بيسنت يعزّز دوره بوصفه «متداول السندات الأول» لأميركا

وزارة الخزانة أبدت استعداداً للتدخل بعدما اقتربت العوائد من أعلى مستوياتها في عقدين

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (رويترز)
TT

بيسنت يعزّز دوره بوصفه «متداول السندات الأول» لأميركا

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (رويترز)

أبدى وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت استعداداً متزايداً للتدخل في أسواق السندات، في وقت تواجه فيه الإدارة الأميركية ارتفاعاً غير مريح في تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وأعلنت وزارة الخزانة، الأربعاء، أنها ستزيد بصورة كبيرة مشترياتها من السندات الحكومية ضمن برنامجها القائم لإعادة شراء الديون، في خطوة جاءت بعدما تجاوز عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً مستوى 5.3 في المائة هذا الأسبوع، مسجلاً أعلى مستوى له في نحو عقدين.

وبموجب الخطة الجديدة، سترفع الخزانة، ابتداءً من 9 سبتمبر (أيلول)، الحد الأقصى لمشترياتها من سندات الخزانة التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، مقارنة مع ملياري دولار حالياً، وفق تقرير لصحيفة «وول سترييت جورنال» الأميركية.

وسرعان ما انعكس الإعلان على الأسواق؛ إذ تراجعت عوائد سندات الخزانة، في حين ارتفعت الأسهم الأميركية.

وقال جيم بيانكو، رئيس «بيانكو ريسيرش»، في منشور على منصة «إكس» عقب الإعلان: «كنت أقول إن متداولي السندات يمكنهم التوقف عن الذعر عندما يبدأ الاحتياطي الفيدرالي بالذعر. أعتقد أنني كان يجب أن أقول: عندما يبدأ سكوت بيسنت بالذعر».

ويعزّز التحرك صورة بيسنت، مدير صناديق التحوط السابق، بصفته وزير خزانة يتمتع بخبرة واسعة في الأسواق ولا يتردد في استخدام أدوات غير تقليدية للتأثير في أسعار الأصول والعملات.

وكان بيسنت قد وصف نفسه سابقاً بأنه «أبرز بائع للسندات في البلاد»، وتحدث صراحة عن رغبته في خفض عوائد السندات من أجل تقليل تكاليف الرهن العقاري والاقتراض في الاقتصاد الأميركي.

لكن هذه المساعي لم تسِر وفق المخطط، في وقت تتجه فيه عوائد السندات إلى الارتفاع، وتقترب معدلات الرهن العقاري من 7 في المائة، في حين يستقر عجز الموازنة عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى يفوق كثيراً هدف بيسنت البالغ 3 في المائة على المدى الطويل.

محاولة لتهدئة سوق السندات

قدمت وزارة الخزانة برنامج إعادة الشراء بصفته إجراءً فنياً لتحسين سيولة سوق السندات، لكن كثيراً من المستثمرين في «وول ستريت» رأوا فيه محاولة واضحة لتحقيق هدف بيسنت المعلن بخفض تكاليف الاقتراض.

وبالفعل، تراجع عائد السندات لأجل 30 عاماً بنحو عُشر نقطة مئوية في الساعات الأولى التي أعقبت الإعلان، وهو تحرك كبير خلال فترة زمنية قصيرة.

وقال جون بريغز، رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأميركية لدى «ناتيكسيس كوربوريت آند إنفستمنت بانكينغ»، إن توقيت الإعلان يشير بوضوح إلى أن «المسؤولين لم يعجبهم ما كان يحدث»، وفق ما كتبت صحيفة «وول ستريت جورنال».

وأضاف أن الخطوة، حتى لو لم تنتهِ الخزانة إلى شراء كميات كبيرة من السندات، تبعث برسالة مفادها أن الحكومة يمكنها دائماً اتخاذ مزيد من الإجراءات للحفاظ على العوائد تحت السيطرة.

وقال ستيف مور، المستشار الاقتصادي الخارجي السابق للرئيس دونالد ترمب، وأحد حلفاء بيسنت: «إنه يتمتع بخبرة مالية كبيرة، ويرى أن هذه الخطوة وسيلة لتخفيف الضغوط على أسعار الفائدة».

وزير الخزانة ‌الأميركي ‌سكوت ​بيسنت يتحدث للصحافيين خارج البيت الأبيض (أ.ب)

عوائد السندات في قلب السياسة الاقتصادية

لا يقتصر السعي إلى خفض عوائد السندات على بيسنت. فالرئيس دونالد ترمب نفسه يضغط منذ فترة طويلة من أجل خفض أسعار الفائدة، في ظل ضغوط تكاليف المعيشة التي شكلت أحد أبرز دوافع الناخبين.

وكان ترمب قد انتقد مراراً أسعار الفائدة التي يحددها «الاحتياطي الفيدرالي»، داعياً إلى خفضها.

لكن قدرة وزارة الخزانة على التأثير في العوائد كانت موضع شك لدى كثير من المراقبين؛ إذ تحدد الأسواق أسعار السندات بدرجة كبيرة وفقاً للتوقعات الاقتصادية ومسار التضخم وتقديرات المستثمرين بشأن استجابة «الاحتياطي الفيدرالي» لهذه التطورات.

وفي إحدى خطواته لخفض العوائد، قاد بيسنت جهوداً لتخفيف قواعد مصرفية تعود إلى فترة الأزمة المالية؛ إذ رأى بعض المسؤولين أن تلك القواعد تحدّ من قدرة البنوك على الاحتفاظ بكميات أكبر من سندات الخزانة.

كما امتنعت وزارة الخزانة عن زيادة أحجام مزادات الديون متوسطة وطويلة الأجل، وهي خطوة يرى معظم المحللين أنها ستكون ضرورية في نهاية المطاف لتمويل الإنفاق الحكومي المرتفع.

لكن العوائد واصلت الارتفاع، مدفوعة بدرجة كبيرة بالتضخم المرتفع بصورة مستمرة والنمو الاقتصادي الأقوى من المتوقع. ودفع هذا المزيج المستثمرين إلى المراهنة على أن الخطوة المقبلة لـ«الاحتياطي الفيدرالي» قد تكون رفع أسعار الفائدة.

هل يمكن للخزانة أن تنافس «الفيدرالي»؟

أثارت تحركات بيسنت تساؤلات أوسع حول الدور الذي باتت تلعبه وزارة الخزانة في الأسواق، وما إذا كانت تقترب من التأثير في ظروف الائتمان التي كانت تقليدياً من اختصاص «الاحتياطي الفيدرالي».

وخلال الأزمة المالية العالمية وبعدها، استخدم «الاحتياطي الفيدرالي» عمليات شراء الأصول لتهدئة الأسواق وخفض تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

لكن بيسنت يختار مساراً مختلفاً. فبدلاً من توسيع الميزانية العمومية لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، تسعى وزارة الخزانة إلى إعادة شراء سندات قائمة، بما يمكن أن يخفف الضغوط في الجزء الطويل من منحنى العائد.

وقد تدخل بيسنت مرتين أيضاً في أسواق العملات، عبر شراء البيزو الأرجنتيني والين الياباني، في تحركات عُدَّت غير معتادة؛ لأنها لم تأتِ بالضرورة ضمن جهود دولية منسقة.

ويقول بعض المستثمرين إن هذه السياسة تثير تساؤلات حول حدود تدخل وزارة الخزانة في الأسواق، خصوصاً في ظل ارتفاع الدين الحكومي الأميركي وتزايد احتياجات الاقتراض.

تأثير محدود في مواجهة حجم الدين

ورغم الضجة التي أحدثها الإعلان، يشكك بعض المستثمرين في قدرة برنامج إعادة الشراء على إحداث تغيير دائم في سوق السندات.

فالخزانة الأميركية تعيد بالفعل شراء سندات قديمة منذ عامين، والهدف الرسمي للبرنامج هو دعم السيولة، وليس خفض عوائد الإصدارات الجديدة، وإنما منع ارتفاع عوائد السندات القديمة بسبب انخفاض تداولها.

وبموجب الخطة الجديدة، سترفع الخزانة الحد الأقصى لمشترياتها من سندات الخزانة لأجل 10 إلى 30 عاماً من ملياري دولار إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، اعتباراً من 9 سبتمبر (أيلول) وحتى 4 نوفمبر (تشرين الثاني) على الأقل.

وإذا استمرت عمليات الشراء بالوتيرة الجديدة، فستعيد الخزانة شراء نحو 128 مليار دولار من هذه السندات سنوياً، وهو ما يعادل قرابة 30 في المائة من الإصدارات المتوقعة لهذه الآجال، لكنه لا يتجاوز 2.4 في المائة من إجمالي الدين القائم لهذه الاستحقاقات، وفق تقديرات «ناتيكسيس».

وقال سورين إريكسون، متداول أدوات الدخل الثابت لدى «بادغلي فيلبس»: «إنها مجرد قطعة أخرى من الضوضاء. إنهم يفعلون ما يستطيعون، لكن ما مدى فاعليتهم فعلاً في ظل جميع العوامل الأخرى الموجودة في السوق؟».

ويرى منتقدون أن زيادة عمليات إعادة الشراء قد تكون ذات دوافع سياسية، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

وقال إديسون بيزيكا، كبير مسؤولي الاستثمار لدى «كريدنت ويلث مانجمنت»، إن زيادة عمليات إعادة الشراء تبدو سياسية وتهدف إلى خفض أسعار الفائدة قبل انتخابات التجديد النصفي، مضيفاً أن ذلك «يثير تساؤلات حول مصداقية سوق السندات الأميركية»، وقد يدفع المستثمرين إلى البحث عن بدائل مثل الأسهم ذات التوزيعات النقدية.

الخلاصة: تحرك بيسنت لا يمثل مجرد عملية فنية لتحسين سيولة سوق السندات؛ فهو يعكس استعداد وزارة الخزانة لاستخدام ميزانيتها وأدواتها للتأثير في تكاليف الاقتراض، في وقت تتزايد فيه الضغوط الناجمة عن التضخم والدين والعجز. لكن السؤال الأكبر هو ما إذا كانت هذه التدخلات قادرة على عكس الاتجاه طويل الأجل للعوائد، أم أنها ستمنح السوق هدنة مؤقتة فقط.


مقالات ذات صلة

«الخزانة» الأميركية تقلص مشتريات السندات وتربك المستثمرين

الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك للأوراق المالية (إ.ب.أ)

«الخزانة» الأميركية تقلص مشتريات السندات وتربك المستثمرين

تشتري وزارة الخزانة الأميركية سندات طويلة الأجل بكميات أقل من المتوقع ضمن برنامج إعادة الشراء، حتى بعد مضاعفة الحد الأقصى للمشتريات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد صورة أرشيفية لزيارة مفاجئة قام بها ترمب لموقع أعمال تجديد مبنى الاحتياطي الفيدرالي في يوليو 2025 (أ.ب)

مفتش «الفيدرالي» يستبعد المخالفات في مشروع التجديد... وترمب يطالب باول بالاستقالة

استبعد المفتش العام لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وجود مخالفات جنائية أو إدارية مرتبطة بتضخم تكلفة مشروع تجديد مباني البنك المركزي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداولون في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

السندات العالمية تنهي سبتمبر على وقع أسوأ شهر في سنوات... والأسهم تتراجع

أنهت أسواق السندات العالمية سبتمبر (أيلول) في واحدة من أسوأ فتراتها خلال سنوات، فيما تراجعت الأسهم الأميركية والأوروبية خلال الشهر.

«الشرق الأوسط»
الاقتصاد ترمب يصرّح للصحافيين في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن (إ.ب.أ)

ترمب يعلن استثمارات كورية بـ200 مليار دولار... وسيول تتحفظ على مشروع ألاسكا

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأربعاء خطة لاستثمارات كورية جنوبية تصل قيمتها إلى 200 مليار دولار في مشاريع داخل الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن، سيول)
الاقتصاد لافتة «مطلوب موظفون» معلقة على نافذة مطعم في ميدفورد - ماساتشوستس (رويترز)

تضخم أهدأ ونمو أقوى يربكان حسابات «الفيدرالي»

رسمت البيانات الاقتصادية الأميركية الصادرة الأربعاء، صورة مزدوجة للاقتصاد، مع مراجعة قوية بالزيادة لنمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

نمو قطاع التصنيع في الهند يرتفع إلى أعلى مستوى في 7 أشهر

يجري موظفون فحصاً لجودة سلامة القضبان على إحدى الآلات داخل مصنع «آرك فاك فورج كاست» في مقاطعة هوغلي (رويترز)
يجري موظفون فحصاً لجودة سلامة القضبان على إحدى الآلات داخل مصنع «آرك فاك فورج كاست» في مقاطعة هوغلي (رويترز)
TT

نمو قطاع التصنيع في الهند يرتفع إلى أعلى مستوى في 7 أشهر

يجري موظفون فحصاً لجودة سلامة القضبان على إحدى الآلات داخل مصنع «آرك فاك فورج كاست» في مقاطعة هوغلي (رويترز)
يجري موظفون فحصاً لجودة سلامة القضبان على إحدى الآلات داخل مصنع «آرك فاك فورج كاست» في مقاطعة هوغلي (رويترز)

توسع قطاع التصنيع في الهند بوتيرة حادة في سبتمبر (أيلول)، منهياً تباطؤاً استمر ثلاثة أشهر، مع دفع قوة الطلب لنمو نشاط المصانع إلى أسرع وتيرة في سبعة أشهر، واستئناف التوظيف وتعزيز ثقة الشركات، وفق مسح خاص صدر يوم الخميس.

وارتفع مؤشر «إتش إس بي سي» لمديري مشتريات قطاع التصنيع في الهند، الذي تعدّه «ستاندرد آند بورز غلوبال»، إلى 55.1 نقطة في سبتمبر من أدنى مستوى له في 5 سنوات البالغ 52.8 نقطة في أغسطس (آب)، لكنه جاء دون التقدير الأولي البالغ 55.7 نقطة.

وكانت القراءة هي الأعلى منذ فبراير (شباط). وتشير قراءة المؤشر التي تتجاوز 50 نقطة إلى نمو النشاط.

وارتفعت الطلبات الجديدة بأسرع وتيرة منذ فبراير، مدفوعة بزيادة الطلب على المنتجات الإلكترونية والغذائية والدوائية والمنسوجات، وفقاً للمسح. كما تسارعت طلبات التصدير، مع إشارة المصنعين إلى زيادة الطلب من العملاء في البرازيل وأوروبا والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة.

وارتفع الإنتاج بشكل حاد، مع تسارع وتيرة التوسع إلى أقوى مستوى منذ مايو (أيار)، مدعوماً بالطلبات التجارية الجديدة وارتفاع الطلب.

وقال برانجول بهانداري، كبير الاقتصاديين لدى «إتش إس بي سي» في الهند: «اشترت الشركات مزيداً من المواد وزادت مخزوناتها استعداداً للمبيعات المتوقعة. وسجلت مخزونات السلع تامة الصنع ثاني أكبر زيادة لها في نحو 12 عاماً، ما يشير إلى تحول واضح عن مستويات المخزون المنخفضة».

وأدى ارتفاع الطلب أيضاً إلى استئناف التوظيف. ونما عدد العاملين بأقوى وتيرة منذ مايو، متعافياً من انخفاض فعلي في أغسطس، وهو أول تراجع في الوظائف الصناعية منذ عامين ونصف العام.

وارتفعت ثقة الشركات إلى أعلى مستوى في أربعة أشهر في سبتمبر، مدفوعة بالتفاؤل الناجم عن زيادة الاستفسارات الجديدة والتوقعات باستمرار الطلب.

وارتفعت ضغوط التكاليف، مع تسارع تضخم تكاليف المدخلات مقارنة بأغسطس، مدفوعاً بارتفاع أسعار المكونات الإلكترونية والمنتجات الدوائية والصلب. ومع ذلك، ظل معدل التضخم دون متوسطه طويل الأجل. كما ارتفعت أسعار البيع مقارنة بأغسطس، وإن كانت الزيادة متواضعة وبوتيرة بقيت أيضاً دون الاتجاه العام.

وظل التضخم أعلى من هدف بنك الاحتياطي الهندي البالغ 4 في المائة على المدى المتوسط للشهر الثالث على التوالي في أغسطس، مدفوعاً بارتفاع حاد في تكاليف الطاقة والغذاء. ولمواجهة ارتفاع التضخم، من المتوقع أن يرفع بنك الاحتياطي الهندي أسعار الفائدة بما مجموعه 50 نقطة أساس هذا العام إلى 5.75 في المائة.


«تاسي» يصمد أمام ضغوط الربع الثالث وينهي 9 أشهر قرب نقطة بداية العام

رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
TT

«تاسي» يصمد أمام ضغوط الربع الثالث وينهي 9 أشهر قرب نقطة بداية العام

رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)
رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم في السوق السعودية (رويترز)

أنهت سوق الأسهم السعودية الأشهر التسعة الأولى من عام 2026 على تراجع محدود بلغ نحو 0.5 في المائة، مقارنة بخسارة بلغت 4.4 في المائة خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بعدما بددت الضغوط التي تعرضت لها السوق خلال الربع الثالث، وتحديداً في سبتمبر (أيلول)، المكاسب التي راكمها مؤشر السوق الرئيسية «تاسي» منذ بداية العام.

وأغلق «تاسي» جلسة الأربعاء، آخر تداولات سبتمبر والربع الثالث، عند 10440.64 نقطة، مقارنة بـ10490.69 نقطة في نهاية عام 2025 بخسارة بلغت نحو 50 نقطة، تعادل 0.48 في المائة منذ بداية العام.

ويظهر الأداء تحسناً نسبياً مقارنة بالفترة المماثلة من عام 2025، عندما تراجع المؤشر 4.43 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى، من 12036.50 نقطة في نهاية عام 2024 إلى 11502.97 نقطة بنهاية سبتمبر من العام الماضي.

ورغم الفارق في معدل الأداء بين الفترتين، فإن المستوى الحالي للمؤشر يظل أدنى بنحو 9.2 في المائة من إغلاق نهاية سبتمبر 2025، في ظل اختلاف قاعدة المقارنة، بعدما دخلت السوق عام 2026 من مستويات أدنى عقب التراجعات التي سجلتها خلال الأشهر الأخيرة من العام الماضي.

تباين بين الأرباع

واتسم أداء السوق خلال العام الحالي بتباين واضح بين الأرباع؛ إذ أنهى «تاسي» الربع الأول عند 11249.54 نقطة، مرتفعاً بنحو 7.2 في المائة منذ بداية العام، قبل أن يتراجع نحو 4 في المائة خلال الربع الثاني ويغلق يونيو (حزيران) عند 10799.92 نقطة.

وتواصلت الضغوط خلال الربع الثالث، ليفقد المؤشر نحو 3.3 في المائة إضافية حتى نهاية سبتمبر، مقارنة بارتفاع بلغ نحو 3 في المائة خلال الفترة نفسها من عام 2025.

وشكل سبتمبر نقطة التحول الأبرز في أداء السوق خلال العام؛ إذ بدأ المؤشر الشهر عند 11127.08 نقطة، مرتفعاً بأكثر من 6 في المائة منذ بداية 2026 قبل أن يفقد نحو 686 نقطة خلال شهر واحد، بما يعادل 6.17 في المائة، ليمحو كامل مكاسبه المتراكمة ويعود إلى المنطقة السلبية.

ويأتي ذلك مقابل ارتفاع بلغ نحو 7.5 في المائة سجله المؤشر خلال سبتمبر من العام الماضي، ما يعكس تبايناً واضحاً في أداء السوق بين الفترتين.

مستثمر يعبر أمام شعار «تداول» في السوق السعودية (رويترز)

تراجع السيولة

وعلى صعيد السيولة، أظهرت بيانات التداول خلال فترات سابقة من العام تراجعاً مقارنة بعام 2025، إذ بلغت قيمة الأسهم المتداولة في الربع الأول نحو 291 مليار ريال، بانخفاض يقارب 20 في المائة على أساس سنوي، بينما بلغت قيمة التداولات في جلسة نهاية سبتمبر نحو 4.25 مليار ريال.

وقال الخبير المالي والاقتصادي وعضو «جمعية الاقتصاد» السعودية الدكتور سليمان آل حميد الخالدي، لـ«الشرق الأوسط»، إن بقاء «تاسي» قريباً من مستويات بداية عام 2026، رغم موجة الضغوط التي تعرض لها خلال الربع الثالث، يعكس قدرة السوق على امتصاص قدر كبير من المتغيرات الداخلية والخارجية، ويظهر فارقاً واضحاً مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، عندما تجاوزت خسائر المؤشر 4 في المائة.

تماسك القطاعات القيادية

وأوضح أن من أبرز العوامل التي دعمت هذا التماسك دخول السوق العام الحالي من قاعدة سعرية أقل وتقييمات أكثر جاذبية بعد الخسائر التي سجلها خلال 2025، ما خفف نسبياً من حدة الضغوط البيعية، مضيفاً أن تماسك عدد من القطاعات القيادية، وفي مقدمتها البنوك والطاقة، إلى جانب استمرار قوة النشاط الاقتصادي غير النفطي والتوزيعات النقدية الجيدة لعدد من الشركات، أسهم في توفير دعم للسوق.

وأشار إلى أن استمرار الإصلاحات التنظيمية وتعزيز مستويات الإفصاح والحوكمة وتطوير البيئة الاستثمارية وزيادة انفتاح السوق أمام المستثمرين الدوليين تمثل عوامل داعمة للثقة على المديين المتوسط والطويل.

وعن تراجع السوق خلال الربع الثالث، قال الخالدي إن فقدان معظم مكاسب النصف الأول جاء نتيجة تزامن مجموعة من الضغوط، من بينها تصاعد الحذر المرتبط بالتطورات الجيوسياسية الإقليمية وتقلب أسعار النفط، إلى جانب عمليات جني الأرباح بعد المكاسب القوية التي حققها المؤشر في الربع الأول، لافتاً إلى أن ضعف السيولة شكّل أحد عناصر الضغط، وأن أي ارتداد مستدام يحتاج إلى عودة واضحة لقيم التداول وزيادة مشاركة المستثمرين.

وأضاف أن تراجع بعض الأسهم والقطاعات ذات الوزن الكبير ضغط أيضاً على حركة المؤشر، بالتزامن مع حالة ترقّب لنتائج الشركات للربع الثالث ومسار أسعار الفائدة والتطورات الاقتصادية العالمية.

«أقرب إلى إعادة تسعير»

ويرى الخالدي أن ما شهدته السوق خلال الربع الثالث «أقرب إلى إعادة تسعير وارتفاع في درجة الانتقائية، وليس تغيراً جوهرياً في أساسيات الاقتصاد السعودي»، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة ستعتمد بدرجة كبيرة على نتائج الشركات واتجاه السيولة وأسعار النفط وقدرة القطاعات القيادية على استعادة الزخم.

حذر وانتقائية

من جانبه، قال الرئيس التنفيذي لشركة «جي وورلد» محمد حمدي عمر، لـ«الشرق الأوسط»، إن تراجع مستويات السيولة لا ينبغي تفسيره بالضرورة باعتباره خروجاً للمستثمرين أو فقداناً للثقة، بقدر ما يعكس ارتفاعاً في درجة الحذر وانتقال المستثمرين إلى مرحلة أكثر انتقائية في اتخاذ القرارات، موضحاً أن ارتفاع مستويات عدم اليقين يجعل المستثمر أقل استعداداً لبناء مراكز كبيرة أو طويلة الأجل، ويدفعه إلى الاحتفاظ بجزء أكبر من السيولة انتظاراً لمحفزات أكثر وضوحاً.

وأضاف أن ما تشهده السوق حالياً «أقرب إلى حالة ترقب وإعادة تسعير للمخاطر منه إلى تغير هيكلي كامل في طبيعة التداول»، إلا أن استمرار انخفاض السيولة لفترة ممتدة قد يؤدي تدريجياً إلى تركّز التداولات بصورة أكبر في الشركات ذات النتائج القوية والتدفقات النقدية الواضحة والتقييمات الأكثر جاذبية.

التطورات الجيوسياسية

وأشار عمر إلى أن التطورات الجيوسياسية وأسعار النفط والفائدة ستظل من أبرز العوامل المؤثرة في السوق خلال الربع الأخير، لافتاً إلى ترابط هذه العوامل وتأثيرها في شهية المخاطرة والتضخم وتوقعات أسعار الفائدة، مضيفاً أن استمرار بيئة الفائدة المرتفعة يعني بقاء المنافسة قوية بين الأسهم والأدوات ذات العائد الثابت، إلى جانب رفع تكلفة التمويل والضغط بدرجات متفاوتة على تقييمات الشركات والقطاعات الأكثر اعتماداً على الاقتراض.

وفيما يتعلق بالنفط، أشار إلى أنه سيظل مؤثراً في توجهات المستثمرين نظراً إلى ارتباطه بالتوقعات الاقتصادية والمالية في المملكة، إلا أن ارتفاع أسعاره لا يمكن النظر إليه دائماً بوصفه مؤشراً إيجابياً منفرداً؛ خصوصاً عندما يكون جزء من الارتفاع مرتبطاً باضطرابات الإمدادات والمخاطر الجيوسياسية.

نتائج الشركات المرتقبة

ويرى عمر أن نتائج الشركات ستكون من أكثر العوامل قدرة على إحداث التمايز داخل السوق خلال المرحلة المقبلة، موضحاً أنه في بيئة تتراجع فيها السيولة وترتفع فيها المخاطر «تتحول السوق من حركة جماعية إلى سوق انتقائية».

وأضاف أن المستثمرين سيعطون وزناً أكبر لقدرة الشركات على تحقيق نمو حقيقي في الأرباح والتدفقات النقدية والمحافظة على هوامش الربحية، في حين قد تكون الشركات الأكثر حساسية للفائدة أو التي تتداول عند تقييمات مرتفعة دون نمو موازٍ أكثر عرضة لتقلبات الأسعار.

وتدخل السوق السعودية الربع الأخير من عام 2026 من مستويات قريبة من نقطة بداية العام، بعدما تحولت مكاسب تجاوزت 7 في المائة في نهاية الربع الأول إلى خسارة محدودة بنهاية سبتمبر، وسط ترقّب لنتائج أداء الشركات خلال الربع الثالث واتجاه السيولة وتحركات أسعار النفط ومسار الفائدة والتطورات الجيوسياسية.


«الخزانة» الأميركية تقلص مشتريات السندات وتربك المستثمرين

متداولون يعملون في بورصة نيويورك للأوراق المالية (إ.ب.أ)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك للأوراق المالية (إ.ب.أ)
TT

«الخزانة» الأميركية تقلص مشتريات السندات وتربك المستثمرين

متداولون يعملون في بورصة نيويورك للأوراق المالية (إ.ب.أ)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك للأوراق المالية (إ.ب.أ)

تشتري وزارة الخزانة الأميركية سندات طويلة الأجل بكميات أقل من المتوقع ضمن برنامج إعادة الشراء، حتى بعد مضاعفة الحد الأقصى للمشتريات، ما أثار نقاشاً بين المستثمرين حول أهداف البرنامج ومدى نجاحه في تحقيقها.

ويتيح البرنامج لحائزي السندات تقديم أوراق مالية محددة إلى الخزانة، مع تحديد الأسعار التي يرغبون في البيع عندها. ورغم أن الوزارة رفعت الشهر الماضي سقف المشتريات إلى 6 مليارات دولار من ملياري دولار، فإنها ليست ملزمة باستخدام كامل المبلغ، إذ يمكنها رفض العروض التي ترى أن أسعارها مرتفعة.

وفي أحدث العمليات، قبلت الخزانة نحو نصف السندات المعروضة، بينما جاءت مشترياتها في كل مرة دون السقف المحدد، وتركزت في عدد محدود من الإصدارات.

وأثار ذلك تساؤلات لدى بعض مديري المحافظ والمحللين عن سبب زيادة حجم البرنامج إذا لم تكن الخزانة تعتزم شراء الكمية المتاحة، بينما يرى آخرون أن الوزارة تنفذ ما تعهدت به، طالما أنها تشتري السندات وفق الأسعار التي تراها مناسبة.

وقال بادهرايك غارفي، رئيس الأبحاث الإقليمي في الأميركتين لدى «آي إن جي»، إن الخزانة «لها كامل الحق في شراء كمية أقل مما تستطيع إذا لم تعجبها الشروط»، مشيراً إلى أنها «تملك دائماً خيار شراء المزيد».

سيولة كافية

ويصف وزير الخزانة سكوت بيسنت البرنامج بأنه إجراء فني يهدف إلى مساعدة المستثمرين على تداول السندات الحكومية القديمة والأقل سيولة.

وإذا كان الهدف الأساسي هو توفير شبكة أمان للسيولة، أي دعم القدرة على شراء وبيع السندات بالأسعار السائدة من دون تحريك السوق بشكل كبير، فإن البرنامج يبدو مؤدياً لهذا الدور، وفقاً للمحللين، حتى مع ارتفاع عوائد السندات خلال الأسابيع الأخيرة.

وقال توماس سايمونز، كبير الاقتصاديين الأميركيين لدى «جيفريز»، إن المستثمرين الذين يحتاجون فعلاً إلى السيولة «سيقدمون عرضاً قوياً»، مضيفاً أن من يصرون على أسعار أعلى «لا يبدو أنهم بحاجة إلى السيولة إلى هذه الدرجة».

وقد يعكس انخفاض نسبة قبول العروض أيضاً نجاح البرنامج في إخراج بعض السندات القديمة والأقل تداولاً من السوق، ما يترك في حوزة المستثمرين سندات لا يرغبون في بيعها أو لا يجدون حاجة ملحة للتخارج منها.

وأشار سايمونز إلى أن عمليات سابقة لإعادة شراء السندات طويلة الأجل اجتذبت عروضاً تراوحت قيمتها بين 20 و30 مليار دولار، مقارنة بـ10.47 مليار دولار في أحدث عملية. ومن المقرر أن تشتري الخزانة الخميس ما يصل إلى 6 مليارات دولار إضافية من السندات التي تستحق خلال 10 إلى 20 عاماً.

وتستهدف عمليات إعادة الشراء في جانب منها سندات منخفضة العائد أُصدرت خلال فترة جائحة «كوفيد - 19»، عندما كانت أسعار الفائدة عند مستويات شديدة الانخفاض. ومع ارتفاع عوائد السوق حالياً، تراجعت أسعار هذه السندات كثيراً عن قيمتها الاسمية، ما يجعل تداول كميات كبيرة منها أكثر صعوبة، ويجعل بعضها رخيصاً نسبياً بالنسبة إلى الخزانة.

ويرى جون لوك تاينر، رئيس الدخل الثابت ومدير المحافظ لدى «أبتوس كابيتال أدفايزرز»، أن ذلك قد يمنح البرنامج بعداً آخر يتعلق بإدارة الدين، إلى جانب دعم السيولة.

وقال تاينر إن شراء السندات التي أُصدرت خلال فترة الجائحة، والتي يجري تداول بعضها عند 50 إلى 60 سنتاً للدولار، قد يمثل وسيلة جذابة لإدارة الدين. لكن إعادة شراء هذه السندات تتطلب في المقابل تمويلاً، وهو ما قد يعني إصدار أذون خزانة قصيرة الأجل بعوائد أعلى بكثير من معدلات الكوبون على السندات التي يجري سحبها.

توقيت التوسع يزيد الغموض

وتعود التساؤلات حول الغرض من البرنامج إلى قرار الخزانة في 19 أغسطس (آب) توسيع عمليات إعادة الشراء، مع تعهدها بزيادة أحجام المشتريات للسندات التي تستحق خلال 10 إلى 30 عاماً بما لا يقل عن الضعف.

وجاء الإعلان بعد أسبوعين فقط من عملية إعادة التمويل الفصلية، وهي المناسبة التي اعتاد المستثمرون خلالها الحصول على تحديثات بشأن خطط الاقتراض وإدارة الدين. ومن المقرر عقد عملية إعادة التمويل الفصلية التالية في الأسبوع الأول من نوفمبر (تشرين الثاني).

وأدى هذا التوقيت غير المعتاد، بالتزامن مع موجة بيع كانت تدفع عوائد السندات إلى الارتفاع، إلى تكهنات في السوق بأن توسيع البرنامج قد يكون محاولة للحد من ارتفاع العوائد.

غير أن غارفي يرى أن استمرار ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل منذ الإعلان عن توسيع البرنامج يعكس بدرجة أكبر تسعير السوق لاحتمال بقاء أسعار الفائدة الأميركية مرتفعة لفترة أطول، وليس فشل برنامج إعادة الشراء.

ويعتبر غارفي أن فارق عوائد المبادلات، الذي يقيس تكلفة سندات الخزانة مقارنة بمعيار الإقراض الخاص «سوفر»، يمثل مؤشراً أفضل على تأثير البرنامج. وقد ضاق هذا الفارق، بما يشير، وفقاً له، إلى أن عمليات الخزانة تحقق الهدف الذي حدده بيسنت.

وقال غارفي: «لقد ضيّق فارق عوائد المبادلات. هذا كل ما يستطيع فعله».