جدل مصري حول كليات «الآداب والتجارة والحقوق»

بعد انتقاد السيسي استمرار الإقبال عليها رغم أزمة توظيف خريجيها

جامعة القاهرة أعرق الجامعات المصرية
جامعة القاهرة أعرق الجامعات المصرية
TT

جدل مصري حول كليات «الآداب والتجارة والحقوق»

جامعة القاهرة أعرق الجامعات المصرية
جامعة القاهرة أعرق الجامعات المصرية

جدل واسع شهدته مصر، خاصة في الأوساط التعليمية، حول زيادة كليات «الآداب والحقوق والتجارة»، وذلك عقب انتقاد الرئيس عبد الفتاح السيسي، استمرار الإقبال عليها، رغم أزمة توظيف خريجيها، الذين يقدرون بمئات الآلاف سنوياً.

ووسط مطالبات برلمانية بإعادة النظر في وضع تلك الكليات النظرية بشكل عام، سواء عن طريق إلغاء بعضها أو إعادة هيكلتها، يرى خبراء تربويون أن قصور الحل على إلغاء بعض هذه الكليات أو دمجها يحمل «فهماً خاطئاً» لمفهوم التعليم، الذي يهدف بالأساس إلى بناء مجتمع وثقافة، وليس فقط إعداد موظفين لسوق العمل.

وفي مصر، يتخرج كل عام أكثر من 700 ألف خريج من الجامعات والكليات والمعاهد الحكومية والخاصة، وبحسب بيانات النشرة السنوية لخريجي التعليم العالي الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فإن أعداد الخريجين خلال عام 2022، ارتفعت بنسبة 10.6 في المائة، حيث شهد هذا العام تخرج 738.1 ألف شاب.

ويمثل طلاب الكليات النظرية 68 في المائة من نسبة طلاب الجامعات، وفق الدكتور أيمن عاشور، وزير التعليم العالي والبحث العلمي.

وخلال افتتاحه مركز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية، الأحد، انتقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، استمرار الإقبال على كليات «الآداب والحقوق والتجارة»، ناصحاً الأهالي بإلحاق أبنائهم بالكليات التكنولوجية التي يحتاجها سوق العمل، وقال السيسي مخاطباً أولياء الأمور: «قاعدين كلكم تدخلوا ولادكم (كليات) آداب وتجارة وحقوق، مع كل التقدير... هيشتغل إيه؟». وأضاف: «الابن يبقى زعلان مني وزعلان من الحكومة يقول ما بتشغلوناش ليه؟».

وطلب السيسي من أولياء أمور الطلبة في المراحل التعليمية المختلفة ابتدائية أو إعدادية أو ثانوية، أن يشجعوا أبناءهم على الالتحاق بالمجالات التكنولوجية الحديثة التي تدر على ذويها وعلى الدولة مليارات الدولارات سنوياً.

السيسي يفتتح مراكز البيانات والحوسبة السحابية الحكومية (الرئاسة المصرية)

وقال الرئيس المصري: «هناك دول سكانها قليل، لكن عدد من يعملون فيها من أبنائها في مجالات الحوسبة والتكنولوجيا يفوق الـ750 ألف شخص... كل واحد بيعمل (يربح) 100 ألف دولار في السنة يعني 70 مليار دولار». وتابع: «مصر جامعات وكليات وبرامج بعدد ضخم نستهدف أرقاماً طموحة جداً لنخرج مما نحن فيه ونلحق بركب العالم المتقدم».

وأثارت تصريحات السيسي جدلاً جديداً حول الكليات النظرية، انتقل إلى ساحة البرلمان، حيث شهدت الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، الاثنين، نقاشاً حول التعليم النظري، وقال رئيس الهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن بمجلس الشيوخ حسام الخولي، إن «كليات الآداب بها تخصصات لا نحتاج إليها، وتخصصات نحتاجها، والباقي غير مطلوب»، متسائلاً: «ما هذا الكم في الكليات النظرية؟ (أعداد طلابها)، وماذا نفعل به؟».

وفي مجلس النواب، طالب العضو عبد المنعم إمام، بـ«إغلاق بعض الكليات النظرية، ومنها كليتا الآداب والحقوق»، ودعا في تصريحات صحافية، الاثنين، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى «وضع استراتيجية كاملة، بشأن إعادة هيكلة بعض الكليات لتواكب سوق العمل والوظائف المطلوبة، في ظل التطور التكنولوجي وعصر الذكاء الاصطناعي».

https://twitter.com/mayasweetrose/status/1784609698223706141

في المقابل، ترى الخبيرة التربوية الدكتورة بثينة عبد الرؤوف أن «الحديث عن جدوى الكليات النظرية يعكس فهماً خاطئاً لمفهوم التعليم»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يوجد قصر نظر لدى الذين يطالبون بإغلاق الكليات النظرية عبر ربطها بحاجة سوق العمل، وفهم خاطئ لفلسفة التعليم التي تهدف بالأساس إلى بناء مجتمع وتطوير الثقافة، وليس فقط إعداد موظفين لسوق العمل، فلا يوجد مجتمع من دون علم اجتماع أو تاريخ أو جغرافيا».

وبحسب عبد الرؤوف فإنه «يمكن حل مشكلة عدم وجود فرص عمل لخريجي الكليات النظرية عبر دمج التعليم النظري مع الوسائل والمهارات التكنولوجية التي يحتاجها سوق العمل».

وشهدت منصات التواصل الاجتماعي جدلاً واسعاً حول الانتقادات لزيادة أعداد خريجي الكليات النظرية، ما بين مؤيدين ومعارضين. وعلق عضو مجلس أمناء الحوار الوطني، الحقوقي نجاد البرعي عبر منصة «إكس» بقوله: «بشكل عام موجز ما قاله الرئيس ينصب بالكامل على تحديث التعليم، سواء في الكليات النظرية أو العملية، وسواء في الدراسات التقليدية أو الجديدة...».

ودعم مؤيدون لدعوة السيسي، بضرورة تراجع الإقبال على الكليات النظرية، بالنظر إلى تجارب دول شرق آسيا في التعليم.

فيما انتقد عدد من المتابعين الهجوم على الكليات النظرية وخريجيها، وتعامل البعض معهم بأنهم تخصصات غير مطلوبة للمجتمع.

ولا تعد هذه هي المرة الأولى التي ينتقد فيها السيسي زيادة الإقبال على الكليات النظرية، ففي أبريل (نيسان) 2019، قال السيسي، خلال احتفالية عيد العمال: «يجب أن نجهز أبناءنا وبناتنا بشكل صحيح لسوق العمل، خلال السنوات المقبلة... لا يجوز أن يكون لدينا كل عام 100 ألف خريج من كلية الحقوق ومثلهم من كلية التجارة».

وفي مايو (أيار) 2018، انتقد زيادة أعداد خريجي الآداب، قائلاً إن «كلية الآداب بها 100 ألف طالب، ومئات الآلاف من مختلف التخصصات».

ويوجد الكثير من الأساليب العلمية للتعامل مع عدم وجود فرص عمل لخريجي الكليات النظرية، وفق الخبير التربوي الدكتور حسن شحاتة، «منها ما يسمى (التدريب التحويلي)، وهو يعني أن يدرس الطالب بجانب تخصصه النظري مهارات تكنولوجية وتقنية، تؤهله لسوق العمل».

وقال شحاتة لـ«الشرق الأوسط»: «من الخطأ الترويج لفكرة أن خريجي الكليات النظرية غير مهمين أو لا يحتاجهم سوق العمل، هذا غير صحيح، إذ يوجد خريجو كليات عملية كبيرة مثل الطب والهندسة لا يجدون عملاً».


مقالات ذات صلة

مصر لزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم... هل استوفت الاستحقاقات الدستورية؟

شمال افريقيا نواب البرلمان المصري في أثناء عرض برنامج الحكومة (مجلس الوزراء المصري)

مصر لزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم... هل استوفت الاستحقاقات الدستورية؟

أقرت الحكومة المصرية زيادات بموازنة قطاعي التعليم والصحة للعام المالي الجديد، التي يبدأ العمل بها مطلع يوليو (تموز) المقبل.

أحمد جمال (القاهرة)
أوروبا رئيس ليتوانيا جيتاناس ناوسيدا خلال قمة قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل... بلجيكا 17 أكتوبر 2024 (رويترز)

رئيس ليتوانيا يدعو لإعداد برنامج يعزّز تعليم اللغة الألمانية في بلاده

يعتزم الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا إطلاق برنامج وطني لتعزيز اللغة الألمانية في بلاده الواقعة في منطقة البلطيق.

«الشرق الأوسط» (فيلنيوس)
شؤون إقليمية مسيرة لأنصار «حزب الشعب الجمهوري» في إسطنبول 24 مايو احتجاجاً على اقتحام مقر الحزب بأنقرة من جانب قوات الأمن (د.ب.أ)

تركيا: أزمة «الشعب الجمهوري» في منعطف جديد بعد اقتحام مقره

دخلت أزمة «حزب الشعب الجمهوري» أكبر أحزاب المعارضة في تركيا منعطفاً جديداً بعد عملية اقتحام قوات الشرطة مقره بناءً على طلب رئيسه السابق كمال كليتشدار أوغلو.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
عالم الاعمال «روبلوكس»: الشباب السعودي يشارك في صناعة المستقبل عبر «اقتصاد المبدعين» والذكاء الاصطناعي

«روبلوكس»: الشباب السعودي يشارك في صناعة المستقبل عبر «اقتصاد المبدعين» والذكاء الاصطناعي

كشفت مسابقة «التعلّم عبر اللعب» عن جيل جديد من الطلاب السعوديين الذين لا يكتفون باستهلاك التقنية، بل يسعون إلى صناعة محتواها وتطوير أدواتها التعليمية بأنفسهم...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا اصطفاف طلاب في مدرسة مصرية مطلع العام الحالي (صفحة وزارة التربية والتعليم على فيسبوك)

«جرائم تحرش» تطل مجدداً بمدارس مصرية رغم «العقوبات العاجلة»

عادت حوادث «التحرش المدرسي» لتطفو على السطح من جديد في مصر بعد تكرار الاتهامات الموجهة إلى معلمين وعمال وفنيين بارتكاب جرائم تحرش بحق طالبات في محافظات مختلفة.

أحمد جمال (القاهرة)

عراقيل إسرائيلية تقيّد عبور العدد المتفق عليه يومياً من «رفح»

فلسطينيون في طريقهم إلى المستشفيات المصرية لتلقى العلاج (الهلال الأحمر المصري)
فلسطينيون في طريقهم إلى المستشفيات المصرية لتلقى العلاج (الهلال الأحمر المصري)
TT

عراقيل إسرائيلية تقيّد عبور العدد المتفق عليه يومياً من «رفح»

فلسطينيون في طريقهم إلى المستشفيات المصرية لتلقى العلاج (الهلال الأحمر المصري)
فلسطينيون في طريقهم إلى المستشفيات المصرية لتلقى العلاج (الهلال الأحمر المصري)

ما زالت إسرائيل تفرض قيوداً على حركة عبور الأفراد من معبر «رفح» البري، بما يمنع مرور «العدد المتفق عليه» في خطة وقف إطلاق النار بقطاع غزة.

ويقتصر المرور اليومي للأفراد من المعبر على المرضى والمصابين، في حين يتم منع فئات أخرى مثل الطلاب ورجال الأعمال، حسب مصادر في جمعيات الإغاثة تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، مؤكدة أن «الجانب الإسرائيلي يفرض اشتراطات أمنية على من يُسمح بمروره عبر معبر رفح ما خفض أعداد المسموح بعبورهم إلى النصف».

ويشكل معبر رفح البري (على الحدود المصرية الشرقية مع قطاع غزة) الشريان الرئيسي لعبور المساعدات الإنسانية للفلسطينيين منذ بداية العدوان الإسرائيلي على غزة، بعد عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، واستقبل المعبر مئات شاحنات المساعدات المقدمة من مصر، ودول عربية وأجنبية، فيما أعلنت القاهرة «إعادة تأهيل المعبر لتسهيل عبور المساعدات بعد تعرضه للقصف الإسرائيلي عدة مرات».

ومن بين اشتراطات اتفاق وقف إطلاق النار بين «حماس» وإسرائيل، الذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي استجابة لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب «إعادة فتح معبر رفح والسماح بمرور حركة المساعدات والأفراد»، إلا أن تل أبيب «فرضت قيوداً جديدة على حركة المساعدات الإنسانية، وحصرت عبور الأفراد على المرضى والجرحى، رغم النداءات الدولية بضرورة دعم القطاع، الذي يعاني من أزمات إنسانية».

حركة عبور الأفراد من معبر رفح مقصورة على المرضى والجرحى فقط (الهلال الأحمر المصري)

ويواصل «الهلال الأحمر المصري» استقبال المرضى والمصابين الفلسطينيين من معبر رفح، وأشار في إفادة، الأربعاء، إلى «استقبال الدفعة رقم 46 من الجرحى والمرضى، إلى جانب مرافقيهم»، ونوه إلى «تقديم الدعم والرعاية اللازمة لهم» إلى جانب «توديع فلسطينيين آخرين عائدين إلى القطاع».

وتشمل الخدمات المقدمة للجرحى والمصابين الفلسطينيين، حسب «الهلال»، تيسير إجراءات العبور، وتوزيع الوجبات الغذائية الساخنة والملابس ومستلزمات العناية الشخصية بما يضمن تلبية الاحتياجات الأساسية للمصابين ومرافقيهم خلال فترة وجودهم.

ورفعت مصر حالة الاستعداد القصوى بمستشفيات شمال سيناء والمحافظات المجاورة لتكون جاهزة لاستقبال الجرحى والمرضى الفلسطينيين، وأكدت وزارة الصحة في وقت سابق توافر الفرق الطبية والأجهزة والمستلزمات لاستقبال وإحالة المصابين، وأشارت إلى «إمداد محافظة شمال سيناء بـ150 سيارة إسعاف لاستقبال المصابين، لضمان سرعة نقل الحالات الحرجة وتقديم الرعاية الصحية لها».

وقال رئيس الهيئة الدولية لدعم الشعب الفلسطيني، صلاح عبد العاطي: «لا تزال إسرائيل تفرض عراقيل على عبور الفلسطينيين من معبر رفح عبر الاتجاهين». ويضيف أن «الأعداد لا تتجاوز 70 فرداً من المرضى والمصابين، رغم أن اتفاق وقف إطلاق النار يقضي بمرور 150 شخصاً يومياً».

ويشير عبد العاطي إلى أن «حركة عبور الأفراد من معبر رفح مقصورة على المرضى والجرحى فقط»، ويوضح أن «هناك أصحاب الحاجة من الطلاب ورجال الأعمال تمنع إسرائيل عبورهم»، ونوه إلى أن «عملية مرور الأفراد تخضع لاشتراطات من الجانب الإسرائيلي من بينها الحصول على موافقات أمنية، ما يضاعف الأعباء الإنسانية داخل القطاع».

وأكد أن «حركة العبور اليومية لا تلبي احتياجات سكان قطاع غزة»، وأوضح أن «هناك عالقين يريدون العودة إلى القطاع ويتم منعهم»، وأشار إلى أن «العراقيل المفروضة تشكل عبئاً وضغطاً على المنظمات الإغاثية العاملة في القطاع».

الهلال الأحمر المصري يستقبل دفعة من المرضى والجرحى الفلسطينيين (الهلال)

وحسب المتحدث باسم «اللجنة المصرية في غزة»، محمد منصور، فإن «مصر لا تغلق معبر رفح أمام حركة الأفراد»، ويقول إن «من يعيق العبور هو الجانب الإسرائيلي، الذي يحتل منطقة رفح الفلسطينية، ويمنع وصول الفلسطينيين إلى معبر رفح من الجانب الفلسطيني».

ويرى منصور أن «القيود الإسرائيلية تمتد أيضاً إلى نسبة المساعدات الإغاثية المقدمة للقطاع، فعدد الشاحنات اليومية لا يلبي احتياجات القطاع، ولا يلبي الاستحقاق المتفق عليه في اتفاق وقف إطلاق النار».

وينص اتفاق «وقف إطلاق النار» على إدخال 600 شاحنة مساعدات يومياً إلى غزة، بينها 50 شاحنة وقود، وتُخصّص 300 شاحنة منها لشمال القطاع. وأعلن «الهلال الأحمر المصري»، الأربعاء، تسيير القافلة رقم 207 من سلسلة قوافل «زاد العزة»، وقال إن «القافلة تضم عدداً من الشاحنات محملة بنحو 2415 طناً من المساعدات الإنسانية الشاملة».


عقوبات واشنطن في شرق الكونغو... محاولة لتطويق التهديدات ودفع التفاهم

جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
TT

عقوبات واشنطن في شرق الكونغو... محاولة لتطويق التهديدات ودفع التفاهم

جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)
جنود كونغوليون يحرسون عملية إعادة اللاجئين الكونغوليين من مخيم بوسوما (رويترز)

فرضت واشنطن عقوبات أميركية جديدة على «قادة التمرد» في شرق الكونغو، في خطوة تأتي وسط تعثر يشهده مسار السلام الذي ترعاه واشنطن منذ أكثر من عام، وتفشي وباء «إيبولا» مع تصاعد المواجهات المسلحة.

تلك العقوبات، يراها خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، قد «تُطوّق التهديدات المستمرة من جانب حركة (23 مارس) وقوات تحرير رواندا، اللتين تعدان أساس اشتعال النزاع في الكونغو»، مؤكداً أن «العقوبات لن تكون وحدها دافعاً للتفاهم، بل أداة من الأدوات التي يجب أن تتواصل فيها الضغوط لبحث إمكانية التوصل إلى سلام دائم».

وتواجه الكونغو الديمقراطية تمرداً مسلحاً عنيفاً منذ عدة سنوات؛ إذ يواجه الجيش في شرق البلاد تحالفاً يضم حركة «23 مارس» و«تحالف القوى الديمقراطية». وتسعى «23 مارس» إلى توسيع نفوذها والسيطرة على الحكم، وهي تُسيطر على مناطق محاذية لرواندا، وتُتهم كيغالي بدعمها، فيما يُعد «تحالف القوى الديمقراطية» جماعة مسلحة تنشط قرب الحدود الكونغولية - الأوغندية، ويرتبط بتنظيم «داعش».

وأعلنت الولايات المتحدة، أخيراً، فرض إجراءات إضافية لمواجهة التهديدات التي «تواجه الاستقرار والازدهار» في شرق الكونغو الديمقراطية، بفرض عقوبات على غوستاف كوبوايو، القيادي الاستخباري في القوات الديمقراطية لتحرير رواندا (FDLR)، وجون إيماني نزينزي، رئيس الاستخبارات في حركة «23 مارس» المدعومة من رواندا.

استمرار العنف

اتهمت واشنطن هذين القياديين، في بيان وزارة الخارجية الأميركية، مساء الثلاثاء بـ«ارتكاب أعمال عنف وعمليات قتل وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وهجمات على المدنيين في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا»، مؤكدةً أنها «ستواصل استخدام جميع الأدوات المتاحة لتعزيز الاستقرار الدائم في المنطقة».

وفي 30 أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن الولايات المتحدة ‌فرضت ‌عقوبات على الرئيس ‌السابق لجمهورية الكونغو الديمقراطية جوزيف كابيلا، لدوره في دعم حركة «23 مارس».

ولم تنجح الكونغو الديمقراطية في اقتناص سلام كامل بعد جولات في عام 2025، وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيسا رواندا بول كاغامي، والكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، قد وقّعوا في واشنطن، نهاية العام الماضي، اتفاقاً يعزز فرص السلام والتعاون الاقتصادي بينهما.

وجاء التوقيع بعد سلسلة تفاهمات أُبرمت في يونيو (حزيران) 2025، إضافةً إلى إطار عمل الدوحة لاتفاقية سلام شاملة، الذي وقّعته كينشاسا وحركة «23 مارس» في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) في قطر، استكمالاً لاتفاق في 19 يوليو (تموز) الماضي، فيما لم تسفر محادثات في 2026، كان آخرها في أبريل (نيسان) الماضي بسويسرا عن تقدم بعد.

أداة ضغط

وفقاً لتقديرات المحلل السياسي التشادي صالح إسحاق عيسى، فإن العقوبات الأميركية تمثل أداة ضغط سياسية واقتصادية مهمة، إذ تستهدف القيادات المتهمة بتأجيج الصراع أو دعمه، وتبعث برسالة مفادها أن المجتمع الدولي يراقب الانتهاكات ويحمّل المسؤولين عنها تبعات مباشرة.

وقد تسهم هذه الإجراءات، حسب عيسى في «تقييد حركة بعض الفاعلين المسلحين، والحد من مصادر تمويلهم، ورفع تكلفة الاستمرار في القتال»، مُستدركاً: «غير أن قدرة العقوبات على إنهاء النزاع تظل محدودة إذا لم تترافق مع مسار سياسي وأمني شامل». وأكد أن «الصراع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية يرتبط بتشابكات عرقية وأمنية وإقليمية معقدة، فضلاً عن التنافس على الموارد الطبيعية وضعف مؤسسات الدولة وانتشار الجماعات المسلحة. لذلك فإن العقوبات قد تدفع الأطراف نحو التفاوض أو تخفف من وتيرة التصعيد، لكنها لا تكفي وحدها لإرساء سلام دائم».

وتأتي هذه العقوبات مع استمرار النزاع المسلح، وسط أزمة صحية كبيرة تواجهها الكونغو بمنطقة الصراعات.

وأعلنت الحكومة في الكونغو الديمقراطية، الثلاثاء، إعادة فتح المطار الرئيسي في إقليم إيتوري شرق البلاد، بؤرة تفشي فيروس إيبولا، بعد إغلاق لمدة عشرة أيام لأسباب تتعلّق بالسلامة العامة.

جمود جهود السلام

لم تسجل فرص السلام أي تقدم خلال الأسابيع الماضية، رغم إعلان الجيش الكونغولي ومسؤول من المتمردين انسحاب تحالف «23 مارس» من عدّة مواقع رئيسية في مقاطعة كيفو الجنوبية، شرق الكونغو، وذلك نحو مواقع محاذية للحدود مع رواندا، وفق ما نقلته «رويترز» في 13 مايو (أيار) الماضي.

وعن ردود فعل المتمردين بعد العقوبات، أوضح الخبير في الشؤون الأفريقية أنه من الصعب الجزم بمسار واحد، لكن قراءة تجارب العقوبات السابقة على الجماعات المسلحة في شرق الكونغو تشير إلى ثلاثة احتمالات رئيسية بين التصعيد وإظهار عدم التأثر بالعقوبات أو إبداء مرونة سياسية أكبر إذا شعرت بأن العقوبات جزء من ضغط دولي وإقليمي متكامل، أو المزج بين الأمرين عبر استمرار التوترات والاشتباكات المحدودة على الأرض مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة.

ويخلص إلى أن العقوبات لن تؤدي وحدها إلى تهدئة فورية، وأنه غير مستبعد حدوث موجة تصعيد محدودة خلال الأشهر المقبلة، موضحاً «لكن استمرار الضغوط الدولية، قد يدفع الأطراف تدريجياً إلى تفضيل التفاوض على المواجهة».


ليبيا توسِّع الملاحقات الأمنية للمهاجرين غير النظاميين

الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)
الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)
TT

ليبيا توسِّع الملاحقات الأمنية للمهاجرين غير النظاميين

الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)
الأمن الليبي خلال دورية لملاحقة مهاجرين غير نظاميين (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية في شرق ليبيا)

وسّعت السلطات الليبية في شرق البلاد وغربها خلال الأيام الأخيرة إجراءاتها الأمنية والتنظيمية، الرامية إلى الحد من الهجرة غير النظامية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف الشعبية والرسمية من التداعيات الأمنية والديمغرافية للظاهرة، وسط رفض متزايد لأي مشاريع يُنظر إليها على أنها تمهيد لتوطين المهاجرين داخل البلاد.

وتواصلت الأربعاء في شرق ليبيا حملة أمنية واسعة النطاق، جرى خلالها ضبط مئات المهاجرين غير النظاميين، تنفيذاً لتعليمات أصدرها الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، تقضي باتخاذ إجراءات عاجلة لإنهاء مظاهر الوجود غير القانوني للأجانب في المناطق الخاضعة لسيطرة القيادة العامة.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصادر أمنية أن «الأجهزة المختصة تمكنت من ضبط أكثر من 2000 مهاجر غير نظامي في مدينة طبرق (شرق) خلال ثلاثة أيام، في إطار عمليات تفتيش ومداهمة، شملت عدداً من الأحياء والمواقع التي يشتبه في استخدامها لإيواء مهاجرين لا يحملون وثائق قانونية».

وحسب توجيهات صدام حفتر، فإن الحملة تركز على «ملاحقة وضبط المخالفين الذين لا يمتلكون وثائق رسمية، أو تصاريح إقامة أو عمل، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم وفق القوانين النافذة، تمهيداً لترحيلهم أو إحالتهم إلى الجهات المختصة».

كما أطلقت مديرية أمن البطنان، تحذيراً إلى ملاك العقارات ومؤجري المساكن من «إيواء أو تأجير وحدات سكنية لأجانب أو مهاجرين دون استيفاء الإجراءات القانونية المطلوبة»، متوعدةً بـ«اتخاذ تدابير صارمة بحق المخالفين، تشمل المساءلة القانونية واتخاذ إجراءات بحق العقارات، التي يثبت استخدامها لإيواء مقيمين بصورة غير مشروعة».

اجتماع وزيري الداخلية والعمل بحكومة «الوحدة» مع رئيس هيئة الرقابة الإدارية لبحث ملف الهجرة غير النظامية (حكومة الوحدة)

وفي درنة، أعلنت السلطات المحلية ضبط نحو 800 مهاجر غير قانوني، فيما أسفرت حملات نفذها «جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية» في البيضاء عن ضبط عدد من المهاجرين غير النظاميين من جنسيات مختلفة، بالإضافة إلى رصد حالات مصابة ببعض الأوبئة والأمراض، وفق بيان للجهاز، الأربعاء.

كما أعلنت مديرية أمن أجدابيا (شرق) مواصلة حملاتها الأمنية لضبط المهاجرين غير الشرعيين، مؤكدةً «وضع آليات تنظيمية وقانونية، تهدف إلى حصر المخالفين لقوانين الإقامة، وإحالتهم إلى الجهات المختصة لاستكمال إجراءات إعادتهم إلى بلدانهم عبر القنوات الرسمية».

وفي غرب ليبيا، تزامنت التحركات الأمنية مع مساعٍ حكومية لإعادة تنظيم ملف الهجرة والعمالة الأجنبية. وأعلنت حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس عن اجتماع موسع ضم وزيري الداخلية والعمل ورئيس هيئة الرقابة الإدارية، خُصص لبحث خطة وطنية متكاملة لمعالجة الملف.

وقالت «الوحدة» إن «الخطة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية تشمل: تعزيز أمن الحدود، وتنظيم العمالة الوافدة، وتفعيل برامج ترحيل المهاجرين غير النظاميين، مع التأكيد على رفض أي ترتيبات أو مقترحات تتعلق بتوطين المهاجرين داخل ليبيا، باعتبار أن ذلك يمس الأمن القومي للبلاد».

وفي إطار الإجراءات المحلية، فرضت «لجنة حصر وتنظيم أوضاع الأجانب في بلدية زوارة»، المدينة الساحلية الواقعة غرب ليبيا قرب الحدود التونسية، حظراً مؤقتاً على حركة وتجول الأجانب والمقيمين والزائرين خلال ساعات الليل، من الحادية عشرة مساءً حتى الخامسة صباحاً.

وأدرجت «اللجنة» هذا القرار في إطار «تدابير احترازية تهدف إلى حماية الأمن والسلامة العامة، والحد من المخاطر المرتبطة بالتجمعات والتحركات الليلية»، داعيةً أصحاب الشركات والمصانع إلى «إبلاغ العمالة الأجنبية بالقرار، والتأكد من حملهم الوثائق الثبوتية اللازمة».

تأتي هذه الإجراءات في وقت يشهد فيه الشارع الليبي تصاعداً ملحوظاً في حدة النقاش حول ملف الهجرة غير النظامية، مع ازدياد الأصوات التي تُحذر من انعكاساتها على الأوضاع الاقتصادية والأمنية والتركيبة السكانية للبلاد.

وأعلن ما يعرف بـ«حراك أبناء سوق الجمعة»، في بلدية سوق الجمعة، إحدى كبرى بلديات العاصمة طرابلس، رفضه المطلق لأي مشاريع لتوطين المهاجرين، داعياً السلطات إلى «اتخاذ خطوات حاسمة لمعالجة الملف». كما أصدر أهالي وأعيان عين زارة، الواقعة جنوب شرقي طرابلس، بيانات مماثلة حذروا فيها من مخاطر التوطين، مطالبين بتشديد الرقابة على الحدود ومكافحة شبكات تهريب البشر.

وتتزامن هذه التطورات مع دعوات لتنظيم احتجاجات شعبية، أخيراً، تحت شعار «الانتفاضة الكبرى ضد الهجرة غير الشرعية ومحاولات التوطين»، وسط مخاوف من أن تؤثر التحركات المرتقبة على عمل بعثة المفوضية الأممية لشؤون اللاجئين.

وتحدثت وسائل إعلام محلية، مساء الثلاثاء، عن رصد عمليات نقل وثائق ومعدات من مقر مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في منطقة السراج غرب العاصمة طرابلس، بالتزامن مع الاستعدادات للاحتجاجات المرتقبة، وهو ما أثار تساؤلات بشأن الإجراءات الاحترازية التي تتخذها المنظمة الدولية.

وكانت بعثة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين قد شددت، مساء الثلاثاء، على أن «عمل المفوضية في ليبيا يقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية، والحماية للفئات الأكثر هشاشة من اللاجئين والمهاجرين، نافيةً وجود أي دور للمنظمة في تنفيذ مشاريع لتوطين المهاجرين داخل البلاد، وفق بيان نقله إعلام محلي».

وأعادت التأكيد على موقفها بأن «الجهود الدولية تركز على إيجاد حلول دائمة، من خلال إعادة التوطين في دول ثالثة أو دعم برامج العودة الطوعية الآمنة إلى بلدان المنشأ»، مشيرةً إلى أنها «تمارس أنشطتها الإنسانية داخل ليبيا منذ عام 1991 بالتنسيق مع السلطات المختصة».

Your Premium trial has ended