إضراب عام يشلّ قطاع النقل في كل أنحاء الجزائر

أحزاب «الموالاة» ندّدت بـ«تقويض الاستقرار»... والمعارضة تحمّل السلطة والبرلمان مسؤولية موجة غلاء جامحة

شاحنات متوقفة عن العمل (نقابات قطاع النقل)
شاحنات متوقفة عن العمل (نقابات قطاع النقل)
TT

إضراب عام يشلّ قطاع النقل في كل أنحاء الجزائر

شاحنات متوقفة عن العمل (نقابات قطاع النقل)
شاحنات متوقفة عن العمل (نقابات قطاع النقل)

تفاقم التوتر بين الحكومة وناقلي المسافرين والبضائع في الجزائر، على خلفية الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود واعتماد قانون جديد للنقل، ينصّ على عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية مشددة بحق السائقين.

وفي موازاة ذلك، اتسع الخلاف داخل المشهد السياسي بين أحزاب «الموالاة» التي تتهم المحتجين بـ«محاولة زعزعة الاستقرار»، وقوى المعارضة التي ترى أن الحكومة «تنتهج سياسات ضاغطة تثقل كاهل الفئات الهشة».

ويواجه الجزائريون، منذ الأحد، صعوبات بالغة في التنقل إثر دخول ناقلي المسافرين والبضائع في إضراب عام عرف استجابة واسعة بمختلف الولايات... وتعطلت مع الساعات الأولى للصباح مصالح الملايين الذين وجدوا أنفسهم أمام أزمة نقل خانقة وغير مسبوقة.

زيادة أسعار الوقود زادت في نقمة المحتجين (نقابات قطاع النقل)

ودفع الموظفون وطلاب الجامعات الفاتورة الكبرى لهذا الاحتجاج؛ إذ استحال على السواد الأعظم منهم الالتحاق بمكاتبهم أو مدرجاتهم الجامعية. وقد تسبب «احتجاب» الحافلات وتقلص حضور سيارات الأجرة الجماعية، في تجميد حركة السير، لا سيما في الحواضر الكبرى التي تعتمد بشكل حيوي على النقل الخاص.

وفيما يخص قطاع الحافلات، فقد اتسم الانضباط بقرار الإضراب بالشمولية، وبقيت الغالبية العظمى من الحافلات الخاصة رابضة في محطاتها في مختلف مناطق البلاد، مما وضع الركاب في مأزق حقيقي، واضطر الكثير منهم إلى قطع كيلومترات سيراً على الأقدام أو إلغاء التزاماتهم اليومية قسراً.

تفاعل واسع مع الإضراب

وأشارت معطيات ميدانية إلى أن معدل الاستجابة للإضراب وسط الناقلين في قطاع النقل الخاص تخطى عتبة 90 في المائة في ولايات محورية مثل الجزائر العاصمة وسطيف وبجاية وتيزي وزو بشرق العاصمة. أما الخطوط الرابطة بين الولايات، فقد عرفت توقفاً شبه كلي للحركة في مشهد عكس حجم الاحتقان السائد بالقطاع.

واللافت أن هذه المعطيات نُشرت بحسابات المحتجين على وسائط الإعلام الاجتماعي، في ظل تعتيم وسائل الإعلام على الإضراب بما يتماشى مع وقوف الحكومة ضده.

ولم يقتصر الاضطراب على الرحلات الطويلة، بل طال بقوة شبكات النقل الحضري وبين البلديات. وفي ظل هذا المشهد شديد التوتر، انفردت حافلات المؤسسات العمومية بالخدمة في الشوارع، محاولةً تأمين الحد الأدنى من التنقلات الضرورية في حدود إمكاناتها المتاحة.

جانب من التحرك الاحتجاجي لأصحاب الحافلات (نقابات قطاع النقل)

من جهتهم، أبدى المضربون تمسكاً صارماً بموقفهم من خلال عشرات الفيديوهات التي نشروها في الإعلام الاجتماعي، مشددين على استمرار التصعيد حتى نيل حقوقهم. ويأتي على رأس لائحة المطالب، الإلغاء الفوري وغير المشروط لمشروع تعديل قانون المرور، الذي حظي بموافقة الغرفة البرلمانية السفلى في ديسمبر (كانون الأول) المنصرم.

ويرى المهنيون أن التعديلات المقترحة «تحمل طابعاً زجرياً مفرطاً من خلال تشديد العقوبات الجنائية والمالية»، وهي إجراءات يصفها الناقلون بالتعسفية والبعيدة عن واقع الممارسة المهنية وتحديات الطريق اليومية.

وإلى جانب المطلب التشريعي، يصر الناقلون على رفع تسعيرة النقل على أساس أنها مجمدة منذ عام 2018، مؤكدين أن هذا المطلب لم يعد قابلاً للتأجيل في ظل الارتفاع الأخير لأسعار المحروقات، والذي دخل التنفيذ في 1 يناير (كانون الثاني) 2026 من دون إعلان رسمي. كما طالبوا بإنهاء أزمة ندرة قطع الغيار، التي تحولت إلى معضلة بنيوية تهدد استقرار نشاطهم المهني.

5 آلاف ضحية سنوياً

وفي سياق التفاعل مع الاحتجاجات على «تعديلات مطلع العام»، قال حزب «جبهة التحرير الوطني» المؤيد لسياسات السلطة التنفيذية، في بيان، إنه «يحذّر» من «الانسياق وراء الإشاعات المغرضة»، داعياً إلى «التريث قبل اتخاذ أي خطوات غير محسوبة قد تضر بالمصلحة العامة».

وأكد الحزب، الذي يرأسه عبد الكريم بن مبارك، أن «الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي مسؤولية جماعية»، معبّراً عن «قلقه من محاولات المس بالاستقرار الذي تشهده الجزائر، والذي يُعد ثمرة إنجازات ومكاسب تحققت في مختلف القطاعات، بما فيها قطاع النقل والمواصلات».

الأمين العام لـ«جبهة التحرير الوطني» (إعلام حزبي)

وقدّر الحزب الذي يحتل الصدارة في البرلمان والمجالس البلدية، أن رفع أسعار المنتجات النفطية «تدبير يندرج في إطار إصلاحات تهدف أساساً إلى خدمة المواطن وتحسين عيشه وتوفير شروط الحياة الكريمة»، مشيراً إلى أن قانون المرور الجديد «يرمي إلى الوقاية من إرهاب الطرقات وليس معاقبة المواطن». ولفت إلى أن حوادث المرور تحصد سنوياً أكثر من 5 آلاف ضحية، وهو «ما يستدعي تشديد آليات الوقاية والردع، فالسلامة في الطرقات مسؤولية جماعية تتحقق بتكامل التشريع والرقابة الميدانية والتوعية المستمرة وتعزيز الوعي المجتمعي».

من جهتها، عبّرت «جبهة المستقبل»، التي تنتمي للغالبية الرئاسية، في بيان وقّعه رئيسها فاتح بوطبيق، عن «أسفها لحملات التهويل التي رافقت الحديث عن الزيادات الطفيفة في أسعار البنزين، والتي تتراوح بين 1.40 دينار و3 دنانير فقط»، وهي زيادات لا تعكس، حسب بوطبيق، السعر الحقيقي للوقود، مشيراً إلى أن الجزائر «لا تزال من بين الدول التي تبيع الوقود لمواطنيها بأدنى سعر مقارنة بباقي الدول الأخرى، وهذا بفضل الدعم الكبير للأسعار الذي تتحمله الدولة اليوم؛ إذ تغطي فارقاً معتبراً بين السعر الحقيقي وسعر البيع للمواطن».

جانب من التحرك الاحتجاجي (نقابات قطاع النقل)

أما حزب «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، الذي يمثل المعارضة الراديكالية، فذكر في بيان لرئيسه عثمان معزوز أن الحكومة وأعضاء البرلمان «يتحمّلون بشكل كامل تداعيات دوامة التضخم التي ستتسبب فيها الزيادات الأخيرة في الأسعار».

ولفت الحزب إلى «مناخ من الذهول يسود البلاد بسبب هذه الزيادات الفجائية والأحادية وغير المعلنة... فمنذ أول يناير تم رفع أسعار الوقود بمختلف أنواعه، بالتوازي مع سلسلة زيادات ورسوم جديدة، لا سيما تلك المتعلقة بالتنقل براً إلى تونس والسكن والمحلات التجارية، والتي تُقتطع مباشرة من فواتير الكهرباء».


مقالات ذات صلة

حادث مروري جديد بالجزائر ينكأ الجراح ويُعيد التساؤلات نفسها

شمال افريقيا منحدر سقطت عليه حافلة ركاب بمنطقة بومرداس شرقي العاصمة الجزائرية آخر الشهر الماضي (الحماية المدنية)

حادث مروري جديد بالجزائر ينكأ الجراح ويُعيد التساؤلات نفسها

وقع حادث مروري جديد بالجزائر، الأحد، حين انقلبت حافلة ركاب مما أودى بحياة 6 أشخاص وتسبب في إصابة 31 آخرين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا حرائق مستعرة اندلعت في منطقة قالمة شرق الجزائر (الحماية المدنية)

الجزائر تواصل حربها على حرائق الغابات

أعلنت مصالح الحماية المدنية الجزائرية في بيان لها، اليوم الجمعة، عن الحالة العامة لحرائق الغطاء النباتي والمحاصيل الزراعية، المسجلة منذ أمس

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا تراجع معدل الإنجاب في البلدان المغاربية الثلاثة إلى أقل من النصف منذ السبعينات بسبب العزوف عن الإنجاب (أ.ف.ب)

التحولات الاجتماعية تهدد تونس والمغرب والجزائر بالشيخوخة

تشهد بلدان المغرب والجزائر وتونس انخفاضاً غير مسبوق في معدلات الإنجاب، تحت تأثير عوامل اقتصادية وتحولات اجتماعية، حيث يفضل كثيرون الحفاظ على «راحة البال». …

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً الاشتراكية الفرنسية سيغولين رويال في يناير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

مرشحة لـ«رئاسيات» فرنسا تطالب بلادها بالتقارب مع الجزائر

انتقدت سيغولين رويال، مرشحةُ الانتخابات التمهيدية بالحزب الاشتراكي لانتخابات الرئاسة الفرنسية 2027، تأثر قادة البلاد بمواقف اليمين ووسائل الإعلام الموالية له...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا صورة مركبة لرئيسي حكومتي الجزائر ومالي بمناسبة اتصال هاتفي بينهما

ترتيبات بين الجزائر وباماكو لحسم ملفات الحدود والإرهاب والمعارضة

يرتقب أن يعقد مسؤولون من الحكومتين الجزائرية والمالية اجتماعات مكثفة لترتيب زيارة رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا إلى الجزائر.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مصر وعُمان تشددان على أهمية ضمان أمن وحرية الملاحة في «هرمز»

محادثات الرئيس السيسي والسلطان هيثم بن طارق بسلطنة عمان في مايو الماضي (الرئاسة المصرية)
محادثات الرئيس السيسي والسلطان هيثم بن طارق بسلطنة عمان في مايو الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

مصر وعُمان تشددان على أهمية ضمان أمن وحرية الملاحة في «هرمز»

محادثات الرئيس السيسي والسلطان هيثم بن طارق بسلطنة عمان في مايو الماضي (الرئاسة المصرية)
محادثات الرئيس السيسي والسلطان هيثم بن طارق بسلطنة عمان في مايو الماضي (الرئاسة المصرية)

تشدِّد مصر وعُمان على أهمية ضمان أمن وحرية الملاحة في مضيق «هرمز». وأكد البلدان ضرورة مواصلة الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد. جاء ذلك خلال اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ونظيره العُماني بدر بن حمد البوسعيدي، وذلك في إطار التشاور والتنسيق المستمرَين بين البلدين الشقيقين بشأن العلاقات الثنائية، ومستجدات الأوضاع الإقليمية.

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، الثلاثاء، أشاد الوزيران بعمق وخصوصية العلاقات الأخوية والتاريخية التي تجمع مصر وسلطنة عُمان، وما تشهده من زخم متنامٍ في ظلِّ العلاقات الأخوية المتميِّزة التي تجمع الرئيس عبد الفتاح السيسي والسلطان هيثم بن طارق. وأكدا الحرص المشترك على مواصلة تعزيز أطر التعاون الثنائي في مختلف المجالات، بما يحقِّق مصالح البلدين والشعبين الشقيقين.

كما تطرَّق الاتصال الهاتفي بشكل مفصل إلى التطورات الجارية في المنطقة، خصوصاً الإعلان الإيراني - العُماني المشترك المرتقب بشأن إعادة فتح مضيق «هرمز» والجهود العُمانية المبذولة في هذا الصدد. وشدَّدا على أهمية ضمان أمن وسلامة وحرية الملاحة في المضيق، بما يسهم في خفض حدة التوتر وتهيئة الأجواء للعودة إلى مائدة المفاوضات في إطار مذكرة التفاهم، وصولاً إلى اتفاق شامل ومستدام يعالج مختلف الشواغل، ويعزِّز الأمن والاستقرار الإقليميَّين.

وناقش الوزيران الأهمية البالغة لبقاء مضيق «هرمز» مفتوحاً أمام حركة الملاحة الدولية. وأشارا إلى أنَّ استمرار الوضع الراهن لا تقتصر تداعياته على دول المنطقة فحسب، وإنما يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية، وضرورة مواصلة الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد وضمان حرية الملاحة وتجنُّب أي خطوات من شأنها زيادة حدة التوتر في المنطقة.

زيارة الرئيس المصري سلطنة عمان في مايو الماضي ولقاء السلطان هيثم بن طارق (الرئاسة المصرية)

واتفق عبد العاطي ونظيره العُماني، الثلاثاء، على مواصلة التشاور والتنسيق الوثيق خلال الفترة المقبلة إزاء التطورات الإقليمية، ودعم الجهود كافة الرامية إلى خفض التصعيد، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية بما يحفظ أمن واستقرار المنطقة.

وفي مايو (أيار) الماضي، شدَّد الرئيس السيسي خلال اتصال هاتفي مع سلطان عُمان على ضرورة تكثيف الجهود الرامية إلى خفض التوتر الإقليمي.

وثمَّن السيسي حينها خلال الاتصال الذي نوقشت خلاله أوضاع المنطقة، الدور البنَّاء الذي تضطلع به سلطنة عُمان، مستعرضاً الجهود المصرية المبذولة لتحقيق الهدف نفسه. وأكد أهمية الحفاظ على السلم والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وتجنُّب التصعيد، والعمل على تسوية الأزمة الراهنة عبر الوسائل السلمية، وفقاً لبيان الرئاسة المصرية.

كما زار الرئيس المصري في مايو الماضي سلطنة عُمان، في جولة عدَّها مراقبون تأكيداً على تضامن مصر مع دول الخليج، ودعماً للجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التصعيد، وإنهاء الحرب الإيرانية.

وشدَّد حينها الرئيس السيسي والسلطان هيثم بن طارق على «أهمية دعم الجهود الرامية لتسوية الأزمة الراهنة بالمنطقة عبر المفاوضات، واحتواء التوتر وعدم التصعيد لتجنيب المنطقة المزيد من عدم الاستقرار، فضلاً عن التداعيات الوخيمة التي سوف تطول الجميع».


الاحتجاجات تتواصل بالعاصمة الليبية بعد أزمة الكهرباء... و«الوحدة» تعد بحل

احتجاجات ليلية فى العاصمة طرابلس أمس الاثنين (من مقاطع نشرتها وسائل إعلام محلية)
احتجاجات ليلية فى العاصمة طرابلس أمس الاثنين (من مقاطع نشرتها وسائل إعلام محلية)
TT

الاحتجاجات تتواصل بالعاصمة الليبية بعد أزمة الكهرباء... و«الوحدة» تعد بحل

احتجاجات ليلية فى العاصمة طرابلس أمس الاثنين (من مقاطع نشرتها وسائل إعلام محلية)
احتجاجات ليلية فى العاصمة طرابلس أمس الاثنين (من مقاطع نشرتها وسائل إعلام محلية)

في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي المتصاعد بسبب أزمة الكهرباء المتفاقمة في ليبيا، أعلنت حكومة «الوحدة»، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، تسلّم مجلس الإدارة الجديد للشركة العامة للكهرباء مهامه رسمياً برئاسة البشير المرعاش، خلفاً لمحمد المشاي، في خطوة جاءت وسط أزمة انقطاعات واسعة ومتكرِّرة للتيار، وهو ما أثار موجة احتجاجات في العاصمة طرابلس ومدن أخرى.

وتزامن تسلّم الإدارة الجديدة لمهامها مع استمرار أزمة الشبكة، التي شهدت خلال نحو 48 ساعة 3 انقطاعات واسعة للتيار في مناطق مختلفة من غرب وجنوب ليبيا، قبل أن يبدأ في العودة تدريجياً إلى بعض المناطق، بينما ظلت أجزاء أخرى تعاني من ساعات تغذية محدودة.

رئيس شركة الكهرباء الجديد البشير المرعاش يترأس أول اجتماعاتها 17 أغسطس (الشركة)

ولم تعد الاحتجاجات محصورة في أزمة الكهرباء وحدها، وبدأت تتحوَّل إلى تعبير أوسع عن الغضب من تدهور الأوضاع المعيشية والخدمات الأساسية، حيث شهدت شوارع طرابلس، مساء الاثنين، مظاهرات احتجاجية على الانقطاع المتكرِّر للتيار، ردَّد خلالها محتجون هتافات تطالب بإسقاط «الوحدة»، وفق مقاطع مُصوَّرة تداولتها منصات التواصل الاجتماعي ووسائل إعلام محلية.

وتأتي هذه التَّحرُّكات في سياق احتجاجات سابقة شهدتها العاصمة، ومناطق غربية خلال الأسابيع الماضية، شملت إغلاقات للطرق ومقار حكومية على خلفية ساعات الانقطاع الطويلة للتيار، تجاوزت في بعض المناطق 10 ساعات يومياً.

وترأَّس المرعاش، مساء الاثنين، أول اجتماع للشركة بمقرها في العاصمة، بحضور أعضاء مجلس الإدارة والمديرين العامين؛ لمتابعة أوضاع الشبكة والعمل على حلحلة الصعوبات الطارئة، التي تواجهها بشكل عاجل.

وفي كلمته الأولى، قال المرعاش إن ما ينتظره الليبيون هو «العمل على النتائج على أرض الواقع لا الوعود والتبريرات»، لافتاً إلى أن توليه إدارة الشركة يأتي في ظروف دقيقة، يدرك خلالها حجم التحديات التي تواجه الشبكة ومعاناة المواطنين.

وأكد أنَّ مسؤولية المرحلة «ليست البحث عن المبررات أو تبادل المسؤوليات، بل مباشرة تنفيذ خطة عاجلة ومحددة زمنياً»، تقوم على رفع القدرات الإنتاجية المتاحة، وإعادة وحدات التوليد القابلة للدخول إلى الخدمة، وتسريع أعمال الصيانة، ومعالجة الاختناقات ذات التأثير المباشر في شبكة النقل والتوزيع، وتوفير الاحتياجات التشغيلية وقطع الغيار ذات الأولوية.

وتعهَّد المرعاش بوضع المواطن أمام حقيقة ما يُحقق بشكل واضح وشفاف. وأكد أنَّه سيتم بالتوازي إعداد خطة استراتيجية لإعادة بناء وتطوير الشبكة والشركة، ورفع كفاءة المحطات وشبكات النقل والتوزيع، وتطوير منظومة الإدارة والتشغيل.

ويمتلك المرعاش خلفيةً أكاديميةً ومهنيةً واسعةً، تشمل دبلومات عليا في الهندسة الكهربائية وإدارة الأعمال والحاسب الآلي، إلى جانب توليه رئاسة مجالس إدارات جهات ومؤسسات هندسية وخدمية عدة.

وسارع المجلس البلدي لغريان إلى تهنئة ابن المدينة، المرعاش، بمناسبة تكليفه، وحثه على تسخير خبراته للارتقاء بأداء الشركة، وتحسين الخدمات لتخفيف معاناة المواطنين، مثمناً في الوقت ذاته ثقة رئيس حكومة «الوحدة» وأعضاء الجمعية العمومية للشركة في الأطر القادرة على تَحمُّل المسؤولية.

ويرى مراقبون محليون أنَّ هذا التعيين يواجه «تحديات مُعقَّدة»، قد تحد من تأثيره الفعلي ما لم تتم معالجتها جذرياً، من بينها التهديدات الأمنية والتقنية، التي تشمل الأوضاع الأمنية في مناطق مثل الزاوية، وهجمات المسيّرات والاعتداءات على المحطات، فضلاً عن نقص إمدادات الغاز والوقود والبنية التحتية المتهالكة، مروراً بتأثير الانقسام السياسي والمؤسسي بين الشرق والغرب.

يرى مراقبون أنَّ تعيين المرعاش يواجه «تحديات مُعقَّدة» من بينها هجمات المسيّرات والاعتداءات على المحطات (أ.ب)

وأكد عبد الجليل معيوف، المستشار السابق بالمؤسسة الوطنية للنفط، أن «التغيير الشكلي في القيادات لن يغيِّر من الواقع الحالي شيئاً». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ مشكلة الكهرباء تُعدُّ أزمةً متأصلةً في إدارة هذا القطاع الاستراتيجي، وتتطلب ثورةً حقيقيةً على الفساد وسوء الإدارة.

وطالب معيوف بإعادة هيكلة القطاع، والاستعانة ببيوت خبرة عالمية، لافتاً إلى أنَّ تغيير القيادات الإدارية بمفرده لن يغيِّر هذا الوضع الكارثي، نظراً لأنَّ الخيارات الإدارية الحالية تُعدُّ جزءاً من منظومة الفساد.

في السياق ذاته، عدَّ الناشط والمدون الليبي، طه حديد، أن «تغيير الإدارة وحده قطعاً لن ينهي الأزمة بشكل كامل ونهائي»، مشيراً إلى أن «المشكلة أكبر من قضية شخص أو مجلس إدارة، لأنَّ اختزال الأزمات في شخص المسؤول فقط قد يؤدي إلى نتائج عكسية أو حلول وقتية». وقال: «المواطن الليبي بات يفقد ثقته في الوعود الحكومية المتكررة بانتهاء أزمة الكهرباء وزيادة الإنتاج، في ظلِّ استمرار الانقطاعات اليومية، رغم ضخ مليارات في القطاع خلال السنوات الماضية».

ويأتي تولي المرعاش لمهمته الجديدة في توقيت حساس، وسط استياء شعبي عارم، واحتجاجات في معظم مدن المنطقة الغربية؛ بسبب الانهيارات المتكرِّرة للشبكة وحالة الإظلام الواسعة التي طالت طرابلس ومناطق في الغرب والوسط والجنوب، عقب خروج محطات رئيسية عن الخدمة، مثل الزاوية والخمس وأوباري.

وبحسب مراقبين، فإنَّ نجاح المرعاش في إعادة قدر من الاستقرار إلى الشبكة، حتى لو كان جزئياً، «قد يستعيد جزءاً من الثقة المفقودة، ويمنح حكومة الوحدة هامشاً لاحتواء الغضب الشعبي»، أما إذا استمرَّت الانقطاعات أو تكرَّرت الانهيارات، «فقد ينقلب قرار تغيير الإدارة على الحكومة نفسها، ويُستخدَم دليلاً إضافياً على عجزها عن معالجة أحد أكثر الملفات الخدمية حساسية بالنسبة إلى الليبيين».


مصر تطوي أزمة بحّارَين احتجزا في إيران 8 أشهر

مساعد وزير الخارجية المصرية حداد الجوهري خلال استقباله الثلاثاء أهالي البحّارَين اللذين احتُجزا في إيران (صفحة الخارجية على فيسبوك)
مساعد وزير الخارجية المصرية حداد الجوهري خلال استقباله الثلاثاء أهالي البحّارَين اللذين احتُجزا في إيران (صفحة الخارجية على فيسبوك)
TT

مصر تطوي أزمة بحّارَين احتجزا في إيران 8 أشهر

مساعد وزير الخارجية المصرية حداد الجوهري خلال استقباله الثلاثاء أهالي البحّارَين اللذين احتُجزا في إيران (صفحة الخارجية على فيسبوك)
مساعد وزير الخارجية المصرية حداد الجوهري خلال استقباله الثلاثاء أهالي البحّارَين اللذين احتُجزا في إيران (صفحة الخارجية على فيسبوك)

طوت مصر، الثلاثاء، أزمة بحّارين احتُجزا لنحو ثمانية أشهر على متن السفينة «ريم الخليج» في ميناء بندر عباس الإيراني، وذلك مع إعلان وزارة الخارجية نجاح جهودها الدبلوماسية في تأمين الإفراج عنهما وإنهاء إجراءات عودتهما إلى البلاد.

وأنهت بعثة رعاية المصالح المصرية في طهران إجراءات عودة البحّارَين، عقب اتصالات أجراها وزير الخارجية بدر عبد العاطي «على أعلى مستوى» مع الجانب الإيراني بهدف الإفراج عنهما، بحسب بيان لوزارة الخارجية.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلنت إيران احتجاز ناقلة نفط أجنبية قرب جزيرة قشم في الخليج، قالت إنها تحمل نحو أربعة ملايين لتر من الوقود المهرب. ولم تكشف السلطات الإيرانية اسم السفينة أو جنسيتها، لكنها أفادت باحتجاز أفراد طاقمها، وعددهم 16 شخصاً، على خلفية «اتهامات جنائية».

وأوضحت وزارة الخارجية، الثلاثاء، أن البعثة المصرية زارت البحّارَين على متن السفينة؛ فيما استقبل مساعد وزير الخارجية للشؤون القنصلية والمصريين في الخارج، حداد الجوهري، أسرتيهما في مقر الوزارة، وأطلعهما على الجهود التي تكللت بالإفراج عنهما وإنهاء إجراءات عودتهما إلى مصر.

كما التقى رئيس بعثة رعاية المصالح المصرية في طهران البحّارَين قبل مغادرتهما إيران، للاطمئنان على حالتهما وتقديم الدعم اللازم لهما.

أطفال يلعبون في الماء وخلفهم سفن شحن راسية وصياد قريب في مضيق هرمز قبالة بندر عباس (أ.ب)

ويرى رئيس نقابة الضباط البحريين المصريين، السيد الشاذلي، أن هدوء العلاقات المصرية - الإيرانية أسهم إلى جانب التحرك الدبلوماسي المصري المكثف ورفيع المستوى في تسهيل الإفراج عن البحّارَين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «الخطاب السياسي في طهران ينأى في الوقت الراهن عن أي تصعيد مع القاهرة في أي ملف».

لكن مشكلات البحارة المصريين لا تقتصر على إيران، إذ قال الشاذلي إن بحارة مصريين لا يزالون محتجزين في اليمن وليبيا بعد توقيف السلطات سفناً كانوا على متنها للاشتباه في تورطها في عمليات تهريب.

وأضاف: «مثل هذه الحالات تصبح أكثر تعقيداً في الدول التي تشهد انقساماً سياسياً، إذ قد يعتبر كل طرف أن السفن المرتبطة بالجانب الآخر متورطة في أنشطة غير قانونية، وهو ما يزيد صعوبة تحديد الجهة المسؤولة عن الملف وآليات التفاوض بشأن البحارة المحتجزين».

غير أن رئيس نقابة الضباط البحريين المصريين يرى أن البحارة زاد وعيهم خلال الفترة الأخيرة بالمخاطر القانونية والأمنية التي قد تواجههم في أثناء العمل، وباتوا أكثر حرصاً على معرفة المناطق والطرق التي قد تعرضهم للمساءلة، وعلى تجنب الوقوع في مخالفات أو أزمات مرتبطة بمهامهم البحرية.

وبينما أُسدل الستار على أزمة البحّارَين المحتجزَين في إيران، لا تزال أزمة أخرى أكثر تعقيداً تلقي بظلالها على أسر 12 بحاراً مصرياً وهندياً محتجزين على متن ناقلة نفط قبالة السواحل الصومالية منذ مايو (أيار) الماضي، وسط تصاعد المخاوف بشأن سلامتهم ومصيرهم.

وفي هذا الصدد قال الشاذلي إن السلطات الصومالية ألقت القبض على أحد الأشخاص المشاركين في التفاوض بشأن الإفراج عن البحارة، الأمر الذي دفع القراصنة - بحسب روايته - إلى مهاجمة مركز احتجازه وتحريره.

وأضاف أن هذا التطور زاد من تعقيد جهود التفاوض التي تجري بمشاركة المنظمة البحرية الدولية (IMO) وبالتنسيق مع ممثلي الدول التي ترفع السفينة أعلامها وممثلي مُلاكها، في مسعى للتوصل إلى اتفاق يضمن الإفراج عن أفراد الطاقم.

وكانت الناقلة قد تعرضت للاعتراض قرب سواحل محافظة شبوة اليمنية، قبل أن تتجه إلى خليج عدن ثم إلى منطقة قبالة السواحل الصومالية، حيث لا يزال أفراد الطاقم محتجزين.