مصر تجدد التمسك بـ«قوة عربية مشتركة»... وتحذّر من «فوضى شاملة»

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال الاجتماع الوزاري لمصر ودول مجلس التعاون الخليجي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال الاجتماع الوزاري لمصر ودول مجلس التعاون الخليجي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تجدد التمسك بـ«قوة عربية مشتركة»... وتحذّر من «فوضى شاملة»

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال الاجتماع الوزاري لمصر ودول مجلس التعاون الخليجي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال الاجتماع الوزاري لمصر ودول مجلس التعاون الخليجي (الخارجية المصرية)

شدَّدت مصر مجدداً على ضرورة تشكيل «قوة عربية مشتركة» قادرة على التعامل الفعّال مع التهديدات القائمة والمخاطر التي تواجه الدول العربية. وحذَّرت من «مخاطر اتساع رقعة الصراع في المنطقة واحتمالات الانزلاق نحو فوضى شاملة». وأكدت تضامنها مع دول الخليج ورفضها فرض أي ترتيبات أمنية إقليمية على الدول العربية، سواء من جانب دول إقليمية غير عربية، أو من أطراف خارج الإقليم.

التأكيدات المصرية جاءت خلال مشارَكة وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري المشترك الرابع لمصر ووزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، الذي عُقد افتراضياً مساء الخميس، وتحت رئاسة وزير الخارجية البحريني، عبد اللطيف بن راشد الزياني، رئيس الدورة الحالية للمجلس الوزاري لمجلس التعاون، وبحضور الأمين العام للمجلس، جاسم محمد البديوي.

ووفق إفادة للمتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، تميم خلاف، الجمعة، فإن الوزير عبد العاطي أكد خلال الاجتماع «موقف مصر الراسخ والداعم بقوة لدول الخليج الشقيقة، والمتضامن معها في مواجهة الاعتداءات غير المقبولة وغير المُبرَّرة التي تعرَّضت لها من إيران خلال الأيام الماضية».

وشدَّد على «الرفض القاطع لأي ذرائع تستهدف المساس بسيادة أو مقدرات دول الخليج والأردن والعراق، الشقيقة»، مؤكداً أن «أمن دول الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي، ومصر تقف إلى جانب أشقائها في هذا الظرف الإقليمي الدقيق».

كما شدَّد عبد العاطي على «الأهمية القصوى لخفض التصعيد، وتحقيق التهدئة، وتغليب المسار الدبلوماسي والحوار»، مؤكداً «أهمية ضمان حرية الملاحة البحرية الدولية»، معرباً عن «الرفض الكامل لأي محاولات لعرقلتها لما يمثله ذلك من تهديد مباشر لأمن واستقرار المنطقة وحركة التجارة العالمية».

وزير الخارجية المصري خلال مشاركته افتراضياً في الاجتماع الوزاري لمصر ودول مجلس التعاون الخليجي (الخارجية المصرية)

وبحسب المتحدث باسم وزارة الخارجية، فقد «جدَّد عبد العاطي الدعوة إلى تفعيل أطر الأمن القومي العربي والتعاون المشترك»، مشدداً على «أهمية الإسراع في اتخاذ خطوات عملية، واستحداث آليات جديدة لضمان أمن وسيادة الدول العربية، ومن بينها أمن وسيادة دول الخليج الشقيقة، بما في ذلك العمل على سرعة تفعيل معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لجامعة الدول العربية لعام 1950، وتشكيل قوة عربية مشتركة».

وكان عبد العاطي قد ذكر خلال اجتماع مجلس الوزراء المصري، الثلاثاء الماضي، أن «بلاده تقود حالياً مبادرات لتشكيل قوة عربية مشتركة تهدف إلى حماية الأمن القومي العربي»، وفق ما أوردت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية.

وثمّن وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي خلال اجتماعهم، مساء الخميس، «المواقف المبدئية القوية والداعمة لهم من جانب القيادة المصرية، خصوصاً إدانة القاهرة القاطعة للاعتداءات التي استهدفت دول الخليج، وإعلان مصر تضامنها التام ووقوفها إلى جانب دول الخليج في هذا الموقف الدقيق، وفي مواجهة تلك التهديدات. كما ثمّنوا مواقف مصر المستمرة إزاء دعم القضية الفلسطينية، مشيدين بالدور المحوري الذي تضطلع به مصر في دعم قضايا الأمة العربية، وتفعيل العمل العربي المشترك، وصون أمن واستقرار المنطقة في ظلِّ التحديات الراهنة».

وأضاف المتحدث باسم وزارة الخارجية، أن الوزراء تناولوا خلال الاجتماع مسار العلاقات المؤسسية بين مصر ومجلس التعاون الخليجي، «وثمنوا الطفرة النوعية التي تشهدها منذ توقيع مذكرة التفاهم للتشاور السياسي، واعتماد خطة العمل المشترك لسنوات 2024 - 2028 واستكمالاً للزخم الذي حقَّقه (منتدى التجارة والاستثمار المصري - الخليجي) الذي استضافته القاهرة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وتتويجاً لجهود التكامل الاقتصادي، والعمل على الارتقاء بتلك العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي تنعكس إيجابياً على التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري، بما يحقق المنفعة المشتركة لشعوب المنطقة».


مقالات ذات صلة

موريتانيا: الوزير الأول يعرض برنامج حكومته على البرلمان لنيل الثقة

شمال افريقيا الوزير الأول لدى وصوله إلى البرلمان صباح اليوم السبت (إعلام محلي)

موريتانيا: الوزير الأول يعرض برنامج حكومته على البرلمان لنيل الثقة

عرض الوزير الأول الموريتاني المختار ولد أجاي، اليوم (السبت)، أمام الجمعية الوطنية بيان السياسة العامة لحكومته الجديدة.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا الرئيس الموريتاني أعلن عن توجه حكومي لتحسين ظروف معيشة المواطنين (أ.ب)

الرئيس الموريتاني يتعهد حماية البلاد «من الفساد والمفسدين»

أكد الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني أن موارد البلد «ستُرشّد وتُحمى من الفساد والمفسدين»، بما يجعلها كافية لتحقيق تطلعات المواطنين.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
شمال افريقيا وزير الخارجية التونسي محمد علي النفطي (أ.ب)

تونس تتلقى دعماً فرنسياً لمراجعة اتفاق الشراكة مع «الأوروبي»

وزارة الخارجية التونسية تؤكد أنها تلقت دعماً فرنسياً لمطلبها بشأن مراجعة اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

موريتانيا تتمسك بـ«الحياد الإيجابي» في قضية الصحراء المغربية

جددت الحكومة الموريتانية، مساء (الأربعاء)، موقفها من قضية الصحراء القائم على ما سمته «الحياد الإيجابي»، وذلك بعد مغادرة بعثة الأمم المتحدة «المينورسو» الإقليم.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا الرئيس الموريتاني يستقبل وزير داخلية إسبانيا في القصر الرئاسي أمس (الرئاسة الموريتانية)

موريتانيا وإسبانيا لتعزيز التعاون في محاربة الجريمة العابرة للحدود

موريتانيا بحثت مع إسبانيا جهود تعزيز التعاون في مكافحة الهجرة غير القانونية والجريمة العابرة للحدود، في إطار التعاون مع موريتانيا والاتحاد الأوروبي.

الشيخ محمد (نواكشوط)

الأسعار في مصر صعدت مع الدولار... فهل تنخفض بتراجعه؟

موجة ارتفاعات في أسعار العديد من المنتجات الغذائية عقب ارتفاع الدولار في مصر (الشرق الأوسط)
موجة ارتفاعات في أسعار العديد من المنتجات الغذائية عقب ارتفاع الدولار في مصر (الشرق الأوسط)
TT

الأسعار في مصر صعدت مع الدولار... فهل تنخفض بتراجعه؟

موجة ارتفاعات في أسعار العديد من المنتجات الغذائية عقب ارتفاع الدولار في مصر (الشرق الأوسط)
موجة ارتفاعات في أسعار العديد من المنتجات الغذائية عقب ارتفاع الدولار في مصر (الشرق الأوسط)

أثار التعافي المحدود لسعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار تساؤلات بشأن انعكاس ذلك على أسعار السلع والمنتجات الغذائية التي شهدت ارتفاعاً في الآونة الأخيرة مع صعود الدولار.

لكن الانخفاض في سعر الدولار مقابل الجنيه لا يفترض بالضرورة تراجع الأسعار بنفس السرعة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، وأكدوا أن هناك عوامل عدة تتحكم في السوق وفي آلية التسعير.

ومع نهاية الأسبوع الماضي، استعاد الجنيه نحو 5 في المائة من قيمته، ليصل سعر الدولار إلى نحو 53.7 جنيه، بعد موجة من الارتفاع كسر فيها الدولار حاجز الـ56 جنيهاً. وجاء التعافي عقب قرار «البنك المركزي» المصري، في 29 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، رفع أسعار الفائدة بمقدار نقطة مئوية، إلى 20 في المائة للإيداع و21 في المائة للإقراض.

لكن التحسن في سعر الجنيه لم ينعكس على الأسعار، وسط شكاوى مستمرة من الغلاء، ووعود حكومية بضبط الأسواق وترشيد الإنفاق.

وخلال الأسابيع الماضية، ارتفعت في مصر أسعار السيارات والأجهزة الكهربائية وبعض السلع الغذائية إلى جانب أسعار بعض مكونات البناء، أبرزها الحديد.

وأرجع الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة السبب في عدم الانخفاض السريع للأسعار، إلى أن «التجار عادة ما يقيّمون السلع وفقاً لسعر صرف الدولار في العقود الآجلة، وهو في العادة أعلى من سعر الصرف الرسمي».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «التجار يقيّمون سعر السلعة على أعلى سعر صرف وصل إليه الدولار بهدف الحفاظ على استمرار مكسبهم ودورة رأس المال»، مشيراً إلى أن «انخفاض سعر صرف الدولار لا ينعكس بالضرورة على سعر السلع في الأسواق التي دخلت السوق بسعر صرف أعلى».

وأضاف أن «متوسط دورة رأس المال في بعض السلع يصل إلى ثلاثة أشهر، ما يعني أن سعر الصرف الجديد قد لا ينعكس على الأسواق قبل هذه المدة بفرض إقدام التجار على تخفيض الأسعار حال استمرار انخفاض الدولار مقابل الجنيه، وهو ما لا يحدث دائماً»، مستطرداً: «في كثير من الأحيان يحافظ التاجر على الأسعار ذاتها تحوطاً للمستقبل».

من وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

ولفت الخبير الاقتصادي الدكتور مدحت نافع إلى مقولة شائعة مفادها أن «الأسعار ترتفع بسرعة الصاروخ وتنخفض بسرعة الريش»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «آلية التسعير لا تعتمد على سعر الصرف الحالي، بل تنظر أيضاً إلى توقعات سعر الصرف في المستقبل».

وقال إن المتابع لسعر صرف الجنيه على مدار السنوات العشر الماضية سيجد أن «هناك خسارة دورية لقيمة الجنيه أمام الدولار مستقرة ومنتظمة تصل إلى نحو 17 في المائة سنوياً»، ما يعني أنه «حتى إذا تحسن سعر صرف الجنيه الآن، فإن التوقعات تشير إلى أنه سيعاود الانخفاض أمام الدولار، طالما استمر الوضع الذي تكون فيه احتياجات مصر الدولارية أكبر من قدرتها على الإنتاج والتصدير».

وأضاف أن «انعكاس انخفاض سعر الدولار على التسعير، تتطلب قياس عوامل عدة، من بينها دورة الإنتاج واستمرار الانخفاض وحدته»، مشيراً إلى أن «وتيرة انخفاض الدولار مقابل الجنيه عادة ما تكون أقل من وتيرة ارتفاعه».

ويتداخل الجدل حول الأسعار مع إعلان الحكومة تراجع التضخم، حيث انخفض معدل التضخم السنوي خلال أكتوبر إلى نحو 12 في المائة، مقابل 12.8 في المائة في سبتمبر (أيلول)، بحسب بيانات مجلس الوزراء المصري.

وأكد نافع أنه «من الصعب أن تنخفض الأسعار بمجرد ارتفاع الجنيه مقابل الدولار، فالأمر مرتبط بدرجة من التحوط للمستقبل؛ لأن التسعير مرتبط ببنود مختلفة وتكاليف إنتاج تتطلب من التاجر قدراً من الرشادة والتحوط للمستقبل، وحساب حجم الصدمة وارتداداتها في الأسواق».


غرب ليبيا يعوّل على دور القاهرة في احتواء الانقسام

الدبيبة ووزير الخارجية المصري خلال لقاء في طرابلس السبت (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الخارجية المصري خلال لقاء في طرابلس السبت (مكتب الدبيبة)
TT

غرب ليبيا يعوّل على دور القاهرة في احتواء الانقسام

الدبيبة ووزير الخارجية المصري خلال لقاء في طرابلس السبت (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الخارجية المصري خلال لقاء في طرابلس السبت (مكتب الدبيبة)

تجمع زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى العاصمة الليبية طرابلس، السبت، بين توسيع التعاون، وفتح قنوات للتشاور السياسي؛ في وقت تراهن فيه حكومة الوحدة «المؤقتة» على دور مصري يساعد في احتواء الانقسام الليبي.

وينظر مراقبون باهتمام بالغ إلى الزيارة، التي جاءت للمشاركة في أعمال الدورة الثانية والعشرين للمجلس التنفيذي لتجمع دول الساحل والصحراء، بوصفها الأولى لوزير خارجية مصري منذ 5 سنوات، حيث أجرى عبد العاطي محادثات مع رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة، لقيت اهتماماً من وسائل إعلام محلية في غرب البلاد وشرقها.

وحسب حكومة «الوحدة»، ركز اللقاء على توسيع آفاق الشراكة المصرية - الليبية، وتعزيز التشاور السياسي، بما يعكس رغبة طرابلس في الاستفادة من علاقات القاهرة مع مختلف الأطراف الليبية، ودعم المساعي الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين معسكري الشرق والغرب الليبيين.

وعلى هامش اللقاء، وقّع الجانبان مذكرة تفاهم للتعاون في المجال الصحي، بحضور وزير الصحة الليبي محمد الغوج ووزير الخارجية المصري. وتستهدف المذكرة تبادل الخبرات والإمكانات، وتوسيع الشراكة بين المؤسسات الصحية، بما يسهم في تطوير الخدمات الطبية، وتحسين مستوى الرعاية الصحية.

ولم تقتصر رسائل طرابلس على التعاون القطاعي؛ إذ أبدى الدبيبة انفتاحاً على دور مصري في معالجة الأزمة السياسية، مؤكداً أن «حكومته تعوّل على علاقاتها بالقاهرة في دعم وحدة البلاد»، في ظل استمرار الانقسام بين سلطتين تنفيذيتين في الشرق والغرب الليبيين.

الدبيبة ووزير الخارجية المصري خلال لقاء في طرابلس السبت (مكتب الدبيبة)

وفي تصريحات نقلتها قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، السبت، قال الدبيبة: «نعول على أصدقائنا وجيراننا وفي مقدمتهم مصر لدعم وحدة ليبيا»، مضيفاً: «لا نمانع أي تدخل إيجابي يصب في مصلحة ليبيا وشعبها»، كما أشار إلى جهود أممية ودولية تشارك فيها القاهرة لدعم المصالحة.

وتزامنت هذه الرسائل مع افتتاح عبد العاطي مقر السفارة المصرية في طرابلس، في خطوة تحمل دلالة دبلوماسية على مستوى التواصل المباشر بين البلدين. ويأتي ذلك بعد سنوات من تعطل الخدمات القنصلية، رغم استئناف البعثة الدبلوماسية نشاطها في العاصمة عام 2021.

وتعود آخر زيارة معلنة لوزير خارجية مصري إلى طرابلس قبل زيارة عبد العاطي إلى 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، حين شارك الوزير السابق سامح شكري في مؤتمر «دعم استقرار ليبيا»، والتقى مسؤولين، في تحرك ارتبط آنذاك بدعم المسار السياسي وإجراء الانتخابات.

ويرى المحلل السياسي حسام فنيش أن «الزيارة تمثل نقلة في مسار العلاقات بين القاهرة وطرابلس»، مبرزاً أنها «تبعث برسالة إلى الليبيين، مفادها أن مصر تسعى إلى بناء شراكة مع مختلف الأطراف، لا حصر علاقاتها في طرف سياسي أو جغرافي واحد بعينه».

تاريخياً، ارتبطت القاهرة بعلاقات وثيقة مع الجيش الوطني الليبي في شرق البلاد، بقيادة المشير خليفة حفتر، منذ إطلاق عملياته العسكرية عام 2014 ضد الجماعات المتطرفة، غير أن اتصالات مصر مع غرب ليبيا شهدت بدورها توسعاً خلال العامين الأخيرين، عبر لقاءات سياسية وأمنية متعددة.

وفي هذا السياق، استضافت القاهرة أخيراً اجتماعاً ضم قيادات عسكرية وممثلين عن تشكيلات مسلحة من غرب ليبيا، كما استقبل رئيس المخابرات المصرية، حسن رشاد، نائب وزير الدفاع بحكومة «الوحدة» عبد السلام الزوبي ضمن اتصالات، شملت ملفات أمنية وعسكرية.

ويرى وزير الخارجية المصري الأسبق، عضو مجلس الشيوخ محمد العرابي، أن زيارة عبد العاطي تندرج في إطار تحركات القاهرة لتقريب وجهات النظر بين شرق ليبيا وغربها، وصولاً إلى توحيد مؤسسات الدولة، في ظل استمرار الانقسام السياسي القائم.

وقال العرابي لـ«الشرق الأوسط» إن التحرك المصري يتكامل مع جهود الأمم المتحدة والمبادرات الدولية لتسوية الأزمة، مشيراً إلى أهمية آلية دول الجوار التي تضم مصر وتونس والجزائر، في دعم التوافق بين الأطراف الليبية، ودفع العملية السياسية قدماً فعلياً وبصورة ملموسة.

وربط العرابي هذا الاهتمام باعتبارات الأمن القومي المصري، قائلاً إن «القاهرة تتحرك انطلاقاً من حرصها على استقرار ليبيا، بوصفه جزءاً من أمنها القومي، إلى جانب العمل على الحد من التدخلات الأجنبية، ودعم تسوية تحفظ وحدة البلاد، ومؤسساتها الوطنية الموحدة المستقرة».

ملف ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا لم يغب عن محادثات زيارة وزير الخارجية المصري إلى طرابلس (الرئاسة التركية)

ولم يغب ملف ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا عن محادثات الزيارة، بعد موافقة مجلس النواب الليبي أخيراً على مذكرة التفاهم، الموقعة بين طرابلس وأنقرة عام 2019، وهي خطوة أثارت اعتراضات مصرية ويونانية وقبرصية وأوروبية في وقت سابق من جانب القاهرة.

وأعلن الدبيبة أن «اللجنة المشتركة الليبية - المصرية» ستجتمع لمناقشة ملف الحدود البحرية، وقال بهذا الخصوص: «من يمتلك خرائط يقدمها، وهذا أمر صحي أن نتحاور ونتناقش، أما القرارات الفردية والتعنت فلن يصل بنا إلى أي نتيجة تخدم مصالح البلدين المشتركة».

ويشير العرابي إلى أن القاهرة لديها رؤى بشأن تداعيات الخطوة البرلمانية الليبية، لافتاً إلى أن «حكومة الدبيبة أبدت تفهماً للشواغل المصرية، بما يتيح مناقشة الملف عبر القنوات المشتركة، بدلاً من ترك الخلافات تتسع في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية المتداخلة والمعنية».

قائد القوات التركية في ليبيا إلى جانب الدبيبة والحداد (الوحدة)

وانتهى وزير الخارجية المصري الأسبق إلى وصف ملف الحدود البحرية بأنه «متشعب»، لارتباطه بالحضور التركي في ليبيا، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، لكنه تحدث عن «وجود إرادة سياسية لمعالجة الخلافات، بما يحفظ المصالح المصرية والليبية، ويفتح المجال أمام تفاهمات أوسع مستقبلاً بين البلدين».


هل يخفف مقترح خفض رواتب الوزراء وكبار المسؤولين حدة الانتقادات بليبيا؟

وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين للمطالبة برفع الأجور (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين للمطالبة برفع الأجور (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
TT

هل يخفف مقترح خفض رواتب الوزراء وكبار المسؤولين حدة الانتقادات بليبيا؟

وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين للمطالبة برفع الأجور (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين للمطالبة برفع الأجور (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

أثار مقترح قدمته حكومة الوحدة «المؤقتة» بشأن تخفيض رواتب الوزراء وكبار المسؤولين في ليبيا انتقادات واسعة، في خطوة رأى مراقبون أنها «لم تبدد الغضب حول فجوات الأجور».

وتضمَّن المقترح الذي أعدته وزارة المالية تحديد سقف مقطوع لبعض كبار المسؤولين والوزراء، ورؤساء الهيئات السيادية والرقابية والقضائية، عند 9 آلاف دينار شهرياً.

لكن عدداً من المراقبين يرون أن «جوهر الاستياء لا يرتبط بحجم التخفيض وحده؛ بل بقناعة قطاع من الليبيين بأن شريحة من النُّخب وكبار المسؤولين لا تعتمد في مستوى معيشتها على الرواتب الرسمية؛ لأنها تستفيد أيضاً من امتيازات وبدلات ومخصصات إضافية».

ووفقاً لوزير الاقتصاد والتجارة السابق بحكومة «الوحدة»، محمد الحويج، فإن «صافي راتب الوزير يصل حالياً إلى 10 آلاف دينار شهرياً»؛ مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن بعض الوزراء «يضاعفون هذا الرقم عبر علاوات السفر والسكن والمهام الخارجية».

وتثير هذه الامتيازات تساؤلات حول قدرة خفض الراتب الأساسي على تقليص إجمالي مداخيل المسؤولين؛ خصوصاً في ظل تراجع القوة الشرائية للدينار، علماً بأن سعر صرف العملة يتفاوت بين السعر الرسمي البالغ نحو 6.40 دينار للدولار، و«السوق الموازية» التي يقترب فيها من 10 دنانير.

جلسة مجلس النواب الأسبوع الماضي تناولت مستجدات الإضرابات المطالبة برفع الرواتب (المكتب الإعلامي للمجلس)

ردود أفعال ساخرة

وأثار الحديث عن رواتب المسؤولين تعليقات ساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي؛ وفي هذا السياق تساءل الإعلامي الليبي أحمد السنوسي عن كيفية تعامل بعض الوزراء مع مقترح التخفيض، مبرزاً أن قطعة من ملابسهم أو أحذيتهم الفاخرة قد تصل قيمتها أحيانا إلى 900 يورو.

من جهته، توقف المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ عند قناعة الشارع، بأن «النخب لا تعتمد على رواتبها الرسمية»، معتبراً أن ذلك يفسر السخرية من التخفيض. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ما يحصل عليه هؤلاء من رواتب خلال سنوات لا يتناسب مع مستوى معيشتهم المرتفع، وبالتالي لن يكترثوا لأي قرار مالي».

ومن زاوية اقتصادية، رأى أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، علي الشريف، أن خفض الرواتب «ليس هيناً»، لافتاً إلى أن راتب رئيس المجلس الرئاسي ونائبيه قد يتراجع من نحو 25 ألف دينار إلى 9 آلاف دينار شهرياً.

لكن الشريف أشار إلى أن كبار المسؤولين «يمثلون في النهاية أقل من 2 في المائة من العاملين بالدولة»، معتبراً أن تقليص دخولهم لن يؤدي وحده إلى تحسن ملموس في الوضع الاقتصادي. كما حذر من تعويض التخفيض بالعلاوات، لافتاً إلى أن علاوة التمييز على الأداء لبعض الهيئات تصل إلى 70 في المائة.

حكومة الدبيبة قدمت مقترح خفض رواتب كبار المسؤولين بسبب فجوات الأجور بين العاملين في المؤسسات الحكومية (الوحدة)

في المقابل، انتقلت الانتقادات إلى الرواتب الأساسية المقترحة لبقية الموظفين؛ إذ حدد المقترح ألف دينار للدرجة الوظيفية الأولى، و1710 دنانير للدرجة الثامنة، وصولاً إلى 4912 ديناراً للدرجة السادسة عشرة، ما أعاد النقاش إلى مدى كفاية الأجور.

وانتقد الحويج هذه المستويات، معتبراً أن «الأجور لا تكفي الاحتياجات الضرورية؛ خصوصاً أن نحو 40 في المائة من السكان تحت خط الفقر»، لافتاً إلى أن الرواتب -وفق تقديره- تتراوح بين ما يعادل 100 دولار و430 دولاراً شهرياً.

وعزا المحلل السياسي حسام الدين العبدلي اعتراض الشارع على هذا الجدول المقترح إلى عدم تلبيته مطالب ذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «النقابات لم تركز على تخفيض رواتب النواب من 16 ألفاً إلى 9 آلاف دينار، بقدر تركيزها على الزيادة الضئيلة الممنوحة لها».

«الأزمة لا تكمن في راتب المسؤول»

من منظور أوسع، انتقد وزير الشؤون الاقتصادية السابق بحكومة «الوحدة» سلامة الغويل، اختزال معالجة ملف الأجور في «تخفيض رواتب الوزراء والنواب وسائر أركان السلطة، وإبراز تقليص الفارق بين دخولهم وعموم المواطنين».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «علاج الملف يتطلب برنامجاً متكاملاً للإصلاح الاقتصادي والإداري والاجتماعي يربط الأجر بالإنتاج، ومن قبل هذا وذاك معالجة الانقسام السياسي والحكومي، وما خلَّفه من تضخم في أعداد العاملين بالدولة».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومة «الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس غرباً، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد التي تدير الشرق وبعض مدن الجنوب، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

الحويج اعتبر أن «الأجور لا تكفي الاحتياجات الضرورية» للمواطنين الذين يشتكون من الغلاء المتواصل (أ.ف.ب)

ورغم عدم تأييده تضخُّم رواتب كبار المسؤولين، انتقد الغويل خفضها «بشكل غير مدروس، لا يراعي خصوصية المنصب ومتطلبات العمل العام»، مؤكداً أن «الأزمة لا تكمن في راتب المسؤول؛ بل في كيفية تحقيق الكرامة المعيشية للجميع».

وتكشف أرقام رسمية حجم العبء الذي يمثله بند الأجور في ميزانية الدولة الليبية؛ إذ استحوذت مرتبات نحو مليونين ومائتي ألف موظف خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري على نحو 60 مليار دينار، بما يعادل نحو 68 في المائة من إجمالي الإنفاق العام البالغ 88.6 مليار دينار.