علي الطاهر... المرتفع الذي عطّل أول محاولة لإطلاق الانسحاب الإسرائيلي

عقدة استراتيجية تتحكم بالنبطية والشقيف والمطلة

تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية استهدفت بلدة النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية استهدفت بلدة النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

علي الطاهر... المرتفع الذي عطّل أول محاولة لإطلاق الانسحاب الإسرائيلي

تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية استهدفت بلدة النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية استهدفت بلدة النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

أعاد الفيديو المتداول لرفع العلم الإسرائيلي فوق إحدى نقاط مرتفعات علي الطاهر، الثلاثاء، تسليط الضوء على أحد أهم المواقع الاستراتيجية في جنوب لبنان. فالمرتفع الذي يشرف على مدينة النبطية وكفرتبنيت، ويؤمن الإسناد المتبادل مع قلعة الشقيف، تحول إلى عقدة جيواستراتيجية. وبينما أثارت الصور المتداولة تساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل أحكمت سيطرتها على الموقع، يؤكد خبراء عسكريون أن الوصول إلى إحدى نقاط المرتفع لا يعني بالضرورة السيطرة العسكرية على كامل الجبل، الذي ظل محوراً للخلاف في المفاوضات بسبب موقعه الاستثنائي.

وترافقت هذه التطورات مع تصعيد ميداني في أكثر من منطقة؛ إذ ألقت مسيّرات إسرائيلية عدداً من القنابل الصوتية فوق بلدة حداثا في قضاء بنت جبيل، فيما حلّق الطيران الحربي الإسرائيلي على علو منخفض فوق منطقة البقاع وصولاً إلى مدينة بعلبك. وفي القطاع الغربي، أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأن الجيش الإسرائيلي سيّر دوريات مؤللة في عدد من القرى، تخللها إطلاق نار كثيف في محيط تحركاتها، بالتزامن مع مواصلة الطيران المسيّر الإسرائيلي تحليقه فوق الضاحية الجنوبية لبيروت.

صورة متداولة في لبنان لرفع العلم الإسرائيلي على تلّة علي الطاهر

رفع العلم لا يعني السيطرة

وقبل رفع العلم، الثلاثاء، كانت إسرائيل أعلنت في 26 يونيو (حزيران) الماضي أنها سيطرة على «علي الطاهر» قبل أن ينفي «حزب الله» هذا الأمر، مشدداً «على أنها لا تزال تحت سيطرة عناصر المقاومة، الذين يبسطون سيطرتهم عليها».

وفي هذا الإطار، أكد العميد المتقاعد بسام ياسين لـ«الشرق الأوسط» أن مرتفعات علي الطاهر تُعد من أبرز العقد الجغرافية والعسكرية في جنوب لبنان، نظراً إلى موقعها المشرف على مدينة النبطية ومحيطها، موضحاً أنها «تمتد من كفرتبنيت حتى كفررمان، وتشرف على مدينة النبطية من مختلف الجهات وعلى الطرق المؤدية إليها، كما تقابل قلعة الشقيف مباشرة، ولا يفصل بينهما سوى بلدة كفرتبنيت، ما يجعلها كتلة استراتيجية مقابلة للشقيف».

وأشار إلى أن إسرائيل «كانت تتمركز في علي الطاهر قبل عام 2000، حيث أقامت ثلاثة مواقع عسكرية على تلال علي الطاهر والدبشة وجبل الطهرة، وهو ما يفسر استمرار اهتمامها بالمنطقة وسعيها إلى إعادة فرض السيطرة عليها»

وأضاف: «يمتد جبل علي الطاهر لمسافة تقارب كيلومتراً ونصف كيلومتر، ويشرف على سهل كفررمان والمنطقة المقابلة لإقليم التفاح وصولاً إلى جبل الرفيع وجبل صافي وسجد، وهو ما يمنحه أهمية ميدانية واستراتيجية كبيرة».

ورأى ياسين أنه «في حال وصول القوات الإسرائيلية إلى أطراف المرتفعات، لا تستطيع الادعاء بأنها باتت تسيطر عليها»، موضحاً أن «وصول طائرة مسيّرة إلى أحد المواقع أو رفع علم فوق نقطة معينة لا يعني السيطرة العسكرية على المنطقة أو احتلالها».

وفيما يتردد عن وجود منشأة تحت الأرض في علي الطاهر، قال ياسين: «إذا كانت هذه المنشأة موجودة بالفعل، فهي تفسر تعرض المنطقة لمئات الغارات خلال العامين الماضيين؛ لأن الهدف الأساسي كان الوصول إلى هذه المنشأة. وتقول إسرائيل إن عناصر من ما زالوا موجودين داخلها، ولذلك تسعى إلى إحكام السيطرة عليها؛ لأنها لا تستطيع حسم هذا الأمر من الجو، فيما يتطلب الدخول إلى المنشأة والسيطرة عليها وقتاً وجهداً ميدانياً».

صورة تظهر آثار القصف على مرتفعي علي الطاهر والدبشة جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

شبكة مرتفعات تؤمن السيطرة بالنار

بدوره، قال العميد الركن المتقاعد فادي داود لـ«الشرق الأوسط» إن «علي الطاهر يشكل نقطة ارتكاز وإسناد لمرتفع الشقيف، فالموقعان يؤمنان الإسناد المتبادل، سواء عبر المراقبة البصرية أو السيطرة بالنيران، ويؤمن كل منهما حماية للآخر، بما يسمح بإحكام السيطرة على كامل المحيط».

وأضاف أن «المقصود بعلي الطاهر ليس مجرد قمة واحدة، بل هو جزء من جبل الطهرة الذي يضم ثلاثة مرتفعات رئيسية تمتد من الشمال إلى الجنوب، هي علي الطاهر، والدبشة، وراية الطاهر»، مشيراً إلى أن أعلى هذه القمم تقع في الجزء الجنوبي من الجبل، فيما تشكل القمم الثلاث كتلة جغرافية وعسكرية واحدة.

وأوضح أن الموقع «يشرف مباشرة على كفرتبنيت والنبطية، وله تأثير على محيط كفررمان»، لافتاً إلى أن «الإشراف على المستوطنات الإسرائيلية يتحقق أساساً من مرتفعات الشقيف والبفور، بينما يقوم علي الطاهر بتأمين وحماية مرتفع البفور وإسناده ضمن شبكة المرتفعات نفسها».

ولفت إلى أن أهمية الموقع «لا تتوقف عند الجغرافيا العسكرية»، مضيفاً: «لا أستطيع تأكيد هذه المعلومات عسكرياً، لكن هناك حديثاً متداولاً منذ سنوات عن منشآت كبيرة وغرف عمليات تحت الجبل، كما يجري تداول معلومات عن وجود خبراء أو ضباط إيرانيين أو عناصر ذات وزن عسكري داخل تلك المنشآت، إلا أن كل ذلك يبقى في إطار المعلومات غير المؤكدة التي لا يمكن الجزم بصحتها».

كما شرح البعد العملياتي للموقع، موضحاً أن «القوات القادمة من محور دار ميماس تعبر باتجاه قلعة الشقيف وأرنون، ومن هناك تتفرع الحركة على محورين: محور شرقي باتجاه علي الطاهر، ومحور غربي باتجاه النبطية وكفرتبنيت، الأمر الذي يجعل السيطرة على جبل الطاهر عاملاً أساسياً في التحكم بالمحاور المؤدية إلى هذه المنطقة، وفي تأمين الإشراف والمراقبة على مساحة واسعة».

تصاعد أعمدة الدخان جرّاء القصف على حرش علي الطاهر جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

مرتفعات غيّرت مسار المفاوضات

وبحسب معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط»، فإنه مع بدء المفاوضات العملية حول الانسحاب، طُرح أن يبدأ التنفيذ من منطقة كفرتبنيت وقلعة الشقيف الأثرية، بهدف إبعاد القوات الإسرائيلية عن مدينة النبطية بعدما أصبحت على تخومها غير أن الاقتراح اصطدم بإصرار إسرائيلي على الوصول إلى مرتفعات علي الطاهر، فتحولت إلى محور الخلاف الرئيسي في المفاوضات.

وجرت اتصالات مع الجانب الأميركي على أساس دخول الجيش اللبناني إلى المنطقة مقابل انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى ما بعد نهر الليطاني، فيما نُقلت الفكرة إلى «حزب الله» عبر وسطاء.

وبحسب المعلومات، وافقت إسرائيل على المقترح، إلا أن الحزب رفضه بعد طرح صيغة أولية تقضي بانتشار الجيش اللبناني من دون دخوله إلى المنشأة، فسقطت الفكرة، وانتقلت المفاوضات إلى خيار آخر تمثل في اعتماد مرحلة تجريبية في زوطر الغربية وفرون والغندورية، فيما بقيت منطقة علي الطاهر خارج أي تفاهم.

من موقع احتلال سابق إلى محور الصراع

تقع تلة علي الطاهر شمال نهر الليطاني بين بلدتي كفرتبنيت والنبطية الفوقا، على ارتفاع يقارب 600 متر فوق سطح البحر، وهي جزء من سلسلة مرتفعات تضم علي الطاهر والدبشة ورأس الطهرة.

وخلال الحرب الأخيرة، جاء التقدم الإسرائيلي نحو التلة استكمالاً للمسار الذي بدأ بالسيطرة على قلعة الشقيف، حيث تقدمت القوات من محيط مجرى نهر الليطاني قبل أن تفتح محورين باتجاه علي الطاهر، في مسار ينسجم مع طبيعة الأرض ويتيح الإشراف على المحاور المؤدية إلى النبطية.

ولا تنبع أهمية الموقع من دوره في العمليات الحالية فقط، بل أيضاً من تاريخه العسكري، إذ شكّل خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي للشريط الحدودي حتى عام 2000 أحد أبرز المواقع والتحصينات العسكرية الإسرائيلية، قبل أن يتحول بعد الانسحاب إلى هدف استراتيجي لـ«حزب الله».


مقالات ذات صلة

عون: الاعتداءات الإسرائيلية تعرقل إنهاء الحرب ولن يفاوض أحد عن لبنان

المشرق العربي الرئيس عون مستقبلاً وفداً من جمعية المصارف (الرئاسة اللبنانية)

عون: الاعتداءات الإسرائيلية تعرقل إنهاء الحرب ولن يفاوض أحد عن لبنان

أكد فيه الرئيس اللبناني جوزيف أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب تعرقل الجهود المبذولة لإنهاء الحرب

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لوحات إعلانية تحمل عبارة «لبنان يجمعنا» رفعت على الطريق المؤدي إلى المطار في بيروت وذلك بعد بدء وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» (إ.ب.أ)

صراع اللافتات والصور في لبنان… مرآة لموازين القوى

لم يعد انتشار اللافتات والصور والشعارات السياسية في لبنان، ولا سيما على طريق المطار، مجرد تعبير دعائي أو مناسبة احتفالية مرتبطة بمناسبة معينة.

بولا أسطيح (بيروت)
خاص عمال يزيلون أنقاض المباني التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

خاص الحرب تطيح ثلث وظائف القطاع الخاص في لبنان

أظهر مسح إحصائي دولي خسائر حادة في فرص العمل، وتراجعاً بالدخل، وازدياداً في انعدام الأمن الوظيفي بلبنان؛ جراء ما سببّته الأزمة القائمة والحرب من اضطرابات حادة.

علي زين الدين (بيروت)
شؤون إقليمية العلمان اللبناني (يمين) والإسرايلي يظهران عند نصب تذكاري بالقرب من الحدود الإسرائيلية- اللبنانية خارج المطلة بإسرائيل (رويترز) p-circle

إسرائيل: الجولة التالية من المحادثات مع لبنان ستُعقد الأسبوع المقبل في روما

أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر اليوم الثلاثاء أن الجولة التالية من المحادثات مع لبنان ستُعقد في روما الأسبوع المقبل.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي مسعفون وعناصر إنقاذ يعاينون السيارة التي استهدفت بغارة إسرائيلية في النبطية بجنوب لبنان وأدت إلى مقتل 4 أشخاص (أ.ف.ب)

هل تبدأ إسرائيل تسليم البلدات التجريبية إلى الجيش اللبناني؟

يتزامن الحديث عن استعداد إسرائيل لتسليم بلدتي فرون وزوطر الشرقية إلى الجيش اللبناني ضمن مرحلة تجريبية من تنفيذ اتفاق الإطار، مع استمرار عملياتها العسكرية.

صبحي أمهز (بيروت)

الشرع وماكرون يطلقان شراكة تدعم الاستثمار والإعمار

الرئيسان السوري والفرنسي في الجامع الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)
الرئيسان السوري والفرنسي في الجامع الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)
TT

الشرع وماكرون يطلقان شراكة تدعم الاستثمار والإعمار

الرئيسان السوري والفرنسي في الجامع الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)
الرئيسان السوري والفرنسي في الجامع الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)

أطلق الرئيس السوري أحمد الشرع ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي اختتم زياره رسمية إلى سوريا، أمس، شراكة جديدة بين البلدين تدعم الاستثمار وإعادة الإعمار. كما أشرفا على تشكيل لجان مشتركة وتوقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات للاستثمار في مجالات حيوية عدة.

وأعلن الشرع خلال مؤتمر صحافي مشترك مع ماكرون عن اتفاق البلدين على «بدء مسار تبادل السفراء المقيمين بين دمشق وباريس في أقرب وقت ممكن، إيذاناً بعودة العلاقات الدبلوماسية إلى طبيعتها الكاملة».

وكان الرئيس السوري قد استقبل نظيره الفرنسي في قصر الشعب الرئاسي، عقب سماع انفجارين قرب فندق «الفورسيزونز» حيث أمضى ماكرون ليلته.

وأكّدت الرئاسة الفرنسية أن ماكرون «بخير ويواصل زيارته إلى سوريا».

أما وزارة الداخلية السورية فأوضحت أن الانفجارين نجما عن عبوتين ناسفتين، مشيرة إلى أنها باشرت تحليل تسجيلات الكاميرات لكشف ملابسات التفجيرين.

وتحدث وزير الداخلية أنس خطاب عن إغلاق بعض الطرق ريثما تنتهي أعمال التأمين في محيط موقع الانفجارين.


من المستفيد من تفجيرات «دمشق» في مكان حساس وتوقيت حرج؟

فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)
فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)
TT

من المستفيد من تفجيرات «دمشق» في مكان حساس وتوقيت حرج؟

فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)
فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)

في مكان وزمان بالغ الحساسية والحرج للسلطات السورية، وقع انفجاران متتاليان على بعد نحو 10 كيلومترات من مقر إقامة الرئيس الفرنسي خلال زيارته إلى سوريا.

وقالت مصادر مقربة من الحكومة لـ«الشرق الأوسط» إن هناك أطرافاً كثيرة قد تكون مستفيدة من هذه العملية، وفي مقدمتها «الفلول» والمتضررون من التقارب الفرنسي ـ السوري. إلا أن مصادر أخرى متابعة رجّحت مسؤولية تنظيم «داعش» عن التفجير كون التنظيم ما زال التحدي الأمني الأبرز في سوريا.

وأصيب 18 شخصاً على الأقل، بينهم معاون وزير السياحة و4 من عناصر الشرطة، في انفجارين متتاليين قرب وزارة السياحة، في محيط فندق «الفورسيزونز» مقر إقامة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وجاء ذلك بعد أقل من أسبوع على انفجار وقع في مقهى للمحامين في محيط القصر العدلي، راح ضحيته 10 مدنيين، وأصيب نحو 20 آخرين.

وبحسب الخبير الأمني عبد الله النجار، تحمل هذه التفجيرات بصمات «فلول» النظام السابق، بهدف «إجهاض عملية العدالة الانتقالية، التي سوف تطولهم بالتأكيد، ولإظهار أن سوريا غير آمنة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «العبوات بدائية الصنع، ولا تستثني أحداً، سواء مدنيون أم عسكريون» وهي ترمي إلى إظهار غياب سيطرة أمنية جيدة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن «المعيار الأمني» في هذه التفجيرات «لا يشير إلى هشاشة أمنية»، ذلك لأنه يمكن لأي مجرم وضع عبوة ناسفة بدائية في حاوية قمامة، وأخرى في مركبة مركونة على جانب الطريق، كما حصل في تفجير الثلاثاء.

أفراد الأمن السوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق فورسيزونز بينما كان الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في القصر الرئاسي بدمشق الثلاثاء (أ.ب)

من جهته، قال المحلل السياسي والدبلوماسي السابق بسام بربندي، لـ«الشرق الأوسط»، إنه كلما ظهرت «إشارات جدية» على التعافي في سوريا، تظهر ردّات فعل من الأطراف المتضررة من تحسن الوضع في البلاد، وفي هذا تتلاقى مصالح الفلول وتنظيم «داعش» و«حزب الله» اللبناني وإيران وإسرائيل.

مع الأخذ بعين الاعتبار أن أعداداً كبيرة من العناصر الذين كانوا جزءاً من نظام القمع السابق ما زالوا يعيشون «بيننا وضمن طبقات عدة»، فإن الأمر الذي لا يمكن إغفاله، بحسب بربندي، أن مؤسسات الدولة ما تزال في طور التكوين، وعناصر الأجهزة الأمنية جدد، لم يكتسبوا بعد الخبرات والقدرة الكاملة على ضبط الأمن.

ولفت المحلل السياسي إلى أن حجم التفجيرات يشير إلى أمرين، إما أن المنفذ أفراد أو مجموعات متضررة، أو أنها «جهة قادرة على القيام بعمليات كبيرة، لكن هدفها ليس التدمير في بلد هو أساساً مدمر، وإنما إشاعة عدم استقرار في كل مكان في سوريا».

بربندي شدّد على وجود رغبة دولية في توطيد الاستقرار في سوريا، وعلى الأرجح سيزداد الدعم لبناء المؤسسات الأمنية، وعلى الصعيد الاقتصادي والاستثمارات الكبيرة، غالباً لن تتأثر كونها تستند إلى حسابات سياسية، في حين ستتأثر الاقتصادات المحلية والمشاريع الصغيرة.

أشخاص يلوحون بالعلم الفرنسي أمام الفندق الذي يقيم فيه الرئيس إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى دمشق (أ.ف.ب)

مصادر مقربة من الحكومة قالت لـ«الشرق الأوسط» إن هذا النوع من العبوات البدائية غالباً لا تلاحظها عمليات مسح المتفجرات، واستخدامها سياسياً أكثر منه أمنياً، لافتة إلى أن المعطيات الأولية تشير الى «الفلول» أكثر من تنظيم «داعش»، الذي يستهدف بالدرجة الأولى عناصر الأمن والعسكريين في الدولة، ومن يعتبرهم «مرتدين». كما أن ضربات التنظيم «لئيمة» جداً من حيث حجم الأضرار التي تحدثها، «إلا إذا غيّر التنظيم نهجه في العمليات بين ليلة وضحاها».

من جانبه، اعتبر الخبير الأمني ضياء قدور تلك الآراء تكهنات بسبب الأطراف المستفيدة من التفجيرات في هذا التوقيت الحساس والمحرج لسوريا إلى أبعد الحدود، إلا أنه «لا يمكن تغطية الشمس بغربال» من حيث إن تنظيم «داعش» ما زال هو «التحدي الأمني الأكبر والأبرز في سوريا».

وزير الداخلية السوري أنس خطاب يتفقد منطقة بالقرب من فندق فورسيزونز بعد انفجارين في دمشق بالقرب من فندق كان يقيم فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن التفجير المركب الذي حصل الثلاثاء يشبه الانفجار الذي وقع في منطقة باب شرقي بدمشق في مايو (أيار) الماضي، قرب أحد المباني التابعة لوزارة الدفاع، وأسفر عن مقتل عسكري وإصابة عدد من المدنيين، وقد تبناه تنظيم «داعش».

ورأى قدور أن الخطورة «لا تكمن بوجود خلية نشطة لتنظيم (داعش) متمرسة تعمل في قلب العاصمة وفي أكثر المناطق حساسية، وإنما أيضاً في أن هذه الخلية تعمل في الوقت الذي تريده وتستطيع أن تضرب وقتما تشاء»، رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها وزارة الداخلية لمكافحة التنظيمات الإرهابية، ولا سيما (داعش) الذي ينفذ عمليات نوعية، وأحياناً استباقية».

تصاعد العمليات مؤخراً أعطى صورة سلبية عن الاستقرار النسبي الذي عاشته سوريا خلال الفترة الماضية، وهذا ما يريده من يقف خلف هذه التفجيرات، بحسب قدور الذي دعا وزارة الداخلية والاستخبارات إلى «القيام بمراجعات مؤلمة وقاسية في أسلوب التعاطي مع التهديدات الأمنية، ووضع استراتيجية شاملة للقضاء على هذه التهديدات والحدّ منها».

وأعلنت وزارة الداخلية السورية أن «انفجارين وقعا قرب وزارة السياحة بدمشق، الأمر الذي أسفر عن إصابة 18 شخصاً، من بينهم 4 من عناصر الشرطة». وقالت الوزارة إن موقع الانفجار كان خارج النطاق الأمني لمقرّ إقامة الرئيس الفرنسي.

وشهدت شوارع العاصمة السورية إجراءات أمنية مشددة، شملت العديد من الأحياء، وتم إغلاق كثير من الطرق، بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق.


برلين: على لبنان التصدي لـ«حزب الله» وضمان الأمن لإسرائيل

مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب)
مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب)
TT

برلين: على لبنان التصدي لـ«حزب الله» وضمان الأمن لإسرائيل

مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب)
مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب)

حضّ وزير الخارجية الألماني، الثلاثاء، السلطات في لبنان على التصدي لـ«حزب الله» وإعادة بسط سيطرة الدولة على جنوب البلاد، حيث يخوض الحزب مواجهات مع القوات الإسرائيلية.

وخلال زيارة إلى القدس، أشاد يوهان فاديفول الذي سبق أن أبدى هذا العام تأييده للغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان، بالاتفاق الإطاري الذي تم التوصّل إليه بوساطة أميركية بين إسرائيل ولبنان، وأكّد دعم ألمانيا للخطوة التي وصفها بأنها مبادرة «تاريخية».

وشدّد فاديفول في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر على وجوب «تحلي لبنان بالعزم لبسط سلطته، وضمان عدم وجود أي سيطرة لـ(حزب الله) في جنوب لبنان».

ولفت إلى أنه يتعيّن على لبنان أن «يضمن خصوصاً ألا تتعرض إسرائيل لأي مخاطر انطلاقاً من الأراضي اللبنانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ودخل لبنان الحرب في الثاني من مارس (آذار)، بعدما أطلق الحزب صواريخ على إسرائيل، قال إنها رداً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في أولى الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).

وردّت إسرائيل بحملة واسعة من الغارات الجوية واجتياح بري وأصدرت إنذارات إخلاء متكررة على مدى أكثر من ثلاثة أشهر من القتال، ما أسفر عن مقتل نحو 4300 شخص ونزوح أكثر من مليون شخص، خصوصاً من جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية، وفق السلطات.

وقُتل في الجانب الإسرائيلي 38 جندياً ومتعاقد مدني.

ترحيب وتعهّد

ورحّب فاديفول بالمحادثات الجارية بوساطة أميركية بين إسرائيل ولبنان، والمقرّر أن تُستأنف في روما الأسبوع المقبل، وتعهّد توفير الدعم الأوروبي والألماني لهذا الحوار.

وقال: «إن الاتفاق الذي توصّلت إليه إسرائيل ولبنان يشكّل بارقة أمل للسكان على جانبي الحدود، الذين يعانون معاً من إرهاب (حزب الله)».

واعتبر أن المفاوضات التي يجريها لبنان وإسرائيل حالياً «خطوة تاريخية جرى التقليل من شأنها».

وتابع: «أعتقد أنه إذا أمكن دعم هذا المسار من جانب الأوروبيين، فإن إسرائيل ولبنان يمكنهما أن يعوّلا على الدعم الألماني في أي وقت».

وتطرّق فاديفول أيضاً إلى الوضع في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل. وقال: «في الضفة الغربية، يحتاج الفلسطينيون إلى أفق لمستقبل سياسي واقتصادي».

وحضّ وزير الخارجية الألماني إسرائيل على تحويل عائدات الضرائب والجمارك التي تحجبها عن السلطة الفلسطينية في رام الله، للحؤول دون انهيارها.

وقال: «إن السلطة الفلسطينية ليست مثالية، وهي بحاجة ماسة إلى الإصلاح. لكن إضعاف السلطة الفلسطينية لا يخدم أمن إسرائيل، بل يمكن أن يخلق فراغاً قد تملؤه قوى أخرى أكثر تطرفاً».

وحذّر فاديفول من أن استمرار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي يقوّض آفاق السلام. وقال: «لهذا السبب ننظر بقلق كبير إلى مواصلة بناء المستوطنات». وأضاف: «لا يمكن القبول دولياً بضم فعلي لأجزاء من الضفة الغربية، ولا ترى ألمانيا كيف يمكن أن يكون ذلك قانونياً».