جماعة الإخوان في الأردن إلى الحظر باعتبارها «غير مشروعة»

حزب «جبهة العمل» تحت الضغط على خلفية كشف خلية «مخطط الفوضى»

TT

جماعة الإخوان في الأردن إلى الحظر باعتبارها «غير مشروعة»

أحد مقار حزب «جبهة العمل الإسلامي» في الأردن (الموقع الرسمي للحزب)
أحد مقار حزب «جبهة العمل الإسلامي» في الأردن (الموقع الرسمي للحزب)

في حين تستمر تداعيات كشف أجهزة الأمن الأردنية خلية «مخطط الفوضى»، بحسب ما جاء في الإعلان الرسمي الخاص بتوقيف متشددين متهمين بتصنيع صواريخ ومسيّرات، يواصل الرسميون الأردنيون التزام الصمت فيما يخص تفسير أسباب عدم تطبيق القانون على جماعة الإخوان المسلمين غير المرخصة بقرار قضائي قطعي منذ عام 2020، لتستمر بنشاطاتها «السياسية» منذ ذلك التاريخ.

ويبقى سر «الاحتواء الناعم» للجماعة غير المرخصة لغزاً عند كثير من المحللين الذين لا يجدون سبباً لمسألة «المرونة» معها، لكنهم يلفتون إلى أن أعرافاً جديدة استقرت لدى بعض الطبقة السياسية الأردنية تقضي بالهروب من أي مواجهة لها مساس بالبعد الشعبي، حتى ولو كان ذلك على حساب تنفيذ أحكام قضائية قطعية. ومعلوم أن قانون العقوبات النافذ نص صراحة في الفقرة الثانية من المادة 159 منه، على أن أي جمعية «غير شرعية» قانونياً يترتب عليها عقوبات تصل إلى السجن، وهو ما لم يتم تطبيقه على جماعة الإخوان.

لكن سلوك الحكومة الحالية اختلف، كما يبدو، جذرياً بعد الكشف عن خلية «مخطط الفوضى» المدفوع من قوى خارجية، وهي خلية هددت الأمن الأردني هذه المرة بتصنيع صواريخ ومسيّرات موجهة للداخل الأردني وليس بهدف «دعم المقاومة في غزة».

ويبدو اليوم أن مؤسسات القرار في الأردن تنتظر الأحكام القضائية التي ستصدر عن محكمة أمن الدولة، صاحبة الاختصاص في قضايا مكافحة الإرهاب وكل ما يهدد الأمن الوطني. ولا تستعجل تلك المؤسسات البت في مسألة بحجم المواجهة مع الجماعة غير المرخصة، وذراعها السياسية حزب «جبهة العمل الإسلامي» الذي قد يُقحم نفسه بتصعيد في البرلمان أو الشارع.

أحد مقار حزب «جبهة العمل الإسلامي» في الأردن (الموقع الرسمي للحزب)

في الأثناء، تنشط غرف العمليات لدى مراكز القرار على أكثر من صعيد لمواجهة استحقاقات المرحلة المقبلة، وعلى رأسها استحقاق اعتبار جماعة الإخوان في الأردن «غير شرعية»، ما يتطلب وقف جميع نشاطاتها ومصادرة مقارها وممتلكاتها، واعتبار أي دعوة لنشاط سياسي أو فعاليات جماهيرية أو تصريحات صادرة عن شخصيات من الجامعة خاضعة لحكم القضاء وتحت طائلة تنفيذ قانون العقوبات وقانون منع الإرهاب.

في هذا السياق، تعمل مراكز قرار رسمية في البلاد على الفصل بين مساري الجماعة غير المرخصة وفق أحكام قانون الجمعيات وقانون العقوبات، ومسار ذراعها السياسية حزب «جبهة العمل الإسلامي» المرخص وفق أحكام قانون الأحزاب النافذ. على أن هذا الفصل الرسمي بين المسارين يعتمد على ما سيتكشف خلال جلسات المحكمة المتوقع أن تبدأ الأسبوع المقبل، كما أن الفصل قد يصطدم بتصعيد محتمل للحزب في الشارع وعلى منصاته للتواصل الاجتماعي، مما يضطر صنّاع القرار للمضي بتطبيق نصوص تفضي إلى حل الحزب، وكسر احتكار الجماعة والحزب لتمثيل الحركة الإسلامية في البلاد.

جلسة نيابية صاخبة... وخطاب ناعم

وأمام هجمة نيابية قادها نواب حزبيون ومستقلون، ردّ نواب حزب «جبهة العمل الإسلامي» بخطاب ناعم، مشبع بعبارات الحرص على أمن البلاد والوقوف أمام أي مؤامرة تهدد استقرار المملكة الأردنية ونظامها السياسي. غير أن جملة خطابات نواب الحزب لم تؤشر إلى إدانة صريحة للخلية التي تم إلقاء القبض على عناصرها الـ17، وأحيلوا على محكمة أمن الدولة.

وأظهرت كواليس الجلسة النيابية محاولات نواب محسوبين على الخط الرسمي تقديم خطاب يهاجم جماعة الإخوان المسلمين غير المرخصة، ضمن عبارات بعيدة عن التحريض المباشر لكنها مشبعة بالمطالبة بحظرها بصفتها جماعة غير مرخصة. لكن بعض النواب استخدموا عبارات قاسية واجهها نواب حزب «جبهة العمل» بالصمت وعدم التعليق المباشر.

وأفيد في هذا الإطار بأن رئيس مجلس النواب، أحمد الصفدي، سعى حتى ساعة متقدمة من فجر الاثنين إلى ضبط انفعالات نواب كانوا يخططون لمواجهة صعبة مع نواب الحزب الإسلامي في مجلس النواب والبالغ عددهم 31 نائباً. ولا يعني هذا الرقم انتساب جميع أعضاء كتلة «جبهة العمل» للحزب رسمياً، فهناك نواب نجحوا في الدوائر المحلية تحت يافطة الحزب لكنهم ليسوا أعضاء لا في حزب «الجبهة» ولا الجماعة، ومن هؤلاء النائب صالح العرموطي رئيس كتلة «جبهة العمل» النيابية في المجلس.

وجاء الخطاب الناعم لنواب حزب «جبهة العمل الإسلامي»، بعد وساطات بحثت عنها قيادات بارزة في صفوف الجماعة لترتيب لقاء يجمعها بمدير المخابرات العامة أحمد حسني، على أرضية توضيح موقف الجماعة «الرافض» لتشكيل تنظيم عسكري أو ميليشيات مسلحة، وذلك بحسب مصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط». ويأتي ذلك في وقت تتابع الجهات الأمنية الأردنية مع نظيرتها اللبنانية التحقيقات مع العناصر المرتبطة بعناصر الخلية التي تم الكشف عنها مؤخراً والرأس المدبر لها، علماً بأن التحقيقات كشف أن أفراداً في الخلية تدربوا في جنوب لبنان.

المرحلة المقبلة واستحقاقات مثقلة بالحسابات

وأكدت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن قراراً من أعلى المستويات صدر بضرورة الالتزام بأحكام القضاء بحق الخلية التي خططت لتهريب وتصنيع أسلحة وأعلن عناصرها، بحسب اعترافات لهم على شاشات الفضائيات المحلية، انتسابهم لجماعة الإخوان غير المرخصة في البلاد. وشددت المصادر ذاتها على أن احترام الحكم القضائي المنتظر بعد استكمال المراحل القضائية وفق درجات التقاضي لدى المحاكم، يُجذّر قاعدة «سيادة القانون» ومنع أي مماطلة في تنفيذ الأحكام القضائية.

الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية محمد المومني خلال إعلان تفاصيل القبض على خلايا إرهابية في عمّان الثلاثاء الماضي (بترا)

في الأثناء، قالت مصادر «الشرق الأوسط» إن خلية رسمية تعكف حالياً على تقييم التشريعات الناظمة للحياة السياسية، وعلى رأسها قانونا الانتخاب والأحزاب، الذي من المتوقع إدخال تعديلات جوهرية عليهما.

وتضمن التعديلات المتوقعة توافر شروط العدالة والتوازن في التمثيل السياسي تحت سقف البرلمان، وذلك بعد معالجات جذرية للصورة الحزبية التي تعثّرت في أولى تجاربها ضمن مرحلة التحديث السياسي التي تبناها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بعد توصيات قدمتها لجنة تمثّل أطياف الشارع الأردني سياسياً واجتماعياً وثقافياً.

وتقول المصادر ذاتها إن المزيد من التصعيد المرتقب سيرتبط بالقرار المتعلق بخصوص الإبقاء على نقابة المعلمين أو حلها، علماً بأن هذه النقابة خاضعة لسيطرة حزب «جبهة العمل الإسلامي». وينتمي آلاف من أعضاء النقابة لهذا الحزب، علماً بأن قراراً قضائياً صدر في يوليو (تموز) من عام 2020 بتعليق عمل نقابة المعلمين وإغلاق مقراتها كافة لمدة عامين. كما صدرت وقتها مذكرات استدعاء شملت النقيب سابقاً والنائب حالياً ناصر النواصرة وأعضاء المجلس، على خلفية قضايا منظورة لدى القضاء. وتطالب أصوات من داخل المؤسسات الرسمية في الأردن بالتريث ودراسة تعديل قانون نقابة المعلمين ليحصر الهيئة العامة بالمعلمين في الميدان فقط، وليس جميع الإداريين في وزارة التربية والتعليم الذين سبق لهم وأن مارسوا مهنة التعليم في الميدان.

ويبدو صيف عمّان في كل الأحوال ساخناً مع أحداث مرتقبة على رأسها استحقاق دراسة الإبقاء على مجلس النواب الحالي أو حله، والذهاب لانتخابات نيابية مبكرة بعد تعديل قانون الانتخاب، وهو واحد من السيناريوهات الموضوعة على طاولة القرار.

وثمة سيناريو آخر تتم دراسته مفاده بأنه في حال صدر أي حكم قضائي يتعلق بالوضع القانوني لحزب «جبهة العمل الإسلامي» والخروج الإجباري لنوابه في مجلس النواب، فإنه سيتم اللجوء لتعبئة المقاعد الشاغرة من الأسماء التي تلت نواب الحزب الفائزين من قوائم أخرى. لكن من سلبيات هذا السيناريو إقصاء تيار سياسي قد يُضاعف من رصيد شعبيته ليسيطر مجدداً على شريحة واسعة من الرأي العام الأردني.


مقالات ذات صلة

تضييق فرنسي جديد على «الإخوان» يُعمّق الحصار الغربي للتنظيم

شمال افريقيا مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

تضييق فرنسي جديد على «الإخوان» يُعمّق الحصار الغربي للتنظيم

جاء قرار القضاء الفرنسي بحظر إقامة مؤتمر يتبع «جماعة الإخوان المسلمين» في مدينة نانت تعميقاً للحصار الغربي على التنظيم المحظور في عدد من الدول.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي مقر الإخوان محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

«توصيف أميركي» يزيد الخناق على «الإخوان»

تواجه جماعة «الإخوان المسلمين» تضييقاً أميركياً جديداً، بعد أن ربطت واشنطن بينها وبين تنظيمات إرهابية مثل «القاعدة» و«داعش».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي من التصويت على التعديلات المقدمة من مجلس شورى «جبهة العمل الإسلامي» على النظام الأساسي واسم الحزب (حساب رسمي)

إسلاميو الأردن يبدلون الاسم أملاً بتوفيق الأوضاع

صوتت الهيئة العامة لحزب «جبهة العمل الإسلامي» على تغيير اسمه التاريخيّ الذي رُخّص بموجبه في عام 1992، واختيار اسم «حزب الأمة»، وذلك في فعاليات الجلسة.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
المشرق العربي إدارة الجلسة الاستثنائية للمؤتمر العام لـ«جبهة العمل الإسلامي» سابقاً في الأردن السبت لمناقشة التعديلات على النظام الأساسي واسم الحزب (حساب رسمي)

الأردن: «العمل الإسلامي» يخلع اسمه التاريخي ويتحوّل إلى «حزب الأمة»

غادر أقدمُ الأحزاب الأردنية؛ حزبُ «جبهة العمل الإسلامي»، اسمَه التاريخيَّ الذي رُخّص بموجبه في عام 1992.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
شمال افريقيا مقر جماعة «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

من واشنطن إلى أمستردام... قرارات الحظر تحاصر «الإخوان»

ضربات تتواصل لجماعة «الإخوان المحظورة» ما بين قرارات حظر أميركية لأفرع الجماعة بعدة بلدان، وصولاً لحراك برلماني في هولندا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

مقتدى الصدر يعلن دمج جناحه العسكري «سرايا السلام» في المؤسسات الحكومية العراقية

زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر (إعلام التيار)
زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر (إعلام التيار)
TT

مقتدى الصدر يعلن دمج جناحه العسكري «سرايا السلام» في المؤسسات الحكومية العراقية

زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر (إعلام التيار)
زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر (إعلام التيار)

أعلن زعيم التيار الشيعي في العراق، مقتدى الصدر، اليوم الأربعاء، دمج «سرايا السلام» في المؤسسات الحكومية العراقية.

وقال الصدر في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع): «انطلاقاً من المصلحة العامة للوطن، وتحاشياً للمخاطر المحدقة بالوطن، صار لزاماً علينا أن نعلن عن انفكاك (سرايا السلام) عن التيار الشيعي الوطني انفكاكاً تاماً، والتحاقه التحاقاً تاماً بالدولة وخضوعه المسؤول العام عن التشكيلات العسكرية على أن تتحول الجهات المدنية الملحقة بالسرايا إلى (البنيان المرصوص) وبلا أي مقار أو سلاح أو زي أو عنوان أو أي شيء آخر».

وأضاف: «لا يسعني في نهاية المطاف إلا أن أشكر التشكيلات العسكرية لـ(سرايا السلام) على كل (جهادها الأكبر والأصغر)، وأن يغفر لكل من لم يتلاءم مع ذوقنا الديني والعقائدي والاجتماعي إجمالاً».

ومن جانبه، ثمّن رئيس مجلس الوزراء، القائد العام للقوات المسلحة، علي فالح الزيدي، الموقف الذي أعلنه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر. وقال الزيدي، في بيان صحافي، إن هذه الخطوة تمثل، «مساراً مهماً لتعزيز الاستقرار الداخلي وترسيخ مبدأ حصر السلاح بيد الدولة ودعم الأجهزة الأمنية في أداء واجباتها الدستورية».

ودعا رئيس الوزراء، جميع الفصائل المسلحة إلى اتخاذ المسار ذاته والعمل تحت مظلة الدولة ومؤسساتها الرسمية، بما يضمن حماية العراق وصون سيادته وتعزيز الأمن والاستقرار، على أساس أن الدولة هي الجهة المخوّلة حصراً بحمل السلاح وإنفاذ القانون.

وشدّد الزيدي على أن المرحلة الحالية تتطلب توحيد الجهود وتغليب المصلحة الوطنية العليا، وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات الدستورية في إطار دولة قوية يسودها القانون.


موائد بلا لحم وأطفال دون ملابس جديدة... مظاهر الاحتفال بالعيد تغيب في غزة

فلسطينيون يؤدون صلاة عيد الأضحى بجوار أنقاض مسجد دمره القصف الإسرائيلي في خان يونس (أ.ب)
فلسطينيون يؤدون صلاة عيد الأضحى بجوار أنقاض مسجد دمره القصف الإسرائيلي في خان يونس (أ.ب)
TT

موائد بلا لحم وأطفال دون ملابس جديدة... مظاهر الاحتفال بالعيد تغيب في غزة

فلسطينيون يؤدون صلاة عيد الأضحى بجوار أنقاض مسجد دمره القصف الإسرائيلي في خان يونس (أ.ب)
فلسطينيون يؤدون صلاة عيد الأضحى بجوار أنقاض مسجد دمره القصف الإسرائيلي في خان يونس (أ.ب)

تغيب فرحة الاحتفال المعتادة بعيد الأضحى هذه السنة عن قطاع غزة الفقير الذي دمرته الحرب، إذ يعجز سكانه عن ابتياع الملابس الجديدة لأطفالهم، وعن شراء الأضاحي، لعدم توافرها أو لكونها باهظة الثمن، في حين تفتقر خيامهم إلى رائحة الكعك والحلويات المألوفة.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن نادية أبو شمالة (40 عاماً) النازحة من شمال قطاع غزة إلى مدينة دير البلح في وسطه قولها: «أخرج إلى السوق فقط لأتفرج ولا أستطيع شراء شيء لأنني عندما أسأل عن الأسعار أعود مكسورة الخاطر».

وتتابع: «يحلّ الأضحى هذا العام من دون أيٍّ من ملامح الفرح التي اعتدنا عليها في غزة، نظراً إلى آثار الحرب وإلى الغلاء الفاحش وعدم قدرتنا على توفير أبسط الاحتياجات لأطفالنا، وبالتالي الفرحة معدومة وأجواء العيد غائبة».

فتاة تحمل قطعة حلوى تقف بين فلسطينيين يؤدون صلاة عيد الأضحى في شارع متضرر بشدة من القصف الإسرائيلي جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأدى اتفاق الهدنة الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) إلى توقف القتال بشكل كبير بعد عامين من الحرب التي بدأت بعد هجوم «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023.

لكنّ الاتفاق لم يضع حداً نهائياً للعنف، إذ قُتل 871 فلسطينياً على الأقل منذ بدء الهدنة، وفقاً لوزارة الصحة في غزة التي تعمل تحت سلطة «حماس» وتعتبر الأمم المتحدة أن أرقامها موثوق بها.

فلسطينيون يزورون قبور أقاربهم في مقبرة بمدينة غزة في أول أيام عيد الأضحى (أ.ب)

ويرى أبو عبد الله المصدر (59 عاماً) من دير البلح أن «الهدنة كذبة كبيرة»، لكنه يضيف: «نحاول في كل الحالات أن نصنع الفرح للأطفال، وتَشارَكتُ مع شقيقي بشراء خروف الأضحية بـ13 ألف شيقل (نحو 5 آلاف دولار)».

ويتابع الرجل الذي كان يعمل في مجال العقارات: «أعرف أن السعر باهظ جداً، لكنني قررت أن أضحّي هذا العام، إذ لا توجد أي مظاهر للعيد، بل هو حزين».

شحّ الخراف

وشكّلت أسعار الخراف مفاجأة غير سارة بالنسبة لسكان القطاع، إذ يقول أحمد أبو سالم (50 عاماً) من مدينة غزة: «أسعار الأضاحي هذا العام صادمة، لم نتخيل يوماً أن يصل ثمن الواحدة إلى 4 آلاف أو 5 آلاف دولار. لم نرَ مثل هذه الأسعار طوال حياتنا».

وإذ يذكّر بأن «الناس كانوا يحرصون كل سنة على شراء الأضاحي»، يضيف بحسرة: «أصبحنا اليوم عاجزين حتى عن شراء كيلوغرام واحد من اللحم لأطفالنا».

ويشرح الناطق باسم وزارة الزراعة في غزة رأفت عسلية أن «أسعار الأضاحي تشهد ارتفاعاً غير مسبوق خلال هذا العيد، بسبب الغياب الكامل للاستيراد، ونفوق أعداد كبيرة من المواشي بسبب الحرب، وارتفاع تكاليف التربية والأعلاف والنقل».

ويلاحظ أن «سعر الخروف الذي كان يبلغ قبل الحرب نحو ألف شيقل، أصبح يتراوح راهنا بين 11 و15 ألف شيقل» (بين 3900 و5300 دولار).

ويقول أبو سالم: «بالكاد نوفّر الطعام اليومي، فما زلنا نعيش في خيام، والأسعار خيالية». ويشير إلى أن «ثمن طقم الملابس للطفل الواحد (قميص وبنطال) يتجاوز 100 دولار»، واصفاً هذا السعر بأنه «خيالي» بالنسبة له خصوصاً أنه أب لأربعة أطفال.

تجمع فلسطينيون بجوار أنقاض مسجد دمره القصف الإسرائيلي في خان يونس (أ.ب)

وتتفق معه سهام العمري البالغة 36 عاماً والنازحة من شمال قطاع غزة إلى دير البلح أيضاً، إذ تفتقد هي الأخرى فرحة العيد ومناخاته السابقة لأن «أسعار الملابس مرتفعة جداً، فثمن البنطال والقميص للولد الصغير يساوي موازنة الطعام لمدة أسبوع».

وتضيف المرأة التي تعيش في خيمة: «لا بهجة ولا رائحة كعك، فالهموم تطغى على كل بيت، والغلاء أنهكنا، والدجاج واللحوم غير متوافرة في الأسواق».

كعك في الخيام

أما أبو أحمد وافي (42 عاماً) وهو نازح من شرق مدينة خان يونس جنوب القطاع إلى غربها فيقول: «الأسواق تمتلئ بالكعك والمعمول والحلويات، كنا نعدها سابقاً في البيت، لكنّ الأسعار باتت مرتفعة جداً، ولا يوجد غاز للطهي حتى نخبزها في الخيمة».

لكن إحدى العائلات تدبرت إعداد كمية محدودة من الكعك والمعمول في خيمتها غرب خان يونس، إذ جلست الأم وابنتها على الأرض ووضعتا دوائر الكعك في صينية قبل أن يتولى رجل خَبزها في فرن من الطين.

فلسطينيون يؤدون صلاة عيد الأضحى (أ.ف.ب)

لكن نادية أبو شمالة التي تسكن في خيمة غرب دير البلح تقول بحسرة: «كنا ننتظر العيد من عام إلى عام حتى نأكل اللحم ونضحي مثل بقية الناس، ولكن لم يعد بمقدور من كان يضحي كل سنة أن يشتري ولو كمية محدودة من اللحم». وتضيف: «لا نزال نعيش في خيام، وسط الهموم والخوف والتعب، من دون أيّ من مظاهر الفرح التي عرفناها سابقاً».

وفقاً للأمم المتحدة، لا يزال نحو 1.7 مليون شخص من سكان قطاع غزة البالغ عددهم 2.2 مليون نسمة يعيشون في مخيمات نزوح غير مؤهلة، في ظل الدمار الذي لحق بمنازلهم. كذلك يخضع أكثر من نصف مساحة القطاع البالغة 365 كيلومتراً مربعاً للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.


31 قتيلاً في الغارات الإسرائيلية على لبنان

أشخاص يتفقدون الدمار بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور أمس (إ.ب.أ)
أشخاص يتفقدون الدمار بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور أمس (إ.ب.أ)
TT

31 قتيلاً في الغارات الإسرائيلية على لبنان

أشخاص يتفقدون الدمار بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور أمس (إ.ب.أ)
أشخاص يتفقدون الدمار بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور أمس (إ.ب.أ)

أعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان، الثلاثاء، أوقعت 31 قتيلاً، مع إعلان إسرائيل تكثيف هجماتها في البلاد، فيما أعلن «حزب الله» أنه يخوض اشتباكات مباشرة مع قوات اسرائيلية شمال نهر الليطاني.

وجاء في بيان لوزارة الصحة اللبنانية أن «العدو الإسرائيلي ارتكب في الغارات التي شنها في الساعات الأخيرة سلسلة مجازر أدت إلى 31 شهيداً و40 جريحاً».

ولفت البيان إلى مقتل 14 شخصاً في برج الشمالي قرب صور.

غارة إسرائيلية على بلدة رمادية في صور بجنوب لبنان أمس (رويترز)

واستهدفت غارات مدينة النبطية في جنوب لبنان أمس، بعيد إنذار إخلاء غير مسبوق للمدينة بأكملها، في حين أعلن الجيش الإسرائيلي توسيع نطاق عملياته البرية ضد «حزب الله» المدعوم من إيران، متجاوزاً «الخط الأصفر» الذي حدده في القرى التي يحتلها في جنوب لبنان.

وقال الجيش الإسرائيلي، في بيان أرسله رداً على سؤال من «وكالة الصحافة الفرنسية» ونسبه إلى مسؤول عسكري، إنه «يعمل بشكل موجّه خلف خط الدفاع الأمامي، بهدف القضاء على التهديدات المباشرة التي تخيم على مواطني دولة إسرائيل وعلى الجنود (...) وفقاً لتوجيهات من القيادة السياسية».

وأضاف المسؤول: «لا يمكن تقديم تفاصيل محددة بشأن مواقع الجنود».

أشخاص يتفقدون الدمار بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور أمس (إ.ب.أ)

وكانت القوات الإسرائيلية تعمل داخل ما يُسمى «الخط الأصفر»، حيث نفّذت عمليات هدم واسعة النطاق رغم سريان وقف لإطلاق النار منذ 17 أبريل (نيسان).

إلى ذلك، أعلن «حزب الله» اليوم (الأربعاء)، خوضه «اشتباكات مباشرة» في بلدة زوطر الشرقية الواقعة شمال مجرى نهر الليطاني على تخوم الخط الأصفر الذي حددته إسرائيل في جنوب لبنان، غداة إعلان الجيش الإسرائيلي توسيع نطاق عملياته البرية ضد الحزب.

وقال «حزب الله» في بيان، إن مقاتليه «اشتبكوا» صباح الأربعاء «مع قوّات العدوّ من مسافة صفر» في البلدة «بالأسلحة الخفيفة والمتوسّطة، وأجبروا العدوّ على التراجع ليعمد بعدها إلى تنفيذ أحزمة ناريّة في المنطقة».

وبشكل منفصل، أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأربعاء)، أن قذيفة أُطلقت من لبنان سقطت في منطقة مفتوحة داخل إسرائيل بعد دوي صفارات الإنذار في عدة مناطق بشمال إسرائيل، مشيراً إلى عدم وقوع إصابات.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توعّد، الاثنين، تكثيف «الضربات» في لبنان، بهدف «سحق (حزب الله)»، وسط تزايد الشكوك حول إمكانية إبرام اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

والاثنين، قال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، في منشور على منصة «إكس»: «حان الوقت كي يتخذ رئيس الحكومة موقفاً حازماً مع دونالد ترمب ويقول له إنّ إسرائيل ستستأنف الحرب في لبنان».

وأضاف: «يجب قطع الكهرباء عن لبنان، ويجب الاستيلاء على نهر الزهراني واستئناف القتال المكثف».

من جهته، شدّد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، في منشور على تطبيق «تلغرام»، على وجود «حاجة ملحّة إلى إنهاء التهديد الذي تشكله مسيّرات (حزب الله) المتفجّرة».

وأضاف: «مقابل كل مسيّرة متفجّرة، يجب أن تسقط 10 مبانٍ في بيروت».

صورة طفلة على الأرض بعد غارة إسرائيلية على مدينة صور أمس (إ.ب.أ)

والثلاثاء، حذّر الجيش الإسرائيلي سكان مدينة النبطية، وهي واحدة من كبرى مدن جنوب لبنان، بإخلائها كاملة والتوجه شمالاً، تمهيداً لشنّ ضربات ضدّ «حزب الله».

وجاء في إنذار وجّهه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي أفيخاي أدرعي إلى سكان مدينة النبطية: «حرصاً على سلامتكم عليكم إخلاء منازلكم فوراً والانتقال إلى شمال نهر الزهراني».

وأفاد مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في المدينة عن غارات في أعقاب الإنذار، وشاهد سحب دخان تتصاعد من مواقع مختلفة فيها.

وأوردت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية اللبنانية بأن غارة في محيط مستشفى «نبيه بري» الحكومي أدت إلى «إحداث أضرار كبيرة بأقسام المستشفى».

وتتعرّض المدينة شبه الخالية من السكان منذ بدء الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل في 2 مارس (آذار)، لضربات إسرائيلية متكررة لم تتوقّف حتى بعد بدء تنفيذ وقف إطلاق النار في 17 أبريل.

في غضون ذلك، تواصلت الغارات الإسرائيلية، الثلاثاء، حيث أفادت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية بوقوع ضربات على بلدات عدّة في مناطق متفرقة في جنوب لبنان وشرق لبنان، في حين حذّر الجيش الإسرائيلي سكان قريتَي مشغرة وسحمر في البقاع في شرق لبنان بإخلائهما كذلك.

وأدّت غارة على بلدة صريفا إلى مقتل مسعف من جمعية الرسالة التابعة لحركة أمل، حليفة «حزب الله»، وإصابة مسعفين آخرين بجروح وفق وزارة الصحة.

ومساء، أصدر الجيش الإسرائيلي إنذاراً بوجوب إخلاء 19 بلدة وقرية في جنوب لبنان، قبل توجيه ضربات، داعياً سكانها إلى الانتقال إلى شمال نهر الزهراني.

ولاحقاً، أصدر إنذاراً جديداً بوجوب إخلاء سبع بلدات وقرى جنوبية والانتقال إلى شمال نهر الزهراني.

دخان يتصاعد بعد ضربة إسرائيلية على كفر جوز بقضاء النبطية في جنوب لبنان أمس (رويترز)

وتزامناً مع التصعيد الإسرائيلي، أعلن «حزب الله»، في بيان، أن مقاتليه تصدوا، فجر الثلاثاء، «لقوّة إسرائيليّة مركّبة تقدّمت باتّجاه زوطر الشرقيّة بعد غارات حربيّة وقصف مدفعيّ عنيف طوال الفترة السابقة، بالأسلحة الصاروخيّة وقذائف المدفعيّة والمحلّقات الانقضاضيّة وبالاشتباك المباشر».

وأشار إلى تدمير دبابة صباحاً واستمرار «الاشتباكات» في البلدة التي تبعد نحو 10 كيلومترات عن الحدود وتقع على الضفة الشمالية لنهر الليطاني وتشرف على مدينة النبطية.

ورغم سريان وقف لإطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» منذ 17 أبريل، واصلت الدولة العبرية شنّ ضربات تقول إنها تستهدف الحزب ومنشآته، في حين تواصل قواتها احتلال قرى وعمليات تدمير ونسف للمنازل والمباني في جنوب لبنان. ويعلن «حزب الله» يومياً استهداف قوات إسرائيلية في جنوب لبنان وفي شمال إسرائيل.

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، أنه قصف خلال الليل «أكثر من 100 بنية تحتية» وعناصر تابعين لـ«حزب الله» في البقاع بشرق لبنان ومناطق مختلفة من جنوب لبنان، مضيفاً أنه استهدف في مشغرة «بنى تحتية رُصد منها نشاط لمخربي (حزب الله)».

وقال إنه ضرب «أكثر من 90 مستودعاً لوسائل قتالية، ومقرات قيادة، ومواقع رصد، وبنى تحتية» تابعة لـ«حزب الله» في جنوب لبنان.

وأعلن، في بيان ثانٍ، أنه اعترض، الثلاثاء، مسيّرات أطلقها «حزب الله» نحو الأراضي الإسرائيلية دون أن تتسبب بإصابات.

وأحصت وزارة الصحة اللبنانية حتى الاثنين مقتل 3213 شخصاً وجرح 9633 آخرين في لبنان جراء الضربات الإسرائيلية منذ بدء الحرب في 2 مارس.

وطالت الحرب في الشرق الأوسط لبنان بدءاً من الثاني من مارس، بعدما أطلق الحزب صواريخ على إسرائيل، رداً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، وتردّ إسرائيل مذاك بشنّ غارات واسعة النطاق على لبنان وتوغل قواتها في جنوبه.

وبموجب شروط اتفاق وقف إطلاق النار التي نشرتها واشنطن في أبريل، تحتفظ إسرائيل «بحقها في اتخاذ كل التدابير الضرورية للدفاع عن نفسها في أي وقت بمواجهة الهجمات المخطط لها والوشيكة والمتواصلة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended