاً لفترة من الوقت قبل أن يهجر كوفمان المشروع. في عام 1977 التقى لوكاس بسبيلبرغ والأخير أعرب عن رغبته في أن يكون الاختيار المقبل لإخراج فيلم من سلسلة جيمس بوند. آنذاك لم يكن في بال منتج أفلام بوند (ألبرت بروكولي) الاستعانة بمخرج «لقاء قريب من النوع الثالث» لتحقيق أحد أفلامه.

الجزء الأول من «إنديانا جونز» (باراماونت)

اقترح لوكاس على سبيلبرغ إخراج سلسلة «إنديانا سميث» بعد تغيير الاسم إلى «إنديانا جونز». سنة 1981 تحت عنوانه الكامل «إنديانا جونز وغزاة الفلك المفقود» (ّIndiana Jones and the Raiders of the Lost Ark).

الفيلم حمل اسم جورج لوكاس منتجاً وكأحد كاتبي القصة (لجانب فيليب كوفمن) واسم لورنس كاسدان ككاتب سيناريو. جيء بهاريسون فورد الذي كان بدأ يضع قدميه على أرض الشهرة بعد أن ظهر في «ستار وورز» كأحد أبطال الفيلم الثلاثة (لجانب كاري فيشر ومارك هاميل الذي بدوره صُنع للتماثل مع تلك المسلسلات القصيرة).

* فارس عربي

مثل تلك المسلسلات كان لابد من البحث عن أشرار الفيلم الذي على عالم الآثار إنديانا جونز مجابهتهم. في الثلاثينات كانت النازية الألمانية في ارتقاء وكانت هوليوود في الأربعينات وجدت أن أفضل شرير ممكن تضعه في أفلام الجاسوسية والمغامرات والأكشن هو ذلك المرتبط بجهة خارجية. في البداية كانت تلك الجهة صينية، لاحقاً أمست ألمانية وعندما انتهى الوئام بين الولايات المتحدة وروسيا انتقل الشر إلى الروس الذين يريدون هدم الديمقراطية الأميركية.

حقيقة أن الحلقة الأولى من «إنديانا جونز» دارت في رحى منتصف الثلاثينات وضع النازيين في بؤرة الشر لجانب المصريين الذين تعاونوا مع النازيين على استخراج تلك الأيقونة التي ستكون محط صراع جونز والنازيين.

المشهد الذي نرى فيه إنديانا جونز يواجه فارساً بلباس عربي كلاسيكي يتحداه بسلاح أبيض لخّص النية في وضع العرب كأعداء. هاريسون فورد يتطلع إلى السماء بضجر ثم يسحب مسدسه ويطلق النار على الفارس قبل أن يتحرك ذاك من مكانه، بذلك توجهت الرصاصة إلى النموذج الكلاسيكي للفارس العربي.

لا يهم كثيراً الآن. لاحقاً ما حطّم سبيلبرغ مدينة عربية بكاملها في فيلم «مغامرات ران تان تان» (1981) وهو الفيلم الكرتوني الذي كان من المفترض أن يكون الجزء الأول من جزأين على أساس قيام صاحب سلسلة «ذَ لورد أوف ذَ رينغ» بيتر جاكسون بإخراج الجزء الثاني وهو الأمر الذي لم يتم إما لانصراف جاكسون عن الفكرة أو لأن الجزء الأول لم ينجز أطناناً من المال أو للسببين معاً.

بناء على نجاح إنديانا الأول الذي أثمر عن 390 مليون دولار (يساوي نحو مليار و300 مليون دولار حالياً) تم إطلاق «إنديانا جونز ومعبد الهلاك» (Indiana Jones and the Temple of Doom) سنة 1984، ثم «إنديانا جونز والحملة الأخيرة» (Indiana Jones and the Last Crusade في عام 1989 ثم «إنديانا جونز ومملكة الجمجمة الكريستال» (Indiana Jones and the Kingdom of the Crystal Skull). أحداث هذا الأخير تقع في الخمسينات (على خلفية الحرب الباردة آنذاك) في حين أن الأجزاء الثلاثة السابقة تعاطت مع أحداث تقع في الثلاثينات وحدها.

* استيحاءات

أحداث الجزء الحالي، «إنديانا جونز وقرص القدر» (Indiana Jones and the Dial of Destiny) هو الوحيد الذي لم يخرجه سبيلبرغ بل تم إسناد المهمة إلى جيمس مانغولد. أحداث الفيلم الجديد تجد جذورها في عام 1944 عندما عثر جونز على قرص من شأنه إعادة الزمن إلى الوراء. بعد أكثر من 20 سنة ها هو جونز يحاول إقناع المسؤولين الأميركيين بأن تعاونهم مع نازي سابق (ماس ميكلسن) يريد استحواذ ذلك القرص هو خطر على أميركا والعالم. ثم نتعرّف على إنديانا في الزمن الحالي وحيداً بعدما كان خسر زوجته (طلّقته) وابنه (مات في الحرب الفيتنامية). تنتهي وحدته عندما تلتقي به حفيدته (فوبي وولر- بردج) وتستدرجه لمغامرة جديدة محورها امتلاك ذلك القرص من جديد.

* اعتبارات تجارية

تحقيق هذا الفيلم على النحو الذي جاء عليه ليس أكثر من جشع تجاري ربما له نتائج إيجابية لأسبوع أو أسبوعين في شباك التذاكر حين إطلاق الفيلم قبل نهاية هذا الشهر. هاريسون لا يستطيع خداع أحد عبر الظهور في بطولة فيلم يسعى فيه (ويسعى الفيلم عبره) إلى استعادة صلاحيّته كبطل أكشن. شخصية إنديانا جونز تتبدى كما لو كانت ثقلاً أكثر منها استعادة لبطولة.

الأفلام الثلاثة الأولى من إنديانا جونز دارت في رحى استيحاءات من الشخصيات والأحداث المسيحية واليهودية. الفيلم الرابع كسر هذا الالتزام أما هذا الفيلم فيبدو كما لو وضع قدماً في الماضي وآخر في الحاضر وبقي خارج القدرة على إيجاد مربّعه الخاص.

فكرة القرص الذي يستطيع الانتقال بصاحبه إلى الماضي لتغيير معالم الحاضر وردت في عشرات الأفلام من بينها «العودة إلى المستقبل» (Back to the Future) سنة 1985. على الأقل كان فيلم روبرت زيميكس كوميدياً خلط المغامرة بالخيال العلمي ونجح، وهذا بالتحديد ما يفتقر إليه إنديانا الجديد.


مقالات ذات صلة

مايكل جيمس: «قضاء الرب» تجاوز القيود الإنتاجية بحلول بصرية جريئة

يوميات الشرق واجه الفيلم صعوبات إنتاجية في مراحله المختلفة (الشركة المنتجة)

مايكل جيمس: «قضاء الرب» تجاوز القيود الإنتاجية بحلول بصرية جريئة

قال المخرج الجنوب أفريقي مايكل جيمس إن فيلمه «قضاء الرب» ولد من احتكاك مباشر بعالم المهمشين، لإعادة النظر في الطريقة التي ينظر بها المجتمع لهؤلاء الأشخاص.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق فيلم «برشامة» تصدّر الإيرادات في موسم العيد (الشركة المنتجة)

إيرادات السينما في مصر تعيد صياغة فكرة «نجم الشباك»

أعادت «إيرادات السينما» خلال موسم عيد الفطر المبارك بمصر صياغة فكرة «نجم الشباك»، بعد تصدّر أفلام «البطولة الجماعية» قائمة إيرادات «شباك التذاكر».

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق يعقوب الفرحان في أحد مشاهده في فيلم «القيد» (تلفاز 11)

عرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية»

تعرض 5 أفلام سعودية بدول إسكندنافية ضمن برنامج «ليالي عربية» الذي ينظمه مهرجان «مالمو السينمائي» برعاية «هيئة الأفلام السعودية».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)

جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

انحازت جوائز المسابقة الرسمية للنسخة الخامسة عشرة من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» للقضايا الاجتماعية في مجمل اختياراتها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق «حفّار»... توم كروز كما يبدو في الفيلم (وورنر)

لقاء فريد بين نجمين لامعين... «حفّار» يجمع إيناريتو وتوم كروز

تفاصيل الحكاية في فيلمه الجديد «حفّار» غير واضحة بعد، لكنّ خيطها الأساسي يدور حول رجل عُرِف بأنه الأقوى في العالم...

محمد رُضا (لندن)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً