مي زيادة وجبران: الحب كالكتابة لا يزهر إلا في تربة الغياب

كلاهما آثر في عمقه عدم اللقاء بالآخر رغم أن الأمر لم يكن متعذراً

مي زيادة وجبران
مي زيادة وجبران
TT

مي زيادة وجبران: الحب كالكتابة لا يزهر إلا في تربة الغياب

مي زيادة وجبران
مي زيادة وجبران

قد تكون العلاقة التي جمعت بين مي زيادة وجبران خليل جبران، واحدة من أغرب العلاقات العاطفية التي ربطت بين كاتبين، وأكثرها التباساً ومحلاً للجدل والقراءات المختلفة. إذ ندر أن شهد التاريخ المديد للعشق، علاقة عاطفية بين طرفين اقتصرت تعبيراتها على تبادل الرسائل لفترة تقارب العقدين من الزمن، دون أن يعمد أي منهما إلى هدم العائق الجغرافي والتقدم بوصة واحدة باتجاه الآخر. لكن هذه الغرابة بالذات، هي التي جعلت منهما محل متابعة العشرات من النقاد والباحثين، بحيث وُضعت حولهما عشرات الكتب والأطروحات، ولم تُترك نأمة صغيرة من حياتيهما إلا وتمت متابعتها بالتفصيل.

وإذا كان جبران مديناً فيما حققه من مكانة وحضور إبداعيين، لأمه كاملة رحمة التي اتخذت قرارها الشجاع بترك الأب المتسلط والمدمن على الخمرة وحيداً في بشري، والهجرة مع أولادها الأربعة بطرس وجبران وسلطانة ومريانا إلى أميركا، فهو لا يخفي الدور الموازي الذي لعبته نساء أخريات في حياته القصيرة الحافلة، حيث ورد في إحدى رسائله إلى مي زيادة «أنا مدين بكل ما هو أنا للمرأة، منذ كنت طفلاً وحتى الساعة. المرأة هي من فتحت النوافذ في بصري والأبواب في روحي. ولولا المرأة الأم والمرأة الشقيقة والمرأة الصديقة، لبقيت هاجعاً مع هؤلاء النائمين الذين يشوشون سكينة العالم بغطيطهم».

إلا أن المتتبع لحياة جبران العاطفية لا بد أن يلاحظ أنه إزاء شخصين متغايرين تماماً، أحدهما يصوب باتجاه الجسد الغرائزي، والآخر باتجاه الروح والتوهج المثالي للأنوثة الكونية. وإذ يكشف ميخائيل نعيمة في كتابه عن جبران، أن هذا الأخير أقام في مراهقته علاقة جسدية محمومة مع امرأة أميركية متزوجة من تاجر جلود، كانت تتردد عليه ليرسمها، فإن نعيمة يسرد الحدث بأسلوب من الغمز المشوب بالإدانة المبطنة، علماً بأن الإنسان في الصبا لا يأبه بالمعايير الأخلاقية السائدة، بل بتحقيق ذاته وإثبات هويته الذكورية.

وكما يظهر جبران في صورة أخرى مناقضة من خلال العلاقة الرومانسية الحالمة التي أقامها أثناء إقامته في بيروت مع حلا الضاهر، التي أطلق عليها في «الأجنحة المتكسرة» اسم سلمى كرامة، ما يلبث أن يقع فريسة شغفه المشبوب بالأميركية ميشلين ذات الجمال المغوي، التي عرفته بها ماري هاسكل، قبل أن تصل علاقتهما إلى طريق مسدود، ليس فقط لأن جبران لم يرغب في الزواج منها، بل لأنه لم يكن قادراً على خيانة هاسكل، التي لم يكن من دون رعايتها ودعمها ليقف على قدميه. أما علاقته بماري فتتخذ طابعاً ملغزاً وشديد الإبهام. ففي حين يرى البعض أن جبران قد وجد في ماري، التي تكبره بعشر سنوات، أمه الرمزية البديلة، يبدو جبران في قرارته وكأنه منشطر نصفياً بين إبقاء ماري، ذات الجمال المتواضع، في خانة الصداقة والحدب الإنسانيين، وبين الزواج منها بدافع تأنيب الضمير أو التعبير عن الامتنان.

وسط البلبلة العاطفية التي عاشها جبران في فترة شبابه، كان يمكن للرسالة التي وصلته من مي زيادة عام 1912، والتي تعرب فيها عن إعجابها الشديد بقصته «مرتا البانية»، أن تكون حدثاً عابراً في حياته، كما في حياة الكاتبة اللبنانية التي تشاء المفارقات أن تدين انطلاقتها الفعلية في عالم الأدب لجبران نفسه، حيث تسبب إلقاؤها المميز لكلمته في حفل تكريم خليل مطران عام 1913، في لفت أنظار الوسط الثقافي المصري إلى نبرتها الواثقة وحضورها الآسر. فما الذي دفع الطرفين إلى الدخول في مغامرة عاطفية نظرية استمرت عقدين من الزمن، في حين كانت نساء عديدات تتنافسن على قلب جبران، وكان عشرات الكتاب المصريين والعرب يتسابقون بالمقابل للوصول إلى صالون مي الأدبي، وإلى قلبها فيما بعد؟

والواقع أن مثل هذا السؤال لم يكن ليغيب عن بال الكتاب والباحثين، الذين عاينوا العلاقة عن كثب، أو قاربوها من موقع الدرس والتمحيص والتحليل النفسي، وبينهم ميخائيل نعيمة الذي يمر بشكل عارض على الرسالة التي وصلت جبران من فتاة شرقية لم يسمّها، متحدثاً عن شعور صديقه بالزهو والغبطة إثر قراءة الرسالة، وملمحاً إلى أن جبران لم يشأ اللقاء بالفتاة، تجنباً «لإفساد ما تبقى من براءته، أو الابتلاء بالمزيد من التجارب».

وإذ يُفترض بالرسائل التي تبادلها الطرفان أن تكون المرجع الأهم في تبيان حقيقة العلاقة وطبيعتها، فإن هذه الرسائل تندرج في خانتين اثنتين، فكرية وعاطفية، مع الإشارة إلى اتسام الأولى بالجرأة النقدية والغنى المعرفي، فيما تدرجت الثانية من البوح الخفر والموارب، إلى الاعتراف بالحب والمكاشفة العاطفية الصريحة. وحيث تعمد مي إلى امتداح السرد الجبراني في «الأجنحة المتكسرة»، إلا أنها تبدي تحفظها على موقفه السلبي من الزواج، وعلى تسويغه للخيانة حتى ولو كان الحب دافعها الوحيد. وفي «دمعة وابتسامة» تأخذ مي عليه «لهجته المضطربة وأفكاره الصبيانية». وإذ تمتدح كتابيه «المواكب» و«المجنون»، لا تتوانى رغم إعجابها بالكتابين عن القول: «في كلا الكتابين أكاد أتبين تأثير نيتشه، وإن كانت بسمة التهكم الفني الدقيق التي نراها عند جبران لن تشبه أبداً ضحكة نيتشه ذات الجلبة الضخمة المزعجة». والأرجح أن تعلق جبران العاطفي بمي، هو الذي دفعه إلى أن يتقبل برحابة صدر «حديثها العلوي المتراوح بين العذوبة والتعنيف». إلا أن جبران، من جهة ثانية، لم يتردد في مكاشفة مي بما يرى فيه تعزيزاً لدورها ومكانتها الأدبيين، فيحثها على استثمار مواهبها في ما هو أبعد من النقد الأدبي والاجتماعي، قائلاً لها: «أو ليس الابتداع أبقى من البحث في المبدعين؟ ألا ترين أن نظم قصيدة أو نثرها، أفضل من رسالة في الشعر والشعراء؟».

أما الجانب العاطفي من العلاقة فهو يبدو، رغم تطوره المطرد من الصداقة الفكرية باتجاه الحب، أقرب إلى ما أطلق عليه جبران اسم «النشيد الغنائي» أو «إنشاد المنادى»، بتعبير هايدغر، أو مناجاة المثال الأفلاطوني الموزع بين المطلقيْن الأنثوي والذكوري. ففي حين يكتب جبران لمي «أستعطفك أن تكتبي إليّ بالروح المطلقة المجردة المجنحة التي تعلو فوق سبل البشر»، تكتب له من جهتها «لما كنت أجلس للكتابة كنت أنسى من أنت وأين أنت. وكثيراً ما أنسى أن هناك رجلاً أخاطبه، فأكلمك كما أكلم نفسي».

اللافت في الأمر أن رد فعل مي على عرض جبران الزواج منها، لم يختلف كثيراً عن رد فعل ماري هاسكل، حيث نظرت المرأتان إلى العرض بوصفه مجاملة أخلاقية فرضتها علاقته الوثيقة بكل منهما. ومع أن زيادة لم تقدم على الزواج من رجل آخر، كما فعلت ماري، إلا أنها كتبت له رداً على عرضه: «لقد تكاتبنا كصديقين مفكرين، ولو كنت سعيداً بالصداقة مثلي لما كنت رميت إلى أبعد من ذلك». إلا أنها ما تلبث أن تكتب لاسترضائه عام 1921: «أريد أن تساعدني وتحميني وتبعد عني الأذى ليس بالروح فقط بل بالجسد أيضاً». ثم تخلع عنها بعد ذلك رداء الخفر لتخاطب جبران بقولها: «ما معنى هذا الذي أكتبه؟ إنني لا أعرف ماذا أعني به، ولكنني أعرف أنك محبوبي وأني أنتظر الحب كثيراً، وأخاف أن لا يأتيني بكل ما أنتظر».

ومع ذلك فإن جبران الذي وعد مي بأن يزورها في القاهرة، أو يلتقي بها في أوروبا، لم يفِ بوعوده أبداً، بما جعل منسوب الرسائل بينهما يتضاءل بشكل تدريجي. والأرجح أن خيبة مي من جبران قد أسهمت في توطيد علاقتها بالعقاد، كما يكشف خالد غازي في كتابه «جنون امرأة»، مستشهداً بقولها لهذا الأخير: «إن ما تشعر به هو نفس ما شعرتُ به نحوك منذ أول رسالة كتبتها إليك». وإذ تخاطبه بمكر أنثوي لافت: «الآن عرفت لماذا لا تميل إلى جبران»، تضيف قائلة: «لا تحسب أني أتهمك بالغيرة من جبران، فهو في نيويورك لم يرني ولعله لن يراني، كما أنني لم أره إلا في الصور».

والأرجح أن كلاً من جبران ومي لم يكن يرغب في عمقه بلقاء الآخر أو الارتباط به، لأن ذينك اللقاء والارتباط كانا سيسقطان العلاقة من سدة الحلم إلى رتابة الواقع وسقمه وفساده. وكان لا بد من أن تحول قارات ومحيطات شاسعة دون عناقهما المباشر، لكي يتكفل المتخيل بالأمر، وتقوم اللغة مقام الذراعين. والأنفاس المحمومة ونبض القلب. ولعل المآل المأساوي لمصيريهما المتباعدين، هو الذي وفر لحبهما «الافتراضي» ما يلزمه من عناصر الأسطورة. فمع رحيل جبران المبكر بفعل تفاقم أمراضه، كان جسد مي النضر وعقلها المستنير يترنحان تحت مطرقة الزمن القاسي وغدر الأقارب وتخلي الأصدقاء. وحيث كان الكثيرون يرون في مي صورة المرأة الحالمة ذات الشفافية المفرطة والذكاء المتوقد، ظلت صورة جبران مثاراً للجدل والتباين والتأويلات المختلفة. وحدها الشاعرة الأميركية باربارا يونغ، رفيقة سنواته الأخيرة، ألحت على تنزيهه عن كل دنس وإلحاقه بمصاف الأولياء والقديسين، هاتفةً بعد رحيله بمحبيه الكثر:

الشاعر ينام، لكنه لا ينام

بل خرج يمشي في الفضاء

ويركض في الريح

لا تُسمّوا احتضاراً عناقه الغمامة

لا تُسموا موتاً ذهابه الى الشمس

ها هو، قاصداً نجمة الصبح

يرسم الأثير شموساً وأقماراً

ويبلغ بيته هناك، في قلب العاصفة



لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

لي سو يون
لي سو يون
TT

لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

لي سو يون
لي سو يون

تعرَّف القارئ العربي على عوالم الكاتبة الكورية لي سو يون عبر روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم الأكثر مبيعاً، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة.

في هذا الحوار، تتطرق الكاتبة إلى مؤلفاتها الأخرى التي تنتمي إلى عالم السيرة ذاتية وتتردد عبرها أصداء أزمتها النفسية التي وصلت إلى حد محاولة الانتحار، وتلقّي العلاج بمصحة متخصصة، قبل أن تستعيد إيمانها بالأمل والحياة وتتعافى نهائياً. هنا نص الحوار:

> بعد نجاح روايتك «هاتف الوداعات الأخيرة» وإدراجها ضمن قوائم الأكثر مبيعاً في كوريا الجنوبية، ماذا يعني لك ترجمتها إلى لغات أجنبية؟

- على الصعيد الشخصي، تعد ترجمة أعمالي وتقديمها بلغات أخرى تجربة ثمينة للغاية، لكن الأمر يتجاوز البعد الشخصي، إذ يدفعني إلى التأمل مجدداً في قيمة الأدب. ومن خلال خلق مساحة يمكن أن يسكنها الفقدان والحزن بغضّ النظر عن اللغة، أرى إمكانية أن يوصل الأدب بين الناس وأن يبني مجتمعاً إنسانياً واسعاً.

> ماذا عن ترجمة الرواية إلى العربية؟ هل تتابعين ردود الأفعال؟

- بصراحة، عندما يصدر كتاب في بلد آخر يصعب على الكاتب أن يعرف بدقة كيف انتقلت روحه ومعانيه عبر الترجمة، لكنني أؤمن بأن جوهر ما أريد التعبير عنه يصل إلى القراء رغم ذلك.

تابعت بالفعل ردود الأفعال عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأشعر بأن هناك صلة صادقة تتشكل بيني وبين القراء، وقد أدهشني وأسعدني بشكل خاص الحماس الكبير الذي أبداه القراء المصريون تجاه الرواية.

> هل تعدّين أرقام المبيعات دليلاً على نجاح الكاتب؟ وما مواصفات النجاح الأدبي من وجهة نظرك؟- أرقام المبيعات ليست سوى أحد مؤشرات النجاح التجاري، ولا أعدّها دليلاً أساسياً على النجاح الأدبي، فأنا أؤمن بأن الأدب يتجاوز حدود الزمن، وقد لا يحقق الكتاب مبيعات كبيرة عند صدوره، أو قد لا يحظى صاحبه بالتقدير في حياته، لكن العمل الجيد يبقى. وربما يعاد اكتشافه وقراءته لاحقاً ليصبح من الكلاسيكيات. ومن وجهة نظري، فإن النجاح الأدبي لا يكتمل خلال حياة شخص واحد، بل يتشكل ويترسخ مع مرور الزمن.

> كيف جاءتكِ فكرة الرواية؟

- بدأت هذه الرواية من كتاب قرأته في أثناء وجودي في جناح للأمراض النفسية بالمستشفى، بعنوان «مقابلات التشريح النفسي» للدكتور إدوين شنايدمان، والذي يرصد العوامل النفسية الكامنة وراء الانتحار. وفي أثناء قراءة العمل وجدت نفسي أتخيل حزن الأشخاص الذين سيبقون بعد رحيلي وكيف ستستمر حياتهم، ومن هنا بدأتُ أفكر في كتابة رواية تدور حول هذا الموضوع، ثم أضفت إليه عنصراً تخييلياً، فكانت النتيجة رواية «هاتف الوداعات الأخيرة».

> هل تعتقدين فعلاً أنه يمكن التواصل مع من فقدناهم من الأحبّة وهم في العالم الآخر؟ وهل يمكن أن نعوّضهم بأثر رجعي عن أخطائنا بحقهم، أو على الأقل نعتذر لهم؟- إذا وسَّعنا مفهوم التواصل بحيث لا يقتصر على الحديث المباشر وجهاً لوجه، فأعتقد أننا نتواصل باستمرار مع أشياء وأشخاص عبر الزمن. يحدث ذلك عندما تعود إلينا فجأة ذكرى أو مكان أو غرض تركه من رحلوا عنّا.

وأؤمن بأن كل لحظة تتصل فيها القلوب بعضها ببعض هي لحظة تواصل حقيقية، وعندما نتمكن من فهم أنفسنا وفهم الآخر، ونضع الماضي والحاضر في موضعهما الصحيح، يصبح الغفران والمصالحة ممكنين، حتى لو جاء هذا الإدراك متأخراً.

> مررتِ بتجارب صعبة مع الاكتئاب واضطرابات الطعام والهلع كادت تدفع بكِ إلى حافة الانتحار، لماذا شاركتِ تلك التجارب مع القراء في مؤلفاتك المختلفة مثل «أشعر ببعض الاكتئاب، لكنني شخص عادي»؟- لم يكن اتخاذ قرار نشر قصتي الشخصية أمراً سهلاً. وبينما كنت مترددة، قالت لي أمي إنها عندما كنت في المستشفى بحثت عن كتب تتحدث عن الاكتئاب، لكنها لم تجد قصة تشبه قصتي.

لذلك تمنت أن أكتب كتاباً من أجل أشخاص يمرون بتجارب مماثلة، ومن أجل أولئك الذين يحملون في داخلهم مشاعر يصعب التعبير عنها بالكلمات، قررت هذه المرة أن أكون أنا من يتكلم. ومن هنا بدأت رحلتي ككاتبة.

> ألم يكن من الأفضل أن تظهر تلك التجارب ضمنياً، من خلال أعمالك الروائية، بدلاً من أن تأتي في صورة مباشرة تقترب من عالم السيرة الذاتية أو المذكرات؟- أعتقد أن أكبر فارق بين الرواية والسيرة الذاتية هو «الحضور الإنساني المباشر»، فالتعبير عن حزن عميق من خلال قصة متخيلة يختلف في تأثيره عن التعبير عنه من خلال تجربة حقيقية ومعيشة. وأرى أن مجرد القدرة على الحديث عن المرض النفسي بشكل مباشر، من دون مواربة أو التفاف، يعد رسالة قوية مفادها أن الأشخاص الذين يعانون من هذه الأمراض ليسوا منفصلين عن المجتمع، بل يعيشون بيننا ومعنا.

> تجارب الكاتب الشخصية على صعيد المعاناة النفسية والهشاشة الإنسانية، هل تزيد من جاذبية أعماله في عيون القراء برأيك؟- أؤمن بأن التجربة الحياتية الخاصة بكل كاتب تضفي على أعماله مزيداً من الجاذبية والتميز. وحتى عندما تتضمن تلك التجربة جوانب من الضعف الإنساني، فإنها تمنح صاحبها قدرة أعمق على التعاطف مع الآخرين.

وكثير من الفنانين يحوِّلون هشاشتهم ومعاناتهم إلى أشكال أكثر إبداعاً من التعبير، ويواصلون طرح الأسئلة حول جوهر الحياة والأشياء. وإذا اختار بعض الناس التقليل من قيمة إبداعهم بسبب ذلك، فهذه في النهاية مسألة تخص من يُصدر هذا الحكم.

> هل يندرج كتابك «ربما يكون الحزن مرضاً» هو الآخر ضمن سياق مشاركة المعاناة الشخصية مع القراء، أم ماذا؟- هو كتاب سيرة ذاتية طويل يوثّق الأشهر الستة التي أمضيتها في وحدة مغلقة للطب النفسي. ويتناول ما جرى داخل المستشفى بين أشخاص يعانون من الألم النفسي، كما يتناول مسارات التعافي التي مروا بها.

> ماذا عن كتابك «وصفة القطط»، الذي تلعب فيها الحيوانات الأليفة دور البطولة؟

- هو أيضاً كتاب يندرج ضمن فئة السيرة الذاتية الطويلة، ويتناول رحلة الحب الذي اكتشفتُه من خلال العيش مع قطة، يسجل لحظات شعرت فيها برغبة في التخلي عن كل شيء، قبل أن يعيد إليَّ صوت أنفاس القطة الإحساس بالحياة. إنها قصة شخص لم يكن يجيد الحب، وتعلَّمه تدريجياً من خلال علاقته بحيوان أليف.

> ما الذي يحقق لكِ الإشباع والسعادة ككاتبة؟

- أعظم ما يمنحني الشعور بالرضا هو أن أسمع من القراء أن أعمالي ساعدتهم على إيجاد القوة للاستمرار في الحياة. ويسعدني أن أرى قراء يكتشفون الإمكانات اللامحدودة للكتابة وتأثيرها، وأن تتغير حياتهم بفضل ذلك.

ومن أكثر التجارب التي تركت أثراً في نفسي رسالة وصلت إليّ من أحد السجون، فقد كتب لي سجين كان يفكر في إنهاء حياته، بعدما أهدته زوجته أحد كتبي، ليخبرني أنه قرر أن يمنح الحياة فرصة أخرى. ولا تزال تلك الرسالة حاضرة في ذاكرتي حتى اليوم.

> أخيراً، هل لا تزال الكتابة قادرة على صنع الفارق في عالم يبدو أن الحمقى هم أصحاب القرار الأول في تحديد مصيره؟

- ربما لا يستطيع الكاتب أن يغيِّر العالم بأسره، لكن الكتاب قادر على تغيير إنسان واحد، ولهذا السبب لا أتخلى أبداً عن الأمل، فلو استطعت تغيير واقع شخص واحد فقط إلى الأفضل، فهذا يكفيني.


تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً
TT

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تتناول الباحثة الأردنية الدكتورة هبة مرزوق الهباهبة، في كتابها «فصل السلطات بين الفلسفة والقانون»، المنعكسات المعاصرة لنظرية الفصل بين السلطات، مستندة إلى جذورها الفلسفية التي أرساها فلاسفة الحقوق الطبيعية وعصر التنوير، ومقدمة قراءة نقدية تتتبع انتقال النظرية من إطارها الفلسفي إلى مجالها الدستوري والقانوني.

يقدم الكتاب الذي صدر حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في عمّان، مقاربة تحليلية للنظرية وإشكالات تطبيقها، ولا سيما ما يتصل بالتداخل بين السلطات، وشرعية التشريع، والعلاقة بين القانون والعدالة، وصولاً إلى اقتراح «كود قانوني تشريعي» يهدف إلى تعزيز الضبط والرقابة الدستورية وتفعيل الفصل بين السلطات.

وينطلق الكتاب الذي صمم غلافه الشاعر والفنان عيد بنات، من تأصيل مفهومَي الحقوق الطبيعية والقانون الطبيعي بوصفهما مرجعية فلسفية لشرعية القانون وتقييد السلطة، قبل أن ينتقل إلى الجدل الفلسفي حول نشأة الدولة والسيادة، وتطور فكرة الفصل بين السلطات بوصفها ضمانة دستورية لمواجهة الاستبداد وتحقيق التوازن بين التشريع والتنفيذ والقضاء.

وتتمثل الإشكالية المركزية التي يطرحها الكتاب في مدى قدرة نظرية الفصل بين السلطات على العمل بفاعلية في الأنظمة السياسية الراهنة، في ظل التداخل بين القانون والسياسة، وما قد يترتب عليه من تأثيرات في العملية التشريعية. ومن هنا تعتمد الهباهبة مقاربة نقدية ومقارنة لتفكيك الأطر النظرية القائمة، وتحليل الهيكليات القانونية والتشريعية المختلفة، وصولاً إلى تصور تشريعي مقترح.

ويعيد الكتاب تتبع جذور فكرة توزيع وظائف الدولة، من الفلسفة اليونانية عند أفلاطون وأرسطو، وصولاً إلى مونتسكيو الذي بلور الصياغة الأشهر لمبدأ الفصل بين السلطات، بحيث تتولى السلطة التشريعية سنّ القوانين، وتتولى السلطة التنفيذية إنفاذها، في حين تضطلع السلطة القضائية بإقامة العدالة. ولا يتوقف البحث عند هذا التأسيس، بل يتابع تطور الفكرة في مدارس فلسفة القانون والمذاهب النفعية والواقعية والوضعية. وترى المؤلفة أن الفصل بين السلطات لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مجرد توزيع وظيفي لمهام الدولة، بل بوصفه ضرورة فلسفية وأخلاقية لحماية الحرية وضمان شرعية التشريع. فتركيز السلطة، وفق الطرح الذي يقدمه الكتاب، يهدد الحرية ويفرِغ القانون من مضمونه، في حين يتيح التوازن بين السلطات قيام منظومة أكثر قدرة على حماية الحقوق والحريات.

وتتوسع الدراسة في بحث الفجوة بين النظرية والتطبيق، متوقفة عند احتمالات التحيز السياسي في العملية التشريعية، وتأثير المصالح والاصطفافات في صياغة القوانين، وما يمكن أن ينتج من ذلك من اختلال في البنية القانونية. ومن ثم لا تكتفي بتقييم مبدأ الفصل بين السلطات، وإنما تسعى إلى اختبار قدرته على إنتاج قواعد قانونية ناجعة في الواقع السياسي والمؤسسي.


سيد الأقداح

محمد العلي
محمد العلي
TT

سيد الأقداح

محمد العلي
محمد العلي

(إلى الكبير محمد العلي في أبديته)

هي والقصيدةُ حيث كنْتَا

هي والقصيدةُ عمرُكَ المكتوبُ في أوراق ذاكرةٍ

ملأتَ جرارَها بصداكَ حتَّا

فاضتْ بها أشواطُ أحْرفِكَ التي

أخذتْكَ نحو مدائنِ العشَّاقِ فانْشطرَتْ بها شفتاكَ

بين مرافئِ الكلماتِ والقُبلاتِ

لكن ما برحْتَا

تُملي فتكتُبكَ السنينُ مفازةً

تعبَ الحُداةُ وهم يجُوبونَ القصائدَ

ربما انْتجعوكَ بيتَا

يا سيِّدَ النايات

يا ابنَ نبوءةِ الشجرِ المُحرَّز بالرياحِ

متى تماثلَ سردُه للبوحِ

محْمولًا بأطرافِ الحكاياتِ انْعتَقْتا

يا سيِّدَ الأقداحِ

منذُ سُلالةِ الماء الذي أرْخى أعِنَّتهُ

فغادرَ في شُقوقِ الغيْم

مُنتظرًا لأرضٍ لم تُضاجعْها الخُطى يومًا

فكيف عرفتَ أنَّ الدربَ لم يعرفْ ظلالكَ حين عدتَا

يا أيُّها العَرَّافُ

كم حجرًا لنردِكَ ضلَّ وجهتَه فعادَ

وما رميتَا؟

---------------

* شاعر سعودي.