الرسوم على المسيَّرات تفتح جبهة توتر تجاري جديدة بين أميركا والصين

بكين ترفض قيود واشنطن وتحذّر من اضطراب سلاسل الإمداد

أعلام أميركا والصين (رويترز)
أعلام أميركا والصين (رويترز)
TT

الرسوم على المسيَّرات تفتح جبهة توتر تجاري جديدة بين أميركا والصين

أعلام أميركا والصين (رويترز)
أعلام أميركا والصين (رويترز)

فتحت الولايات المتحدة جبهة جديدة في التوتر التجاري والتكنولوجي مع الصين، بعدما قررت فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على واردات الطائرات المسيَّرة ومكوناتها، في خطوة بررتها واشنطن باعتبارات الأمن القومي وتقليص الاعتماد على الواردات في سوق تتمتع فيها الشركات الصينية بهيمنة عالمية واضحة.

وردت بكين، الخميس، بموقف حاد، مطالبة الإدارة الأميركية بسحب الرسوم فوراً، ومحذّرة من أنها ستضر بالشركات الصينية وتعطل سلاسل توريد الطائرات المسيَّرة عالمياً، في أحدث مؤشر على اتساع نطاق الخلاف الاقتصادي بين أكبر اقتصادين في العالم إلى صناعات التكنولوجيا المتقدمة.

ومن المقرر أن تدخل معظم الرسوم الجديدة حيز التنفيذ في 3 سبتمبر (أيلول) المقبل، بعدما أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأسبوع الماضي. وتستند الإجراءات إلى المادة 232 التي تتيح فرض قيود تجارية عندما ترى السلطات الأميركية أن بعض الواردات تشكل تهديداً للأمن القومي.

وقال المتحدث باسم وزارة التجارة الصينية، هي يادونغ، إن الإجراءات الأميركية «توسع مفهوم الأمن القومي» وتعامل المنتجات الصينية ذات الصلة بصورة تمييزية، مؤكداً أن بكين «تعارض ذلك بشدة».

وأضاف أن الرسوم ستؤدي إلى اضطراب سلسلة التوريد العالمية للطائرات المسيّرة، وستلحق مزيداً من الضرر ببيئة السوق العادلة والتنافسية، فضلاً عن إلحاق أضرار كبيرة بمصالح الشركات الصينية.

وتكتسب الخطوة الأميركية أهمية تتجاوز حجم تجارة الطائرات المسيّرة نفسها؛ إذ تمثل هذه الصناعة نقطة تقاطع بين التكنولوجيا المدنية والتطبيقات الأمنية والعسكرية. كما تستخدم الطائرات المسيّرة على نطاق واسع في التصوير والزراعة والمسح الهندسي والبنية التحتية وخدمات الطوارئ؛ ما يجعل أي اضطراب في إمداداتها أو مكوناتها ذات تداعيات على قطاعات متعددة.

وتأتي شركة «دي جيه آي» في قلب هذه المنافسة. فالشركة الصينية، التي تأسست عام 2006، استحوذت خلال السنوات الأخيرة على أكثر من ثلثي السوق العالمية للطائرات المسيّرة، وفق دراسات عدة؛ ما جعلها نموذجاً واضحاً للتفوق الصناعي الصيني في قطاع تكنولوجي سريع النمو.

لكن هذا النجاح وضع الشركة أيضاً تحت تدقيق متزايد في الولايات المتحدة. فمنذ عام 2022، أدرجت واشنطن «دي جيه آي» على قائمة لشركات صينية تقول إنها مرتبطة بالجيش الصيني؛ وهو ما ترتبت عليه قيود على وصولها إلى التكنولوجيا الأميركية. واعترضت الشركة على هذا التصنيف، مؤكدة أنها ليست مملوكة للجيش الصيني ولا خاضعة لسيطرته.

وبالنسبة إلى واشنطن، تندرج الرسوم الجديدة ضمن استراتيجية أوسع لتقليص الاعتماد على الصين في الصناعات التي تعدّها حساسة للأمن القومي، وتحفيز بناء قدرات إنتاجية محلية أو الاعتماد على موردين من دول حليفة. وقد شهدت السنوات الأخيرة توجهاً أميركياً مماثلاً في أشباه الموصلات والبطاريات والسيارات الكهربائية ومعدات التكنولوجيا المتقدمة.

لكن ارتفاع الرسوم إلى مستويات تصل إلى 100 في المائة يمكن أن يعيد تشكيل اقتصاديات سوق المسيّرات داخل الولايات المتحدة. فمن شأنها رفع تكلفة بعض المنتجات الصينية بصورة كبيرة، بما يمنح المصنعين الأميركيين وغير الصينيين مساحة أكبر للمنافسة، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى زيادة التكاليف على الشركات والمستخدمين الذين يعتمدون على منتجات صينية منخفضة التكلفة نسبياً.

وتزامن الخلاف بشأن المسيّرات مع مواجهة أخرى بين بكين وواشنطن تتعلق بالرسوم الجمركية. فقد رفضت وزارة التجارة الصينية تقريراً أميركياً بشأن عمليات الشحن العابر، والذي قدر أن الولايات المتحدة تخسر سنوياً ما بين 19 و26 مليار دولار من إيرادات الرسوم على سلع، معظمها صينية، يتم شحنها عبر دول ثالثة لتجنب رسوم الاستيراد الأميركية.

ووصف هي يادونغ التقرير بأنه «يتجاهل الحقائق ويشوّه الصواب والخطأ»، عادَّاً أنه يستهدف قمع المنتجات الصينية ومنع وصولها إلى الأسواق، ودعا واشنطن إلى وقف ما وصفه بـ«الاتهامات غير المسؤولة».

ويشير تزامن الملفين إلى أن النزاع التجاري يتجه إلى مرحلة أكثر تعقيداً، فلم تعد القضية مقتصرة على حجم الرسوم المباشرة المفروضة على المنتجات الصينية، بل باتت تشمل أيضاً منشأ السلع، ومسارات انتقالها عبر الدول الأخرى، وسلاسل التوريد المستخدمة للوصول إلى السوق الأميركية.

وبالنسبة إلى الشركات والمستثمرين، فإن التطورات ترفع مستوى المخاطر في قطاع الطائرات المسيّرة وسلاسل توريد التكنولوجيا المرتبطة بها. وقد تستفيد شركات أميركية أو آسيوية غير صينية من محاولة واشنطن تنويع مصادر الإمداد، في حين تواجه الشركات الصينية ضغوطاً متزايدة لإيجاد أسواق بديلة وتعزيز الإنتاج المحلي للمكونات التي قد تخضع مستقبلاً لمزيد من القيود.وتكشف المواجهة الجديدة أن الطائرات المسيّرة أصبحت أحدث الصناعات التي تنتقل من ساحة المنافسة التجارية إلى حسابات الأمن القومي. ومع اقتراب تطبيق الرسوم في سبتمبر، ستتركز الأنظار على رد بكين المحتمل، ومدى قدرة الشركات الصينية على امتصاص أثر القيود، وما إذا كانت الإجراءات ستنجح في تقليص اعتماد السوق الأميركية على الصين أم ستؤدي في المقابل إلى ارتفاع التكاليف وإعادة رسم سلاسل الإمداد العالمية.


مقالات ذات صلة

الأسواق الآسيوية تتراجع بعد سبتمبر المضطرب مع بقاء عوائد السندات تحت الضغط

الاقتصاد أحد المارة يسير أمام لوحة أسعار الأسهم التي تعرض متوسط ​​مؤشر «نيكي» خارج شركة وساطة في طوكيو (رويترز)

الأسواق الآسيوية تتراجع بعد سبتمبر المضطرب مع بقاء عوائد السندات تحت الضغط

تراجعت الأسهم الآسيوية في مستهل تعاملات أكتوبر (تشرين الأول)، فيما ظلت أسواق السندات تحت الضغط بعد شهر مضطرب.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد متداول يتفاعل بالقرب من شاشة تعرض مؤشر«كوسبي» وسعر صرف العملات الأجنبية بين الدولار الأميركي والوون الكوري الجنوبي في بنك هانا في سيول (أ.ب)

أسهم كوريا الجنوبية تتراجع رغم قفزة الصادرات لمستوى قياسي

تراجعت الأسهم الكورية الجنوبية الخميس، رغم تسجيل صادرات البلاد في سبتمبر قفزة قياسية.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد ترمب يصرّح للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن (إ.ب.أ)

ترمب يعلن استثمارات كورية بـ200 مليار دولار... وسيول تتحفظ على مشروع ألاسكا

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء خطة لاستثمارات كورية جنوبية تصل قيمتها إلى 200 مليار دولار في مشاريع داخل الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن، سيول)
الاقتصاد امرأة تمر أمام متجر لبيع الذهب في هونغ كونغ (أ.ف.ب)

الذهب يستقر قرب 4156 دولاراً مع ترقب بيانات الوظائف الأميركية

استقرت أسعار الذهب في التعاملات الآسيوية الخميس، مع ترقب المستثمرين بيانات الوظائف الأميركية المقرر صدورها الجمعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سيارات «بي واي دي» على خط الإنتاج في مصنع الشركة للسيارات الكهربائية بمجمع كاماساري الصناعي بولاية باهيا البرازيلية يوم 3 فبراير 2026 (رويترز)

بين «دولة» لولا و«سوق» بولسونارو... اقتصاد البرازيل على مفترق طرق

تتصدر رؤيتان اقتصاديتان متباينتان سباق الرئاسة في البرازيل، بين رهان لولا على تدخُّل الدولة وإعادة التصنيع، وتوجّه بولسونارو نحو تحرير السوق وتقليص القيود.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

نمو قطاع التصنيع في الهند يرتفع إلى أعلى مستوى في 7 أشهر

يجري موظفون فحصاً لجودة سلامة القضبان على إحدى الآلات داخل مصنع «آرك فاك فورج كاست» في مقاطعة هوغلي (رويترز)
يجري موظفون فحصاً لجودة سلامة القضبان على إحدى الآلات داخل مصنع «آرك فاك فورج كاست» في مقاطعة هوغلي (رويترز)
TT

نمو قطاع التصنيع في الهند يرتفع إلى أعلى مستوى في 7 أشهر

يجري موظفون فحصاً لجودة سلامة القضبان على إحدى الآلات داخل مصنع «آرك فاك فورج كاست» في مقاطعة هوغلي (رويترز)
يجري موظفون فحصاً لجودة سلامة القضبان على إحدى الآلات داخل مصنع «آرك فاك فورج كاست» في مقاطعة هوغلي (رويترز)

توسع قطاع التصنيع في الهند بوتيرة حادة في سبتمبر (أيلول)، منهياً تباطؤاً استمر ثلاثة أشهر، مع دفع قوة الطلب لنمو نشاط المصانع إلى أسرع وتيرة في سبعة أشهر، واستئناف التوظيف وتعزيز ثقة الشركات، وفق مسح خاص صدر يوم الخميس.

وارتفع مؤشر «إتش إس بي سي» لمديري مشتريات قطاع التصنيع في الهند، الذي تعدّه «ستاندرد آند بورز غلوبال»، إلى 55.1 نقطة في سبتمبر من أدنى مستوى له في 5 سنوات البالغ 52.8 نقطة في أغسطس (آب)، لكنه جاء دون التقدير الأولي البالغ 55.7 نقطة.

وكانت القراءة هي الأعلى منذ فبراير (شباط). وتشير قراءة المؤشر التي تتجاوز 50 نقطة إلى نمو النشاط.

وارتفعت الطلبات الجديدة بأسرع وتيرة منذ فبراير، مدفوعة بزيادة الطلب على المنتجات الإلكترونية والغذائية والدوائية والمنسوجات، وفقاً للمسح. كما تسارعت طلبات التصدير، مع إشارة المصنعين إلى زيادة الطلب من العملاء في البرازيل وأوروبا والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة.

وارتفع الإنتاج بشكل حاد، مع تسارع وتيرة التوسع إلى أقوى مستوى منذ مايو (أيار)، مدعوماً بالطلبات التجارية الجديدة وارتفاع الطلب.

وقال برانجول بهانداري، كبير الاقتصاديين لدى «إتش إس بي سي» في الهند: «اشترت الشركات مزيداً من المواد وزادت مخزوناتها استعداداً للمبيعات المتوقعة. وسجلت مخزونات السلع تامة الصنع ثاني أكبر زيادة لها في نحو 12 عاماً، ما يشير إلى تحول واضح عن مستويات المخزون المنخفضة».

وأدى ارتفاع الطلب أيضاً إلى استئناف التوظيف. ونما عدد العاملين بأقوى وتيرة منذ مايو، متعافياً من انخفاض فعلي في أغسطس، وهو أول تراجع في الوظائف الصناعية منذ عامين ونصف العام.

وارتفعت ثقة الشركات إلى أعلى مستوى في أربعة أشهر في سبتمبر، مدفوعة بالتفاؤل الناجم عن زيادة الاستفسارات الجديدة والتوقعات باستمرار الطلب.

وارتفعت ضغوط التكاليف، مع تسارع تضخم تكاليف المدخلات مقارنة بأغسطس، مدفوعاً بارتفاع أسعار المكونات الإلكترونية والمنتجات الدوائية والصلب. ومع ذلك، ظل معدل التضخم دون متوسطه طويل الأجل. كما ارتفعت أسعار البيع مقارنة بأغسطس، وإن كانت الزيادة متواضعة وبوتيرة بقيت أيضاً دون الاتجاه العام.

وظل التضخم أعلى من هدف بنك الاحتياطي الهندي البالغ 4 في المائة على المدى المتوسط للشهر الثالث على التوالي في أغسطس، مدفوعاً بارتفاع حاد في تكاليف الطاقة والغذاء. ولمواجهة ارتفاع التضخم، من المتوقع أن يرفع بنك الاحتياطي الهندي أسعار الفائدة بما مجموعه 50 نقطة أساس هذا العام إلى 5.75 في المائة.


«تاسي» يصمد أمام ضغوط الربع الثالث وينهي 9 أشهر قرب نقطة بداية العام

رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
TT

«تاسي» يصمد أمام ضغوط الربع الثالث وينهي 9 أشهر قرب نقطة بداية العام

رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)

أنهت سوق الأسهم السعودية الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 على تراجع محدود بلغ نحو 0.5 في المائة، مقارنة بخسارة بلغت 4.4 في المائة خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بعدما بددت الضغوط التي تعرضت لها السوق خلال الربع الثالث، وتحديداً في سبتمبر (أيلول)، المكاسب التي راكمها مؤشر السوق الرئيسية «تاسي» منذ بداية العام.

وأغلق «تاسي» جلسة الأربعاء، آخر تداولات سبتمبر والربع الثالث، عند 10440.64 نقطة، مقارنة بـ10490.69 نقطة في نهاية عام 2025 بخسارة بلغت نحو 50 نقطة، تعادل 0.48 في المائة منذ بداية العام.

ويظهر الأداء تحسناً نسبياً مقارنة بالفترة المماثلة من عام 2025، عندما تراجع المؤشر 4.43 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى، من 12036.50 نقطة في نهاية عام 2024 إلى 11502.97 نقطة بنهاية سبتمبر من العام الماضي.

ورغم الفارق في معدل الأداء بين الفترتين، فإن المستوى الحالي للمؤشر يظل أدنى بنحو 9.2 في المائة من إغلاق نهاية سبتمبر 2025، في ظل اختلاف قاعدة المقارنة، بعدما دخلت السوق عام 2026 من مستويات أدنى عقب التراجعات التي سجلتها خلال الأشهر الأخيرة من العام الماضي.

تباين بين الأرباع

واتسم أداء السوق خلال العام الحالي بتباين واضح بين الأرباع؛ إذ أنهى «تاسي» الربع الأول عند 11249.54 نقطة، مرتفعاً بنحو 7.2 في المائة منذ بداية العام، قبل أن يتراجع نحو 4 في المائة خلال الربع الثاني ويغلق يونيو (حزيران) عند 10799.92 نقطة.

وتواصلت الضغوط خلال الربع الثالث، ليفقد المؤشر نحو 3.3 في المائة إضافية حتى نهاية سبتمبر، مقارنة بارتفاع بلغ نحو 3 في المائة خلال الفترة نفسها من عام 2025.

وشكل سبتمبر نقطة التحول الأبرز في أداء السوق خلال العام؛ إذ بدأ المؤشر الشهر عند 11127.08 نقطة، مرتفعاً بأكثر من 6 في المائة منذ بداية 2026 قبل أن يفقد نحو 686 نقطة خلال شهر واحد، بما يعادل 6.17 في المائة، ليمحو كامل مكاسبه المتراكمة ويعود إلى المنطقة السلبية.

ويأتي ذلك مقابل ارتفاع بلغ نحو 7.5 في المائة سجله المؤشر خلال سبتمبر من العام الماضي، ما يعكس تبايناً واضحاً في أداء السوق بين الفترتين.

مستثمر يعبر أمام شعار «تداول» في السوق السعودية (رويترز)

تراجع السيولة

وعلى صعيد السيولة، أظهرت بيانات التداول خلال فترات سابقة من العام تراجعاً مقارنة بعام 2025، إذ بلغت قيمة الأسهم المتداولة في الربع الأول نحو 291 مليار ريال، بانخفاض يقارب 20 في المائة على أساس سنوي، بينما بلغت قيمة التداولات في جلسة نهاية سبتمبر نحو 4.25 مليار ريال.

وقال الخبير المالي والاقتصادي وعضو «جمعية الاقتصاد» السعودية الدكتور سليمان آل حميد الخالدي، لـ«الشرق الأوسط»، إن بقاء «تاسي» قريباً من مستويات بداية عام 2026، رغم موجة الضغوط التي تعرض لها خلال الربع الثالث، يعكس قدرة السوق على امتصاص قدر كبير من المتغيرات الداخلية والخارجية، ويظهر فارقاً واضحاً مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، عندما تجاوزت خسائر المؤشر 4 في المائة.

تماسك القطاعات القيادية

وأوضح أن من أبرز العوامل التي دعمت هذا التماسك دخول السوق العام الحالي من قاعدة سعرية أقل وتقييمات أكثر جاذبية بعد الخسائر التي سجلها خلال 2025، ما خفف نسبياً من حدة الضغوط البيعية، مضيفاً أن تماسك عدد من القطاعات القيادية، وفي مقدمتها البنوك والطاقة، إلى جانب استمرار قوة النشاط الاقتصادي غير النفطي والتوزيعات النقدية الجيدة لعدد من الشركات، أسهم في توفير دعم للسوق.

وأشار إلى أن استمرار الإصلاحات التنظيمية وتعزيز مستويات الإفصاح والحوكمة وتطوير البيئة الاستثمارية وزيادة انفتاح السوق أمام المستثمرين الدوليين تمثل عوامل داعمة للثقة على المديين المتوسط والطويل.

وعن تراجع السوق خلال الربع الثالث، قال الخالدي إن فقدان معظم مكاسب النصف الأول جاء نتيجة تزامن مجموعة من الضغوط، من بينها تصاعد الحذر المرتبط بالتطورات الجيوسياسية الإقليمية وتقلب أسعار النفط، إلى جانب عمليات جني الأرباح بعد المكاسب القوية التي حققها المؤشر في الربع الأول، لافتاً إلى أن ضعف السيولة شكّل أحد عناصر الضغط، وأن أي ارتداد مستدام يحتاج إلى عودة واضحة لقيم التداول وزيادة مشاركة المستثمرين.

وأضاف أن تراجع بعض الأسهم والقطاعات ذات الوزن الكبير ضغط أيضاً على حركة المؤشر، بالتزامن مع حالة ترقّب لنتائج الشركات للربع الثالث ومسار أسعار الفائدة والتطورات الاقتصادية العالمية.

«أقرب إلى إعادة تسعير»

ويرى الخالدي أن ما شهدته السوق خلال الربع الثالث «أقرب إلى إعادة تسعير وارتفاع في درجة الانتقائية، وليس تغيراً جوهرياً في أساسيات الاقتصاد السعودي»، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة ستعتمد بدرجة كبيرة على نتائج الشركات واتجاه السيولة وأسعار النفط وقدرة القطاعات القيادية على استعادة الزخم.

حذر وانتقائية

من جانبه، قال الرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد» محمد حمدي عمر، لـ«الشرق الأوسط»، إن تراجع مستويات السيولة لا ينبغي تفسيره بالضرورة باعتباره خروجاً للمستثمرين أو فقداناً للثقة، بقدر ما يعكس ارتفاعاً في درجة الحذر وانتقال المستثمرين إلى مرحلة أكثر انتقائية في اتخاذ القرارات، موضحاً أن ارتفاع مستويات عدم اليقين يجعل المستثمر أقل استعداداً لبناء مراكز كبيرة أو طويلة الأجل، ويدفعه إلى الاحتفاظ بجزء أكبر من السيولة انتظاراً لمحفزات أكثر وضوحاً.

وأضاف أن ما تشهده السوق حالياً «أقرب إلى حالة ترقب وإعادة تسعير للمخاطر منه إلى تغير هيكلي كامل في طبيعة التداول»، إلا أن استمرار انخفاض السيولة لفترة ممتدة قد يؤدي تدريجياً إلى تركّز التداولات بصورة أكبر في الشركات ذات النتائج القوية والتدفقات النقدية الواضحة والتقييمات الأكثر جاذبية.

التطورات الجيوسياسية

وأشار عمر إلى أن التطورات الجيوسياسية وأسعار النفط والفائدة ستظل من أبرز العوامل المؤثرة في السوق خلال الربع الأخير، لافتاً إلى ترابط هذه العوامل وتأثيرها في شهية المخاطرة والتضخم وتوقعات أسعار الفائدة، مضيفاً أن استمرار بيئة الفائدة المرتفعة يعني بقاء المنافسة قوية بين الأسهم والأدوات ذات العائد الثابت، إلى جانب رفع تكلفة التمويل والضغط بدرجات متفاوتة على تقييمات الشركات والقطاعات الأكثر اعتماداً على الاقتراض.

وفيما يتعلق بالنفط، أشار إلى أنه سيظل مؤثراً في توجهات المستثمرين نظراً إلى ارتباطه بالتوقعات الاقتصادية والمالية في المملكة، إلا أن ارتفاع أسعاره لا يمكن النظر إليه دائماً بوصفه مؤشراً إيجابياً منفرداً؛ خصوصاً عندما يكون جزء من الارتفاع مرتبطاً باضطرابات الإمدادات والمخاطر الجيوسياسية.

نتائج الشركات المرتقبة

ويرى عمر أن نتائج الشركات ستكون من أكثر العوامل قدرة على إحداث التمايز داخل السوق خلال المرحلة المقبلة، موضحاً أنه في بيئة تتراجع فيها السيولة وترتفع فيها المخاطر «تتحول السوق من حركة جماعية إلى سوق انتقائية».

وأضاف أن المستثمرين سيعطون وزناً أكبر لقدرة الشركات على تحقيق نمو حقيقي في الأرباح والتدفقات النقدية والمحافظة على هوامش الربحية، في حين قد تكون الشركات الأكثر حساسية للفائدة أو التي تتداول عند تقييمات مرتفعة دون نمو موازٍ أكثر عرضة لتقلبات الأسعار.

وتدخل السوق السعودية الربع الأخير من عام 2026 من مستويات قريبة من نقطة بداية العام، بعدما تحولت مكاسب تجاوزت 7 في المائة في نهاية الربع الأول إلى خسارة محدودة بنهاية سبتمبر، وسط ترقّب لنتائج أداء الشركات خلال الربع الثالث واتجاه السيولة وتحركات أسعار النفط ومسار الفائدة والتطورات الجيوسياسية.


«الخزانة» الأميركية تقلص مشتريات السندات وتربك المستثمرين

متداولون يعملون في بورصة نيويورك للأوراق المالية (إ.ب.أ)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك للأوراق المالية (إ.ب.أ)
TT

«الخزانة» الأميركية تقلص مشتريات السندات وتربك المستثمرين

متداولون يعملون في بورصة نيويورك للأوراق المالية (إ.ب.أ)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك للأوراق المالية (إ.ب.أ)

تشتري وزارة الخزانة الأميركية سندات طويلة الأجل بكميات أقل من المتوقع ضمن برنامج إعادة الشراء، حتى بعد مضاعفة الحد الأقصى للمشتريات، ما أثار نقاشاً بين المستثمرين حول أهداف البرنامج ومدى نجاحه في تحقيقها.

ويتيح البرنامج لحائزي السندات تقديم أوراق مالية محددة إلى الخزانة، مع تحديد الأسعار التي يرغبون في البيع عندها. ورغم أن الوزارة رفعت الشهر الماضي سقف المشتريات إلى 6 مليارات دولار من ملياري دولار، فإنها ليست ملزمة باستخدام كامل المبلغ، إذ يمكنها رفض العروض التي ترى أن أسعارها مرتفعة.

وفي أحدث العمليات، قبلت الخزانة نحو نصف السندات المعروضة، بينما جاءت مشترياتها في كل مرة دون السقف المحدد، وتركزت في عدد محدود من الإصدارات.

وأثار ذلك تساؤلات لدى بعض مديري المحافظ والمحللين عن سبب زيادة حجم البرنامج إذا لم تكن الخزانة تعتزم شراء الكمية المتاحة، بينما يرى آخرون أن الوزارة تنفذ ما تعهدت به، طالما أنها تشتري السندات وفق الأسعار التي تراها مناسبة.

وقال بادهرايك غارفي، رئيس الأبحاث الإقليمي في الأميركتين لدى «آي إن جي»، إن الخزانة «لها كامل الحق في شراء كمية أقل مما تستطيع إذا لم تعجبها الشروط»، مشيراً إلى أنها «تملك دائماً خيار شراء المزيد».

سيولة كافية

ويصف وزير الخزانة سكوت بيسنت البرنامج بأنه إجراء فني يهدف إلى مساعدة المستثمرين على تداول السندات الحكومية القديمة والأقل سيولة.

وإذا كان الهدف الأساسي هو توفير شبكة أمان للسيولة، أي دعم القدرة على شراء وبيع السندات بالأسعار السائدة من دون تحريك السوق بشكل كبير، فإن البرنامج يبدو مؤدياً لهذا الدور، وفقاً للمحللين، حتى مع ارتفاع عوائد السندات خلال الأسابيع الأخيرة.

وقال توماس سايمونز، كبير الاقتصاديين الأميركيين لدى «جيفريز»، إن المستثمرين الذين يحتاجون فعلاً إلى السيولة «سيقدمون عرضاً قوياً»، مضيفاً أن من يصرون على أسعار أعلى «لا يبدو أنهم بحاجة إلى السيولة إلى هذه الدرجة».

وقد يعكس انخفاض نسبة قبول العروض أيضاً نجاح البرنامج في إخراج بعض السندات القديمة والأقل تداولاً من السوق، ما يترك في حوزة المستثمرين سندات لا يرغبون في بيعها أو لا يجدون حاجة ملحة للتخارج منها.

وأشار سايمونز إلى أن عمليات سابقة لإعادة شراء السندات طويلة الأجل اجتذبت عروضاً تراوحت قيمتها بين 20 و30 مليار دولار، مقارنة بـ10.47 مليار دولار في أحدث عملية. ومن المقرر أن تشتري الخزانة الخميس ما يصل إلى 6 مليارات دولار إضافية من السندات التي تستحق خلال 10 إلى 20 عاماً.

وتستهدف عمليات إعادة الشراء في جانب منها سندات منخفضة العائد أُصدرت خلال فترة جائحة «كوفيد - 19»، عندما كانت أسعار الفائدة عند مستويات شديدة الانخفاض. ومع ارتفاع عوائد السوق حالياً، تراجعت أسعار هذه السندات كثيراً عن قيمتها الاسمية، ما يجعل تداول كميات كبيرة منها أكثر صعوبة، ويجعل بعضها رخيصاً نسبياً بالنسبة إلى الخزانة.

ويرى جون لوك تاينر، رئيس الدخل الثابت ومدير المحافظ لدى «أبتوس كابيتال أدفايزرز»، أن ذلك قد يمنح البرنامج بعداً آخر يتعلق بإدارة الدين، إلى جانب دعم السيولة.

وقال تاينر إن شراء السندات التي أُصدرت خلال فترة الجائحة، والتي يجري تداول بعضها عند 50 إلى 60 سنتاً للدولار، قد يمثل وسيلة جذابة لإدارة الدين. لكن إعادة شراء هذه السندات تتطلب في المقابل تمويلاً، وهو ما قد يعني إصدار أذون خزانة قصيرة الأجل بعوائد أعلى بكثير من معدلات الكوبون على السندات التي يجري سحبها.

توقيت التوسع يزيد الغموض

وتعود التساؤلات حول الغرض من البرنامج إلى قرار الخزانة في 19 أغسطس (آب) توسيع عمليات إعادة الشراء، مع تعهدها بزيادة أحجام المشتريات للسندات التي تستحق خلال 10 إلى 30 عاماً بما لا يقل عن الضعف.

وجاء الإعلان بعد أسبوعين فقط من عملية إعادة التمويل الفصلية، وهي المناسبة التي اعتاد المستثمرون خلالها الحصول على تحديثات بشأن خطط الاقتراض وإدارة الدين. ومن المقرر عقد عملية إعادة التمويل الفصلية التالية في الأسبوع الأول من نوفمبر (تشرين الثاني).

وأدى هذا التوقيت غير المعتاد، بالتزامن مع موجة بيع كانت تدفع عوائد السندات إلى الارتفاع، إلى تكهنات في السوق بأن توسيع البرنامج قد يكون محاولة للحد من ارتفاع العوائد.

غير أن غارفي يرى أن استمرار ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل منذ الإعلان عن توسيع البرنامج يعكس بدرجة أكبر تسعير السوق لاحتمال بقاء أسعار الفائدة الأميركية مرتفعة لفترة أطول، وليس فشل برنامج إعادة الشراء.

ويعتبر غارفي أن فارق عوائد المبادلات، الذي يقيس تكلفة سندات الخزانة مقارنة بمعيار الإقراض الخاص «سوفر»، يمثل مؤشراً أفضل على تأثير البرنامج. وقد ضاق هذا الفارق، بما يشير، وفقاً له، إلى أن عمليات الخزانة تحقق الهدف الذي حدده بيسنت.

وقال غارفي: «لقد ضيّق فارق عوائد المبادلات. هذا كل ما يستطيع فعله».