نشاط الأعمال في منطقة اليورو يتسارع لأعلى مستوى في 3 سنوات ونصف

إسبانيا تتصدر... ألمانيا تتعافى وفرنسا تعود للنمو وإيطاليا تتباطأ

مركبات تتحرك خلال ساعة الذروة الصباحية وسط ضباب مع شروق الشمس في برلين بألمانيا (رويترز)
مركبات تتحرك خلال ساعة الذروة الصباحية وسط ضباب مع شروق الشمس في برلين بألمانيا (رويترز)
TT

نشاط الأعمال في منطقة اليورو يتسارع لأعلى مستوى في 3 سنوات ونصف

مركبات تتحرك خلال ساعة الذروة الصباحية وسط ضباب مع شروق الشمس في برلين بألمانيا (رويترز)
مركبات تتحرك خلال ساعة الذروة الصباحية وسط ضباب مع شروق الشمس في برلين بألمانيا (رويترز)

تسارع نشاط الأعمال في منطقة اليورو خلال سبتمبر (أيلول) الماضي إلى أسرع وتيرة له في نحو 3 أعوام ونصف العام، مدعوماً بقوة الطلب وتحسن أداء قطاع الخدمات، رغم عودة الضغوط التضخمية إلى الارتفاع وسط تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وزيادة تكاليف الطاقة.

وأظهر مسح خاص أن مؤشر «ستاندرد آند بورز غلوبال» لمديري المشتريات في قطاع الخدمات بمنطقة اليورو ارتفع إلى 53 نقطة في سبتمبر الماضي، من 51.6 نقطة خلال أغسطس (آب) الذي سبقه، مسجلاً أعلى مستوى له في 10 أشهر ومتوافقاً مع القراءة الأولية، وفق «رويترز».

كما صعد المؤشر المركب، الذي يجمع بين قطاعي الخدمات والتصنيع، إلى 53.1 نقطة من 52.0 نقطة في أغسطس، ليسجل أعلى مستوى له منذ أبريل (نيسان) 2023، ويختتم بذلك أقوى أداء فصلي للمنطقة منذ الربع الثاني من 2022. وتشير القراءة فوق مستوى 50 نقطة إلى نمو النشاط.

ويأتي تحسن النشاط في وقت تسارع فيه التضخم بمنطقة اليورو بأكثر من المتوقع، ليصل إلى 3.8 في المائة الشهر الماضي، مقارنة مع 3.2 في المائة خلال أغسطس، مدفوعاً بارتفاع تكاليف الطاقة؛ مما عزز احتمالات بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة مدة أطول، وربما رفعها إلى مستويات أعلى من التوقعات السابقة.

ومع ذلك، فإن البيانات لم تُظهر حتى الآن تأثيراً كبيراً للضغوط التضخمية أو الارتفاع الأخير في عوائد السندات على النشاط الاقتصادي.

وقال كريس ويليامسون، كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، إن مؤشرات مسوح مديري المشتريات تشير مجتمعة إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي بمعدل فصلي يبلغ 0.4 في المائة، مع تسارع الزخم الاقتصادي مع دخول الربع الرابع.

وأضاف أن محركات النمو تختلف بين دول المنطقة، إلا إن الخدمات المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات تسجل نمواً قوياً بوجه خاص، مدفوعة باستثمارات الذكاء الاصطناعي ونمو الخدمات المهنية والتجارية.

الطلب يقود التحسن

عزز تحسن الطلب زخم النشاط الاقتصادي؛ إذ سجلت شركات الخدمات نمواً أسرع في الأعمال الجديدة، وهو مؤشر رئيسي على الطلب، بينما أنهت طلبيات التصدير سلسلة من الانكماش استمرت 39 شهراً.

وبالتزامن مع أقوى ارتفاع في طلبيات المصانع منذ أوائل عام 2022، سجل إجمالي الطلبيات الجديدة أسرع وتيرة نمو له في 41 شهراً. كما ارتفعت الطلبيات الخارجية بأسرع معدل لها منذ أكثر من 4 أعوام ونصف العام، في مؤشر على قوة الطلب الخارجي.

وفي سوق العمل، قابل تباطؤ التوظيف في قطاع الخدمات تحسناً طفيفاً في خلق الوظائف بقطاع التصنيع؛ مما أدى إلى ضعف نمو التوظيف الإجمالي، بينما ظلت ثقة الشركات مستقرة. لكن تحسن النشاط ترافق مع تصاعد الضغوط السعرية؛ إذ ارتفع سعرا المدخلات والمخرجات بأسرع وتيرة لهما في 4 أشهر.

وقال ويليامسون إن عودة الضغوط السعرية إلى التصاعد تشير إلى أن التضخم في منطقة اليورو يتجه ليكون أقرب إلى 4 في المائة منه إلى هدف «البنك المركزي الأوروبي» البالغ اثنين في المائة.

وأضاف أن تسارع النمو، إلى جانب ارتفاع الضغوط التضخمية، قد يعززان التكهنات بمزيد من التشديد النقدي، فيما تضع الأسواق حالياً احتمالية لرفع «البنك المركزي الأوروبي» أسعار الفائدة بأكثر من مرتين بحلول منتصف العام المقبل.

ألمانيا تعود إلى النمو

وفي ألمانيا، سجل قطاع الخدمات تعافياً قوياً خلال سبتمبر الماضي، مدعوماً باستمرار تحسن الطلب وزيادة إنفاق العملاء. وارتفعت القراءة النهائية لمؤشر «ستاندرد آند بورز غلوبال» لمديري المشتريات في قطاع الخدمات إلى 52.9 نقطة، من 49.7 نقطة في أغسطس، مسجلة أعلى مستوى لها منذ ما قبل اندلاع الصراع بالشرق الأوسط في فبراير (شباط) الماضي.

وجاء تحسن النشاط رغم عودة الضغوط التضخمية، فيما ارتفعت معدلات التوظيف لثاني شهر على التوالي، وسط مؤشرات على ازدياد الضغوط على الطاقة التشغيلية وتنامي التوقعات باستمرار تحسن النشاط.

وقال فيل سميث، المدير المساعد للاقتصاد في وحدة «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، إن ارتفاع نشاط الأعمال في سبتمبر يعزز المؤشرات الأولية على التعافي التي ظهرت في قطاع الخدمات خلال الأشهر الماضية.

كما ارتفع المؤشر المجمع لمديري المشتريات في ألمانيا، الذي يشمل الخدمات والتصنيع، إلى 53.8 نقطة من 51.8 نقطة في أغسطس، مسجلاً أعلى مستوى له في نحو عام.

إسبانيا تتصدر الأداء

وسجلت إسبانيا أقوى أداء بين الاقتصادات الرئيسية في منطقة اليورو، مع تسارع نمو قطاع الخدمات خلال سبتمبر بدعم من زيادة الطلب، رغم تصاعد تكاليف التشغيل.

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز غلوبال» لمديري المشتريات في قطاع الخدمات إلى 58.3 نقطة، من 57.8 نقطة خلال أغسطس، ليعادل أعلى مستوى له في 3 أعوام ونصف العام، المسجل في يوليو (تموز) الماضي.

وواصلت الأعمال الجديدة النمو لخامس شهر على التوالي، وإن تباطأت وتيرة الزيادة إلى أدنى مستوى منذ يونيو (حزيران). وفي المقابل، تراجعت أعمال التصدير لأول مرة منذ مايو (أيار)، مع إشارة الشركات إلى حالة من عدم اليقين مرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط والإنفاق على الذكاء الاصطناعي.

كما واصلت الشركات زيادة أعداد موظفيها، لتستمر بذلك فترة خلق الوظائف 4 سنوات متتالية، في حين جاءت الزيادة الأخيرة قوية وتجاوزت متوسط المسح.

في المقابل، تصاعدت ضغوط التكاليف، مع ارتفاع تضخم أسعار المدخلات إلى أعلى مستوى في 6 أشهر، بدفع من زيادة تكاليف الطاقة والوقود والعمالة ورسوم الموردين. كما رفعت الشركات أسعارها بأسرع وتيرة منذ أبريل الماضي.

وقال بول سميث، مدير الاقتصاد في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، إن تباطؤ نمو الأعمال الجديدة يشير إلى أن وتيرة النشاط الحالية قد لا تكون مستدامة، لكنه أشار إلى استمرار الاتجاهات الإيجابية في دفاتر الطلبات وتوقع الشركات زيادة الاستثمار والتوظيف خلال الأشهر المقبلة.

فرنسا تعود للنمو وإيطاليا تتباطأ

وفي فرنسا، عاد قطاع الخدمات إلى النمو في سبتمبر لأول مرة منذ نهاية العام الماضي، مع ارتفاع القراءة النهائية لمؤشر مديري المشتريات إلى 51.2 نقطة، من 48.0 نقطة في أغسطس، مدعوماً بتعافي النشاط والإنتاج بعد تراجع الأعمال خلال أغسطس بفعل موجة حر شديدة. كما ارتفع «المؤشر المركب لمديري المشتريات» إلى 51.1 نقطة من 48.5 نقطة، ليعود إلى نطاق النمو.

وقال جو هايز، كبير الاقتصاديين في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، إن بيانات سبتمبر مشجعة، لكن التضخم لا يزال مصدر قلق، مشيراً إلى أن من السابق لأوانه عدّ عودة النشاط إلى النمو دليلاً على تعافٍ مستدام في ظل استمرار هشاشة الطلب الأساسي.

وفي إيطاليا، تباطأ نمو قطاع الخدمات إلى أبطأ وتيرة له في 3 أشهر؛ إذ تراجع مؤشر مديري المشتريات إلى 51.7 نقطة في سبتمبر من 55.2 نقطة خلال أغسطس، وجاء دون توقعات بلغت 54.7 نقطة.

ورغم التباطؤ، فإن المؤشر بقي فوق مستوى 50 نقطة لرابع شهر على التوالي. في المقابل، تصاعدت ضغوط تكاليف المدخلات، مع ارتفاع مؤشر التضخم إلى 65.4 نقطة، من 61.5 نقطة، مسجلاً أعلى مستوى منذ مايو.

كما ارتفع مؤشر الأسعار التي تفرضها الشركات على العملاء إلى 54.8 نقطة، من 52.5 نقطة، في إشارة إلى تنامي الضغوط السعرية في قطاع الخدمات.

أما المؤشر المجمع لمديري المشتريات في إيطاليا فتراجع إلى 51.0 نقطة خلال سبتمبر، من 53.6 نقطة في أغسطس، لكنه ظل عند نطاق التوسع لسادس شهر على التوالي.

السويد تحافظ على قوة النشاط

وخارج منطقة اليورو، ارتفع نشاط قطاع الخدمات السويدي في سبتمبر؛ إذ صعد مؤشر مديري المشتريات إلى 57.4 نقطة، مقارنة مع 56 نقطة خلال أغسطس بعد تعديل القراءة السابقة بالرفع، وفقاً لبيانات «سيلف» و«سويدبنك».


مقالات ذات صلة

تباطؤ الخدمات الأميركية مع تصاعد ضغوط الأسعار

الاقتصاد يتجمع الناس مع بدء المحكمة العليا دورتها الجديدة في مبنى الكابيتول بواشنطن (أ.ب)

تباطؤ الخدمات الأميركية مع تصاعد ضغوط الأسعار

تباطأ نشاط قطاع الخدمات في الولايات المتحدة خلال سبتمبر (أيلول)، مع استمرار قوة الطلب المحلي في الضغط على سلاسل الإمداد ودفع أسعار مدخلات الشركات إلى الارتفاع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أسهم التراجع في أسعار الخضراوات والفواكه في تراجع التضخم (إعلام تركي)

التضخم التركي دون 30 % للمرة الأولى منذ 5 سنوات

سجل التضخم السنوي في أسعار المستهلكين في تركيا في سبتمبر (أيلول) الماضي أكبر تراجع له في نحو 5 سنوات مسجلاً 29.73 في المائة

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد مدخل وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)

ارتفاع عوائد السندات الأميركية يضع واشنطن أمام خيارات صعبة

تتحمل الحكومة الأميركية تكاليف اقتراض متزايدة، في حين تتقلص أمامها الخيارات السهلة للحد من هذه التكاليف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

عوائد سندات منطقة اليورو تتباين مع تحوّل المستثمرين إلى الملاذات الآمنة

تباينت عوائد سندات منطقة اليورو مجدداً، الاثنين، وإن جاءت التحركات أقل حدة مقارنة بنهاية الأسبوع الماضي، في ظل إقبال المستثمرين على الأصول التقليدية الآمنة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)

مسؤول في «المركزي الأوروبي»: ارتفاع الطاقة قد يضغط على النمو ويحد من التشديد النقدي

قال كبير الاقتصاديين بالبنك المركزي الأوروبي، فيليب لين، إن الارتفاع المتأخر في تكاليف الطاقة خلال الصيف قد يشكل عبئاً على النمو الاقتصادي.

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت)

مصر توقع مع «شيفرون» اتفاقية للتنقيب عن الغاز والنفط باستثمارات 88 مليون دولار

خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)
خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)
TT

مصر توقع مع «شيفرون» اتفاقية للتنقيب عن الغاز والنفط باستثمارات 88 مليون دولار

خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)
خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)

وقّعت الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» وشركة «شيفرون» العالمية اتفاقية جديدة للبحث عن الغاز الطبيعي والزيت الخام واستغلالهما في منطقة لوتس البحرية بالبحر المتوسط، باستثمارات حدها الأدنى 88 مليون دولار، تشمل حفر بئرين استكشافيتين وإعادة معالجة بيانات سيزمية ثلاثية الأبعاد.

وشهد وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي مراسم توقيع الاتفاقية، التي تأتي في إطار جهود الوزارة لتوسيع نطاق أعمال البحث والاستكشاف وطرح مناطق جديدة أمام شركات النفط والغاز العالمية.

ووقع الاتفاقية العضو المنتدب التنفيذي لـ«إيجاس» سيد سليم، ومدير الاستكشاف في «شيفرون» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والبحر المتوسط أندرو ديجان، بحضور مدير «شيفرون» في مصر تشانا كوروكولا وعدد من قيادات الوزارة و«إيجاس».

وتقع منطقة لوتس البحرية على بُعد نحو 200 كيلومتر من ساحل البحر المتوسط، وتتراوح أعماق المياه فيها بين 2000 و2800 متر، ولم تشهد المنطقة من قبل حفر آبار استكشافية عميقة، ما يفتح مجالاً أمام استكشاف موارد جديدة من الغاز الطبيعي والزيت الخام.

وقال بدوي إن توسيع خريطة البحث والاستكشاف يمثل محوراً رئيسياً في استراتيجية الوزارة لزيادة الإنتاج المحلي من البترول والغاز، مشيراً إلى استمرار العمل على طرح مناطق جديدة أمام الشركات العالمية والاستفادة من البيانات الجيولوجية والسيزمية المتاحة، إلى جانب تنفيذ برامج جديدة للمسح السيزمي في مناطق واعدة.

وأضاف أن إجراءات الدولة لسداد مستحقات شركاء الاستثمار أسهمت في تعزيز الثقة بقطاع البترول المصري، ودفع الشركات إلى زيادة استثماراتها واستئناف برامج البحث والاستكشاف، بما يسمح بتكثيف أعمال حفر الآبار وتنمية الحقول وتسريع تنفيذ مشروعات الإنتاج.

وأشار الوزير إلى أن الوزارة تعمل على طرح مزيد من الفرص الاستثمارية في البحر المتوسط والصحراء الغربية والدلتا وخليج السويس وسيناء وجنوب مصر، بالتوازي مع برامج المسح السيزمي الجارية والمخطط لها، بهدف توفير بيانات أحدث وأكثر دقة عن التراكيب الجيولوجية وتحديد الفرص الواعدة.

وتعكس الاتفاقية استمرار «شيفرون» في الاستثمار في أنشطة البحث والاستكشاف في مصر، إذ تعمل الشركة حالياً في ست مناطق بحرية للبحث عن الغاز والبترول، تشمل نرجس وشمال الضبعة ولوتس وشمال غربي أتول وشمال سيميان، إلى جانب منطقة شمال كليوباترا البحرية في غرب المتوسط التي تشارك فيها مع «شل».

وشهدت أعمال «شيفرون» في مناطق امتيازها بالبحر المتوسط مؤشرات استكشافية واعدة، من بينها كشف نرجس للغاز، بينما أظهرت أعمال حفر بئر «فيلوكس» في منطقة شمال كليوباترا البحرية مؤخراً مؤشرات واعدة على وجود النفط الخام.


فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
TT

فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)

اقترحت فرنسا وألمانيا أن يعتمد الاتحاد الأوروبي أداة جديدة تتيح له التحرك بسرعة للرد على الدول التي تلحق ضرراً باقتصاده، في مسعى لتعزيز قدرة التكتل على مواجهة عالم تتحول فيه التجارة بصورة متزايدة إلى أداة للضغط الاقتصادي.

ودعت باريس وبرلين، في وثيقة مشتركة نُشرت الاثنين، إلى تعزيز أدوات الدفاع التجاري الأوروبية وتسريع استخدامها في مواجهة ما وصفته بـ«التشوهات السوقية المنهجية والمستمرة»، التي تهدد الاقتصاد الأوروبي وقاعدته الصناعية وتؤدي إلى خسائر واسعة في الوظائف.

ولا تستهدف المبادرة دولة بعينها، إلا أن الممارسات التي حددتها الوثيقة، ومنها الإغراق والدعم واسع النطاق والقيود على قابلية تحويل العملات، تتطابق مع انتقادات أوروبية متكررة للصين.

وتأتي الوثيقة قبل عشرة أيام من قمة يعقدها قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل لمناقشة الاختلالات التجارية مع الصين، في وقت تتزايد فيه الضغوط على التكتل لتقليل اعتماده على شركاء تجاريين محددين وحماية قاعدته الصناعية.

تحرك خلال أيام

وقال مسؤولون ألمان إن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى أداة تتمتع بقوة مماثلة للرسوم الجمركية الأميركية بموجب المادة 301، أو القيود الصينية على صادرات المعادن الحيوية، بما يسمح له بالرد على الإجراءات التي تضر بمصالحه الاقتصادية.

ودعت فرنسا وألمانيا المفوضية الأوروبية إلى طرح أداتين جديدتين في أقرب وقت، تركز الأولى على تنويع مصادر الإمدادات وتأمين الأمن الاقتصادي، من خلال الحد من اعتماد الشركات الأوروبية على مصدر واحد لبعض السلع الحيوية.

أما الأداة الثانية، فتستهدف الحد من وصول دول إلى السوق الأوروبية الموحدة إذا أخلّت بظروف المنافسة العادلة عبر وسائل سياسية أو اقتصادية، من دون تحديد مسبق للحالات التي يمكن أن تؤدي إلى تفعيلها أو نوع الإجراءات التي ستُتخذ.

واقترحت الوثيقة أن يتم اعتماد أي مقترح من المفوضية لتفعيل إجراءات مضادة ضد دولة أخرى ما لم تعارضه أغلبية مؤهلة من دول الاتحاد، وهو شرط أقل صرامة من بعض الإجراءات التجارية الأخرى.

وقال مسؤولون في الحكومة الألمانية إن المفوضية ينبغي أن تكون قادرة على تفعيل الإجراءات الجديدة بسرعة، بما قد يعني التحرك خلال أيام.

لكن إنشاء الأداة الجديدة سيظل بحاجة إلى موافقة حكومات دول الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي.

«نهاية السذاجة التجارية»

وقال مستشار للرئاسة الفرنسية إن تحرك الاتحاد أصبح ملحاً، معتبراً أن الاختلالات التجارية مع بعض الشركاء أصبحت غير مستدامة، ومؤكداً رغبة باريس وبرلين في استخدام أدوات مكافحة الإغراق القائمة في أسرع وقت ممكن.

وقال المستشار للصحافيين إن فرنسا وألمانيا «حريصتان جداً على وضع حد للسذاجة في التجارة».


الصمود الرقمي... جاهزية سعودية لاستمرار الخدمات الحكومية

مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)
مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)
TT

الصمود الرقمي... جاهزية سعودية لاستمرار الخدمات الحكومية

مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)
مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)

طالب يتابع حصته الدراسية عبر فصل افتراضي، ومريض يحصل على استشارة طبية من منزله، ومستفيد يصل إلى وثيقته الرسمية عبر هاتفه... تفاصيل تختصر كيف أصبحت الخدمات الحكومية الرقمية جزءاً من الحياة اليومية في السعودية. ومع سهولة الوصول إليها، تبرز أهمية استمرارها، فالتعلّم والرعاية وإنجاز المعاملات احتياجات يومية تتطلّب جاهزية تحافظ على توافر الخدمة وتمكّن المستفيد من الاعتماد عليها عند الحاجة.

وفي ظل الأوضاع السياسية الراهنة في المنطقة وما يرتبط بها من مستجدات أمنية، تبرز أهمية هذا الاستعداد في دعم انتظام الحياة اليومية. ومن هنا، يتجاوز الصمود الرقمي مجرد إتاحة الخدمات إلكترونياً، إلى قدرة الجهات الحكومية على مواصلة تقديمها والتعامل مع الاحتياجات المتغيرة، بالاستناد إلى إدارة المخاطر والتخطيط لاستمرارية الأعمال.

طالب يتابع دروسه في منصة رقمية (الشرق الأوسط)

فما الذي تحقق حتى اليوم؟

تدعم هيئة الحكومة الرقمية هذا المسار عبر 3 خدمات مترابطة؛ تشمل تصنيف المنصات حسب أهميتها وتحديد أوقات الاسترداد المستهدفة لخدماتها، وتسجيل نسب توافر الخدمات الرقمية، وتنظيم الإبلاغ عن الانقطاعات عند الحاجة. وتساعد هذه الأدوات الجهات على المحافظة على استمرارية خدماتها، من خلال تحديد الأولويات، ومتابعة التوافر، وتوضيح مسؤوليات الإبلاغ، وفق «التقرير السنوي لهيئة الحكومة الرقمية».

وبالتوازي مع أدوات الجاهزية، بلغت نتيجة مؤشر نضج التجربة الرقمية لعام 2026 نسبة 87.06 في المائة، بعد تقييم 59 منصة. وبين جودة التجربة التي يقيسها المؤشر واستمرارية الأعمال التي تنظمها الضوابط والخدمات، يمتد العمل من تسهيل استخدام المنصة إلى دعم قدرتها على تقديم خدماتها.

المخاطر في صلب التخطيط

تبدأ المعالجة التنظيمية من «ضوابط إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال للحكومة الرقمية»، التي تستهدف التعامل مع المخاطر بصورة استباقية، من خلال بناء نظام لإدارتها وتحسينه باستمرار. وفي جانب استمرارية الأعمال، تتناول الضوابط بناء النظام وتفعيله، والتحقق من فاعليته، ومواصلة تطويره.

وتضع هذه المتطلبات إدارة المخاطر ضمن دورة العمل المؤسسي، فلا تنتهي المهمة بإعداد الخطة، بل تشمل التحقق من فاعليتها وتحسينها. ويرتبط ذلك مباشرة بمواكبة المتغيرات، إذ يصبح الاستعداد عملية مستمرة ترتبط بطريقة إدارة الخدمات، لا إجراء يُستدعى في ظرف بعينه.

ومن هنا، يكتسب الربط بين المخاطر واستمرارية الأعمال أهميته؛ من خلال فهم ما قد يؤثر في الخدمة، وتنظيم الاستعداد للتعامل معه، وتوجيه الموارد والإجراءات نحو الأعمال ذات الأولوية.

للخدمة أولوية ووقت

وعلى مستوى التطبيق، تتيح «خدمة تصنيف المنصات والتطبيقات الحكومية» للجهات تصنيف منصاتها وتطبيقاتها، وتحديد أوقات الاسترداد المستهدفة للخدمات الرقمية، حسب مستوى أهميتها وأثر انقطاعها.

ويضع ذلك طبيعة الخدمة وأثرها أساساً لترتيب الأولويات، فالمنصات لا تُعامل باعتبارها متطابقة في متطلبات الاستمرارية. ويُضاف إلى التصنيف هدف زمني للاسترداد، يحدد ما تستهدف ترتيبات الاستمرارية تحقيقه.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في نقل التخطيط من الحديث العام عن الجاهزية إلى متطلبات مرتبطة بخدمة محددة وأهميتها. فالاهتمام لا ينحصر في وجود المنصة، وإنما يشمل موقع خدماتها ضمن أولويات الجهة وما يتطلبه دعم استمراريتها.

التوافر تحت المتابعة

وإذا كان التصنيف يحدد الأولوية فإن خدمة «نسبة توافرية الخدمات» تتيح للجهات الحكومية تسجيل نسب توافر خدماتها الرقمية المقدمة إلى المستفيدين، بهدف متابعة مدى الالتزام. وبذلك يصبح توافر الخدمة جانباً موثقاً في المتابعة، إلى جانب تصنيف المنصة التي تقدمها.

وعند الحاجة إلى الإبلاغ، تتيح «خدمة الإبلاغ عن انقطاع الخدمات الحكومية الرقمية» مساراً محدداً للجهات الحكومية؛ يبدأ بتعيين فريق الأزمة من قِبل قائد تقنية المعلومات في الجهة، ليتولى الفريق مسؤولية تقديم البلاغات.

صورة مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي تظهر سيدة تحصل على علاج عبر الإنترنت (تطمين)

وهنا تتضح الصلة بين الخدمات الثلاث؛ فالتصنيف يحدد الأهمية وأوقات الاسترداد المستهدفة، والتسجيل يوفّر بيانات التوافر، والإبلاغ يحدد قناة التواصل والمسؤول عنها. وتتكامل هذه الوظائف في تنظيم استمرارية الخدمات، من التخطيط والمتابعة إلى التعامل مع الحالات التي تستدعي الإبلاغ.

دليلان يساندان التطبيق

وتساند هذه الأدوات إصدارات إرشادية، من بينها دليلان يتصلان مباشرة بإدارة المخاطر وموثوقية التعاملات: «الدليل الاسترشادي لإدارة المخاطر واستمرارية الأعمال للحكومة الرقمية»، و«الدليل الاسترشادي لمكافحة الاحتيال الرقمي».

ويدعم دليل إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال الجهات الحكومية في تطبيق المتطلبات التنظيمية ذات الصلة، وتحسين الممارسات الداعمة للخدمات المقدمة إلى المستفيدين. وبذلك تقترن الضوابط بمرجعية استرشادية تساعد الجهات على الانتقال من فهم المتطلبات إلى تطبيقها.

أما دليل مكافحة الاحتيال الرقمي فيضيف جانباً يتصل بأمان التعاملات، من خلال دعم منهجية لإدارة المخاطر وتعزيز الجهود الوطنية للحد من الاحتيال الرقمي. فاستمرارية الوصول إلى الخدمة وموثوقية استخدامها احتياجان متكاملان؛ الأول يتصل بإتاحتها، والآخر بالعناية بالتعامل الذي يجري من خلالها.

حضور في ملتقى الحكومة الرقمية (واس)

جاهزية تواكب احتياجات الناس

وتكشف هذه الأدوات عن مضمون عملي للصمود الرقمي؛ تصنيف يربط الاستعداد بأهمية الخدمة، وبيانات تتيح متابعة توافرها، ومسؤوليات محددة للإبلاغ، وضوابط وأدلة تساند التطبيق. وهي تفاصيل تنظيمية وتشغيلية، لكن أثرها يرتبط مباشرة بقدرة الناس على متابعة شؤونهم.

وعند العودة إلى الطالب في فصله الافتراضي، والمريض الذي يتلقى استشارته، والمستفيد الذي يصل إلى وثيقته، تتضح الغاية من هذا العمل: أن تقترن سهولة الخدمة بجاهزية تدعم استمرارها. فالثقة بالخدمات الرقمية تبدأ من تجربة استخدامها، وتستند إلى ما وراءها من تخطيط ومتابعة؛ لتبقى احتياجات الناس في صلب الاستعداد، وتمضي الحياة رقمياً.