هل جامعاتنا مستعدة لعصر الذكاء الاصطناعي؟

كيف ستعيد رسم مستقبل طلابها؟

الجامعة بين الأمس والغد... هل تواكب ثورة الذكاء الاصطناعي؟
الجامعة بين الأمس والغد... هل تواكب ثورة الذكاء الاصطناعي؟
TT

هل جامعاتنا مستعدة لعصر الذكاء الاصطناعي؟

الجامعة بين الأمس والغد... هل تواكب ثورة الذكاء الاصطناعي؟
الجامعة بين الأمس والغد... هل تواكب ثورة الذكاء الاصطناعي؟

ماذا لو حصل طالب جامعي اليوم على شهادة تؤهله لوظيفة قد تتغير جذرياً، أو ربما تختفي، قبل يوم تخرجه؟ لم يعد هذا السؤال افتراضاً عن مستقبل بعيد؛ فالسرعة التي يعيد بها الذكاء الاصطناعي تشكيل المهن والاقتصادات وأسواق العمل تضع الجامعات أمام تحدٍّ لم تعرفه بهذه الحدة من قبل: كيف نُعِدّ طالباً اليوم لعالم مهني لا نعرف تماماً كيف سيبدو عند تخرجه؟

حتى وقت قريب، كان الطالب يدخل قاعة المحاضرات ليكتسب المعرفة من أستاذه، ثم يقضي سنوات دراسته استعداداً لمهنة يمكن أن تبقى طبيعتها الأساسية مستقرة لعقود. أما اليوم، فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية جديدة تضاف إلى أدوات العمل؛ بل أصبح قوة تعيد تشكيل الطب والهندسة والقانون والإعلام والتعليم، وتغيّر معها ما يحتاج الإنسان إلى معرفته، وما ينبغي أن يكون قادراً على فعله.

وهنا يصبح السؤال أعمق من تحديث مختبر أو إضافة منصة رقمية. هل ما زالت الجامعة تُعِدّ الطالب للوظيفة التي سيجدها عند تخرجه؟ أم للوظيفة كما كانت عندما بدأ دراسته؟ فالاختبار الحقيقي للجامعة في عصر الذكاء الاصطناعي لن يكون في عدد التقنيات التي تمتلكها، بل في قدرتها على تخريج إنسان يستطيع التعلم والتكيف والتفكير واتخاذ القرار في عالم قد تتغير فيه المهارات بوتيرة أسرع من المناهج نفسها.

العالم يتغير... والجامعة مطالبة بالتغيّر

لم يعد الذكاء الاصطناعي موضوعاً يخص كليات علوم الحاسوب وحدها؛ فهو يدخل اليوم في عمل الطبيب والمهندس والمحامي والصيدلي والمعلم والإعلامي... من التشخيص الطبي والبحث العلمي إلى تحليل البيانات وصياغة الوثائق ودعم القرار.

ولذلك لم يعد السؤال: هل سيستخدم خريجو الجامعات الذكاء الاصطناعي؟ فالاستخدام بدأ بالفعل. السؤال الأهم هو: هل سيعرفون كيف يستخدمونه بكفاءة؟ وكيف يتحققون من مخرجاته؟ ومتى يثقون بها؟ ومتى يشككون فيها أو يرفضونها؟

وهنا يبدأ التحدي الحقيقي للجامعة؛ فالمسألة ليست إضافة مقرر جديد بعنوان «الذكاء الاصطناعي» إلى الخطة الدراسية، بل إعادة التفكير فيما ينبغي أن يعرفه الخريج، وما ينبغي أن يكون قادراً على فعله؛ ففي عالم تستطيع فيه الآلة الوصول إلى المعلومات وتوليد النصوص وتحليل كميات هائلة من البيانات، تتراجع قيمة الحفظ وحده، بينما ترتفع قيمة القدرة على طرح السؤال الصحيح، والتحقق من الإجابة، والتفكير النقدي، والحكم المهني، والأخلاقي.

إن الجامعة في عصر الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن تُخرّج طالباً يعرف كيف يستخدم الآلة فقط، بل تخرّج إنساناً يعرف متى يستخدمها، ومتى يشك فيها، ومتى يكون القرار قراره هو.

بين قاعات الأمس ومهارات الغد

رؤية 2030... والطموح الذي ينتظر الجامعات

وضعت المملكة العربية السعودية الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي في قلب طموحات «رؤية 2030»، بالتوازي مع مبادرات وطنية لتنمية القدرات البشرية وبناء اقتصاد معرفي قادر على المنافسة عالمياً. كما امتد الاهتمام بالذكاء الاصطناعي إلى مراحل التعليم العام، في إشارة واضحة إلى أن الاستعداد للمستقبل يبدأ قبل وصول الطالب إلى الجامعة وسوق العمل.

لكن كلما ارتفع الطموح الوطني، ارتفع معه سقف المسؤولية أمام الجامعات؛ فإذا وصل الطالب إلى الجامعة وهو يمتلك أساسيات التعامل مع الذكاء الاصطناعي، فما القيمة الجديدة التي ستضيفها سنوات التعليم الجامعي؟ هل ستنقله من مجرد استخدام الأدوات إلى فهمها ونقد مخرجاتها وتطبيقها والابتكار بها؟ أم سيظل جزء من التعليم قائماً على الحفظ واسترجاع المعلومات، في وقت أصبحت فيه الآلة قادرة على القيام بكثير من ذلك خلال ثوانٍ؟

وهنا يصبح التحدي أكبر من إدخال تقنية جديدة إلى قاعة المحاضرات؛ ففي التعليم العالي، لن يُقاس نجاح التحول بعدد أدوات الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها الجامعات، بل بقدرتها على تخريج كوادر تمتلك التفكير النقدي، والقدرة على الابتكار، والحكم المهني والأخلاقي، والمهارات اللازمة لقيادة عصر الذكاء الاصطناعي، لا الاكتفاء باستخدام أدواته.

ماذا تقول الدراسات؟

هذا التحدي ليس عربياً ولا سعودياً فقط، بل يشغل مؤسسات التعليم العالي حول العالم؛ فقد أكدت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) UNESCO، في إرشاداتها العالمية بشأن الذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم والبحث، ثم في استطلاعها الدولي لمؤسسات التعليم العالي، أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى الجامعات لم يعد مجرد مسألة تقنية... إنه يفرض إعادة التفكير في المناهج، وتدريب أعضاء هيئة التدريس، ووضع أطر أخلاقية واضحة لاستخدام هذه الأدوات. وأشارت المنظمة إلى أن معظم مؤسسات التعليم العالي إما وضعت بالفعل سياسات لاستخدام الذكاء الاصطناعي، أو تعمل على تطويرها، بالتوازي مع العمل على تحديد الكفاءات التي يحتاج إليها الطلاب وأعضاء هيئة التدريس.

لكن ماذا عن الجامعات السعودية؟

توصلت مراجعة علمية نُشرت عام 2025 في إحدى دوريات «سبرنغر نيتشر» (Springer Nature) إلى وجود فجوة في سرعة التنفيذ بين الطموحات التي رسمتها «رؤية 2030» ووتيرة التغيير داخل بعض مؤسسات التعليم، مشيرة إلى تحديات تشمل تحديث المناهج، وتأهيل أعضاء هيئة التدريس، وربط البرامج الأكاديمية بمتطلبات الاقتصاد المعرفي وسوق العمل المستقبلية.

ثم جاءت دراسة سعودية نُشرت عام 2026 لتضع المجهر بصورة أكثر مباشرة على المناهج نفسها. واستناداً إلى مقابلات مع أعضاء لجان المناهج والتخطيط والجودة في 7 جامعات سعودية، خلصت إلى الحاجة إلى دمج أكثر منهجية لمهارات ثقافة الذكاء الاصطناعي (AI Literacy)، والتفكير النقدي، وأخلاقيات استخدامه، بحيث تصبح هذه المهارات جزءاً من مخرجات التعلم في مختلف التخصصات، لا في علوم الحاسب وحدها.

لكن قراءة هذه النتائج باعتبارها دليلاً على «تأخر» الجامعات العربية ستكون قراءة غير دقيقة؛ فالمشكلة عالمية في جوهرها: التكنولوجيا تتغير بسرعة أكبر من الدورة التقليدية لتغيير المناهج الجامعية. وهنا تكمن الرسالة الأهم التي تجمع هذه الدراسات: التحدي لم يعد في كيفية إدخال الذكاء الاصطناعي إلى الجامعة، فقد دخل بالفعل؛ بل في إعادة تعريف ما يستحق أن يتعلمه الإنسان عندما أصبحت الآلة قادرة على أداء جزء متزايد مما كنا نعلّمه له.

المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي... بل في طريقة التعليم

إذا أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تلخيص الكتب، وكتابة التقارير، وتحليل البيانات، والإجابة عن كثير من أسئلة الامتحانات، فما الذي يجب أن تبقى الجامعة مسؤولة عن تعليمه؟

ربما تبدأ الإجابة من التمييز بين امتلاك المعلومة والقدرة على الحكم عليها؛ ففي عصر يستطيع فيه الطالب الوصول إلى إجابة خلال ثوانٍ، تتراجع قيمة التعليم القائم على استرجاع المعلومات وحده، بينما ترتفع قيمة القدرة على التحقق منها، وتحليلها، ومقارنتها بالأدلة، وفهم السياق الذي ستُستخدم فيه، ثم تحمل مسؤولية القرار المبني عليها.

ويصبح هذا الفرق أكثر وضوحاً في المهن التي قد يكون للخطأ فيها عواقب حقيقية؛ إذ إن قيمة الطبيب لا تكمن في تذكر أكبر قدر من المعلومات الطبية فحسب، بل في معرفة متى يمكن الوثوق بتوصية يقدمها الذكاء الاصطناعي، ومتى ينبغي التشكيك فيها، ومتى يجب رفضها حفاظاً على سلامة المريض. وينطبق المبدأ نفسه على المهندس والمحامي والمعلم والإعلامي: الآلة قد تقدم إجابة، لكن الإنسان يظل مسؤولاً عن فهم معناها وعواقب استخدامها.

وهنا ربما ينبغي أن يتغير السؤال الذي تسأله الجامعة لطلابها؛ فبدلاً من أن تكتفي بالسؤال: «ماذا تعرف؟»، يصبح عليها أن تسأل أيضاً: «كيف عرفت؟ ولماذا تثق بهذه الإجابة؟ وماذا لو كانت خاطئة؟ وماذا ستفعل بها؟».

إن الجامعة التي ستنجح في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون التي تُخرّج طلاباً يعرفون استخدام أدواته فحسب؛ بل التي تُخرّج مهنيين قادرين على التفكير النقدي، والحكم المهني والأخلاقي، والابتكار، وتحمل مسؤولية القرار في عالم يتشارك فيه الإنسان والآلة إنتاج المعرفة.

ليست المشكلة في الذكاء الاصطناعي... بل في طريقة تعليمنا

الأستاذ الجامعي... هل انتهى دوره؟

كلما ازدادت قدرة الذكاء الاصطناعي على الشرح والإجابة وتوليد المحتوى، عاد السؤال نفسه: هل ما زلنا بحاجة إلى الأستاذ الجامعي؟ ربما يكون السؤال الأدق: إذا لم يعد الأستاذ المصدر الوحيد للمعلومة، فماذا سيصبح دوره؟

إن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يشرح مفهوماً، ويقترح مراجع، ويولد محتوى تعليمياً، بل ويقدم للطالب مساعدة شخصية متاحة في أي وقت. وهذا لا يلغي الأستاذ، لكنه يدفع دوره إلى التحول من ناقل للمعرفة إلى مهندس للتعلم. ولن تكون مهمة الأستاذ في الجامعة الجديدة أن يخبر الطالب بما يستطيع أن يجده خلال ثوانٍ، بل أن يصمم له مشكلات تستحق التفكير، ويضعه أمام أسئلة لا تملك إجابة واحدة، ويختبر قدرته على الدفاع عن رأيه، ومراجعة افتراضاته، والتعلم من الخطأ، والعمل مع الآخرين.

وهنا تتغير أيضاً وظيفة قاعة المحاضرات نفسها؛ فقد تصبح أقل اعتماداً على الاستماع والتلقين، وأكثر اعتماداً على النقاش، والحالات العملية، وحل المشكلات، والمشروعات التي تكشف ما إذا كان الطالب قد تعلّم فعلاً، أم أنه أصبح فقط أكثر براعة في الحصول على الإجابة من الآلة.

ولهذا، فإن الاستثمار في تطوير أعضاء هيئة التدريس لا يقل أهمية عن تحديث المناهج أو شراء أحدث التقنيات؛ فالجامعة لا تصبح «ذكية» لأنها تمتلك الذكاء الاصطناعي، بل عندما يعرف أساتذتها كيف يستخدمونه لصناعة طالب يفكر بصورة أفضل.

صورة 4

العالم يعيد تعريف الجامعة

ما يحدث ليس نقاشاً سعودياً أو عربياً فحسب؛ بل سؤال يشغل مستقبل التعليم العالي عالمياً؛ ففي تقرير «نظرة مستقبلية إلى التعليم الرقمي 2026» (OECD Digital Education Outlook 2026)، تطرح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) مفارقة بالغة الأهمية: قد يساعد الذكاء الاصطناعي الطالب في أداء المهمة بصورة أفضل، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه تعلّم بصورة أفضل.

فالطالب قد يكتب تقريراً أقوى، أو يصل إلى إجابة أسرع، أو ينجز واجباً أكثر إتقاناً بمساعدة الذكاء الاصطناعي؛ لكن جودة المنتج النهائي لا تكشف وحدها مقدار الفهم الذي تكوّن لديه. ولذلك يربط التقرير الاستفادة التعليمية الحقيقية من هذه الأدوات بكيفية تصميم التدريس والتقييم، بحيث يعززان التعلم والفهم، لا مجرد إنجاز المهمة.

وتسير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) UNESCO في الاتجاه نفسه؛ إذ تربط دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم بمقاربة تتمحور حول الإنسان، وتحمي الخصوصية والحقوق، وتعزز جودة التعليم وعدالته، بدلاً من التعامل مع التقنية بوصفها غاية في ذاتها.

وهنا يظهر ربما أصعب اختبار أمام الجامعة في عصر الذكاء الاصطناعي: كيف تعرف أن الطالب تعلّم فعلاً، لا أنه أصبح فقط أفضل في استخدام آلة تعرف كيف تجيب؟

إطلاق ميثاق عربي لجامعات عصر الذكاء الاصطناعي

ربما حان الوقت لأن ننتقل من السؤال إلى الفعل، عبر إطلاق ميثاق عربي لجامعات عصر الذكاء الاصطناعي؛ لا بوصفه وثيقة نظرية جديدة، بل بوصفه إطاراً عملياً يساعد الجامعات في الاستجابة لتحولات قد تكون أسرع من دورات تحديث المناهج التقليدية. ويمكن أن يبدأ الميثاق من سؤال بسيط تطرحه كل جامعة على نفسها: هل نُعلّم طلاب اليوم ما سيحتاجون إليه غداً؟

ومن هذا السؤال تنطلق مجموعة من الالتزامات العملية: مراجعة البرامج الأكاديمية بصورة دورية، وإدماج ثقافة الذكاء الاصطناعي وأخلاقياته في مختلف التخصصات، وتطوير قدرات أعضاء هيئة التدريس، وإعادة تصميم الامتحانات وأساليب التقييم، بحيث تكشف ما إذا كان الطالب يفكر ويفهم ويحل المشكلات، لا مدى قدرته على استرجاع المعلومات، أو الحصول على إجابة جاهزة من الآلة.

لكن الميثاق ينبغي أن يتجاوز حدود قاعة المحاضرات أيضاً؛ فالجامعات تحتاج إلى شراكات مستمرة مع المستشفيات وقطاعات الصناعة والتقنية وسوق العمل، حتى لا تكتشف بعد سنوات أن البرامج التي تُدرّسها تُعِدّ الطلاب لعالم مهني تغير بالفعل.

ولا يعني ذلك أن تتسابق الجامعات على شراء أحدث أدوات الذكاء الاصطناعي، أو أن تعيد كتابة مناهجها كلما ظهر نموذج جديد؛ فالمطلوب أعمق: بناء جامعة قادرة هي نفسها على التعلم والتكيف.

فالجامعات التي ستقود المستقبل لن تكون بالضرورة الأكثر إنفاقاً على الذكاء الاصطناعي، بل الأسرع في فهم ما غيّره، والأكثر قدرة على تغيير ما تعلّمه لطلابها استجابةً لذلك.

سؤال المستقبل

لم يعد السؤال: هل سيدخل الذكاء الاصطناعي جامعاتنا؟ فقد دخل بالفعل، وأصبح جزءاً من واقع التعليم العالي ومن العالم المهني الذي ينتظر خريجيها.

الذكاء الاصطناعي يساعد... لكن الإنسان هو من يقرر

السؤال الأصعب هو: هل ستنجح جامعاتنا في تخريج أطباء ومهندسين ومعلمين ومحامين وإعلاميين مستعدين لمهن يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيلها؟ أم ستواصل إعداد طلاب اليوم لوظائف الأمس؟

فالجامعة التي تعيد تعريف رسالتها اليوم لن يكون دورها أن تعلّم الطالب كيف ينافس الآلة في الأشياء التي أصبحت الآلة تجيدها؛ بل أن تنمي فيه ما يجعله أكثر قيمة في وجودها: القدرة على السؤال، والتحقق، والحكم، والإبداع، وتحمل المسؤولية.

وفي النهاية، ربما لا يكون الاختبار الحقيقي لجامعاتنا هو عدد أدوات الذكاء الاصطناعي التي أدخلتها إلى قاعاتها، ولا عدد المقررات التي تحمل اسمه. الاختبار الحقيقي هو: هل سيتخرج الطالب منها مستعداً لعالم تغيّر؟... أم حاملاً شهادة لعالم لم يعد موجوداً؟


مقالات ذات صلة

أسهم كوريا الجنوبية تتراجع مع هبوط شركات الرقائق قبيل نتائج «سامسونغ»

الاقتصاد متداول يتفاعل قرب شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» وسعر صرف الدولار مقابل الوون في غرفة تداول العملات الأجنبية بمقر بنك هانا بسيول (أ.ب)

أسهم كوريا الجنوبية تتراجع مع هبوط شركات الرقائق قبيل نتائج «سامسونغ»

تراجعت الأسهم الكورية الجنوبية، يوم الثلاثاء، مع استئناف التداول بعد عطلة طويلة، متأثرة بانخفاض أسهم شركات الرقائق.

«الشرق الأوسط» (سيول)
خاص مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)

خاص الصمود الرقمي... جاهزية سعودية لاستمرار الخدمات الحكومية

تستند الجاهزية الرقمية في السعودية إلى إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال، لضمان توافر الخدمات الحكومية ومواكبة المتغيرات والاحتياجات اليومية.

عبير حمدي (الرياض)
أوروبا رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني (د.ب.أ)

ميلوني تسعى لتسجيل صوتها علامة تجارية وسط مخاطر التزييف العميق بالذكاء الاصطناعي

تقدمت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني بطلب إلى مكتب الاتحاد الأوروبي للملكية الفكرية لتسجيل صوتها علامة تجارية، لحماية نفسها من مقاطع التزييف العميق.

«الشرق الأوسط» (روما )
أوروبا صحافي يجرب نظارة مزودة بالذكاء الاصطناعي في كاليفورنيا (أ.ب)

النرويج تقترح حظراً مؤقتاً على نظارات الذكاء الاصطناعي في أماكن عامة

أعلنت الحكومة النرويجية اليوم (الاثنين) أنها تعتزم اقتراح حظر مؤقت على استخدام النظارات المزودة بالذكاء الاصطناعي في بعض الأماكن العامة.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن )
تكنولوجيا إيلون ماسك خلال لقاء الرئيس ترمب في البيت الأبيض 29 سبتمبر 2026 (د.ب.أ) p-circle

إيلون ماسك يعتزم تغيير اسم شركته «سبيس إكس إيه آي»

يعتزم الملياردير في مجال التكنولوجيا إيلون ماسك تغيير اسم شركة الذكاء الاصطناعي التابعة له.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

دراسة حديثة: الدماغ البشري ليس عضواً واحداً بل اثنان!

من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)
من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)
TT

دراسة حديثة: الدماغ البشري ليس عضواً واحداً بل اثنان!

من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)
من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)

من المتفق عليه على نطاق واسع في علم الأعصاب والطب أن الدماغ البشري عضو واحد. ومع ذلك، تُظهر الأبحاث الحديثة التي قادتها كلية الطب بجامعة ستانفورد نتائج تتعارض مع هذا الاعتقاد العلمي الراسخ منذ فترة طويلة؛ إذ تشير دراسة جديدة نُشرت في مجلة «العلوم العصبية الطبيعية» إلى أن الدماغ البشري نشأ من عضوين منفصلين، وهو اكتشاف قد يؤثر على خيارات العلاج المستقبلية للأمراض التنكسية العصبية واضطرابات الدماغ، وفقاً لموقع «سايكولوجي توداي».

قاد هذه الدراسة كايل لوه، الأستاذ المشارك في جامعة ستانفورد، وأجراها المؤلفان كارولين دوندس وريان جوكهاي، إلى جانب فريق من الباحثين من جامعة ستانفورد، وجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، ومعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا بكاليفورنيا.

قد يجد الشخص العادي أن هذا أمر معقول، فمن المعروف أن المخ يتكون من نصفين؛ دماغ أيمن ودماغ أيسر. ومع ذلك، فإن هذين ليسا المنطقتين اللتين يشير إليهما الباحثون في هذه الدراسة. بدلاً من ذلك، فإن العضوين هما مزيج من الدماغ الأمامي والدماغ المتوسط يعملان كوحدة واحدة، والدماغ الخلفي.

في علم التشريح العصبي، يتكون الدماغ من ثلاث مناطق رئيسية: الدماغ الأمامي، والدماغ المتوسط، والدماغ الخلفي. يقع أكبر جزء من دماغ الإنسان البالغ، وهو الدماغ الأمامي، في الجزء الأمامي من الدماغ، ويحتوي على مناطق الوظائف المعرفية العليا مثل الاستدلال، والكلام، وإدارة الحركات الإرادية، والعواطف، والتكاثر، والأكل، والنوم، ودرجة حرارة الجسم. وتُعد اللوزة الدماغية والحصين والوطاء (تحت المهاد) والمهاد والجهاز الحوفي جميعها جزءاً من الدماغ الأمامي.

وتُعتبر القشرة الحديثة، الواقعة في الدماغ الأمامي، الجزء الأحدث من الدماغ، وتظهر إلى حد كبير في الثدييات.

الدماغ (د.ب.أ)

ويربط بين الدماغ الأمامي الكبير والدماغ الخلفي منطقة أصغر بكثير تُسمى الدماغ المتوسط، وهو ينظم الرؤية والمعالجة الحسية والمنعكسات الحركية. وفي الجزء الخلفي من الرأس يقع الدماغ الخلفي، وهو ينظم وظائف الجسم الأساسية مثل إيقاع التنفس والنوم والحركة ومعدل ضربات القلب.

ويشير مصطلح «جذع الدماغ» إلى الجزء من الدماغ الذي يربطه بالنخاع الشوكي، وهو مزيج من الدماغ المتوسط وأجزاء من الدماغ الخلفي، والجسر، والنخاع المستطيل.

حتى وقت قريب كان يُعتبر أقدم جزء من الدماغ البشري هو جزء الزواحف من الدماغ، والذي يشمل جذع الدماغ والمخيخ. وقد شاع مفهوم «الدماغ الزواحف» بفضل نظرية الدماغ الثلاثي التي قُدمت عام 1969 في سلسلة من المحاضرات ألقاها عالم الفسيولوجيا والطبيب النفسي في جامعة ييل بول ماكلين (1913 - 2007). وتقسم نظريته الدماغ البشري وفق ثلاثة خطوط من التطور المتميز: مركب الزواحف المكون من جذع الدماغ، ومركب الثدييات القديم المكون من الجهاز الحوفي، ومركب الثدييات الحديث المكون من القشرة الحديثة.

ومع ذلك، بدأت نظرية الدماغ الثلاثي تفقد قبولها. وهناك دراسة مختلفة، نُشرت في مجلة «ساينس» عام 2022 من قبل باحثين من معهد ماكس بلانك لأبحاث الدماغ، تدحض مفهوم وجود منطقة دماغية أقدم بعد اكتشاف مجموعة من الخلايا العصبية المتشابهة بين الثدييات والسحالي، والموجودة في جميع أنحاء الدماغ، على الرغم من فترة 320 مليون سنة من التطور المنفصل.

كيف يتطور الدماغ؟

في هذه الدراسة الجديدة التي قادتها جامعة ستانفورد سعى الباحثون إلى فهم عملية تطور الدماغ وتحديد المرحلة التي تتمايز فيها مناطق الدماغ المختلفة، وتحديداً أرادوا معرفة ما إذا كان الدماغ بأكمله ينشأ من سلف واحد أم من عدة أسلاف.

والخلايا السلفية هي خلايا منقسمة يمكنها أن تتكاثر وتتمايز إلى أنواع مختلفة من الخلايا. وعلى عكس الخلايا الجذعية، فإن الخلايا السلفية مهيأة مسبقاً للتطور إلى نوع معين من الخلايا، ويمكنها تجديد نفسها عدداً محدوداً من المرات. أما الخلايا الجذعية فيمكنها التجدد إلى أجل غير مسمى، وهي قادرة على التمايز إلى مجموعة متنوعة من الخلايا.

أنشأ الفريق نموذجاً باستخدام الخلايا الجذعية البشرية متعددة القدرات (hPSCs) إلى جانب فئران المختبر. والخلايا الجذعية متعددة القدرات هي خلايا جذعية بالغة غير متمايزة تم تحفيزها لتكون أشبه بالخلايا الجذعية الجنينية.

وفي عام 2006 اكتشف شينيا ياماناكا طريقة الخلايا الجذعية المحفزة متعددة القدرات (iPSCs). وتمتلك هذه الخلايا الخاصة القدرة على التحول إلى أي نوع من الخلايا في جسم الإنسان، فضلاً عن تجديد نفسها.

واكتشفوا أنه أثناء تكوين المعيدة (مرحلة تكوين المعدة الجنينية)، ينشأ سلَفان دماغيان في الوقت نفسه وبالتوازي. وتكوين المعيدة هو المرحلة أثناء التطور الجنيني التي تحول الجنين من كرة مجوفة أحادية الطبقة من الخلايا، تُسمى الكيسة الأريمية، إلى معيدة متعددة الطبقات.

ويقدّر الباحثون أن عملية التطور المزدوج المتوازي هذه تعود إلى نحو 550 إلى 600 مليون سنة مضت، وأنها موجودة لدى العديد من الأنواع مثل الرئيسيات، والسمك المخطط، والفئران، والدجاج، وديدان البلوط.

وقد يكون هذا الاكتشاف محفزاً لتحول مهم في علم الأعصاب وعلم النفس والطب النفسي والطب. علاوة على ذلك، قد تؤدي القدرة على نمذجة خلايا عصبية وظيفية للدماغ الخلفي إلى تسريع تطوير علاجات جديدة لأمراض واضطرابات الدماغ في المستقبل.


هل يعرف الذكاء الاصطناعي أنه لا يعرف؟

ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية
ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية
TT

هل يعرف الذكاء الاصطناعي أنه لا يعرف؟

ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية
ما لا تستطيع البيانات وحدها أن تعلّمه... حين تتحدث الخبرة الإنسانية

على مدى عقود، قيس تقدم الذكاء الاصطناعي في الغالب بما يستطيع فعله: كم سؤالاً يجيب عنه؟ وكم صورة يستطيع تفسيرها؟ وما مدى دقته في التنبؤ أو التشخيص؟ لكن سؤالاً مختلفاً بدأ يفرض نفسه على الباحثين: هل يستطيع النظام أن يعرف متى لا تكون لديه إجابة موثوقة؟

المشكلة في الذكاء الاصطناعي ليست أن يخطئ فحسب، بل أن يقدم أحياناً إجابة خاطئة بثقة توحي بأنها صحيحة. وفي المجالات الحساسة كالطب، يصبح الفرق جوهرياً؛ إذ إن النظام الذي يستطيع الإشارة إلى عدم يقينه قد يكون أكثر أماناً من نظام يعطي إجابة حاسمة عندما لا تكون الأدلة كافية.

ولهذا، يحاول اتجاه بحثي متنامٍ تطوير نماذج لا تكتفي بإنتاج الإجابة، بل تستطيع أيضاً تقدير مدى الثقة بها والتعبير عن عدم اليقين عندما تتجاوز المسألة حدود ما تستطيع معرفته بصورة موثوقة. وهنا يتغير السؤال. فبدلاً من أن نسأل فقط: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يجيب؟ يصبح السؤال الأكثر إثارة: هل يستطيع أن يعرف حدود ما يعرف... ومتى ينبغي له أن يقول «لا أعلم»؟

ما وراء المعرفة... حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي معرفة حدود يقينه

من الذكاء إلى «ما وراء المعرفة»

• «ما وراء المعرفة». يطلق علماء الإدراك على قدرة الإنسان على التفكير في تفكيره وتقييم مدى ثقته بما يعرف اسم «الميتا معرفة» (Metacognition)، أو «ما وراء المعرفة». وهي التي تساعدنا على التمييز بين ما نعرفه بثقة، وما نرجحه، وما لا نملك عنه معلومات كافية.

وتظهر أهمية هذه القدرة بوضوح في الطب؛ فالطبيب الخبير لا يتميز بأنه يعرف الإجابة عن كل حالة، بل بأنه يدرك أيضاً متى لا تكفي الأدلة لاتخاذ قرار آمن؛ فيطلب فحصاً إضافياً، أو يعيد النظر في التشخيص، أو يستشير زميلاً قبل اتخاذ قرار قد يؤثر في حياة المريض. فمعرفة حدود اليقين جزء أساسي من الحكم السريري الرشيد.

واليوم، يحاول الباحثون بناء شيء يشبه هذه القدرة وظيفياً داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ ليس بأن تصبح الآلة واعية بما تعرفه، بل بأن تستطيع تقدير مدى موثوقية إجابتها، والتعبير عن عدم اليقين عندما لا تملك أساساً كافياً للإجابة بثقة.

وهنا تكمن الفكرة الجديدة: قد لا يكون الجيل الأكثر أماناً من الذكاء الاصطناعي هو الذي يجيب دائماً، بل الذي يستطيع أيضاً أن يتعرف على المواقف التي ينبغي فيها ألا يجيب بثقة.

• تعليم الآلة أن تقول: «لا أعلم». في دراسة بحثية نُشرت في 30 يونيو (حزيران) 2026 على منصة الأبحاث العلمية «arXiv»، طوّر فريق بقيادة الباحثة غابرييل كايلي ماي ليو إطاراً جديداً أطلق عليه «التعلّم المعزَّز بالتغذية الراجعة الميتا معرفية» (Reinforcement Learning with Metacognitive Feedback – RLMF)، بهدف معالجة مشكلة أساسية في النماذج اللغوية: أن تبدو واثقة من إجابتها حتى عندما تكون هذه الإجابة غير موثوقة.

ولا يعلّم هذا النهج الآلة «الوعي» بجهلها بالمعنى الإنساني، بل يدربها على تقدير أدائها بصورة أفضل ومواءمة مستوى الثقة الذي تعبّر عنه مع درجة عدم اليقين. وأظهرت التجارب أن هذا الأسلوب حسّن معايرة الثقة، وتفوّق على أساليب التعلم المعزز التقليدية بما يصل إلى 63 في المائة في بعض المقارنات، من دون التضحية بدقة الإجابات.

حين يعرف الذكاء الاصطناعي متى يتوقف... يبدأ دور الإنسان

ولم يبق السؤال محصوراً في دراسة واحدة؛ ففي 13 يوليو (تموز) 2026، نُشرت على «arXiv» مراجعة بحثية بعنوان Metacognition in LLMs: Foundations، Progress، and Opportunities، تناولت بصورة شاملة ما وصل إليه البحث في «الميتا معرفة» لدى النماذج اللغوية. وخلص الباحثون إلى أن المجال بدأ يطور طرقاً لقياس قدرة النماذج على مراقبة أدائها وتقدير عدم اليقين وتعديل سلوكها، لكن سؤالاً أساسياً ما زال مفتوحاً: متى، وكيف، وإلى أي مدى تستطيع هذه النماذج إظهار سلوك ميتا معرفي فعّال؟ وفي 15 أغسطس (آب) 2026، ظهر على «arXiv» بحث أحدث قدّم إثباتاً أولياً للمفهوم لإطار ميتا معرفي يجعل مجموعة من النماذج تراقب مؤشرات في أدائها، مثل احتمال صحة الإجابة ووجود معلومات متعارضة وتعقيد المشكلة، ثم تستخدم هذه الإشارات لتحديد ما إذا كانت المهمة تستدعي معالجة أكثر تدبراً. ولا يمثل ذلك بعدُ حلاً جاهزاً للاستخدام السريري، لكنه يكشف عن اتجاه البحث: ألا يكون الهدف فقط جعل النموذج أكثر قدرة على الإجابة، بل أكثر قدرة على تمييز الحالات التي لا تكفي فيها إجابته أو تحتاج إلى مزيد من التفكير والمعلومات.

وهنا تكمن أهمية التحول؛ فبدلاً من مكافأة النظام دائماً لأنه قدّم إجابة، قد يصبح أحد معايير جودة الذكاء الاصطناعي مستقبلاً قدرته على التوقف عندما لا تكفي الأدلة، أو طلب معلومات إضافية، أو الإفصاح عن عدم اليقين بدلاً من ملء الفراغ بإجابة واثقة.

• الثقة لا تقل أهمية عن الدقة. في الطب، لا تكفي الإجابة الصحيحة وحدها؛ فجزء أساسي من القرار السريري هو معرفة مدى قوة الأدلة التي تستند إليها، ودرجة الثقة التي تستحقها. فالطبيب الخبير قد يرجّح تشخيصاً معيناً، لكنه لا يتعامل مع كل الاحتمالات بالدرجة نفسها من اليقين. وقد يطلب تصويراً إضافياً أو تحليلاً مخبرياً، أو يستشير زميلاً، عندما يدرك أن المعلومات المتاحة لا تكفي لاتخاذ قرار آمن. وهنا لا يكون التردد ضعفاً في المعرفة، بل جزءاً من سلامة القرار الطبي.

حين يتعلّم الذكاء الاصطناعي أن يقول «لا أعلم»

وتواجه أنظمة الذكاء الاصطناعي مشكلة مشابهة، ولكن بصورة مختلفة؛ فقد ينتج النموذج إجابة صحيحة، وقد ينتج في أحيان أخرى معلومة غير صحيحة أو غير مدعومة، فيما يُعرف عادةً بـ«الهلوسة». والمشكلة الأكثر حساسية أن صياغة الإجابة قد تبدو واثقة ومقنعة حتى عندما تكون خاطئة.

ولهذا يميز الباحثون بين دقة الإجابة ومعايرة الثقة (confidence calibration)، فإذا قال النظام إنه واثق بنسبة مرتفعة، فهل تتوافق هذه الثقة فعلاً مع احتمال أن تكون إجابته صحيحة؟ وكلما اتسعت الفجوة بين الثقة والدقة، ازدادت احتمالات أن يثق المستخدم بإجابة لا تستحق هذه الثقة.

وفي الطب، تصبح هذه المسألة أكثر من مشكلة تقنية. فالنظام الآمن لا ينبغي أن يكون جيداً فقط في الحالات التي يعرفها، بل أن يكون قادراً أيضاً على رفع إشارة تحذير عندما تخرج الحالة عن نطاق موثوقيته، أو عندما لا تكفي المعلومات المتاحة لاتخاذ قرار.

الخبرة البشرية أعمق من البيانات

• ما لا تستطيع البيانات أن تعلّمه. لكن معرفة حدود الإجابة تفتح سؤالاً أعمق: هل كل ما يعرفه الإنسان يمكن تحويله أصلاً إلى بيانات وقواعد قابلة للتعلم؟

منذ قرون، انشغل الفلاسفة بطبيعة المعرفة وحدودها. ومن ابن رشد، الذي جعل للعقل والبرهان مكانة مركزية في النظر، إلى الفيلسوف والعالم مايكل بولاني الذي صاغ في القرن العشرين مفهوم «المعرفة الضمنية (Tacit Knowledge)»، واختصر فكرته بعبارته الشهيرة: «نعرف أكثر مما نستطيع أن نقول». فالخبرة المهنية لا تتكون من الكتب والمعلومات الصريحة وحدها. إنها تتشكل أيضاً من آلاف المواقف المتراكمة، ومن ملاحظة أنماط دقيقة قد يصبح الخبير قادراً على التقاطها قبل أن يستطيع شرح الأسباب التي قادته إليها بصورة كاملة.

قد يدخل طفل إلى قسم الطوارئ، وتبدو بعض قياساته الأولية ضمن الحدود المطمئنة، لكن طبيب الأطفال الخبير يلاحظ في مظهره أو سلوكه أو طريقة تنفسه شيئاً يدفعه إلى عدم الاطمئنان. وما نسميه أحياناً «الحدس السريري»، قد لا يكون حدساً غامضاً، بل حصيلة سنوات من التعرض لحالات وأنماط أصبحت جزءاً من الحكم المهني السريع.

وهنا يظهر تحدٍّ مختلف أمام الذكاء الاصطناعي؛ فالخوارزمية تستطيع التعلم من كميات هائلة من البيانات الممثلة رقمياً، لكن الخبرة البشرية تحتوي أيضاً على معرفة سياقية وضمنية يصعب أحياناً تدوينها وقياسها وتحويلها إلى بيانات تدريبية.

ولذلك، قد لا يكون السؤال فقط: كيف نعلّم الآلة مزيداً مما نعرف؟ بل أيضاً: كيف نعلّمها التعامل مع ما لم نستطع نحن أنفسنا تحويله إلى بيانات واضحة؟

• هل تعرف الآلة فعلاً حدود معرفتها؟ الإجابة حتى الآن: ليس بالمعنى الذي يعرف به الإنسان حدود معرفته؛ فالأبحاث الحديثة تشير إلى أن النماذج اللغوية يمكن تدريبها على تقدير درجة عدم اليقين في إجاباتها ومعايرة مستوى الثقة بها بصورة أفضل. لكن ذلك لا يعني أن النموذج أصبح واعياً بما يعرف وما يجهل، ولا أن تقديره لعدم اليقين يماثل إدراك الإنسان لحدود معرفته.

وهنا ينبغي التمييز بين نوعين مختلفين من «عدم المعرفة»؛ الأول عدم يقين يمكن تقديره حسابياً: كأن تكون الأدلة متعارضة، أو تكون احتمالات عدة إجابات متقاربة، أو تواجه الخوارزمية حالة تختلف عما تدربت عليه. وهذا هو المجال الذي تحاول تقنيات المعايرة والميتا معرفة الاصطناعية تحسينه.

أما المستوى الآخر فأكثر تعقيداً: المعرفة التي لم تدخل البيانات أصلاً، أو السياق الذي لم يُمثَّل فيها، أو الخبرة الضمنية التي يصعب تحويلها إلى أرقام وكلمات. وهنا لا تكفي زيادة ثقة النموذج أو خفضها؛ لأن النظام قد لا يمتلك أساساً ما يخبره بأن شيئاً مهماً غائب عن الصورة.

وهذا هو الفارق الجوهري: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح أفضل في تقدير عدم يقينه فيما يستطيع معالجته، لكن ذلك لا يعني أنه أصبح قادراً على إدراك جميع حدود المعرفة التي لم تصل إليه. وبصياغة أبسط: قد تتعلم الآلة أن تقول: «لا أعلم» عندما تشك في إجابتها، لكن التحدي الأصعب هو أن تعرف متى ينبغي لها أن تشك أصلاً.

• الإنسان يرى ما قد لا تراه الخوارزميات. من المرجح أن تصبح النماذج المستقبلية أفضل في تقدير عدم اليقين والتعبير عنه، وقد يكون هذا التطور في المجالات الحساسة، وفي مقدمتها الطب، مهماً بقدر تحسين الدقة نفسها. فالنظام الذي يعرف متى يخفض ثقته، أو يطلب معلومات إضافية، أو يحيل القرار إلى الإنسان، قد يكون أكثر أماناً من نظام يسعى إلى تقديم إجابة في كل مرة.

متى تكون «لا أعلم» الإجابة الأكثر أماناً... والخبرة البشرية أعمق من البيانات؟


من الجينات الغامضة إلى التشخيص المبكر... دور جديد للذكاء الاصطناعي

من الجينات الغامضة إلى التشخيص المبكر... دور جديد للذكاء الاصطناعي
TT

من الجينات الغامضة إلى التشخيص المبكر... دور جديد للذكاء الاصطناعي

من الجينات الغامضة إلى التشخيص المبكر... دور جديد للذكاء الاصطناعي

كشفت دراسة حديثة عن نموذج جديد يعتمد على التعلم الآلي قد يرفع دقة الفحوصات الجينية في أثناء الحمل، ويقلل حالة عدم اليقين التي تواجه الأسر عند اكتشاف تغيرات وراثية غير واضحة المعنى.

وطوّر باحثون في مستشفى الأطفال المرضى في كندا نموذجاً قادراً على تحويل علامات جينية محددة مستخرجة من عينات الدم إلى مؤشرات يمكن التعرف إليها في أنواع مختلفة من الأنسجة، بما فيها العينات المستخدمة في فحوصات ما قبل الولادة.

ويرى الباحثون أن هذه التقنية قد تمثل خطوة مهمة نحو تشخيص مبكر وأكثر دقة للأمراض الوراثية والاضطرابات النمائية العصبية لدى الأجنة، وتوفير معلومات أوضح للأطباء والأسر عند اتخاذ القرارات المتعلقة بصحة الطفل. ونُشرت الدراسة في مجلة «The American Journal of Human Genetics» في 6 أغسطس (آب) 2026.

«بصمات فوق جينية»

• عندما لا يعرف الأطباء معنى التغير الجيني. أتاحت التطورات الكبيرة في تقنيات قراءة الجينوم لعدد متزايد من الأسر إجراء فحوصات جينية في أثناء الحمل، والحصول على معلومات حول صحة الجنين، واحتمال ارتباط بعض التغيرات في الحمض النووي باضطرابات وراثية أو نمائية.

لكن هذه الفحوصات قد تكشف أحياناً عن تغيرات جينية لا يملك الأطباء أدلة كافية لتحديد طبيعتها. وتعرف هذه التغيرات باسم «متغيرات ذات أهمية غير مؤكدة» variants of uncertain significance (VUS)؛ إذ لا يمكن الجزم بسهولة بأنها ضارة أو حميدة.

وتشير الباحثة في علم الوراثة السريري الدكتورة روزانا ويكسبرغ، من علم الوراثة وبيولوجيا الجينوم معهد أبحاث مستشفى الأطفال المرضى في تورونتو، إلى أن نحو ثلث الحالات التي يظهر فيها تغير جيني جديد قد تترك الأطباء أمام سؤال صعب: هل يمثل هذا التغير خللاً مرضياً أم أنه مجرد اختلاف طبيعي في التطور؟ وتزداد المشكلة مع العدد الهائل من المتغيرات الجينية التي يصعب على المختصين تحليلها جميعاً بالطرق التقليدية.

• «بصمات» تكشف الأمراض. واستند الباحثون إلى مفهوم يعرف باسم «البصمات فوق الجينية» Episignatures وهي أنماط كيميائية مميزة تظهر على الحمض النووي، ويمكن أن تكشف عن وجود بعض الاضطرابات الوراثية. وفي عام 2020 طور مختبر الدكتورة روزانا ويكسبرغ منصة «EpigenCentral» التي تستخدم هذه البصمات المستخرجة من الدم لمساعدة الأطباء في تحديد ما إذا كان تغير جيني معين مرتبطاً بمرض أم لا.

وساعد الفريق حتى الآن في تحديد أكثر من 60 بصمة فوق جينية ثبتت فائدة معظمها في التشخيص السريري. لكن كانت هناك مشكلة رئيسية هي أن هذه البصمات كانت مرتبطة بنوع النسيج الذي أخذت منه العينة. فما يمكن التعرف إليه في الدم قد لا يعمل بالضرورة عند استخدام عينة من السائل الأمنيوسي أو المشيمة.

دور الذكاء الاصطناعي

• الذكاء الاصطناعي يتجاوز حاجز الأنسجة. وللتغلب على هذه المشكلة، طور الباحثون نموذجاً للتعلم الآلي يحول البصمات المستخرجة من الدم إلى بصمات مستقلة عن النسيج؛ أي يمكن التعرف إليها بغض النظر عن مصدر العينة.

ولاختبار النموذج أنشأ الفريق بصمة مرتبطة بمتلازمة داون Down syndrome باستخدام عينات من 266 شخصاً مصاباً بالمتلازمة، ثم درّب النموذج على بيانات متاحة لأكثر من 850 شخصاً من المصابين وغير المصابين، شملت ستة أنواع مختلفة من الأنسجة قبل الولادة وبعدها.

وأظهرت النتائج أن النموذج تمكن من التعرف بدقة على البصمة المرتبطة بمتلازمة داون في جميع أنواع الأنسجة التي جرى اختبارها. ويرى الباحثون أن هذه النتيجة تثبت إمكانية تحويل بصمة جينية مأخوذة من الدم إلى أداة يمكن استخدامها في عينات مختلفة، ما قد يجعلها مفيدة في مجال التشخيص أثناء الحمل.

• نحو فحوصات أقل تدخلاً. ولا تقتصر أهمية التقنية على عينات الحمل؛ إذ يأمل الباحثون في استخدامها مستقبلاً مع عينات يسهل الحصول عليها مثل اللعاب ومسحات الفم، ما قد يقلل الحاجة إلى سحب الدم أو الحصول على عينات أكثر تعقيداً.

وتقول الدكتورة سناء شوفاني، من نفس معهد أبحاث مستشفى الأطفال المرضى في كندا، التي شاركت في قيادة الدراسة، إن الهدف هو تزويد الأسر التي تواجه احتمال وجود اضطراب نمائي عصبي بأكبر قدر ممكن من المعلومات الدقيقة، وتقليل ما يعرف بـ«رحلة التشخيص» الطويلة التي يعيشها كثير من مرضى الأمراض النادرة.

ولا تزال التقنية بحاجة إلى مزيد من الدراسات قبل استخدامها على نطاق واسع في الممارسة السريرية، لكن الباحثين يرون أنها قد تمثل خطوة نحو تشخيص وراثي أكثر دقة وفي وقت أبكر بما يمنح الأسر والأطباء معلومات أوضح لاتخاذ القرارات المتعلقة بصحة الطفل.