يوميات ماركيز في منفاه الباريسي

يقول إنه مدينٌ بالكثير للعاصمة الفرنسية

ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار
ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار
TT

يوميات ماركيز في منفاه الباريسي

ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار
ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار

كانت مقاهي الحي اللاتيني وسان جيرمان دي بري بمثابة «الوطن البديل» لشتات أدباء أميركا اللاتينية؛ ففي تلك المساحات الضيقة، حيث تتشابك رائحة القهوة مع تبغ السجائر وضباب باريس الكثيف، نُسجت خيوط واحدة من أجمل الصداقات الأدبية في القرن العشرين وأكثرها عمقاً وتأثيراً. وقد جسّد مقهى «أولد نيفي» تطلعات ذلك الجيل وشغفه، حيث أمضى فيه غابرييل غارسيا ماركيز نحو عام كامل، يجلس ساعات طوالاً على أمل أن يلمح خوليو كورتاثار الذي لم يكن في عينيه مجرد كاتب عابر، بل كان بمثابة الأب الروحي للقصة القصيرة الحديثة في القارة اللاتينية، لا سيما بعد الصدى المدوي الذي أحدثته مجموعته القصصية الشهيرة «بيستيارو». ولم يتحقق هذا اللقاء المرتقب إلا بعد خمسة عشر عاماً، وفي باريس أيضاً، ليوثق ماركيز تلك اللحظة بوصفه الأيقوني لكورتاثار بأنه «الرجل الأطول في العالم، الذي لم يقرر يوماً أن يشيخ». وتحولت هذه العلاقة اللاحقة إلى سيل من الرسائل المتبادلة بينهما، حتى إن كورتاثار كان من أوائل النقاد والكُتّاب الذين احتفوا بولادة رواية «مائة عام من العزلة» وبشروا بعالميتها.

ولم تكن تلك المقاهي مجرد أماكن للتسلية أو تزجية الوقت، بل تحولت إلى صالونات سياسية وأدبية تُمثّل «البحر» الحاضن لقاربهم المشترك في المنفى. فبين جدرانها، كانوا يتبادلون قراءة المخطوطات الأولى لأعمالهم، ويتناقشون بحماس صاخب حول الثورات والانقلابات المتلاحقة في بلدانهم مستمسكين بما سماه بول كولود بـ«البؤس الذهبي»؛ تلك الحالة الفريدة التي يمتزج فيها جوع البطون بجموح الخيال الذي يطاول السماء.

شكّلت باريس في خمسينات القرن الماضي محطة مفصلية في حياة غابرييل غارثيا ماركيز. فبعد أن تقطعت به السبل إثر إغلاق الصحيفة الكولومبية التي كان يعمل مراسلاً لها عام 1955، عاش في ظروف متواضعة كتب خلالها بشغف روايته «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه». وقد ظل ماركيز مديناً لباريس طوال حياته؛ إذ اعتبرها المدينة التي صقلت وعيه، ومنحته رؤية أعمق وأشمل لثقافة وسياسة أميركا اللاتينية.

كانت الثلوج تتساقط بغزارة على باريس في ذلك اليوم من شهر يناير (كانون الثاني) عام 1957، حين كان الصحافي الكولومبي الشاب العامل في صحيفة «El Espectador» يضع اللمسات الأخيرة على روايته (لا أحد يراسل الكولونيل)، وهي أولى رواياته الكبرى التي ولدت من رحم المعاناة الباريسية. وكان الشاب الكولومبي قد وصل إلى بلاد رابيله ورامبو وجورج براسينس في ديسمبر (كانون الأول) 1955، محملاً بمهمة كتابة تقارير صحافية عن الأحداث الجارية في أوروبا. وتتذكر الممثلة الإسبانية تاتشيا روسوف التي كانت رفيقته في تلك الفترة، كيف كان يتعلم اللغة الفرنسية بشغف من خلال الاستماع إلى أغاني براسينس، مؤكدة أنه كان يغنيها بطريقة رائعة ومثيرة للإعجاب.

عاش ماركيز أثناء كتابة الرواية فقراً مدقعاً تقاطع تماماً مع معاناة بطلها «الكولونيل»، وذلك إثر إغلاق الدكتاتور الكولومبي روخاس بينييا صحيفته. ولتأمين وجبة طعامه اليومية، اضطر لغناء «البوليرو» في حانة «L›Escale» مقابل فرنكات معدودة، ترافقه ألحان غيتار الفنزويلي خيسوس رافائيل سوتو، الذي غدا لاحقاً من أبرز رواد الفن الحركي والبصري في العالم.

ماركيز الشاب في باريس

باريس في ليلة شتوية

عن حياته في باريس، يقول ماركيز: «لقد جئتُ إلى باريس للمرة الأولى في ليلة شتوية شديدة البرودة من ديسمبر عام 1955. وصلت بالقطار قادماً من روما إلى محطة تزدان بأنوار أعياد الميلاد، وكان أول ما أثار انتباهي هو أولئك العشاق الذين كانوا يتبادلون القبلات في كل مكان؛ ففي القطار، وفي مترو الأنفاق، وفي المقاهي، وعلى المصاعد، كان أبناء الجيل الأول لما بعد الحرب يلقون بأنفسهم بكل طاقاتهم في الاستهلاك العلني للحب، الذي كان لا يزال المتعة الرخيصة الوحيدة المتاحة بعد تلك الكارثة. كانوا يتزاورون بالقبلات في منتصف الشارع، دون أدنى اكتراث بإعاقة المارة الذين كانوا يفسحون لهم الطريق دون أن يرمقوهم بنظرة أو يولوهم أي اهتمام، تماماً كما نفعل مع الكلاب الضالة التي تلتصق ببعضها في منتصف ساحة المدينة لتنجب جروها. لم تكن تلك القبلات الخارجية مألوفة في روما - التي كانت أول مدينة أوروبية أعُيش فيها - ولا بالطبع في بوغاتا الضبابية المتزمتة في تلك الأيام، حيث كان من الصعب حتى تقبيل أحدهم داخل غرف النوم. حدث كل هذا في الأيام الحالكة لحرب الجزائر. وفي الخلفية، وسط نغمات الأكورديون الحنينية الصادرة من زوايا الشوارع، وما وراء رائحة الكستناء المشوية المنبعثة من المواقد، كان القمع شبحاً لا يروى غليله. فجأة ودون مقدمات، كانت الشرطة تغلق مخرج مقهى ما، أو أحد المقاهي الشمال أفريقية الواقعة في جادة سان ميشيل، لتقتاد بوحشية كل من لا تحمل ملامحه (وجهاً مسيحياً). وكان أحدهم، حتماً، أنا وحدي. لم تكن أي مبررات تجدي نفعاً: فلم تكن وجوهنا وحدها هي السبب في هلاكنا، بل وأيضاً لكنة النطق بالفرنسية التي كنا نتحدث بها. في المرة الأولى التي زجوا بي فيها داخل القفص مع الجزائريين، في مركز شرطة سان جيرمان دي بري، شعرت بإهانة بالغة. لقد كان ذلك تحيزاً أميركياً لاتينياً بحتاً؛ فالسجن في ذلك الحين كان شيئاً يُستحى منه، لأننا كأطفال لم نكن نمتلك تمييزاً واضحاً للغاية بين الجرائم السياسية والجرائم الجنائية، وكان كبارنا المحافظون يحرصون على ترسيخ هذا الخلط وإبقائنا رهينةً له. غير أن وضعي كان أشد خطورة؛ فعلى الرغم من أن الشرطة قد اقتادتني لاعتقادهم بأنني جزائري، إلا أن الجزائريين أنفسهم، وما أن وجدوني داخل الزنزانة، حتى أخذهم الريب مني حين أدركوا أنني، ورغم وجهي الذي يشبه وجه بائع أقمشة متجول، لا أستطيع فهم كلمة واحدة مما يقولون. وعلى الرغم من ذلك، وبما أنني ظللت أنا وهم زائرين دائمين لتلك التوقيفات الليلية، فقد انتهى بنا المطاف إلى التوصل لتفاهم مشترك. وفي ذات ليلة، قال لي أحدهم: بما أنك ستكون سجيناً بريئاً على أي حال، أليس من الأفضل أن تكون مذنباً؟ وشرع في تشغيلي لصالح (جبهة التحرير الوطني الجزائري). كان هو أحمد تبّال، الطبيب الذي عُدَّ أحد أعز أصدقائي في باريس خلال تلك الأيام، غير أنه لقي حتفه لاحقاً في موتة حربٍ أخرى بعد استقلال بلاده. وبعد خمس وعشرين سنة، عندما دُعيتُ للاحتفال بذكرى ذلك الاستقلال في الجزائر، صرّحتُ لصحافيٍ بأمرٍ بدا يصعب تصديقه: إن الثورة الجزائرية هي الثورة الوحيدة التي سُجنتُ من أجلها حقاً.

مع ذلك، لم تكن باريس آنذاك مجرد مدينةٍ ترزح تحت وطأة الحرب الجزائرية، بل كانت أيضاً الملاذ لشتات أميركي لاتيني هو الأوسع منذ زمن طويل. كنا هاربين من الطغاة لدرجة أن الشاعر نيكولاس غيين كان يطل كل صباح من شرفته في فندق (غراند سان ميشيل) الواقع في شارع (كوجاس)، ويصرخ بالأنباء القادمة من أميركا اللاتينية باللغة الإسبانية. وفي أحد الصباحات، صاح ملء فمه: (لقد سقط الدكتاتور!). لم يكن قد سقط سوى طاغية واحد بطبيعة الحال، لكننا استيقظنا جميعاً على وهمٍ عذب بأن الجنرال المخلوع هو جنرال بلادنا نحن.

كان بوسعنا أن نطوف القارة بأكملها ونلتقي بأدبائها وفنانيها وسياسييها بمجرد جولة بين المقاهي المكتظة في سان جيرمان دي بري. كنا نتنفس أغاني براسينس في الهواء. وكانت الجميلة تاتشيا كوينتانا، الباسكية الجسورة التي تبنيناها نحن المغتربين الأميركيين اللاتينيين كواحدة منا، وكانت تصنع معجزة إعداد طبق (بايلا) شهي لعشرة أشخاص فوق موقد صغير، يعمل بالغاز. لم أكن أدرك حقيقة وضعي بوضوح حتى تلك الليلة التي وجدت فيها نفسي قرب حدائق لوكسمبورغ دون أن أذوق حبة كستناء واحدة طوال اليوم، ومن غير مأوى أنام فيه. رحت أهيم في الشوارع العريضة لساعات، على أمل أن تعتقلني دورية شرطة من تلك التي تكنس الشوارع بحثاً عن العرب، لعلّي أحظى بنوم دافئ في زنزانة، لكنني لم أجد أثراً لأي منها أينما التفتّ. ومع تباشير الفجر، حين بدأت ظلال القصور على ضفاف نهر السين تتجسد وسط الضباب الكثيف، يممت وجهي شطر جزيرة المدينة، أي وسطها، بخطوات واسعة حازمة، وبملامح عامل شريف استيقظ لتوّه ليلحق بمصنعه. وبينما كنت أعبر جسر سان ميشيل، شعرت أنني لست وحدي في هذا الضباب، إذ سمعت بوضوح وقع خطوات شخص يقترب من الاتجاه المعاكس. رأيته يتشكل عبر الضباب، على الرصيف ذاته ويسير بالإيقاع نفسه الذي أسير به، ولمحت عن قرب سترة الصوف ذات المربعات الحمراء والسوداء، وفي لحظة تقاطع طريقانا في منتصف الجسر، رأيت شعره الأشعث، وشاربه الكثّ كشارب تركي، وسحنته الحزينة التي تفضح جوعاً مؤجلاً وليالي سهد طويلة، ورأيت عينين تترقرق فيهما الدموع. تجمّد قلبي في صدري، لأن ذلك الرجل بدا وكأنه أنا نفسي... في رحلة عودتي.

استحضرتُ أعمق ذكرياتي عن باريس في طريق عودتي من ستوكهولم. فرغم أن المدينة لم تتغير، فإنني حين زرتها عام 1968 إثر الانتفاضة الطلابية، وجدتها فقدت حميميتها وثورتها؛ فاختفت قبلات العشاق العلنية، واستُبدلت حجارة الرصف، ومُحيت أجمل شعارات الجدران. وبات المشهد يقتصر على عمال النظافة ببدلاتهم ودراجاتهم الخضراء وأدواتهم الآلية، وهم يجمعون فضلات الكلاب من شوارع أجمل مدينة في الأرض».

ماركيز: الثورة الجزائرية هي الثورة الوحيدة التي سُجنتُ من أجلها حقاً


مقالات ذات صلة

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

ثقافة وفنون «مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية

ندى حطيط
ثقافة وفنون مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون حجاج أدول

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

سبع سنوات من القتال الشرس عشتها ما بين نهاية الستينات وبدايات السبعينات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب > تعود في أحدث رواياتك «الطاووس الباكي والقرد اللاطم»

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون برونو شولتز

«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

بعض الكتب تحجز لنفسها مكانة خاصة في الذاكرة ليس لقيمتها فحسب، إنما لقصة تتفرد بها مع قارئها؛ قصص برونو شولتز المسماة بـ«دكاكين القرفة»، المدى، بغداد: 2026،

حمزة عليوي

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.


دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة
TT

دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

هذا بالضبط ما يحدث مع الطالب (زين)، بطل رواية «جريمة الثانوية العامة»، الصادرة عن دار«الشروق» بالقاهرة للكاتب المصري الشاب توماس جوزيف، حيث يذهب لأداء امتحانات الثانوية العامة فيجد نفسه وقد أصبح المتهم الرئيسي في لغز مقتل طالبة داخل المدرسة.

تزداد الأزمة تعقيداً، حين يجد الفتى المراهق أن كل الظروف ضده والجميع تخلى عنه حتى أقرب الناس إليه بدأوا ينظرون إليه بشك وخوف، فيقرر ألا يستسلم ويدرك أن عليه حل اللغز بنفسه لينجو، لكن كلما اقترب من الحقيقة اكتشف أن المدرسة التي كان يظن أنه يعرفها مليئة بالأسرار المظلمة والحكايات الصادمة التي قرر أصحابها أن يدفنوها للأبد حتى لو كان الثمن حياة زميلهم.

وخلف ستار الجريمة والغموض، تقدم الرواية محاولة تشريح للنفس الإنسانية حين يعتريها الخوف وتحاصرها الشكوك ويصبح من الصعب للغاية تحديد من هو جدير بثقتك، بل من هو عدوك ومن صديقك، وهنا يستفيد المؤلف من تخصصه الجامعي في دراسة علم النفس.

لكن الرواية، في المقابل، تعاني من بعض السلبيات المعتادة في التجارب الإبداعية الأولى للأدباء الشبان ومنها هيمنة الحوار بين الشخصيات بشكل مبالغ فيه وتراجع مساحات السرد بما فيها من لمحات مضيئة وعميقة تدعو للتأمل، فضلاً عن الاشتغال على ثيمة تقليدية في أدب الجريمة والسينما، على حد سواء.

من أجواء الرواية نقرأ:

«خرجتُ... وضح كل شيء الآن... لا جريمة ولا قاتل يدعى زين، لا تعليقات سخيفة ومؤذية على مواقع التواصل الاجتماعي، لست شكلاً ضالاً كما قال عني الجميع، لست سفاحاً وشيطاناً حياً يمشي في الشوارع يبحث عن الفتيات ليقتلها، لست مغتصباً ولا متحرشاً، لست مريضاً عقلياً كما قال عني البعض.

جلستُ على الرصيف وملت للوراء حتى استلقيت على ظهري، لا نجوم كعادة مدينة القاهرة، بالكاد أرى السحب وسط الظلام، عكس عمود نور رؤيتي فقمت بسرعة وركلته بقدمي كأنه الدنيا وما فيها. رقص العمود ورقصتْ معه أحزاني، تمايل حتى خفت حركته كأنه شعر بآلامي وقال لي: رفقاً بك.

شعرت بالألم يتصاعد من قدمي. ركلة شديدة، لو كنت في مباراة لكنت قد ثقبت الشِباك. خرجت العجوز يزيد الهم تجاعيد وجهها، رأتني وتحركت نحوي ببطء فتحت ذراعيها لتعانقني كالمعتاد فلم تحضنني أمي ولم يؤمن بي أبي. رفضتُ عناقها وأنزلت ذراعها. حان دوري، فتحتُ لها ذراعيّ عن آخرهما، ارتمت كطفلة صغيرة لا كجدة، بداخلها طفلة، جميعنا أطفال في الواقع لكن من يرى؟».