اضطرابات الملاحة تُعيد رسم خريطة الشحن... والموانئ السعودية في الواجهة

«محطات بوابة البحر الأحمر» لـ«الشرق الأوسط»: الطلب على خدماتنا يرتفع 20 %... والوقود والتأمين يضاعفان الأعباء

المعرض المصاحب للمؤتمر السعودي البحري واللوجستي في جدة (الشرق الأوسط)
المعرض المصاحب للمؤتمر السعودي البحري واللوجستي في جدة (الشرق الأوسط)
TT

اضطرابات الملاحة تُعيد رسم خريطة الشحن... والموانئ السعودية في الواجهة

المعرض المصاحب للمؤتمر السعودي البحري واللوجستي في جدة (الشرق الأوسط)
المعرض المصاحب للمؤتمر السعودي البحري واللوجستي في جدة (الشرق الأوسط)

أعادت اضطرابات الملاحة في الشرق الأوسط رسم مسارات التجارة البحرية، مع اتجاه شركات الشحن إلى منافذ بديلة لتفادي الممرات والموانئ المتأثرة بالأزمة، ما عزّز الطلب على خدمات الموانئ السعودية، خصوصاً على الساحل الغربي. وبينما تتيح هذه التحولات فرصاً تشغيلية واستثمارية جديدة فإنها ترفع في المقابل تكلفة نقل البضائع، بفعل ارتفاع أسعار الوقود والتأمين وإطالة الرحلات وازدحام بعض الموانئ، وهي أعباء يتحمل جانباً منها المستوردون والمستهلكون.

وفي مؤشر على انعكاسات هذه التحولات، قال الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة «محطات بوابة البحر الأحمر»، بدر العتيبي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الطلب على خدمات الشركة ارتفع بنحو 20 في المائة منذ بداية عام 2026، مدفوعاً بزيادة حركة الشحن العابر وتحويل مسارات البضائع نتيجة الاضطرابات التي تشهدها بعض الممرات والموانئ الإقليمية.

وأضاف العتيبي أن الطلب يواصل تسجيل نمو متصاعد، مع توقعات باستمرار الزيادة خلال الفترة المقبلة، مشيراً إلى أن التوسعات السابقة وزيادة الطاقة الاستيعابية للموانئ السعودية على الساحل الغربي ساعدتا في استيعاب التدفقات الإضافية من السفن والحاويات، والحد من التأخيرات التشغيلية التي كان يمكن أن تصاحب التحول المفاجئ في حركة التجارة.

استثمارات جديدة لمواكبة تحولات الشحن

وكشف العتيبي عن استثمار نحو 200 مليون ريال (53.3 مليون دولار) لمواكبة المتغيرات التشغيلية والتحولات في مسارات الشحن، مؤكداً أن جاهزية الموانئ السعودية وتطوير مرافقها أسهما في التعامل مع زيادة حركة البضائع وتخفيف التحديات التي واجهت المستوردين والمصدرين، خصوصاً المرتبطة باضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز.

وأوضح أن الشركة نفّذت خلال مراحل سابقة استثمارات بلغت نحو 3.6 مليار ريال (960 مليون دولار). كما أشار إلى مشروعات بقيمة 1.6 مليار ريال (426.6 مليون دولار) في مرافق البضائع المتعددة، ومشروعات بالقيمة نفسها في محطة للحاويات بالشراكة مع جهة فرنسية، ضمن جهود تطوير البنية التحتية ورفع كفاءة المناولة والخدمات التشغيلية.

وفيما يتعلَّق بالتوسع المستقبلي، أفاد بأن الشركة تدرس فرص دخول أنشطة المستودعات والخدمات اللوجستية خارج الموانئ، وفق احتياجات السوق والجدوى الاستثمارية، فيما يتركز نشاطها الاستثماري حالياً على تطوير المحطات البحرية وتشغيلها.

الوقود والتأمين يرفعان تكلفة الشحن

في المقابل، قال الرئيس التنفيذي لشركة «فُلك البحرية» (Folk Maritime)، بول هيستبيك، لـ«الشرق الأوسط»، إن اضطرابات الملاحة رفعت تكاليف وقود السفن إلى 3 أمثال مستوياتها المعتادة في بعض الفترات، فيما تبلغ حالياً نحو ضعفين ونصف الضعف. كما ارتفعت تكاليف التأمين على السفن العاملة في المناطق عالية المخاطر إلى عدة أمثال مستوياتها المعتادة في بعض الحالات.

وأوضح هيستبيك أن تغيير مسارات الشحن فرض تعقيدات تشغيلية إضافية، بسبب ازدحام بعض الموانئ وإطالة الرحلات وإعادة توزيع السفن بين الخطوط الملاحية، وأدى ذلك إلى تراجع محدود في الطاقة التشغيلية الفعلية للشركة، فيما جاءت أحجام الشحن المنقولة منذ بداية العام أقل قليلاً من توقعاتها.

وأشار إلى أن الموانئ التي تستقبل شحنات إضافية نتيجة تغيير المسارات ليست بالضرورة مستفيدة على المدى الطويل، إذ قد تكون فقدت شحنات خلال أزمات سابقة عندما اتجهت حركة التجارة إلى منافذ أخرى، ما يجعل المكاسب الحالية مرتبطة باتجاهات الملاحة المتغيرة أكثر من ارتباطها بنمو مستدام في التجارة.

وقال هيستبيك إن أصحاب البضائع يتحملون جانباً كبيراً من التكلفة الإضافية، نتيجة إطالة زمن النقل، وتعقيد العمليات داخل الموانئ، وارتفاع نفقات الشحن والنقل البري المرتبط بالمسارات البديلة.

وأضاف أن بعض البضائع اتجهت إلى منافذ جديدة، من بينها موانئ في الإمارات وعُمان، قبل نقلها براً إلى وجهاتها النهائية. وأوضح أن حركة السفن تتبع في نهاية المطاف مسارات البضائع، الأمر الذي دفع الشركة إلى إعادة توزيع أسطولها استجابة للتغيرات في تدفقات التجارة.

وأكد أن «فُلك البحرية» تمكّنت من تمرير معظم الزيادات في تكاليف التشغيل إلى عملائها، ومن ثم إلى المستهلكين، مشيراً إلى أن ارتفاع الإيرادات ساعد في تغطية الأعباء الإضافية، والحفاظ على معدلات جيدة لاستخدام سفن الشركة.

وفي المقابل، ذكر العتيبي أن تكاليف النقل البري والخدمات اللوجستية داخل السعودية لم تشهد ارتفاعات ملحوظة، وظلّت ضمن مستويات معقولة، معتبراً أن التأثير الأكبر للأزمة تركّز في تكاليف الشحن البحري والتأمين.

وتعكس هذه التطورات تفاوت أثر اضطرابات الملاحة بين أطراف القطاع؛ إذ تستقطب بعض الموانئ تدفقات إضافية من البضائع، فيما تواجه شركات الشحن تكاليف تشغيل أعلى، ويتحمل المستوردون والمستهلكون جزءاً من الأعباء الناتجة عن تغيير المسارات وطول الرحلات. ولا تعني زيادة النشاط في بعض الموانئ بالضرورة ارتفاع إجمالي حركة التجارة الإقليمية، إذ قد تكون هذه الزيادة نتيجة إعادة توزيع الشحنات بين المنافذ.

خدمة جديدة وخطط لتوسيع الأسطول في 2027

وفي إطار التكيّف مع المتغيرات، كشف هيستبيك عن إطلاق خدمة ملاحية جديدة خلال العام الحالي تربط ميناء ينبع بموانئ في مصر والأردن. وأوضح أن الخدمة لا تزال في مرحلة التطوير، لكنها تُسجل مؤشرات مشجعة، ضمن توجه الشركة لتعزيز الربط بين موانئ البحر الأحمر وشبكتها الملاحية الدولية.

كما أعلن عن خطط لتوسيع أسطول سفن الحاويات خلال عام 2027 عبر الاستحواذ على سفن إضافية، رهناً بتوفر السفن بالمواصفات المطلوبة، بهدف دعم حركة التجارة بين شبه القارة الهندية والشرق الأوسط والخليج والبحر الأحمر.

وتوقع استمرار التحديات التي تواجه الملاحة خلال العام المقبل، في ظل عدم وضوح آفاق استقرار الأوضاع في مضيق هرمز والبحر الأحمر، مؤكداً أن ضمان وصول السلع الأساسية إلى السعودية يُمثل الأولوية القصوى للشركة.

وجاءت التصريحات على هامش المؤتمر السعودي البحري واللوجستي 2026، الذي انطلقت أعماله الأربعاء في جدة تحت رعاية وزير النقل والخدمات اللوجستية المهندس صالح الجاسر، بمشاركة قيادات شركات الشحن ومشغلي الموانئ والخدمات اللوجستية.

ويناقش المؤتمر تحولات المسارات التجارية وتنافسية الموانئ والاستثمارات في البنية التحتية البحرية، إلى جانب التحديات التي تواجه سلاسل الإمداد، في وقت تتجه فيه الشركات إلى تعزيز مرونة شبكاتها التشغيلية والاستثمار في قدرات جديدة لمواجهة التقلبات في التجارة الدولية.


مقالات ذات صلة

أمن الموانئ واستمرارية التجارة… معادلة جديدة للتنافسية السعودية

الاقتصاد جانب من الجلسة الحوارية بمشاركة البروفسور وحيد سامي أبو شنب (المؤتمر)

أمن الموانئ واستمرارية التجارة… معادلة جديدة للتنافسية السعودية

باتت استمرارية العمليات التجارية وحماية البنية التحتية من المخاطر الأمنية والسيبرانية عاملين حاسمين في تحديد كفاءة الموانئ وجاذبيتها لشركات الشحن العالمية

أسماء الغابري (جدة)
الاقتصاد لافتة أمام مقر شركة «إنفيديا» في سانتا كلارا بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

«هيوماين» و«إنفيديا» توسعان تعاونهما في السعودية بقدرة 84 ميغاواط

أعلنت شركتا «هيوماين» و«إنفيديا» توسيع تعاونهما الاستراتيجي لتطوير بنية تحتية للذكاء الاصطناعي بقدرة إجمالية مخطط لها تبلغ 84 ميغاواط.

الاقتصاد سفن في مضيق هرمز قرب شاطئ بندر عباس - إيران (رويترز)

سيناريوهات صندوق النقد الدولي: ماذا ينتظر اقتصادات المنطقة في 2027؟

وضع صندوق النقد الدولي سيناريوهات اقتصادية متعددة لقياس تداعيات اضطرابات إنتاج الطاقة والتجارة والصراع في المنطقة على النمو والتضخم وأسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مبنى البنك السعودي للاستثمار (الشركة)

«السعودي للاستثمار» يخفض أرباحه 2.2 % إلى 135 مليون دولار في الربع الثالث

تراجع صافي أرباح البنك السعودي للاستثمار بنسبة 2.2 في المائة خلال الربع الثالث من عام 2026، إلى 506.9 مليون ريال (135.17 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد طريق الملك فهد في العاصمة الرياض (واس)

صندوق النقد: الأنشطة غير النفطية تعزز قدرة الاقتصاد السعودي على مواجهة الاضطرابات

أظهرت توقعات صندوق النقد الدولي للاقتصاد السعودي آفاقاً واعدة للتعافي والنمو، رغم الضغوط التي تفرضها الاضطرابات الإقليمية على إنتاج الطاقة وحركة التجارة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الذهب يهبط لأدنى مستوى في أكثر من شهرين... والفضة تتراجع بنحو 5 %

صائغ مجوهرات يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)
صائغ مجوهرات يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)
TT

الذهب يهبط لأدنى مستوى في أكثر من شهرين... والفضة تتراجع بنحو 5 %

صائغ مجوهرات يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)
صائغ مجوهرات يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)

تراجعت أسعار الذهب والفضة، الخميس، مع تصاعد المخاوف من التضخم بفعل ارتفاع أسعار النفط، ما عزّز التوقعات ببقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وسط ترقب المستثمرين اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الأسبوع المقبل.

وفي أحدث التعاملات، تراجع الذهب بنحو 2 في المائة إلى 4063.86 دولار للأوقية، في حين هبطت الفضة بنحو 5 في المائة إلى 55.17 دولار للأوقية.

كان الذهب قد تراجع في المعاملات الفورية 1.4 في المائة إلى 4084.25 دولار للأوقية، بحلول الساعة 13:11 بتوقيت غرينتش، بعدما سجل أدنى مستوى له منذ الرابع من أغسطس (آب) الماضي، في وقت سابق من الجلسة. كما هبطت العقود الأميركية الآجلة للذهب، تسليم ديسمبر (كانون الأول)، 1.2 في المائة إلى 4100.30 دولار للأوقية.

وجاء تراجع المعدنين النفيسين مع صعود أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ مايو (أيار) الماضي، على أثر هجمات جديدة للحوثيين في السعودية، ما أثار مخاوف من اتساع نطاق التصعيد في الشرق الأوسط وزيادة الضغوط التضخمية.

قال ديفيد ميغر، مدير تداول المعادن لدى «هاي ريدج فيوتشرز»، إن ارتفاع أسعار الطاقة أدى إلى تنامي المخاوف بشأن الضغوط التضخمية، وهو ما عزز القلق من احتمال مواصلة مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي رفع أسعار الفائدة.

وعلى الرغم من أن الذهب يُعد تقليدياً أداة للتحوط من التضخم، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يقلّص جاذبيته؛ نظراً إلى أنه لا يدر عائداً.

وتعززت التوقعات بتشديد السياسة النقدية بعدما جاءت بيانات التضخم الاستهلاكي والإنتاجي في الولايات المتحدة، الأسبوع الماضي، أعلى من المتوقع، رغم استمرار التوقعات بأن يُبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير، خلال اجتماعه المقرر يوميْ 27 و28 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وتُظهر أداة «فيد ووتش»، التابعة لمجموعة «سي إم إي»، أن المتعاملين يُسعّرون احتمالاً يبلغ 86 في المائة لرفع أسعار الفائدة في ديسمبر. كما يترقب المستثمرون بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركية، المقرر صدورها في 29 أكتوبر؛ بحثاً عن مؤشرات إضافية بشأن مسار السياسة النقدية.


الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العمالة المصرفية

أحد فروع بنك «باركليز» أحد أكبر المصارف البريطانية (د.ب.أ)
أحد فروع بنك «باركليز» أحد أكبر المصارف البريطانية (د.ب.أ)
TT

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العمالة المصرفية

أحد فروع بنك «باركليز» أحد أكبر المصارف البريطانية (د.ب.أ)
أحد فروع بنك «باركليز» أحد أكبر المصارف البريطانية (د.ب.أ)

في خطوة تعكس التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع المصرفي بفعل التطور التكنولوجي المتعلق بالذكاء الاصطناعي، يعتزم مصرف «باركليز» البريطاني الاستغناء عن نحو 5 آلاف موظف، بالتزامن مع توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي في عملياته.

وتأتي هذه الخطوة ضمن خطة أوسع لتحديث أنشطة المصرف وخفض التكاليف التشغيلية، وسط تزايد المخاوف بشأن تأثير التقنيات الجديدة على الوظائف في القطاع المالي.

وأعلن «باركليز» إلغاء نحو ألف وظيفة بالفعل، متوقعاً استكمال خفض 4 آلاف وظيفة إضافية بحلول نهاية العام الحالي، ليصل إجمالي الوظائف المستهدفة إلى نحو 5 آلاف، أي ما يعادل قرابة 5 في المائة من إجمالي قوته العاملة على مستوى العالم.

وتركز إجراءات خفض التكاليف على قطاع الخدمات المصرفية للأفراد في المملكة المتحدة، غير أن بعض الوظائف الإدارية والمساندة الخاصة بالسوق البريطانية تُنفذ من الهند، حيث يُتوقع أن تتحمل نسبة كبيرة من تخفيضات الوظائف.

وأوضح المصرف أن هذه التغييرات تأتي في إطار خطة مستمرة لتحديث عملياته، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل «إضافة مكملة» لاستراتيجيته، وليس الأساس الوحيد لخفض الوظائف.

إعادة تشكيل القطاع المصرفي

«حي المال» قلب العاصمة البريطانية لندن (رويترز)

ومع أن الاستغناء عن الموظفين لا يعود في مجمله إلى استخدام الذكاء الاصطناعي، فإن حجم التخفيضات يعيد تسليط الضوء على التداعيات المحتملة لهذه التكنولوجيا على سوق العمل.

وتتزايد استثمارات الشركات في الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع توقعات بأن تتيح الأدوات الجديدة أتمتة بعض المهام الأساسية التي يؤديها الموظفون حالياً، بما في ذلك الأعمال الإدارية والبرمجة.

ولم يقتصر التوجه على «باركليز»، إذ أشارت مصارف «إتش إس بي سي» و«ستاندرد تشارترد» و«دانسك بنك» أيضاً، خلال العام الحالي، إلى تخفيضات في الوظائف مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وقال روس مولد، محلل الاستثمار لدى شركة «إيه جيه بيل»، لهية الإذاعة البريطانية «بي بي سي» إن الموضوع بات «قضية شديدة الحساسية والاهتمام»، لكنه أشار إلى أن المصارف لم تقدم حتى الآن على خطوات واسعة النطاق في تعميم استخدام الذكاء الاصطناعي، موضحاً أنها ستأخذ في الحسبان تداعياته على أمن العمليات وجودة خدمة العملاء قبل الاعتماد عليه لتحقيق وفورات مالية.

وأضاف مولد أن «أي شركة، في أي وقت، تحتاج إلى مراقبة قاعدة تكاليفها والتحكم فيها»، معرباً عن اهتمامه بما ستعلنه المصارف الأخرى في نتائجها المالية خلال الأسابيع المقبلة.

خطة لخفض التكاليف

يقترب «باركليز» من استكمال برنامج لخفض التكاليف يمتد لثلاث سنوات، ويركز بصورة رئيسية على قطاع الخدمات المصرفية للأفراد في المملكة المتحدة، مع امتداد تأثيره أيضاً إلى أنشطة الخدمات المصرفية الاستثمارية.

وكشف المصرف عن تحقيق أرباح بلغت 2.3 مليار جنيه إسترليني خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في سبتمبر (أيلول)، متجاوزة مستويات الفترة نفسها من العام الماضي، لكنها جاءت أقل قليلاً من توقعات المحللين.

وقال سي إس فينكاتاكريشنان، الرئيس التنفيذي لمجموعة «باركليز»، إن تخفيضات الوظائف تأتي نتيجة الاستثمارات الكبيرة التي يضخها المصرف في التكنولوجيا بهدف تبسيط أعماله وتحسين كفاءتها.

وأضاف لـ «بي بي سي» أن الذكاء الاصطناعي يؤدي دوراً مهماً في هذه العملية، وقد تزداد أهميته مستقبلاً، مشيراً إلى أن المصرف يعتزم توسيع استخدامه على نطاق واسع، لكنه شدد على أن الذكاء الاصطناعي ليس سوى عنصر مكمل للخطة، موضحاً أن الاستفادة الكاملة من إمكاناته تتطلب أولاً بناء البنية التحتية التكنولوجية اللازمة.

وذكر المصرف أن نحو 60 في المائة من الوظائف المستهدفة بالإلغاء ستتركز في وظائف الدعم والمساندة، بما في ذلك بعض وظائف تطوير البرمجيات.

عدد أقل من الموظفين

«بنك إنجلترا» المركزي في الحي المالي بلندن (إ.ب.أ)

من جهته، قال روس مولد إن «باركليز» يتجه إلى توظيف الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لخفض التكاليف، متوقعاً تقليص جزء من قوته العاملة مع توسيع استخدام هذه التكنولوجيا، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن النتائج المالية للمصرف لم ترقَ إلى مستوى توقعات السوق.

وقال ويل هاوليت، محلل القطاع المالي لدى شركة «كويلتر تشيفيوت»، إن تخفيضات الوظائف توضح مدى التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي والأتمتة في إعادة تشكيل الصناعة المصرفية خلال السنوات القليلة المقبلة.

وأضاف أن المصارف أنفقت مبالغ كبيرة على التكنولوجيا على مدى سنوات، لكنها تقترب الآن من مرحلة تتحول فيها هذه الاستثمارات إلى نتائج تشغيلية ملموسة، من بينها انخفاض عدد الموظفين اللازمين لإدارة الأعمال. وفي هذا السياق، أعلن «باركليز» أنه يتوقع تحقيق وفورات إضافية تبلغ 1.1 مليار جنيه إسترليني خلال عام 2027، بفضل إجراءات تحسين الكفاءة وخفض التكاليف.


«المركزي التركي» يخفّض سعر الفائدة إلى 36 % للمرة الأولى منذ 9 أشهر

البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)
البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)
TT

«المركزي التركي» يخفّض سعر الفائدة إلى 36 % للمرة الأولى منذ 9 أشهر

البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)
البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)

خفّض ‌البنك المركزي التركي سعر الفائدة على إعادة الشراء لمدة أسبوع (الريبو) المعتمد معياراً أساسياً لأسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس إلى 36 في المائة للمرة الأولى منذ 9 أشهر.

كما خفّض البنك سعر الفائدة على الإقراض بالليرة التركية لليلة واحدة من 40 إلى 39 في المائة، وسعر الفائدة على الاقتراض بالليرة لليلة واحدة من 35.5 إلى 34.5 في المائة.

وجاء القرار، الذي اتخذته لجنة السياسات النقدية بالبنك في اجتماعها الخميس، متماشياً مع ​التوقعات السابقة، وذلك بعد إبقائه عند 37 في المائة في 5 اجتماعات سابقة بسبب تقلبات أسعار الطاقة نتيجة حرب إيران، ما تسبب في ضغط على التضخم.

وأبقى البنك المركزي التركي على سعر 37 في المائة منذ اندلاع حرب إيران في فبراير (شباط) الماضي، واتخذ في الوقت ذاته إجراءات أخرى لتعزيز السيولة، ورفع سعر الفائدة على الإقراض بالليرة التركية لليلة واحدة إلى الحد الأقصى البالغ ⁠40 في المائة حتى أغسطس (آب) الماضي، في مسعى ‌للحد من تأثير حرب إيران على ‌الاقتصاد.

مراقبة التضخم

وقال البنك في بيان صدر عقب اجتماع اللجنة إن أرقام ‌التضخم في سبتمبر (أيلول) الماضي وبيانات النشاط الاقتصادي تُشير إلى التأثير المحدود لصدمات العرض على الأسعار المحلية، إلى جانب استمرار ضعف الطلب المحلي، ومن جهة أخرى، لا تزال مخاطر ارتفاع أسعار الطاقة، الناجمة عن التوترات الجيوسياسية المستمرة، قائمة على توقعات التضخم.

شجّع التراجع في التضخم خلال سبتمبر الماضي «المركزي التركي» على البدء بتيسير نقدي للمرة الأولى منذ 9 أشهر (أ.ف.ب)

وسجّل التضخم السنوي في أسعار المستهلكين في تركيا في سبتمبر الماضي أكبر تراجع له في نحو 5 سنوات، مسجلاً 29.73 في المائة، فيما سجّل التضخم الشهري زيادة بنسبة 1.48 في المائة دون تغيير عن شهر أغسطس.

وأكد البيان أنه سيتم تحديد الخطوات اللازمة بشأن سعر الفائدة بما يتوافق مع الأهداف المرحلية، مع مراعاة أرقام التضخم واتجاهه العام والتوقعات، وضمان التشديد اللازم لخفضه عند الضرورة.

وأوضح أنه سيتم تحديد حجم هذه الخطوات وتوقيتها بحذر، من خلال اجتماعات دورية، مع التركيز على توقعات التضخم.

وشدد على أنه سيتم استخدام جميع أدوات السياسة النقدية بشكل حاسم، وسوف تتخذ اللجنة قراراتها ضمن إطار متوقع ومستند إلى البيانات وشفاف، وسيتم تشديد السياسة حال حدوث انهيار مفاجئ لتوقعات التضخم.

تحقيقات «صناديق الاستثمار»

في الوقت نفسه، اعتقلت قوات الأمن التركية، بموجب قرار صادر من النيابة العامة في إسطنبول، 88 شخصاً في إطار «فضيحة التلاعب بأموال صناديق الاستثمار»، والتلاعب في عمليات سوق رأس المال، والحصول على أرباح غير قانونية.

بورصة إسطنبول (الموقع الرسمي)

وجرى في إطار التحقيقات، التي انطلقت في 17 سبتمبر (أيلول) الماضي، توقيف 404 أشخاص، وإقامة دعاوى قضائية ضد المتهمين، بينهم الموقوفون حالياً و26 آخرون يخضعون للاستجواب، ضمن حملة موسعة للتصدي للعمليات المشبوهة التي تستهدف استقرار الأسواق المالية التركية.

ووقعت أزمة في قطاع صناديق الاستثمار في تركيا خلال سبتمبر الماضي، بعد صدور قرار بتصفية 131 صندوقاً، تجاوزت أصولها 20 مليار دولار خلال 3 سنوات فقط، وشهدت عمليات تلاعب تضرر منها أكثر من 455 ألف مستثمر ونحو 500 ألف مواطن.

وزاد البنك المركزي التركي تمويل إعادة الشراء، ورفع حدود اقتراض البنوك إلى 10 أمثال، لدعم السيولة.

إردوغان تعهد بالاستمرار في تحقيقات فضيحة صناديق الاستثمار حتى استئصالها ومنع تكرارها (الرئاسة التركية)

وأكد رئيس البنك، فاتح كاراهان، أن البيانات لا تُشير إلى وجود مخاطر لامتداد تداعيات أزمة الصناديق، مشيراً إلى أن البنك سيتدخل مجدداً إذا اقتضت الضرورة.

وشدد الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، الأربعاء، على استمرار التحقيقات تحت إشراف ديوان المحاسبة الحكومي، مؤكداً أن كل مَن يثبت تورطه في الأزمة سيُحاسب، أياً كان منصبه.

وتأتي التحقيقات والملاحقات الجارية في إطار جهود أوسع لتعزيز النزاهة في أسواق المال التركية، وسط مخاوف من تداعيات الأزمة على ثقة المستثمرين.

وتعكس الاعتقالات وتزايد أعداد الموقوفين حجم الشبكات المشتبه في تورطها، التي تستهدفها التحقيقات.

وتنتقد المعارضة غياب الشفافية وعدم الكشف عن أسماء كبار المتورطين في فضيحة الصناديق، بدعوى قربهم من الحكومة. في المقابل، هاجم إردوغان المعارضة، متهماً إياها باستغلال الأزمة لتشويه صورة الحكومة وإثارة الذعر بين المواطنين.

وشدد إردوغان على أن التحقيقات ستتواصل حتى معالجة الأزمة من جذورها وضمان عدم تكرارها.

وتوقع خبراء اقتصاديون أن يواصل البنك المركزي سياسة التيسير النقدي خلال اجتماعه الأخير هذا العام، والمقرر عقده في ديسمبر (كانون الأول) المقبل.