قفزة الإنفاق تقلب فائض الموازنة السورية إلى عجز بمليار دولار

وزير المالية: الإيرادات النفطية والجباية تدعمان الخزينة في النصف الثاني

صورة عامة للعاصمة السورية دمشق (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة السورية دمشق (أرشيفية - رويترز)
TT

قفزة الإنفاق تقلب فائض الموازنة السورية إلى عجز بمليار دولار

صورة عامة للعاصمة السورية دمشق (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة السورية دمشق (أرشيفية - رويترز)

أظهرت بيانات وزارة المالية السورية أن الموازنة العامة دخلت مرحلة جديدة من الضغوط المالية خلال النصف الأول من عام 2026، إذ تحولت من فائض إلى عجز تجاوز مليار دولار، رغم القفزة الكبيرة في الإيرادات العامة، في ظل ارتفاع حاد في الإنفاق مدفوعاً بزيادة الرواتب والأجور والنفقات الإدارية والاستثمارية، إلى جانب ارتفاع تكاليف الواردات وتأثر سلاسل الإمداد بالتوترات الجيوسياسية والإقليمية.

وسجَّلت الموازنة السورية عجزاً مالياً بنحو 1.005 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من العام، بما يعادل 56 في المائة من إجمالي العجز المقدَّر للموازنة لعام 2026 والبالغ نحو 1.8 مليار دولار، مقارنةً بفائض قدره 422 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

وقالت وزارة المالية إن العجز جرى تمويله من خلال تمويل استثماري قصير الأجل يستحق السداد خلال عام، بما يحد، وفق تقديراتها، من أثره المتوقع على الاقتصاد.

الإيرادات تقفز... لكن الإنفاق يتجاوزها

وارتفعت الإيرادات العامة في الموازنة 111 في المائة على أساس سنوي خلال النصف الأول، لتصل إلى نحو 2.695 مليار دولار، مقارنةً بـ1.280 مليار دولار في الفترة نفسها من عام 2025. وتمثل الإيرادات المحققة خلال الأشهر الستة الأولى نحو 31 في المائة من إجمالي الإيرادات المقدرة للموازنة السنوية، والبالغة 8.716 مليار دولار.

وجاءت الرسوم الجمركية في صدارة مصادر الإيرادات، بقيمة بلغت نحو 1.079 مليار دولار، تمثل نحو 40 في المائة من إجمالي الإيرادات المحصلة، تلتها عوائد استثمارات الدولة بنحو 763 مليون دولار، أو 28 في المائة، ثم إيرادات النفط والغاز بنحو 601 مليون دولار، أو 22 في المائة، وإيرادات الضرائب والرسوم بنحو 252 مليون دولار، أو 9 في المائة.

ويكتسب تدفق إيرادات النفط والغاز أهمية خاصة في الحسابات المالية السورية، إذ أوضحت وزارة المالية أن توريد هذه الإيرادات فعلياً إلى الخزينة العامة بدأ اعتباراً من مايو (أيار) 2026، وللمرة الأولى بكاملها.

كما أن أرقام النصف الأول لم تتضمن حصيلة بيع الرخصة الثانية للهاتف المحمول، والتي من المقرر توريدها إلى الوزارة خلال النصف الثاني من العام. وتعتزم الحكومة توجيه هذه الحصيلة لدعم الإنفاق الاستثماري في المناطق المتضررة، إلى جانب دعم ريادة الأعمال والشركات الناشئة في قطاع التقنية.

وتتوقع وزارة المالية أن ترتفع الإيرادات خلال النصف الثاني من العام، مدفوعة باستمرار توريد عائدات النفط والغاز، وتحسن التحصيل الضريبي والجمركي، إلى جانب حصيلة رخصة الهاتف المحمول ورسوم عبور الوقود.

الإنفاق يقفز بأكثر من ثلاثة أمثال

في المقابل، ارتفع الإنفاق العام بوتيرة أسرع بكثير، إذ قفز 331 في المائة على أساس سنوي خلال النصف الأول إلى نحو 3.7 مليار دولار، مقارنةً مع 858 مليون دولار في الفترة نفسها من العام الماضي. وتمثل النفقات المحققة نحو 35 في المائة من إجمالي النفقات المعتمدة في الموازنة، والبالغة 10.5 مليار دولار.

واستحوذت الرواتب والأجور والتعويضات والمزايا على النصيب الأكبر من الإنفاق، بقيمة بلغت 1.339 مليار دولار، أو 36 في المائة من إجمالي الإنفاق، متأثرة بالزيادات التي بدأ تطبيقها اعتباراً من مايو.

وبلغت النفقات الإدارية نحو 1.025 مليار دولار، أو 28 في المائة من إجمالي الإنفاق، فيما وصلت النفقات الاستثمارية إلى 1.021 مليار دولار، أو 28 في المائة، مع تنفيذ 35 في المائة من مخصصاتها السنوية. وبلغ الإنفاق على الدعم والضمان الاجتماعي نحو 315 مليون دولار، أو 9 في المائة.

وأرجعت وزارة المالية الارتفاع الكبير في الإنفاق، بصورة مباشرة، إلى التوترات الجيوسياسية والإقليمية التي أثرت في سلاسل الإمداد ورفعت أسعار الواردات، خصوصاً الوقود ومواد البناء والمواد الغذائية، مما انعكس على تكلفة السلع والخدمات والمدخلات التي تستخدمها الجهات الحكومية.

مركبات في أحد ميادين دمشق (رويترز)

ويتوقع وزير المالية السوري محمد يسر برنية تسارع وتيرة الصرف خلال الأشهر المقبلة مع اكتمال تطبيق زيادة الرواتب وتكثيف التمويل الموجَّه إلى المشروعات الاستثمارية والتنموية، مؤكداً التزام السلطات المالية بمعايير الإفصاح والشفافية وإطلاع المواطنين بصورة دورية على تفاصيل الإيرادات وأوجه الإنفاق.

وزير المالية السوري محمد يسر برنية يتحدث خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليَّين في أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

الاقتصاد بين التعافي وضغوط المالية العامة

وتأتي هذه التطورات المالية في وقت تحاول فيه سوريا إعادة بناء اقتصادها واستعادة النشاط الإنتاجي والاستثماري بعد سنوات من الاضطرابات. ويضع ذلك السياسة المالية أمام معادلة صعبة تتمثل في تمويل احتياجات إعادة الإعمار والخدمات العامة والحماية الاجتماعية، بالتوازي مع احتواء العجز وتوسيع قاعدة الإيرادات.

وتكتسب تقديرات صندوق النقد الدولي أهمية في تقييم المسار الاقتصادي الأوسع، إذ يتوقَّع الصندوق أن يعود الاقتصاد السوري إلى النمو خلال عام 2026، ليحقق نمواً بواقع 10 في المائة بعد سنوات من الانكماش والاضطرابات، مع تحسُّن النشاط الاقتصادي بدعم من استعادة التجارة والاستثمار وعودة قطاعات إنتاجية إلى العمل.

ومن المتوقع أن يشهد النصف الثاني زيادة في الإنفاق على قطاعات الصحة والتعليم والإسكان والحماية الاجتماعية، بحسب وزارة المالية، وهو ما يعني أن الضغوط على الموازنة ستظل قائمة، حتى مع توقُّع ارتفاع الإيرادات.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

قتيلان مدنيان في اشتباكات بغرب مدينة السويداء السورية

المشرق العربي جنود من الجيش السوري (أ.ف.ب) p-circle

قتيلان مدنيان في اشتباكات بغرب مدينة السويداء السورية

قُتل مدنيان في اشتباكات دارت، الأحد، بين مجموعات مسلحة محلية وقوات حكومية غرب مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» خلال اجتماعه مع الشيباني وزير الخارجية والمغتربين السوري يوم الأحد (مكتب الدبيبة)

بعد 14 عاماً من الغياب... الدبلوماسية السورية تستعيد حضورها في ليبيا

بحث رئيس حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، مع وزير الخارجية والمغتربين السوري، أسعد الشيباني، عدداً من الملفات من بينها «مكافحة الإرهاب».

جمال جوهر (القاهرة)
المشرق العربي سوريّة تحمل صور أقارب لها قُتلوا في «مجزرة التضامن» بالحي جنوب دمشق 24 أبريل الماضي (إ.ب.أ)

سوريا تحيي يوم المفقودين وتوقع اتفاقاً مع الصليب الأحمر

دعم إنشاء مختبر وطني للحمض النووي مخصَّص بالكامل لتحديد هُوية المفقودين السوريين لأكثر من 177 ألف حالة منذ مارس 2011

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي جلسات تشاورية لمديريات الإعلام في المحافظات لمناقشة مشروع قانون الإعلام الجديد (سانا)

مشروع قانون جديد للإعلام في سوريا يتلاءم مع التطور الرقمي والذكاء الاصطناعي

تسعى وزارة الإعلام السورية إلى إعداد قانون جديد وشامل للإعلام، يواكب التطورات الرقمية والإعلام الحديث ويتناسب مع متطلبات المرحلة التي تمر بها سوريا.

منصور حسين (دمشق)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية ووزير الأشغال والنقل إلى جانب ضابط بالجيش في قاعدة القليعات الجوية خلال افتتاحه في شهر يونيو الماضي (رئاسة الحكومة)

مطار القليعات في الشمال اللبناني... بوابة جوية إضافية للمسافرين السوريين

سيتحول مطار الرئيس رينيه معوّض في القليعات إلى بوابة جوية يستفيد منها اللبنانيون والسوريون على السواء.

يوسف دياب (بيروت)

وفد سعودي برئاسة الجدعان في اجتماع وزراء مالية «مجموعة العشرين»

وزير المالية السعودي محمد الجدعان متحدثاً لندوة سابقة لـ«مجموعة العشرين» بالرياض (واس)
وزير المالية السعودي محمد الجدعان متحدثاً لندوة سابقة لـ«مجموعة العشرين» بالرياض (واس)
TT

وفد سعودي برئاسة الجدعان في اجتماع وزراء مالية «مجموعة العشرين»

وزير المالية السعودي محمد الجدعان متحدثاً لندوة سابقة لـ«مجموعة العشرين» بالرياض (واس)
وزير المالية السعودي محمد الجدعان متحدثاً لندوة سابقة لـ«مجموعة العشرين» بالرياض (واس)

يرأس وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، وفد المملكة المشارك في الاجتماع الثاني لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية بدول «مجموعة العشرين»، الذي تستضيفه مدينة آشفيل بولاية كارولاينا الشمالية الأميركية يومي 31 أغسطس (آب) و1 سبتمبر (أيلول) 2026، ضمن أعمال الرئاسة الأميركية لـ«المجموعة».

ويضم الوفد السعودي محافظ «البنك المركزي السعودي (ساما)»، أيمن السياري، إلى جانب عدد من مسؤولي وزارة المالية و«البنك المركزي».

وزراء مالية «مجموعة العشرين» ومحافظو البنوك المركزية ومندوبو مؤسسات خلال اجتماع سابق لـ«مجموعة العشرين» بضواحي مدينة بنغالور الهندية (أرشيفية - رويترز)

ويناقش الاجتماع، بمشاركة وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية في دول «المجموعة» وممثلي الدول المدعوة ورؤساء المؤسسات المالية الدولية، تطورات الاقتصاد العالمي وآفاق النمو، وسبل تعزيز مرونة الاقتصادات، والسياسات الداعمة النمو والازدهار.

كما يبحث المشاركون الاختلالات الاقتصادية العالمية وتداعياتها، إضافة إلى استدامة الديون السيادية وشفافيتها.


قفزة بصادرات الديزل الآسيوية لأفريقيا لتعويض إمدادات الشرق الأوسط

ناقلة نفط ترسو قبالة خليج فوس سور مير في فرنسا (رويترز)
ناقلة نفط ترسو قبالة خليج فوس سور مير في فرنسا (رويترز)
TT

قفزة بصادرات الديزل الآسيوية لأفريقيا لتعويض إمدادات الشرق الأوسط

ناقلة نفط ترسو قبالة خليج فوس سور مير في فرنسا (رويترز)
ناقلة نفط ترسو قبالة خليج فوس سور مير في فرنسا (رويترز)

أظهرت بيانات تتبع السفن ومصادر تجارية أن من المتوقع أن ترتفع صادرات آسيا من الديزل إلى أفريقيا في أغسطس (آب) إلى أعلى مستوى، منذ ما لا يقل عن 4 أعوام ونصف العام، في وقت اتجه فيه المشترون من أفريقيا إلى البحث عن مصادر إمداد بديلة عقب تراجع الشحنات الواردة من الشرق الأوسط.

وأتيحت الفرصة لآسيا لإرسال إمدادات إلى أفريقيا بعدما أدت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى تعطيل صادرات الشرق الأوسط.

وكشفت بيانات «كبلر» و«فورتكسا» ومصدر تجاري، وفقاً لـ«رويترز»، أن من المتوقع أن تشحن آسيا، بما في ذلك الهند، ما يتراوح بين 1.8 مليون طن ومليوني طن (13.4 مليون إلى 14.9 مليون برميل) من الديزل إلى أفريقيا خلال هذا الشهر.

وأظهرت بيانات من مجموعة بورصات لندن و«كبلر» والمصدر نفسه أن صادرات الشرق الأوسط من الديزل إلى أفريقيا انخفضت في أغسطس إلى ما بين 600 ألف و800 ألف طن، لتسجل أدنى مستوياتها في نحو 9 أعوام وسط استمرار المخاطر التي تواجه الملاحة عبر مضيق باب المندب ومضيق هرمز.

ووفقاً لبيانات «كبلر»، جاء نحو 50 في المائة من واردات أفريقيا من الديزل من الشرق الأوسط، وصدرت السعودية 40 في المائة من تلك الإمدادات.


تيم كوك يطوي صفحة 15 عاماً في «أبل»... إرث الـ4 تريليونات دولار

الرئيس التنفيذي لـ«أبل» تيم كوك (إ.ب.أ)
الرئيس التنفيذي لـ«أبل» تيم كوك (إ.ب.أ)
TT

تيم كوك يطوي صفحة 15 عاماً في «أبل»... إرث الـ4 تريليونات دولار

الرئيس التنفيذي لـ«أبل» تيم كوك (إ.ب.أ)
الرئيس التنفيذي لـ«أبل» تيم كوك (إ.ب.أ)

في أغسطس (آب) 2011، تولى تيم كوك قيادة «أبل» في إحدى أصعب لحظات الشركة الرمزية؛ فقد خلف ستيف جوبز، أحد أبرز المبتكرين في تاريخ التكنولوجيا، وكانت المقارنة بين الرجلين تبدو حتمية. لكن كوك لم يحاول أن يكون جوبز آخر، بل اختار أن يبني «أبل» بطريقته الخاصة، مستنداً إلى خبرته في إدارة العمليات وسلاسل الإمداد، وقدرته على التفاوض، وإدارة العلاقات المعقدة.

وبعد 15 عاماً، يغادر كوك منصب الرئيس التنفيذي في 31 أغسطس 2026، تاركاً وراءه شركة تغير حجمها المالي بصورة هائلة. ويتولى جون تيرنوس، رئيس هندسة الأجهزة في «أبل»، منصب الرئيس التنفيذي بدءاً من 1 سبتمبر (أيلول) 2026، فيما سيبقى كوك رئيساً تنفيذياً لمجلس إدارة الشركة، مع استمرار مشاركته في بعض الملفات الاستراتيجية، بما في ذلك التواصل مع صناع السياسات حول العالم.

من 350 ملياراً إلى أكثر من 4 تريليونات دولار

ربما تختصر الأرقام قصة عهد كوك أكثر من أي وصف آخر. فعندما أصبح رئيساً تنفيذياً، كانت القيمة السوقية لـ«أبل» نحو 350 مليار دولار، لكنها تجاوزت اليوم 4 تريليونات دولار، بعدما وصلت لفترة وجيزة إلى نحو 5 تريليونات دولار في يوليو (تموز).

وقفز سهم الشركة بأكثر من ألفين في المائة منذ تولي كوك منصبه، متفوقاً بفارق كبير على مكاسب مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» خلال الفترة نفسها.

أما الإيرادات السنوية، فقد ارتفعت من نحو 108 مليارات دولار في 2011 إلى 416 مليار دولار في 2025، أي إنها تضاعفت نحو 4 مرات.

ولم يكن «آيفون» استثناءً من هذه القفزة، إذ ارتفعت إيراداته من 47.1 مليار دولار في 2011 إلى 209.6 مليار دولار في 2025، ليظل المنتج الأساسي الذي يدور حوله جزء كبير من منظومة «أبل».

تيم كوك خلال «مؤتمر أبل العالمي للمطورين» داخل مقر «أبل بارك» في كوبرتينو بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)

كوك لم يكتفِ بالـ«آيفون»

كان أحد أهم رهانات كوك هو توسيع المنظومة المحيطة بالهاتف، بحيث يصبح «آيفون» جزءاً من الحياة اليومية وليس مجرد جهاز.

وخلال عهده، أطلقت الشركة «أبل ووتش» و«إيربودز»، فيما توسع قطاع الخدمات بصورة كبيرة، حتى تجاوزت إيراداته 100 مليار دولار سنوياً، ليصبح ثاني أكبر أعمال الشركة بعد «آيفون».

وساعد هذا التحول «أبل» على بناء مصادر إيرادات أوسع تنوعاً وأقل اعتماداً على دورة إطلاق الهواتف وحدها، من الخدمات والاشتراكات إلى الأجهزة القابلة للارتداء والمنتجات المرتبطة بها.

كما دفع كوك الشركة إلى التخلي عن رقائق «إنتل» في أجهزة «ماك» والانتقال إلى رقائقها المصممة داخلياً، في خطوة عززت أداء أجهزة الكومبيوتر المحمولة والمكتبية وكفاءة استهلاكها الطاقة.

سلاح كوك الخفي: سلسلة الإمداد

لم يكن كوك مبتكراً في تصميم المنتجات على طريقة جوبز، لكنه جاء إلى منصب الرئيس التنفيذي بخبرة عميقة في العمليات وسلاسل الإمداد.

وهذه الخبرة أصبحت أحد أهم أسلحته في إدارة إمبراطورية «أبل»، خصوصاً أن تصنيع «آيفون» يعتمد على شبكة عالمية معقدة من الموردين والمصانع، في مقدمتها الصين.

ويقول خبراء إن هدوء كوك، وسرعة اتخاذه القرارات، وقدرته على التفاوض، ساعدت «أبل» في الحفاظ على تدفق إنتاج «آيفون» رغم الأزمات الجيوسياسية والتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين.

ووصف جين مونستر، الشريك الإداري في شركة «ديب ووتر لإدارة الأصول» والمتابع «أبل» منذ سنوات، كوك بأنه بقدر ما أنه رئيسٌ تنفيذيٌ، فقد كان «رجلَ دولة»، في إشارة إلى الدور الذي لعبه في إدارة العلاقات السياسية والاقتصادية المحيطة بالشركة.

«أبل» أعلنت انتقال القيادة من تيم كوك إلى جون تيرنوس ضمن خطة تعاقب طويلة الأمد (أبل)

بين واشنطن وبكين

كان الحفاظ على سلاسة أعمال «أبل» يتطلب من كوك إدارة علاقة شديدة الحساسية بين الولايات المتحدة والصين، وهما سوقان حيويتان لإمبراطورية الشركة.

ومع تصاعد التوتر التجاري خلال إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وارتفاع الرسوم الجمركية، واجهت «أبل» ضغوطاً لـ«بناء» مزيد من هواتفها داخل الولايات المتحدة.

لكن الشركة اتجهت إلى مسار آخر، وتعهدت باستثمار 600 مليار دولار لتوسيع عملياتها في الولايات المتحدة، بما يشمل إنتاج مكونات أساسية لـ«آيفون» محلياً، في خطوة ساعدتها على تجنب بعض الضغوط المرتبطة بالرسوم الجمركية.

الاختبار ينتقل إلى جون تيرنوس

يبدأ جون تيرنوس مهمته في قيادة «أبل» بمرحلة مختلفة تماماً عن تلك التي ورث فيها كوك الشركة من جوبز. فالشركة لا تزال تملك قوة هائلة في الأجهزة والخدمات، لكنها تواجه سباقاً متسارعاً في الذكاء الاصطناعي، حيث يرى محللون أنها تأخرت عن منافسين مثل «مايكروسوفت» و«غوغل».

وتتجه الأنظار إلى قدرة تيرنوس على مواصلة إرث كوك، مع توقعات بأن تدخل «أبل» مرحلة جديدة من الابتكار تشمل تطوير قدرات «سيري» بالاستفادة من نماذج الذكاء الاصطناعي، إلى جانب منتجات جديدة قد تشمل هاتفاً قابلاً للطي ونظارات ذكية وأجهزة تركز بصورة أكبر على الذكاء الاصطناعي.

لكن التحدي الأكبر أمام الرئيس التنفيذي الجديد قد لا يكون مجرد ابتكار منتج جديد، بل الحفاظ على الآلة الضخمة التي بناها كوك طيلة 15 عاماً.

نهاية عهد وبداية اختبار جديد

غادر جوبز «أبل» تاركاً وراءه إرث الابتكار، بينما يغادر كوك الشركة التنفيذية بعد أن أعاد تعريف معنى القيادة فيها.

لم يحاول كوك منافسة جوبز في الإبداع والاستعراض، بل ركز على توسيع نطاق الشركة، وتعزيز سلاسل إمدادها، وتنويع مصادر إيراداتها، وتحويل «آيفون» من منتج ناجح إلى مركز لمنظومة رقمية عالمية. ومن شركة تبلغ قيمتها نحو 350 مليار دولار عندما تسلم قيادتها، أصبحت «أبل» اليوم شركة تتجاوز قيمتها 4 تريليونات دولار، فيما أصبح السؤال الذي يواجه جون تيرنوس أصعب من مجرد خلافة كوك: هل يستطيع الحفاظ على آلة النمو التي بناها كوك، وإقناع العالم بأن «أبل» لا تزال قادرة على كتابة فصلها التكنولوجي الكبير المقبل؟