قال وزير المالية السعودي محمد الجدعان، رئيس اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التابعة لصندوق النقد الدولي، إن صدمة الطاقة العالمية كانت ستكون أسوأ بكثير لولا الاستثمارات التي نفذتها دول مثل السعودية، مشيراً إلى أن معظم دول الخليج أجرت إصلاحات هيكلية وبنت هوامش وقائية مالية ساعدتها في التعامل مع الصدمة، فيما دخلت بعض دول الشرق الأوسط الصراع وهي مستعدة اقتصادياً.
وأكد الجدعان، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، في بانكوك عقب اجتماع اللجنة، أن الاقتصاد العالمي لا يزال يواجه تحديات عميقة، رغم ما يظهره من مرونة ملحوظة وقدرة على الصمود. وحذّر من أن ارتفاع مستويات الدين العام وصعود عوائد السندات السيادية يزيدان من حدة الهشاشة المالية والمخاطر التي تهدد الاستقرار المالي.
وكان صندوق النقد الدولي أعلن تمديد رئاسة الجدعان للجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التابعة للصندوق لمدة عام إضافي.
Read the statement from IMFC Chair and @MOFKSA Minister @MAAljadaan as the International Monetary and Financial Committee concludes its meeting at the 2026 #IMFMeetings.https://t.co/deb7vaEeYS
— IMF (@IMFNews) October 17, 2026
من جانبها، حذّرت غورغييفا من أن تراجع الهوامش المالية واحتياطيات الطاقة يضعف قدرة الاقتصادات على مواجهة صدمات جديدة، مشيرة إلى أن استمرار التضخم وارتفاع أسعار الفائدة يزيدان أعباء خدمة الدين على الدول. ودعت البنوك المركزية إلى التركيز على استقرار الأسعار، والجهات التنظيمية والرقابية إلى توخي اليقظة إزاء المخاطر الناشئة عن المؤسسات المالية غير المصرفية والهجمات السيبرانية والاحتيال.
وتأتي هذه التصريحات في وقت حذّرت فيه اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية، في بيانها الختامي لاجتماعاتها ببانكوك، من أن الاقتصاد العالمي تجاوز الصدمات الأخيرة بأداء أفضل من المتوقع، لكن الهوامش الوقائية تآكلت، ما يجعل استمرار قدرته على الصمود أمراً غير مضمون.

استثمارات السعودية خففت صدمة الطاقة
أكد الجدعان أن الاستثمارات التي نفذتها السعودية ودول أخرى أسهمت في الحد من تداعيات صدمة الطاقة العالمية، مشيراً إلى أن أثر الصدمة كان سيكون أشد بكثير لولا هذه الاستثمارات.
وتبرز هذه التصريحات أهمية الاستثمارات بقطاع الطاقة في تعزيز موثوقية الإمدادات والحد من آثار الاضطرابات على الاقتصاد العالمي، في وقت تفرض فيه الصراعات والتوترات الجيوسياسية مخاطر على تدفقات الطاقة وأسعار السلع الأساسية.
وأشار الجدعان إلى أن معظم دول الخليج طبّقت إصلاحات هيكلية وبنت هوامش وقائية مالية ساعدتها في التعامل مع الصدمة، مضيفاً أن بعض دول الشرق الأوسط دخلت الصراع وهي مستعدة اقتصادياً.
ومع ذلك، أكد أن الاقتصاد العالمي يواجه تحديات عميقة، رغم ما يبديه من مرونة ملحوظة. ويتفق هذا التقييم مع بيان اللجنة، الذي حذّر من أن تآكل الهوامش الوقائية يحد من قدرة الاقتصادات على امتصاص صدمات جديدة.
التضخم والفائدة يزيدان أعباء الديون
قالت غورغييفا من جهتها، إن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، اتسمت بمزيج من التفاؤل والقلق، في ظل قدرة الاقتصاد العالمي على تجاوز صدمات متتالية، مقابل ظهور مواطن ضعف جديدة، وتراجع الهوامش المتاحة لمواجهة الأزمات.
وأوضحت أن أعضاء اللجنة ناقشوا مواطن التصدع في قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود، في وقت تتآكل فيه الهوامش المالية واحتياطيات الطاقة، ما يزيد مخاطر تعرض الاقتصادات لمزيد من الصدمات.
وشددت على ضرورة أن تظل البنوك المركزية مركزة على الحفاظ على استقرار الأسعار، محذرة من أن استمرار التضخم وارتفاع أسعار الفائدة يفاقمان أعباء خدمة الدين التي تواجهها الدول.
كما دعت الجهات التنظيمية والرقابية إلى توخي اليقظة إزاء المخاطر الناشئة عن المؤسسات المالية غير المصرفية والهجمات السيبرانية والاحتيال، في وقت تتسع فيه مصادر المخاطر التي تواجه الاستقرار المالي.
وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، أشارت غورغييفا إلى أن الدول ترى فرصاً واعدة في هذه التقنيات، لكنها تريد ضمانات تحمي الأفراد والشركات من المخاطر المصاحبة لها.

الاقتصاد العالمي يصمد لكن المخاطر تتزايد
في بيانها، أفادت اللجنة بأن الاقتصاد العالمي تجاوز أحدث سلسلة من الصدمات بأداء أفضل من المتوقع، لكنها حذّرت من تآكل الهوامش الوقائية التي تدعم قدرته على مواجهة الأزمات، مؤكدة أن استمرار هذا الصمود لا يمكن اعتباره أمراً مضموناً.
ولا تزال الحروب والصراعات تفرض أعباء إنسانية باهظة وتكاليف اقتصادية كبيرة، فضلاً عن تداعيات سلبية تمتد إلى اقتصادات أخرى، مع تحمّل البلدان الأكثر فقراً وهشاشة الجانب الأكبر من الأعباء. كما تزيد اضطرابات سلاسل الإمداد والتوترات التجارية من الضبابية والضغوط على الأسعار.
في المقابل، أسهم التقدم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في دعم الاستثمار والتجارة، مع إمكانات لرفع الإنتاجية. وأوضحت اللجنة أن هذه التطورات تزامنت حتى الآن مع استقرار النمو العالمي عموماً، إلا أن النتائج الاقتصادية لا تزال متفاوتة، فيما تواجه البلدان منخفضة الدخل والدول الهشة خطر اتساع الفجوة بينها وبين بقية الاقتصادات.
وحذّرت اللجنة من أن المخاطر تميل إلى الجانب السلبي، مشيرة إلى أن تصاعد الصراعات والتوترات التجارية قد يعطّل طرق التجارة الحيوية، ويزيد الضغوط على أسعار السلع الأساسية، بما فيها منتجات الطاقة المكررة، فضلاً عن تفاقم مخاطر أمن إمدادات الطاقة والغذاء.
كما نبهت إلى أن ارتفاع عوائد السندات السيادية في الاقتصادات ذات الأهمية النظامية قد ينعكس على الأوضاع المالية العالمية، لا سيما في ظل ارتفاع مستويات الدين العام واحتياجات إعادة التمويل لدى العديد من البلدان. وقد تؤدي هذه الضغوط، إلى جانب الضبابية المحيطة بتأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة على الاقتصاد والقطاع المالي، إلى زيادة مواطن الضعف الاقتصادي والمالي.
وأضافت أن التحولات التكنولوجية السريعة، والتغيرات الديموغرافية، وتزايد الظواهر الجوية المتطرفة والكوارث الطبيعية، فضلاً عن التجزؤ الجيواقتصادي، تزيد تعقيد الخيارات والمفاضلات التي تواجه صانعي السياسات.
تعزيز الاستقرار الاقتصادي والمالي
أكدت اللجنة أولوية تعزيز الاستقرار الاقتصادي والمالي من خلال سياسات اقتصادية كلية سليمة ومتسقة وتعاون متعدد الأطراف، مع دعم نمو قوي وواسع القاعدة.
ودعت إلى معالجة مواطن الضعف في المالية العامة بصورة عاجلة، والمضي في جهود ضبط أوضاعها، مدعومة بأطر مالية متوسطة الأجل موثوقة، بما يضمن استدامة الدين وإعادة بناء الهوامش الوقائية، مع حماية الفئات الأكثر هشاشة والاستثمارات ذات الأولوية التي تدعم الإنتاجية والنمو.
وشددت على التزام البنوك المركزية بالحفاظ على استقرار الأسعار، وفقاً لولاياتها، ومواصلة تعديل السياسات استناداً إلى البيانات والتواصل الواضح بشأنها. كما أكدت أن استقلال البنوك المركزية يظل أساسياً لمصداقية السياسات وتثبيت توقعات التضخم.
وفي القطاع المالي، دعت إلى الالتزام بالمعايير الدولية ومراقبة مواطن الضعف والمخاطر التي تهدد الاستقرار المالي ومعالجتها. ورحبت بـ«مخطط بانكوك» الرامي إلى تعزيز ضمانات التمويل الرقمي، والقدرة على مواجهة الهجمات السيبرانية والجهود الدولية لمكافحة الاحتيال الرقمي.
كما أكدت أهمية الإصلاحات التي تدعم النمو بقيادة القطاع الخاص، والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة والتحول الرقمي لرفع الإنتاجية، مع معالجة المخاطر المرتبطة بها وتوسيع نطاق الاستفادة من مكاسبها.
ودعت إلى التعاون لمعالجة التحديات العالمية وضمان استقرار النظام النقدي الدولي وفاعلية عمله، والعمل على معالجة الاختلالات الاقتصادية العالمية المفرطة والتوترات التجارية، وتجنب السياسات المشوهة للأسواق وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد.
وشددت كذلك على أهمية تدفقات الطاقة الآمنة والموثوقة وحرية الملاحة باعتبارهما عنصرين أساسيين للاستقرار الاقتصادي العالمي، مجددة الالتزامات المتعلقة بأسعار الصرف التي أُقرت في أبريل (نيسان) 2021.
دعم الدول التي تواجه مخاطر الديون
كما أكدت اللجنة استمرار دعم الدول التي تنفذ إصلاحات وتواجه مواطن ضعف مرتبطة بالديون، بما في ذلك من خلال السياسات الاقتصادية الكلية السليمة وتعبئة الموارد المحلية وتحسين الحوكمة.
وأشارت إلى ضرورة إيلاء اهتمام خاص بالتحديات التي تواجه البلدان منخفضة الدخل والدول متوسطة الدخل الأكثر هشاشة، بما فيها الدول المتأثرة بالصراعات والدول النامية الصغيرة.
وجدد الأعضاء التزامهم بتحسين إجراءات إعادة هيكلة الديون السيادية، بما في ذلك في إطار «الإطار المشترك» لمجموعة العشرين، والبناء على التقدم المحرز ومواصلة العمل ضمن «المائدة المستديرة العالمية للديون السيادية»، لضمان إنجاز عمليات إعادة الهيكلة بصورة منظمة وفي الوقت المناسب وبقدر أكبر من القدرة على التنبؤ والتنسيق.
ودعت اللجنة جميع الأطراف المعنية، بما تشمل من دائنين في القطاع الخاص، إلى تعزيز الشفافية بشأن الديون. كما شجعت على زيادة الدعم للدول التي تتمتع بديون مستدامة وبرامج إصلاح تعزز النمو، لكنها تواجه صعوبات تمويلية قصيرة الأجل، من خلال تسريع تنفيذ النهج ذي الركائز الثلاث الذي يعمل عليه صندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي.
ورحبت بالمساهمات التي قدمتها دول أعضاء لدعم قدرة «الصندوق الاستئماني للنمو والحد من الفقر» على مواصلة الإقراض بصورة مستدامة، ودعت إلى استكمال التعهدات اللازمة من بقية الأعضاء.
تعزيز موارد الصندوق وإصلاح الحوكمة
جددت اللجنة التزامها بصندوق نقد دولي قوي يستند إلى نظام حصص وموارد مالية كافية، ويؤدي دوراً محورياً في شبكة الأمان المالي العالمية.
ودعت الدول الأعضاء إلى استكمال الموافقات المحلية اللازمة لتنفيذ زيادة الحصص المتفق عليها ضمن المراجعة العامة السادسة عشرة للحصص، من دون مزيد من التأخير.
كما أكدت أن «المبادئ التوجيهية للدرعية» ستسترشد بها المناقشات المقبلة بشأن إصلاح حصص الدول الأعضاء والحوكمة في الصندوق، بما في ذلك المراجعة العامة السابعة عشرة للحصص. ويأتي ذلك في إطار الجهود الرامية إلى مواصلة بحث إصلاح نظام الحصص والحوكمة بما يتلاءم مع تطورات الاقتصاد العالمي.
تطوير سياسات الصندوق وأدواته
رحبت اللجنة بأجندة السياسات العالمية للمديرة العامة لصندوق النقد الدولي، وبالموافقة على مجموعة شاملة من المراجعات للسياسات الرامية إلى تعزيز الرقابة الاقتصادية التي يجريها الصندوق، وتحليل الديون، والإقراض، وبناء القدرات.
ودعت إلى تنفيذ هذه المراجعات سريعاً وفاعلية وبصورة متوازنة، مؤكدة أهمية تعزيز التكامل بين بناء القدرات والرقابة الاقتصادية والإقراض.
وأوضحت أن هذه الإصلاحات ستساعد الدول الأعضاء في تحديد المخاطر وإدارة الضبابية وتطبيق سياسات سليمة وأطر موثوقة تدعم الصمود والنمو.
كما رحبت بمواصلة الصندوق دراسة التداعيات الاقتصادية الكلية والسياساتية لتقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وتوقعت مزيداً من التحليل والمشورة في هذا المجال ضمن نطاق اختصاصاته.
تحديث عمليات الصندوق وتعزيز تمثيل المرأة
أكدت اللجنة دعم جهود صندوق النقد الدولي لتحديث عملياته وتعزيز إدارة المخاطر المؤسسية والاستثمار في موظفيه، بما يحافظ على مرونته وقدرته على الاستجابة للتطورات الاقتصادية والمالية، بما في ذلك من خلال التبني المدروس لتقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في عملياته الداخلية.
وأشادت بجودة عمل موظفي الصندوق وتفانيهم في إطار نظام قائم على الجدارة، ودعت إلى مواصلة تحسين التمثيل الإقليمي وتمثيل المرأة في الوظائف المختلفة.
كما شددت على أهمية تعزيز حضور المرأة في المجلس التنفيذي للصندوق والمناصب القيادية فيه، والعمل على تحقيق الأهداف الطوعية المعتمدة، مع اختيار المرشحين وفق آليات الجدارة التي تعتمدها الدول الأعضاء.
ومن المتوقع أن يُعقد الاجتماع المقبل للجنة في أبريل 2027 في واشنطن العاصمة.
