تحت قناع الإعلانات الرقمية... كيف تُستغل بيانات المستخدمين في الهجمات السيبرانية الموجّهة؟

«كاسبرسكي» لـ«الشرق الأوسط»: فتح تطبيق موثوق قد يكفي لبدء هجوم بلا نقر

تتحول بيانات الإعلانات الرقمية من أداة تجارية إلى وسيلة تسمح للمهاجمين بتحديد أهداف بعينها وتتبع سلوكها وأجهزتها (أدوبي)
تتحول بيانات الإعلانات الرقمية من أداة تجارية إلى وسيلة تسمح للمهاجمين بتحديد أهداف بعينها وتتبع سلوكها وأجهزتها (أدوبي)
TT

تحت قناع الإعلانات الرقمية... كيف تُستغل بيانات المستخدمين في الهجمات السيبرانية الموجّهة؟

تتحول بيانات الإعلانات الرقمية من أداة تجارية إلى وسيلة تسمح للمهاجمين بتحديد أهداف بعينها وتتبع سلوكها وأجهزتها (أدوبي)
تتحول بيانات الإعلانات الرقمية من أداة تجارية إلى وسيلة تسمح للمهاجمين بتحديد أهداف بعينها وتتبع سلوكها وأجهزتها (أدوبي)

لم تعد منظومة الإعلانات الرقمية (AdTech) مجرد قناة لعرض منتجات تتوافق مع اهتمامات المستخدم، بل أصبحت شبكة واسعة من التطبيقات والمواقع ومنصات المزايدة ووسطاء البيانات، تتبادل في أجزاء من الثانية معلومات عن الأجهزة والمواقع التقريبية وعادات التصفح والمحتوى الذي يطالعه الأفراد. وقد صُمّمت هذه البنية لتحديد الإعلان الأنسب لكل مستخدم، إلا أن الآليات نفسها يمكن أن تمنح جهات التهديد وسيلة لتحديد أهداف بعينها وتعقبها والوصول إليها عبر منصات تبدو موثوقة.

خلال مؤتمر «كاسبرسكي للأمن السيبراني» لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا، الذي عُقد في تبليسي عاصمة جورجيا، عرض الباحثون كيف انتقلت إساءة استخدام بيانات الإعلان من انتهاك الخصوصية والتأثير في السلوك إلى المراقبة الفعلية والاستغلال السيبراني الموجّه. ويرتكز هذا التحول على تقنيات الإعلان والمزايدة الفورية ومعرّفات الأجهزة وحزم تطوير البرمجيات المدمجة داخل التطبيقات، إلى جانب وسطاء قادرين على جمع أجزاء متناثرة من البيانات وتحويلها إلى ملف رقمي شديد الدقة.

ماهر يموت كبير الباحثين الأمنيين في فريق البحث والتحليل العالمي لدى «كاسبرسكي» (الشركة)

الحمض النووي الرقمي

تبدأ العملية عندما يفتح المستخدم تطبيقاً أو موقعاً يحتوي على مساحة إعلانية. يرسل التطبيق طلباً إلى البنية الإعلانية يتضمّن معلومات تساعد الجهات المهتمة في تحديد قيمة هذا المستخدم بالنسبة إليها، ثم تتنافس شركات متعددة في مزاد فوري لعرض إعلانها، ووفقاً لـ«كاسبرسكي»، قد تكتمل هذه الدورة خلال نحو 100 مللي-ثانية.

ولا يقتصر طلب المزايدة على معلومة عامة تفيد بأن شخصاً مجهولاً فتح تطبيقاً؛ إذ قد يحتوي على معرّف فريد ونوع المتصفح وعنوان بروتوكول الإنترنت واستنتاجات مرتبطة بالموقع الجغرافي، ونوع المحتوى الذي كان المستخدم يقرأه. وتبدو كل معلومة منفردة محدودة القيمة، لكن جمعها وربطها عبر خدمات مختلفة يسمح ببناء ما وصفه العرض بـ«الحمض النووي الرقمي» للمستخدم.

ويصرّح كبير الباحثين الأمنيين في فريق البحث والتحليل العالمي لدى «كاسبرسكي»، ماهر يموت، في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط»، بأن «منظومة الإعلان صُمّمت لتقديم الرسالة والمحتوى المناسبين إلى الشخص المناسب في الوقت المناسب»، غير أن القدرات نفسها يمكن أن تستغلها جهات متقدمة لأغراض تختلف عن الإعلان. ويضيف أن الأدوات التي أنشئت للاستهداف التجاري يمكن تحويلها إلى وسيلة لجمع المعلومات الاستخباراتية، بما يتيح تحديد الأشخاص ذوي القيمة العالية، وفهم سلوكهم، ثم محاولة الوصول إليهم عبر تطبيقات ومواقع يثقون بها.

وتكمن إحدى المشكلات في أن بيانات طلب المزايدة قد تُبث إلى أطراف متعددة مهتمة بشراء المساحة الإعلانية، وليس إلى الجهة التي تفوز بالمزاد فقط. وهذا يعني أن المعلومات قد تنتقل إلى عدد من المشاركين قبل أن يظهر الإعلان على شاشة المستخدم، وهو ما يوسع دائرة الوصول إلى البيانات ويجعل تتبع مسارها أكثر تعقيداً.

فُتات رقمي مترابط

تدخل البيانات إلى هذه المنظومة عبر قنوات متعددة، من بينها حزم تطوير البرمجيات المعروفة اختصاراً بـ«SDK»، التي يضيفها مطورو التطبيقات لتوفير وظائف جاهزة أو تشغيل أدوات التحليل أو تحقيق الإيرادات من الإعلانات. وقد ترث هذه الحزم الأذونات نفسها الممنوحة للتطبيق، مما يمنحها القدرة على الوصول إلى بيانات لا يدرك المستخدم دائماً أنها تغادر الجهاز أو تُشارك مع جهات أخرى.

ولا يعني ذلك أن كل حزمة تطوير خبيثة؛ إذ تستخدمها التطبيقات لأغراض مشروعة وضرورية. لكن المشكلة تبدأ عندما تنتقل البيانات بين عدة شركات، ويصبح من الصعب على المستخدم أو المؤسسة معرفة جميع الأطراف التي حصلت عليها، وكيف جرى دمجها، وإلى متى ستظل محفوظة.

وتشمل المصادر أيضاً وحدات تتبع صغيرة قد تكون صورة غير مرئية بقياس بكسل واحد داخل بريد إلكتروني أو صفحة ويب. وعند تحميلها، يمكن أن تكشف عن عنوان بروتوكول الإنترنت، ونوع الجهاز، والمتصفح أو البرنامج المستخدم. ومع إضافة الموقع التقريبي وبيانات التطبيق وسجل التفاعل، تتحول هذه الإشارات إلى سلسلة مترابطة تكشف عن أنماط الحركة والعادات والأوقات والأماكن التي يتكرر فيها وجود المستخدم.

وفي هذا السياق، لا تأتي الخطورة من معلومة منفردة، بل من القدرة على ربطها بمعرّف موحد يلاحق الجهاز عبر تطبيقات وخدمات مختلفة. ويعرض يموت هذه العملية بوصفها انتقالاً من «فتات رقمي» متناثر إلى هوية يمكن تمييزها عن ملايين المستخدمين الآخرين.

قد تكشف طلبات المزايدة الإعلانية الفورية عن معرّفات الأجهزة وعناوين الإنترنت والمواقع التقريبية وأنواع المتصفحات (أدوبي)

3 مراحل لإساءة الاستخدام

يقسّم باحثو «كاسبرسكي» تطور إساءة استخدام بيانات المستخدمين إلى 3 مراحل. بدأت الأولى باستخدام المعلومات في التأثير النفسي والتلاعب بالمواقف والسلوك، ثم انتقلت إلى المراقبة والتتبع في العالم الفعلي، قبل أن تصل في صورتها الحديثة إلى الاستغلال السيبراني الموجّه.

وفي المرحلة الأولى، تُستخدم البيانات لمعرفة اهتمامات الأفراد ومخاوفهم وتفضيلاتهم، ثم توجيه الرسائل إليهم بطريقة تزيد احتمال التأثير في قراراتهم. أما المرحلة الثانية فتضيف الموقع والحركة والأنماط اليومية، بما يسمح بتكوين صورة عن الأماكن التي يزورها الشخص والأوقات التي يتحرك فيها.

وتبدأ المرحلة الثالثة عندما تتحول هذه المعلومات من أداة للتأثير أو المراقبة إلى أساس لاختيار الضحية وتنفيذ الهجوم. عندها يمكن استخدام نوع الجهاز والمتصفح والتطبيقات والموقع لتحديد الثغرة المناسبة والمسار الأكثر احتمالاً للنجاح.

مفارقة التطبيق الموثوق

تركز متاجر التطبيقات على مراجعة البرنامج الأساسي قبل السماح بنشره، لكن التطبيق قد يحتوي داخله على شبكات إعلانية ومكونات تحليل تابعة لأطراف أخرى. وهنا تظهر ما سماه يموت «مفارقة الثقة»؛ أي إن المستخدم يحمّل تطبيقاً من متجر رسمي، ويفترض أن جميع مكوناته خضعت للمستوى نفسه من التدقيق، في حين قد تكون المخاطر في النظام الإعلاني المحيط بالتطبيق، لا في التطبيق ذاته.

ويعني ذلك أن فتح تطبيق شرعي قد يكون كافياً لبدء تفاعل مع بنية إعلانية واسعة، من دون الضغط على رابط أو تنزيل ملف مباشر. وتزداد أهمية هذا العامل مع ظهور حملات تعتمد على إعلانات مصممة للوصول إلى شخص محدد، بدلاً من توزيع البرمجيات الخبيثة عشوائياً، وانتظار وقوع أحد المستخدمين في الفخ.

ويشرح الخبراء الأمنيون أنه يمكن للمهاجم أن يبدأ بتكوين ملف عن الهدف باستخدام بيانات الإعلان، ثم يشتري فرصة عرض إعلان لذلك الجهاز بعينه، ويدس حمولة تستغل ثغرة في المتصفح أو مكوناً داخل التطبيق. وفي حالات متقدمة، قد تكون النتيجة تثبيت برنامج تجسس «من دون نقر»، فلا يحتاج الضحية إلى فتح رابط أو الموافقة على تنزيل.

حظرت «كاسبرسكي» في دول الخليج أكثر من 1.6 مليون محاولة لإعادة توجيه المستخدمين إلى محتوى خبيث خلال النصف الأول من 2026 (الشركة)

من التصيد إلى الإعلان

يختلف هذا النموذج عن المسار التقليدي للهجمات، الذي يبدأ برسالة تصيد، ثم تفاعل من المستخدم، ثم تثبيت برمجية خبيثة. أما المسار الجديد فيبدأ بتحديد الهدف عبر بيانات الإعلان، ثم شراء ظهور الإعلان له بصورة دقيقة، قبل محاولة استغلال الجهاز من خلال المحتوى المعروض. ولا يعني ذلك أن الإعلانات الرقمية أصبحت جميعها وسيلة هجوم، بل إن البنية ذاتها يمكن إساءة استخدامها عندما تصل إليها جهات قادرة على شراء البيانات أو التظاهر بأنها من المعلنين أو استغلال وسطاء يعملون داخل السوق.

ويطلق الباحثون على هذا الاستخدام مصطلح «الاستخبارات الإعلانية»، حيث تدخل جهة مراقبة أو تجسس إلى النظام بواجهة تجارية، وتتصرف باعتبارها معلناً يريد الوصول إلى شريحة معينة، في حين تكون غايتها الحقيقية تحديد أفراد بعينهم وتعقبهم أو جمع معلومات عن أجهزتهم.

ويعدّ يموت أن دقة المنصات الإعلانية توسع سطح الهجوم إلى ما يتجاوز رسائل التصيد والتنزيلات الخبيثة التقليدية؛ فالرسالة لم تعد بالضرورة تصل عبر بريد إلكتروني يثير الشك، بل قد تأتي من خلال خدمة يستخدمها الشخص يومياً ولا يتوقع أن تكون جزءاً من عملية استهداف.

1.6 مليون محاولة في الخليج

لا تقتصر المخاطر على حملات التجسس المتقدمة؛ إذ يمكن للبرمجيات الإعلانية نفسها أن تعيد توجيه المستخدمين نحو مواقع تنشر برمجيات خبيثة. وأفادت «كاسبرسكي» بأنها حظرت في دول مجلس التعاون الخليجي خلال النصف الأول من عام 2026، أكثر من 1.6 مليون محاولة لإعادة توجيه المستخدمين إلى محتوى خبيث.

وتشير البيانات المقدمة في العرض إلى ارتفاع أوسع في نشاط البرمجيات الإعلانية التي حُظرت عبر شبكة «كاسبرسكي» الأمنية، من 732 مليوناً و406 آلاف و716 حالة في النصف الأول من 2025، إلى 898 مليوناً و726 ألفاً و497 حالة في الفترة نفسها من 2026، بزيادة بلغت نحو 22 في المائة.

كما أظهر توزيع التهديدات في النصف الأول من 2026، أن البرمجيات الإعلانية شكّلت 30.59 في المائة من التصنيفات المرصودة، مقابل 25.46 في المائة لأحصنة طروادة، و21.99 في المائة لأدوات المخاطر، و12.96 في المائة لأدوات التنزيل، و11.68 في المائة لأدوات الاختراق.

ولا تعني هذه النسب أن كل برنامج إعلاني ينفّذ تجسساً متقدماً، لكنها توضح حجم فئة قد تُعامل أحياناً باعتبارها مجرد مصدر إزعاج، رغم احتمال استخدامها لجمع البيانات أو إعادة التوجيه أو إخفاء وظائف أكثر خطورة.

ارتفعت حالات حظر البرمجيات الإعلانية عالمياً بنحو 22 % لتصل إلى نحو 899 مليون حالة في النصف الأول من 2026 (أدوبي)

قناع منخفض الخطورة

يساعد ظهور البرمجية بوصفها أداة إعلانية مزعجة على تقليل مستوى الاهتمام الذي تحصل عليه داخل بعض المؤسسات. فعندما يركز فريق الأمن على برامج الفدية أو سرقة البيانات أو الهجمات التي توقف العمليات، قد تُصنّف النوافذ المنبثقة وإعادة التوجيه بوصفها مشكلة محدودة، ويُكتفى بإزالة البرمجية من الجهاز من دون تحقيق أوسع في كيفية وصولها أو الجهات التي تواصلت معها.

لكن هذا القناع يمكن أن يُخفي قدرات أخرى، تشمل جمع معلومات عن النظام، أو تنزيل برمجيات إضافية، أو سرقة بيانات اعتماد، أو فتح قناة اتصال عن بعد. وقد تستفيد الجهات المتقدمة من هذا التصنيف المنخفض للبقاء مدة أطول أو لتشويش عملية الإسناد، لأن النشاط يبدو في بدايته أقرب إلى برنامج تجاري غير مرغوب فيه منه إلى حملة تجسس موجهة.

منصات موثوقة لإخفاء النشاط

يتقاطع استغلال الإعلانات مع تحول أوسع في سلوك مجموعات التهديدات المتقدمة. ويفيد يموت -خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»- بأن المهاجمين باتوا يستخدمون خدمات موثوقة، مثل «غوغل» و«يوتيوب» و«مايكروسوفت أزور» و«غيت هب» ومنصات التواصل، في قنوات التحكم والاتصال، بدلاً من الاعتماد حصراً على نطاقات وعناوين إنترنت يسهل تصنيفها بوصفها مشبوهة.

ويوضح أن المهاجمين يدرسون التطبيقات التي تعتمد عليها المؤسسة، ثم يحاولون تمرير اتصالاتهم عبرها؛ فإذا كانت الشركة تستخدم «مايكروسوفت تيمز» مثلاً، قد يبدو تبادل البيانات مع الخدمة طبيعياً عند فحص حركة الشبكة، رغم احتمال وجود أوامر موجهة إلى برمجية خبيثة ضمن ذلك الاتصال.

ويقول: «عندما يفحص فريق الأمن حركة الشبكة، قد يرى اتصالاً عادياً مع خدمة موثوقة، لا رابطاً مشبوهاً أو نطاقاً غير معروف». ويمنح هذا الأسلوب المهاجم فرصة للاندماج في النشاط اليومي للشبكة، مثلما تتيح البنية الإعلانية الوصول إلى الضحية عبر تطبيق شرعي.

تستطيع جهات التهديد إيصال برمجيات تجسس «من دون نقر» عبر إعلانات تظهر داخل تطبيقات ومواقع شرعية يثق بها المستخدم (أدوبي)

السعودية والقطاعات الحساسة

ترتبط أهمية هذه التقنيات في السعودية والخليج باتساع الخدمات الرقمية وترابط القطاعات الحكومية والتجارية. ويرى يموت أن زيادة الرقمنة تجعل الأنظمة أكثر جاذبية لمجموعات التجسس، لأنها تحتوي على معلومات شخصية قابلة للتعريف، مثل الأسماء وبيانات جوازات السفر، ويمكن استخدامها لجمع المعلومات أو الانتقال من نظام إلى آخر.

ويلفت إلى أن الجهات الحكومية تظل من الأهداف التقليدية، لكن الاهتمام يمتد بصورة متزايدة إلى الاتصالات والدفاع والطيران. ولا يشمل ذلك الوزارات والمؤسسات الكبرى وحدها، بل المقاولين والموردين والشركات التي توفر مكونات أو خدمات مساندة.

وتكتسب صناعة الطيران قيمة خاصة لدى الجهات التي تبحث عن معلومات استخباراتية، بسبب ما يمكن أن تحتويه أنظمتها من بيانات عن حركة المسافرين ودخول الأشخاص إلى الدولة وخروجهم، إلى جانب الأسماء وبيانات جوازات السفر.

ولا يشترط الوصول إلى المؤسسة الرئيسية مباشرة؛ إذ يمكن استهداف مورد أصغر يمتلك صلاحيات أو اتصالاً موثوقاً، ثم استخدامه مدخلاً إلى بيئة أكبر. ويشير يموت إلى أن الشركة الصغيرة قد تفتقر إلى ميزانية أمنية كافية، لكنها تحتفظ بوصول موثوق إلى أنظمة الجهة الكبرى، ما يجعلها حلقة أضعف في سلسلة التوريد.

مداخل لا تزال فعّالة

رغم تطور أساليب الاستهداف، يقول يموت إن التصيد الموجه لا يزال من أكثر طرق الوصول الأولي فاعلية، يليه استغلال خوادم الويب غير المحدثة، ثم الثغرات التي لم تُعالج أو ثغرات «اليوم صفر»، في حين تمثل هجمات سلسلة التوريد مساراً أكثر تعقيداً.

وقد زاد الذكاء الاصطناعي من قدرة المهاجمين على إعداد رسائل تصيد بلغة طبيعية خالية من الأخطاء الواضحة، كما ساعد في تسريع تطوير البرمجيات الخبيثة وتعديلها بعد اكتشافها. ويستطيع المهاجم إعادة توليد أجزاء من الشفرة أو تغييرها مراراً لمحاولة تجاوز وسائل الكشف.

لكن الهدف يختلف باختلاف دوافع الجهة. ويوضح يموت أن المهاجمين الماليين يبحثون داخل الأنظمة عن المحافظ الرقمية والمفاتيح وبيانات الدفع، في حين تعطي مجموعات التجسس الأولوية للتخفي والبقاء داخل الشبكة أطول مدة ممكنة لجمع أكبر قدر من المعلومات.

تستغل مجموعات متقدمة منصات موثوقة وشركاء مخترقين لإخفاء اتصالاتها ما يستدعي مراقبة الشبكات وتقييد الصلاحيات (غيتي)

منطقة تنظيمية رمادية

تغطي قوانين الخصوصية في أسواق متعددة جوانب الموافقة وجمع البيانات، لكنها لا تعالج دائماً جميع التدفقات المرتبطة بالمزايدة الفورية ووسطاء البيانات. ويصف العرض هذا الجانب بأنه «منطقة رمادية»؛ إذ قد يمنح المستخدم موافقته لتطبيق واحد، فيما تنتقل بياناته عبر عدد كبير من الأطراف التي لا يعرفها مباشرة.

ولا يتوقف التحدي عند الشركات الملتزمة بالقوانين، لأن جهات التهديد ووسطاء البيانات غير المنظمين يمكنهم العمل خارج الأطر المعتادة. كما أن الموافقة على جمع البيانات لغرض الإعلان لا تعني الموافقة على استخدامها في المراقبة أو بناء ملفات استخباراتية أو استهداف الأجهزة.

وتزداد صعوبة الرقابة عندما تتم المزايدات في أجزاء من الثانية، وتنتقل الطلبات إلى عدة أطراف. وحتى عندما لا يفوز أحد المشاركين بالمزاد، قد يكون حصل بالفعل على معلومات عن المستخدم وردت في طلب العرض.

دفاع متعدد الطبقات

تبدأ الحماية بمراجعة أذونات التطبيقات وتحديث الأجهزة والبرامج وتقليل التعرض غير الضروري للبنية الإعلانية، إلى جانب استخدام أدوات حظر الإعلانات على أجهزة المؤسسات حيث تسمح بيئة العمل بذلك.

وعلى مستوى المؤسسات، تشمل الإجراءات المطلوبة مراقبة الأجهزة الطرفية، وتحليل حركة الشبكة، والاستفادة من معلومات التهديدات، ومراجعة وصول الموردين والشركاء، ومنحهم الحد الأدنى من الصلاحيات اللازمة.

ويشدّد يموت على ضرورة عدم الثقة العمياء بالموردين أو الخدمات المألوفة، لأن الجهة المهاجمة قد تستخدم حساباً شرعياً أو منصة موثوقة أو شريكاً مخترقاً لإخفاء نشاطها. كما يدعو إلى التعامل مع الاختراق بوصفه احتمالاً قائماً، والتركيز على سرعة اكتشافه وحصره قبل أن يتحول إلى وجود طويل الأمد داخل الشبكة.

وفي هذه البيئة، تصبح بيانات الإعلان وسيلة لاختيار الهدف، فيما تتحول التطبيقات الشرعية والمنصات السحابية والموردون الموثوقون إلى مسارات محتملة للوصول. ولا يعود السؤال مقتصراً على ما إذا كان الإعلان نفسه ضاراً، بل يمتد إلى الجهات التي ترى بيانات المستخدم خلال دورة عرضه، وكيف يمكن ربط تلك البيانات، ومن يستطيع تحويلها من أداة تجارية إلى خريطة لعملية استهداف سيبراني.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

هجوم إلكتروني يستهدف نظام التصويت خلال الانتخابات البرلمانية الروسية

أوروبا سيدة داخل مركز للاقتراع في مدينة ماريوبول الأوكرانية الخاضعة للسيطرة الروسية (رويترز)

هجوم إلكتروني يستهدف نظام التصويت خلال الانتخابات البرلمانية الروسية

ذكرت السلطات الروسية أن أنظمة التصويت وخطوط الاتصالات ​في أنحاء البلاد تعرضت لعدة هجمات، السبت، أثناء عقد الانتخابات البرلمانية التي تجرى بين 18 و20 سبتمبر.

«الشرق الأوسط» (موسكو ‌)
شؤون إقليمية مهاجمون إلكترونيون يعملون لصالح النظام الإيراني يتبعون أساليب مبتكرة ومتطورة بشكل متزايد لخداع أهدافهم (رويترز)

ملف يبدو طبياً لكنه خبيث… تحذير من أسلوب إيراني لاستهداف المعارضين

في أسلوب جديد لخداع المستهدفين، لجأ مهاجمون إلكترونيون مرتبطون بالنظام الإيراني إلى إخفاء برمجيات تجسس داخل ملفات تبدو كأنها نتائج لفحوص طبية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا مروحية هجومية من طراز «أباتشي AH - 64» تابعة للجيش البولندي تحلّق فوق مركبات عسكرية وجنود خلال عرض تدريبي عسكري بميدان نوفا ديبا في كيلسي - بولندا 7 سبتمبر الحالي (رويترز) p-circle

حرب أوكرانيا تقترب أكثر من حدود «ناتو»... أين يمكن أن يصل التصعيد الروسي؟

يثير اقتراب الضربات الروسية من حدود «ناتو» وتصاعد العمليات الهجينة مخاوف من سوء تقدير قد يدفع موسكو والحلف نحو مواجهة مباشرة.

شادي عبد الساتر (بيروت)
خاص تمنح المشروعات الجديدة في السعودية المملكة فرصة لبناء الحوكمة والأمن السيبراني والبيانات والذكاء الاصطناعي في البنية المؤسسية منذ اليوم الأول (أدوبي)

خاص «ديلويت» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تملك فرصة نادرة لبناء مؤسسات «مولودة للذكاء الاصطناعي»

تنتقل المؤسسات السعودية من تجارب الذكاء الاصطناعي إلى إعادة تصميم التشغيل مع أولوية للسيادة والمرونة والأمن والحوكمة منذ البداية.

نسيم رمضان (الرياض)
خاص توسّع الذكاء الاصطناعي يرفع حجم المخاطر السيبرانية مع ازدياد عدد الوكلاء الرقميين والهويات التي تحتاج إلى حماية واستعادة (أدوبي)

خاص كيف يغير الذكاء الاصطناعي مفهوم التعافي من الهجمات السيبرانية في السعودية؟

تبحث مؤسسات سعودية تعزيز قدرتها على التعافي من الهجمات السيبرانية مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية في المملكة

نسيم رمضان (الرياض)

داخل مراكز قيادة تراقب شرايين الذكاء الاصطناعي حول العالم (صور)

مركز التحكم في بيانات شركة «ديجيتال ريالتي» في سنغافورة (أ.ف.ب)
مركز التحكم في بيانات شركة «ديجيتال ريالتي» في سنغافورة (أ.ف.ب)
TT

داخل مراكز قيادة تراقب شرايين الذكاء الاصطناعي حول العالم (صور)

مركز التحكم في بيانات شركة «ديجيتال ريالتي» في سنغافورة (أ.ف.ب)
مركز التحكم في بيانات شركة «ديجيتال ريالتي» في سنغافورة (أ.ف.ب)

يطرح العمل في مراكز القيادة المسؤولة عن حماية الذكاء الاصطناعي ضغطاً شديداً على الموظفين المكلفين بمراقبة مئات مراكز البيانات حول العالم، التي تعد الشريان الأساسي للتبادلات المصرفية عبر الإنترنت والتراسل وخدمات الذكاء الاصطناعي، بحيث تصبح القدرة على ضبط النفس شرطاً لا غنى عنه.

في سنغافورة، وتحديداً في مركز قيادة تابع لشركة «ديجيتال ريالتي» الأميركية، التي تشغل مراكز بيانات حول العالم، يجلس المحللون محاطين بخرائط رقمية وشاشات لمراقبة المراكز الشبيهة بمستودعات تملؤها خوادم تصدر طنيناً مستمراً.

ولا تقتصر مهمة العاملين على الاستجابة للأعطال لدى وقوعها، بل رصد أي مؤشرات مبكرة مثل الارتفاع المفاجئ في درجات الحرارة، لتجنب أي توقف في الخدمات.

ويتلقى دانيال ناينغ (37 عاماً) وزملاؤه آلاف الإنذارات أسبوعياً. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية: «إذا ظهرت عليّ علامات الخوف، فسيتملك الذعر أعضاء فريقي أيضاً. لذا، حتى لو كنت أشعر بالتوتر، فأنا أحرص على إخفاء ذلك».

ويتولى مركز القيادة هذا، إلى جانب مركزين آخرين في أوروبا والولايات المتحدة، مراقبة أكثر من 300 مركز بيانات تتوزع على قارات العالم الست على مدار الساعة.

دانيال ناينغ رئيس مركز القيادة لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في شركة «ديجيتال ريالتي» (أ.ف.ب)

وتقدم «ديجيتال ريالتي» خدمات لنحو 6 آلاف شركة كبيرة وصغيرة، فيما يعد انقطاع التيار الكهربائي والأعطال التي تصيب المعدات من المشاكل الأكثر شيوعاً. وللشركة أيضاً بروتوكولات تفصيلية للتعامل مع الزلازل والأعاصير، إذ إن رصد عاصفة على بعد آلاف الكيلومترات كافٍ لوضع الفريق بأكمله في حالة من التأهب.

ومع ازدياد الحاجة إلى إنشاء مزيد من مراكز البيانات، يزداد الجدل السياسي المحيط بها في العديد من مناطق العالم مع احتدام السباق على تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي والذي يتطلب قدرات حوسبة هائلة.

وتقول سيرين ناه، المديرة التنفيذية والمسؤولة عن منطقة آسيا والمحيط الهادئ في «ديجيتال ريالتي» إنه من دون هذه المراكز «سيتوقف كل شيء عن العمل» في عالم أصبح يعتمد على التكنولوجيا الفائقة إلى حد كبير.

وحسب ناه، فإن مراكز البيانات أصبحت بمثابة بنية تحتية أساسية ومسألة «لا تقل أهمية ربما عن الأمن القومي»، مضيفة: «علينا أن نضمن على الدوام عدم توقف هذه المراكز عن العمل». وأشارت ناه إلى أن «هناك الكثير من سوء الفهم يحيط بعملنا» وسط معارضة من الرأي العام الذي يرى أن مراكز البيانات تتسبب في انبعاث «كميات كبيرة من الكربون والحرارة وتستهلك كثيراً من المياه».

صفوف من خزانات رفوف الخادم في مركز بيانات (ديجيتال رياليتي) في سنغافورة (أ.ف.ب)

وتابعت: «وفي نفس الوقت، الجميع يتصفح هاتفه يومياً»، ومع كل مرة يضغطون فيها على الشاشة «لا بد للبيانات أن تذهب إلى مكان ما»، مشيرة إلى أن الشركة «تعطي الأولوية للطاقة المتجددة مثل الألواح الشمسية وأنظمة تبريد الخوادم المغلقة التي تعيد تدوير المياه بشكل مستمر».

إنذارات كاذبة

وعلى الرغم من اعتماد البشرية على مراكز البيانات، اتضح أن مخاطر عدة تحدق بهذا القطاع، لاسيما بعدما تعرضت مراكز بيانات يديرها الفرع المتخصص في تقديم خدمات الحوسبة التابع لشركة «أمازون» لضربات خلال الحرب في الشرق الأوسط.

وحول العالم، تتسابق شركات التكنولوجيا العملاقة مثل «مايكروسوفت» و«علي بابا» لبناء مراكز البيانات الخاصة بها بهدف تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، في سباق عالمي تقدر تكاليفه بترليونات الدولارات.

ويتخذ مركز القيادة العالمي التابع ل«ديجيتال ريالتي» من سنغافورة مقرا له، وهو يقع داخل واحد من ثلاثة مراكز بيانات تديرها الشركة هناك.

شعار شركة «ديجيتال ريالتي» الأميركية التي تشغل مراكز بيانات حول العالم (أ.ف.ب)

ويحظر الدخول إلى معظم أقسام مركز البيانات لأسباب أمنية. إلا أن صحافيي وكالة الصحافة الفرنسية شاهدوا خلال جولة لهم في إحدى الغرف خزائن خوادم سوداء تحيط بممرات ضيقة طويلة وحزما من الكابلات الصفراء، وسط صوت هدير خفيف قادم من المراوح فائقة السرعة المستخدمة للتبريد.

سيرين ناه المديرة التنفيذية والمسؤولة عن منطقة آسيا والمحيط الهادئ في «ديجيتال ريالتي» (أ.ف.ب)

ويسهم الذكاء الاصطناعي في تسريع نمو مراكز البيانات وإدخال تقنيات معقدة على عملها. ومع ذلك، لا يزال من غير الممكن الاستغناء عن العنصر البشري في قيادة هذه المراكز، حسب تيرنس تانغ، مسؤول منطقة آسيا والمحيط الهادئ في مركز القيادة العالمي التابع لـ«ديجيتال ريالتي»، وأوضح تانغ لوكالة الصحافة الفرنسية: «ما زلنا بحاجة إلى تدخل بشري للتحقق من وجود خلل فعلي وما إذا كانت هذه الإنذارات حقيقية، لأن الأنظمة التي تعمل أوتوماتيكياً أو تعتمد على الذكاء الاصطناعي قد تعطي أحيانا إنذارات كاذبة».


دعوى قضائية تتهم عمالقة الذكاء الاصطناعي بإبرام اتفاق غير قانوني لإبطاء وتيرة تطويره

داريو أمودي الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك» - أعلى اليسار - وديميس هاسابيس المؤسس المشارك لشركة «غوغل ديب مايند» أعلى اليمين وسام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» - أسفل اليسار - وإيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» (أ.ب)
داريو أمودي الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك» - أعلى اليسار - وديميس هاسابيس المؤسس المشارك لشركة «غوغل ديب مايند» أعلى اليمين وسام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» - أسفل اليسار - وإيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» (أ.ب)
TT

دعوى قضائية تتهم عمالقة الذكاء الاصطناعي بإبرام اتفاق غير قانوني لإبطاء وتيرة تطويره

داريو أمودي الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك» - أعلى اليسار - وديميس هاسابيس المؤسس المشارك لشركة «غوغل ديب مايند» أعلى اليمين وسام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» - أسفل اليسار - وإيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» (أ.ب)
داريو أمودي الرئيس التنفيذي والمؤسس المشارك لشركة «أنثروبيك» - أعلى اليسار - وديميس هاسابيس المؤسس المشارك لشركة «غوغل ديب مايند» أعلى اليمين وسام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» - أسفل اليسار - وإيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس» (أ.ب)

رُفعت دعوى قضائية جديدة تزعم أن شركات «أنثروبيك»، و«أوبن إيه آي»، و«سبيس إكس إيه آي»، و«غوغل»، أبرمت صفقة غير قانونية لإبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي لديها.

وتزعم الدعوى، التي رُفعت يوم الجمعة في محكمة المقاطعة الشمالية لولاية كاليفورنيا، أن شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة انتهكت قوانين مكافحة الاحتكار عندما اتفقت على تنسيق جهود إبطاء وتيرة التطوير، وأن ذلك سيقلل من القيمة التي يحصل عليها المستهلكون مقابل اشتراكات الذكاء الاصطناعي المدفوعة، حسبما أوردت وكالة «أسوشييتد برس».

وتشير الدعوى إلى أن التنسيق جرى في معظمه في 12 سبتمبر (أيلول)، عندما نشر داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك»، مقالاً يحث فيه على تعاون القطاع بأكمله في إبطاء وتيرة التطوير لصالح تعزيز إجراءات السلامة. وفي اليوم نفسه، رد كل من سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، وإيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركة «سبيس إكس إيه آي»، وديميس هاسابيس، المؤسس المشارك ورئيس مجلس إدارة «غوغل ديب مايند»، علناً على مقترحات أمودي مؤيدين لها.

مزاعم بأن التنسيق بدأ يتشكل منذ أشهر

غير أن الدعوى القضائية تزعم أيضاً أن هذا التنسيق بدأ يتشكل قبل ذلك بأشهر؛ إذ تشير إلى بيان صدر في يوليو (تموز) 2026 وقّعه موظفون رفيعو المستوى في العديد من مختبرات الذكاء الاصطناعي الرائدة، أقروا فيه بوجود «ضغط تنافسي شديد يحول دون إبطاء» وتيرة التطوير بشكل أحادي الجانب. وقد دعا ذلك البيان الحكومة إلى دعم جهود عالمية لإبطاء تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الآلية.

ويجادل المدعون بأنه من الواضح أن التوصل إلى اتفاق بين المنافسين الرئيسيين في مجال الذكاء الاصطناعي - يقضي بأن يكون تقدمهم «أبطأ مما كانت ستفرزه المنافسة الطبيعية» - ينطوي على أثر يحد من المنافسة ويضر بالمستهلكين.

ويتولى محامون يمثلون أربعة مدعين محددين - وهم مشتركون يدفعون مقابل خدمات «شات جي بي تي» أو «كلاود» أو «غروك» أو «جيميناي» - رفع هذه الدعوى نيابةً عن فئة مقترحة تشمل مشتركين آخرين في تلك الخدمات على مستوى البلاد.

ولا يعترض المدّعون على أن تقرر الشركات، كلٌّ على حدة، إبطاء وتيرة تقدمها لصالح تعزيز السلامة. لكنهم يجادلون في الدعوى بأن قوانين مكافحة الاحتكار تمنعها من اتخاذ هذا «الاختصار» المتمثل في الاتفاق على «استبدال المسؤولية الفردية بقيود جماعية». وتؤكد الدعوى أن وجود سوق تنافسية يتيح تحمّل المسؤولية وتحقيق تقدم حقيقي.

معايير مشتركة بين الشركات التقنية

وقال نيك رولي، المحامي الرئيسي للمدّعين: «سيفلت الذكاء الاصطناعي سريعاً من سيطرة البشر، وقد يقضي علينا جميعاً إذا سمحنا بأن تخضع سلامة الذكاء الاصطناعي وبروتوكولاته لاتفاقات خاصة تخدم مصالح أطرافها، تبرمها أقوى شركات التكنولوجيا الربحية في العالم».

وفي مقاله الأول الذي اقترح فيه إبطاء وتيرة التطوير، أقر أمودي بإمكانية ظهور تحديات تتعلق بقوانين مكافحة الاحتكار، وكتب أنه سيكون من المفيد أن تتوسط الحكومة الأميركية في هذه المناقشات بين مختبرات الذكاء الاصطناعي، «أو على الأقل تتيحها». وأوضح أن الحكومة لن تحتاج إلى المشاركة فيها، لكنها ستحتاج إلى «إصدار إعفاء محدود لأنواع معينة من المناقشات المتعلقة بالسلامة».

ورد ألتمان عبر وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً إن «أوبن إيه آي ترحب بفكرة وجود إطار اتحادي يضع متطلبات موحدة للسلامة»، لكنه أضاف: «لا نعتقد أننا بحاجة إلى انتظار الحصول على إعفاء من قوانين مكافحة الاحتكار أو صدور تشريع للبدء في العمل على توفير هذه الثقة».

وفي حين جاءت المناقشات الأخيرة بشأن إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي مدفوعة بتزايد المخاوف من إفلاته من السيطرة البشرية، تحدث عدد من قادة قطاع الذكاء الاصطناعي منذ فترة طويلة عن وضع مجموعة مشتركة من المعايير، أو تنسيق الجهود بطرق أخرى، لضمان بقاء إجراءات السلامة على رأس الأولويات.

ويؤكد المدّعون في الدعوى أنهم لا يعارضون طلب شركات الذكاء الاصطناعي من الكونغرس أو البيت الأبيض أو أي جهة حكومية أخرى وضع لوائح لتنظيم الذكاء الاصطناعي، كما أنهم لا يعارضون طلب الشركات للحصول على إعفاء من قوانين مكافحة الاحتكار، لكن تحقيق هذا النوع من التعاون مع الحكومة الفيدرالية قد يكون مهمة شاقة.

رفض ترمب

ورفض الرئيس دونالد ترمب الدعوات إلى تنظيم القطاع عبر منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي، زاعماً أن أي جهود للحد من هذه التكنولوجيا تندرج ضمن «مؤامرة». وتساءل عن سبب دعوة قادة القطاع إلى فرض تنظيمات قال إنها، «إذا طُبقت بشكل صارم، ستقودهم إلى الزوال والإفلاس». وقال ترمب، (السبت)، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إنه يشكل فريق عمل للذكاء الاصطناعي وسيعيّن «قيصراً للذكاء الاصطناعي»، لكنه لم يقدم تفاصيل تُذكر.

وكانت إدارة ترمب قد عبَّرت صراحة عن رغبتها في أن تتفوق مختبرات الذكاء الاصطناعي الأميركية على نظيراتها الصينية وأن تحقق تقدماً أكبر منها. وفي حين دعا عدد من القادة والمرشحين الديمقراطيين إلى اتخاذ إجراءات واسعة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، اتخذ الجمهوريون إلى حدٍ كبير موقفاً مماثلاً لموقف ترمب.

وفي هذا الصدد، قال السيناتور جوش هاولي، «الجمهوري» عن ولاية ميزوري، خلال جلسة استماع حديثة في مجلس الشيوخ، إنه «لا يوجد عالم» يمكن أن يوافق فيه على منح «أقوى الشركات في تاريخ العالم» إعفاءً من قوانين مكافحة الاحتكار للتعاون فيما بينها، بحجة أن ذلك قد يتيح لها التواطؤ وخنق المنافسة.


ترمب يعتزم تشكيل «قوة للذكاء الاصطناعي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب يعتزم تشكيل «قوة للذكاء الاصطناعي»

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

كتب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، يوم السبت، أنه بصدد تشكيل «قوة للذكاء الاصطناعي» للإشراف على تنظيم هذا المجال، وفقاً لوكالة «رويترز» للأنباء.

وكتب ترمب على منصة «تروث سوشيال»: «لن نعرقل أو نكبح بأي حال من الأحوال نمو هذه الصناعة المذهلة؛ بل سنحتضنها وندعمها ونرعاها في أثناء نموها ومع ذلك، سنراقب أيضاً أي ممارسات سيئة، ويمكننا القيام بذلك بسهولة تامة من خلال نظام العدالة الجنائية والمدنية القائم لدينا بالفعل».

وتابع ترمب في مواجهة تزايد الشكوك العامة بشأن الذكاء الاصطناعي والتحذيرات الخطيرة المتعلقة بالسلامة الصادرة عن قادة في المجال، إن الليبراليين يريدون «القضاء على الذكاء الاصطناعي أو تدميره».

وأوضح أنه بصدد تشكيل فريق خاص بالذكاء الاصطناعي مهمته «رصد المساوئ»، وأنه سيعلن قريبا عن تعيين منسق حكومي لشؤون الذكاء الاصطناعي.

جاءت تصريحات ترمب عن الذكاء الاصطناعي رغم إظهار استطلاعات الرأي معارضة واسعة النطاق بين الأميركيين لإنشاء مراكز البيانات التي تستهلك كميات هائلة من الطاقة وتُعد المحرك الأساسي للذكاء الاصطناعي.
يتبنى ترمب هذه التكنولوجيا بقوة، رغم التحذيرات الواسعة النطاق من أن وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي تتسارع بشكل مفرط، وأن هذه التقنية قد تهدد البشر قريبا مع تكرر حوادث خروج البرمجيات التي تزداد ذكاء عن سيطرة مصمميها.

واعتبر الرئيس الجمهوري أن الولايات المتحدة لا يمكنها تحمل خسارة السباق التكنولوجي أمام الصين، مشددا على أن الضمانات الوحيدة اللازمة هي وجود «رئيس قوي وذكي (يتمتع بمعدل ذكاء مرتفع!)، وهو ما تمتلكه الولايات المتحدة وبوفرة هائلة!».

وفي منشور آخر على وسائل التواصل الاجتماعي السبت، تساءل ترمب عما إذا كان مصطلح «الذكاء الاصطناعي» دقيقا، وطرح ثلاثة بدائل في ما وصفه بأنه استطلاع للرأي، وطلب من الناس إبداء آرائهم.
كتب ترامب أن البدائل الثلاثة هي: الذكاء المتفوق، والذكاء الفائق، والذكاء الأسمى.

وأضاف «هذا استطلاع للرأي، وسأكون ممتنا لمشاركة الجميع في التصويت! ما هو الاسم الأفضل لهذه (الثورة) التي تتنامى باستمرار؟».

لوحة مفاتيح ويدا روبوت أمام عبارة «الذكاء الاصطناعي» باللغة الإنجليزية (رويترز)

وصرح مسؤولون أميركيون بأنهم سيطرحون موضوع الذكاء الاصطناعي خلال المحادثات مع الصين، في الوقت الذي يستعد فيه الرئيس الأميركي للقاء نظيره الصيني شي جينبينغ، الأسبوع المقبل.

وتنظر كل من واشنطن وبكين إلى التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي بوصفها أمراً حاسماً لتنافسيتهما الاقتصادية والعسكرية، إلا أنهما لا تزالان على خلاف بشأن قضايا تشمل الوصول إلى الرقائق الإلكترونية المتقدمة، ومزاعم نسخ التكنولوجيا، وتنظيم صناعة الذكاء الاصطناعي.