«تثبيت متشدد» لـ«الفيدرالي» يربك الأسواق ويضع وارش أمام معضلة التضخم

هل يرضخ رئيس «الفيدرالي» لترمب أم يواجه تمرد «صقور المركزي»؟

مخاوف من اتساع تقلبات أسواق الأسهم والسندات في الفترة المقبلة بعد إبقاء «الفيدرالي» الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير (رويترز)
مخاوف من اتساع تقلبات أسواق الأسهم والسندات في الفترة المقبلة بعد إبقاء «الفيدرالي» الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير (رويترز)
TT

«تثبيت متشدد» لـ«الفيدرالي» يربك الأسواق ويضع وارش أمام معضلة التضخم

مخاوف من اتساع تقلبات أسواق الأسهم والسندات في الفترة المقبلة بعد إبقاء «الفيدرالي» الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير (رويترز)
مخاوف من اتساع تقلبات أسواق الأسهم والسندات في الفترة المقبلة بعد إبقاء «الفيدرالي» الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير (رويترز)

خاب أمل المستثمرين الذين كانوا يبحثون عن إشارات أكثر وضوحاً من مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي بقيادته الجديدة، بعدما أرسل البنك المركزي رسائل متباينة بشأن مسار السياسة النقدية، ما أثار مخاوف من اتساع تقلبات أسواق الأسهم والسندات في الفترة المقبلة.

وأبقى «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة دون تغيير، ضمن نطاق مستهدف يتراوح بين 3.50 و3.75 في المائة، في قرار وصفه محللون بأنه «تثبيت متشدد»، بعدما عارض 3 من أصل 12 عضواً يحق لهم التصويت الإبقاء على المعدلات الحالية. ويعكس هذا الانقسام المتزايد داخل البنك المركزي اختلافاً في تقييم المخاطر بين استمرار التضخم والحاجة إلى دعم النمو الاقتصادي.

ورغم قرار تثبيت الفائدة، فإن الاجتماع لم يقدم الطمأنة التي كانت تبحث عنها الأسواق؛ إذ ترك الباب مفتوحاً أمام احتمال رفع أسعار الفائدة مستقبلاً، إذا لم تظهر مؤشرات واضحة على تراجع الضغوط السعرية. وبات المستثمرون يترقبون البيانات الاقتصادية المقبلة لتحديد الخطوة التالية لـ«الفيدرالي»، بدلاً من الاعتماد على إشارات مسبقة من مسؤولي البنك.

وكانت الأسواق قبل الاجتماع تسعِّر احتمالاً يقارب 36 في المائة لرفع أسعار الفائدة، ما جعل الاجتماع من أكثر اجتماعات «الفيدرالي» غموضاً منذ ديسمبر (كانون الأول) 2018، وفقاً لبنك «دويتشه». وبعد القرار، ارتفعت احتمالات رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول) لفترة وجيزة إلى 77 في المائة في أسواق العقود الآجلة، قبل أن تتراجع إلى نحو 57 في المائة، وفق أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي». كما تسعِّر الأسواق حالياً زيادات بنحو 35 نقطة أساس حتى نهاية عام 2026.

السندات ترسل إشارة تحذيرية لـ«الفيدرالي»

أثارت تصريحات رئيس «الفيدرالي» كيفين وارش بشأن ضرورة خفض التضخم، من دون إبداء استعداد مباشر للتحرك نحو رفع أسعار الفائدة، عمليات بيع قوية في سوق السندات؛ إذ رأى المستثمرون أن الرسائل الحالية لا تترافق مع استراتيجية واضحة لتحقيق هدف التضخم.

وقفز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً متجاوزاً 5.2 في المائة، وهو أعلى مستوى له في 19 عاماً، قبل أن يواصل ارتفاعه، في تحرك اعتبره محللون مؤشراً على قلق الأسواق بشأن قدرة «الفيدرالي» على إعادة التضخم إلى مستواه المستهدف البالغ 2 في المائة.

وقال ناثان شيتس، كبير الاقتصاديين العالميين في «سيتي غروب»، إن التحركات في السوق يُنظر إليها تقريباً داخل البنك على أنها «تصويت بعدم الثقة» في قدرة «الفيدرالي» واستعداده لخفض التضخم. وأضاف أن وارش «أشار إلى المشكلة، ولكنه لم يقدم استراتيجية واضحة لحلها سوى التأكيد على موقفه المتشدد، في حين كانت الأسواق تنتظر تفاصيل أكثر».

وأشار شيتس إلى أن وارش يواجه معادلة صعبة؛ إذ إن التركيز بشكل أكبر على رفع الفائدة قد يؤدي إلى خيبة أمل في البيت الأبيض، بينما يؤدي عدم التحرك إلى زيادة الشكوك حول التزام «الفيدرالي» بمحاربة التضخم.

وقال كالفن تسي، رئيس استراتيجية الاقتصاد الأميركي في بنك «بي إن بي باريبا»، إن ارتفاع عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل عقب القرار يمثل رسالة واضحة من السوق إلى وارش بضرورة التحرك، مضيفاً: «إذا كان حازماً بشأن التضخم كما يقول، فلماذا لم يتخذ إجراء بالفعل؟».

وارش بين ضغوط ترمب وانقسامات «الفيدرالي»

يواجه وارش تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحفاظ على استقلالية البنك المركزي ومصداقيته في مكافحة التضخم، في وقت يدفع فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب باتجاه سياسة نقدية أكثر تيسيراً وخفض أسعار الفائدة.

وحتى الآن، امتنع ترمب عن انتقاد وارش بسبب عدم خفض الفائدة، وألقى باللوم بدلاً من ذلك على أعضاء مجلس «الفيدرالي» الآخرين، كما أشاد به يوم الأربعاء، رغم قرار الإبقاء على المعدلات دون تغيير.

في المقابل، تزداد الدعوات داخل «الفيدرالي» لاتخاذ موقف أكثر تشدداً. فقد عارض 3 مسؤولين قرار التثبيت، بينما أبدى آخرون قلقهم من استمرار التضخم فوق الهدف رغم إبقاء الفائدة مستقرة.

وكانت رئيسة بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في دالاس، لوري لوغان، ورئيسة بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، بيث هاماك، من بين المسؤولين الذين حذَّروا من مخاطر الإبقاء على السياسة الحالية في ظل استمرار الضغوط السعرية. كما أشار محافظا «الفيدرالي» كريستوفر والر وليزا كوك إلى إمكانية دعم رفع الفائدة إذا لم يظهر تحسن قريب في التضخم.

وقال تييري ويزمان، استراتيجي العملات وأسعار الفائدة العالمية في مجموعة «ماكواري»، إن مسؤولي «الفيدرالي» الإقليميين وأعضاء مجلس المحافظين قد يعبِّرون علناً خلال الفترة المقبلة عن استعدادهم لتشديد السياسة النقدية، في محاولة لاحتواء آثار ارتفاع عوائد السندات.

مراجعة محتملة لهدف التضخم

وزاد وارش من حالة الغموض بعدما لمح إلى احتمال مراجعة الإطار الذي يعتمد عليه «الفيدرالي» منذ سنوات لتقييم نجاحه في احتواء التضخم، والمتمثل في هدف سنوي يبلغ 2 في المائة، وفق مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي.

وقال وارش عقب الاجتماع: «هذا هو هدفنا، وسنلتزم به»، ولكنه أضاف أن فرق العمل التي اختارها في مايو (أيار)، والمكونة من 15 خبيراً خارجياً، قد تقدم توصيات بشأن استراتيجية السياسة النقدية، بما في ذلك إطار استهداف التضخم، بحلول نهاية عام 2026.

ويخشى المستثمرون أن تؤدي أي مراجعة محتملة لهدف التضخم إلى تغيير قواعد اللعبة التي بنت عليها الأسواق توقعاتها خلال السنوات الماضية؛ خصوصاً أن هذا الهدف يمثل أحد أهم مرتكزات مصداقية «الفيدرالي» في إدارة توقعات الأسعار.

الأسهم والسندات في مواجهة مرحلة أكثر تقلباً

انعكس قرار «الفيدرالي» ورسائله المتباينة على الأسواق المالية؛ إذ تعرضت الأسهم لضغوط بسبب احتمال بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، بينما استمرت العوائد طويلة الأجل في الارتفاع.

ويرى محللون أن «التثبيت المتشدد» قد يكون سلبياً للأصول عالية المخاطر؛ لأنه يرفع احتمالات استمرار تكاليف الاقتراض المرتفعة، كما يزيد مخاطر اضطرار «الفيدرالي» إلى تشديد السياسة لاحقاً بوتيرة أكبر إذا لم ينجح في احتواء التضخم.

وقال إد الحسيني، مدير المحافظ للدخل الثابت والاقتصاد الكلي في «كولومبيا ثريدنيدل إنفستمنتس»، إن أي ارتياح للأسهم بسبب عدم رفع الفائدة سيكون محدوداً؛ لأن المستثمرين سيعودون سريعاً إلى التركيز على استمرار التضخم.

وفي سوق السندات، أدى احتمال رفع الفائدة مستقبلاً إلى استمرار الضغوط على العوائد؛ خصوصاً السندات قصيرة ومتوسطة الأجل الحساسة لمسار السياسة النقدية. وارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات خلال يوليو (تموز) بنحو 27 نقطة أساس، وهي أكبر زيادة شهرية منذ مارس (آذار).

وقال مايكل أرون، كبير استراتيجيي الاستثمار في «ستيت ستريت إنفستمنت مانجمنت»، إن وارش يستبدل التوجيهات المستقبلية الصادرة عن «الفيدرالي» بتوجيهات السوق، ما يعني أن المستثمرين سيحتاجون إلى تحليل البيانات الاقتصادية بشكل أكثر دقة لتحديد اتجاه السياسة النقدية.

ومع بقاء التضخم فوق هدف «الفيدرالي»، واستمرار المخاوف من عودة الضغوط السعرية بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية، تدخل الأسواق مرحلة أكثر حساسية؛ حيث ستكون بيانات التضخم والنمو والوظائف المقبلة العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان البنك المركزي سيتجه إلى التشديد مجدداً أو سيحافظ على سياسة الانتظار.


مقالات ذات صلة

واشنطن وطهران تتبادلان تهديدات التصعيد العسكري

شؤون إقليمية صورة من فيديو نشرته القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» لعملياتها في إطار الحصار البحري على إيران p-circle

واشنطن وطهران تتبادلان تهديدات التصعيد العسكري

وسط التوتر المتصاعد بين الجانبين الأميركي والإيراني والتهديدات المتبادلة أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن «شيئاً كبيراً قد يحدث قريباً جداً بشأن إيران»

«الشرق الأوسط» (عواصم)
تحليل إخباري مشهد عام لمبنى الأمم المتحدة عشية بدء الاجتماعات الرفيعة للجمعية العامة (الأمم المتحدة)

تحليل إخباري قادة الدول يبحثون في نيويورك عن مخرج من «عالم قاتم»

يشارك عشرات من زعماء العالم في انطلاق الاجتماعات الرفيعة للأمم المتحدة بنيويورك وسط ترهل المنظمة والبحث عن بديل يستجيب للتحديات الجديدة

علي بردى (نيويورك)
العالم وعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال لقائه نظيره التركي رجب طيب إردوغان قبل انطلاق قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في أنقرة 7 يوليو الماضي برفع عقوبات «كاتسا» عن تركيا (الرئاسة التركية)

إردوغان يسعى لتنفيذ وعد ترمب برفع عقوبات «كاتسا» عن تركيا

يسعى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى تحريك ملف رفع العقوبات الأميركية على بلاده في مجال الصناعات الدفاعية خلال لقاء مع الرئيس دونالد ترمب في نيويورك.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة أمام الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر المنظمة بمدينة نيويورك في 23 سبتمبر 2025 (رويترز)

قادة العالم يتجمعون في نيويورك وسط حربين وأزمة ثقة بالمنظمة الدولية

تتحول نيويورك هذا الأسبوع إلى مركز مزدحم للدبلوماسية الدولية، مع وصول نحو 130 رئيس دولة وحكومة للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة أرشيفية للرئيس الصيني شي جينبينغ (إلى اليمين) خلال اجتماعه مع الرئيس دونالد ترمب على هامش زيارتهما لحديقة «تشونغ نان هاي» في بكين بالصين 15 مايو 2026 (أ.ب)

قبل وصول الرئيس الصيني... ترمب ينتقل من حرب الرسوم إلى السجادة الحمراء

بدأت في نيويورك مفاوضات أميركية - صينية مكثفة تستهدف تضييق الخلافات بين واشنطن وبكين قبيل زيارة الرئيس الصيني لأميركا.

هبة القدسي (واشنطن)

«ساما» لـ«الشرق الأوسط»: مشاركتنا في «إم بريدج» انتهت في 2025

مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«ساما» لـ«الشرق الأوسط»: مشاركتنا في «إم بريدج» انتهت في 2025

مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)
مبنى «البنك المركزي السعودي» في العاصمة الرياض (الشرق الأوسط)

أكّد البنك المركزي السعودي (ساما) أن مشاركته في مشروع «إم بريدج» (mBridge) للعملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية انتهت في عام 2025، موضحاً أنه أكمل تجربة إثبات المفهوم (PoC) في 13 مايو (أيار) من ذلك العام، وأن التجربة نُفذت في بيئة اختبارية دون معاملات مالية حقيقية، وفقاً للنطاق المخطط لمشاركته في المشروع منذ انضمامه إليه.

وجاء توضيح «ساما»، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، عقب تقرير نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، يوم الأحد، أفاد بانسحاب السعودية من منصة «إم بريدج». ووصفت الصحيفة هذه المنصة بأنها مشروع تقوده الصين، وأنه يأتي ضمن جهود بكين لتطوير نظام للمدفوعات العابرة للحدود أقل اعتماداً على الدولار.

وقال «ساما» لـ«الشرق الأوسط» إن البنك المركزي انضم إلى مشروع بنك التسويات الدولية «إم بريدج» كعضو مراقب في 11 يونيو (حزيران) 2023، إلى جانب أكثر من 25 بنكاً مركزياً ومنظمة دولية أخرى، من بينها البنك المركزي الأوروبي، ومركز نيويورك للابتكار التابع للاحتياطي الفيدرالي (NYIC)، وبنك إيطاليا، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي.

شعار البنك المركزي السعودي في أحد المؤتمرات (الشرق الأوسط)

وفي 5 يونيو 2024، أصبح البنك المركزي السعودي مشاركاً ضمن نطاق محدود في المشروع بهدف إجراء تجربة إثبات مفهوم (PoC)، أي اختبار عملي لمدى جدوى الفكرة والتقنية، إلى جانب اختبار منتج الحد الأدنى (MVP)، وهو النسخة الأولية من المنصة التي تتضمن وظائفها الأساسية.

وأوضح «ساما» أن التجربة نُفذت في بيئة اختبارية دون معاملات مالية حقيقية، وجرى خلالها فحص وظائف المنصة لتقييم جدوى استخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية (Wholesale CBDC) في تحسين كفاءة المدفوعات العابرة للحدود وعمليات التسوية بين البنوك التجارية.

وأضاف البنك أنه، وفقاً للنطاق المخطط لمشاركته منذ انضمامه إلى المشروع، أكمل تجربة إثبات المفهوم في 13 مايو 2025، وباكتمال التجربة انتهت مشاركة البنك المركزي السعودي في المشروع، ولم ينضم بعدها إلى مراحله التالية.

وأوضح «ساما» أن هذه الخطوة تأتي استكمالاً لجهوده المستمرة الرامية إلى دراسة الاستخدامات المحتملة للعملات الرقمية للبنوك المركزية وتقنيات الترميز واختبارها، بما يشمل بحث المسائل والتحديات المرتبطة بالسياسات والجوانب القانونية والفنية التي تواجهها البنوك المركزية والتجارية فيما يتعلق باستخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية المخصصة للمؤسسات المالية في المدفوعات العابرة للحدود، إضافة إلى تقييم انعكاساتها المحتملة على مستقبل أنظمة المدفوعات والبنى التحتية للأسواق المالية.


الحقيل: سوق إدارة المرافق في السعودية تتجاوز 50 مليار دولار

وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
TT

الحقيل: سوق إدارة المرافق في السعودية تتجاوز 50 مليار دولار

وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)
وزير البلديات والإسكان في كلمته الافتتاحية للمعرض والمؤتمر الدولي لإدارة المرافق (الشرق الأوسط)

أكد وزير البلديات والإسكان، ماجد بن عبد الله الحقيل، أن سوق إدارة المرافق في المملكة يتجاوز حجمها 50 مليار دولار، مشيراً إلى أن حجم المنظومة يعكس الفرص المتاحة لتعظيم قيمة الأصول، ورفع كفاءة المدن، وتطوير قطاع وطني قادر على المنافسة عالمياً.

وافتتح وزير البلديات والإسكان ماجد بن عبد الله الحقيل، اليوم، أعمال المؤتمر والمعرض الدولي الثالث لإدارة المرافق 2026، الذي يُقام تحت شعار «مرافق ذكية... مدن ذكية»، بمشاركة نخبة من المختصين والخبراء والجهات الحكومية والخاصة والمهتمين بقطاع إدارة المرافق.

وأوضح أن انعقاد المؤتمر يأتي في مرحلة تتوسع فيها المدن السعودية وتتنامى أصولها وخدماتها، بالتزامن مع استحقاقات وطنية وعالمية كبرى، في مقدمتها «إكسبو الرياض 2030» و«كأس العالم 2034»، ما يعزز الحاجة إلى تطوير أساليب إدارة الأصول والمرافق ورفع كفاءتها.

تشغيل المرافق

وأشار وزير البلديات والإسكان إلى أن إدارة المرافق أصبحت عنصراً مؤثراً في قدرة المدن على الحفاظ على مواردها وتحسين خدماتها واتخاذ القرارات في الوقت المناسب، مؤكداً أهمية الانتقال من تشغيل المرفق إلى إدارة قيمة الأصل طوال دورة حياته، ومن معالجة الأعطال بعد وقوعها إلى التنبؤ بالاحتياج قبل حدوثها.

وبيّن أن البيانات والذكاء الاصطناعي والتوائم الرقمية توفر أدوات عملية لرفع كفاءة إدارة الأصول، من خلال قراءة أدائها، والتنبؤ باحتياجاتها، ودعم اتخاذ القرار، بما يسهم في تقديم خدمات أكثر موثوقية، ورفع كفاءة الأصول، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد.

ولفت إلى أن الوزارة تركز في هذا المجال على أولويتين رئيسيتين؛ تتمثل الأولى في إدارة الأصول بالبيانات والنتائج، من خلال ربط إدارة الأصل بمراحل التصميم والتخطيط والتشغيل والصيانة والتحسين، وتطوير عقود تربط مقدم الخدمة بالنتائج، ومؤشرات أداء تقيس القيمة الفعلية.

الابتكار والاستثمار

فيما تتمثل الأولوية الثانية في بناء سوق سعودية تنافسية تصنع الحلول والمهارات، بما يتيح للشركات الوطنية النمو، ويعزز فرص الابتكار والاستثمار في القطاع الخاص، ويدعم تأهيل الكفاءات السعودية في مجالات الهندسة والتقنية وإدارة الأصول وتحليل البيانات.

الوزير الحقيل خلال جولته في المعرض المرافق للمؤتمر (الشرق الأوسط)

وبحسب الوزير الحقيل، فإن دور وزارة البلديات والإسكان يتمثل في تطوير بيئة تنظيمية واضحة ومحفزة، وتعزيز الشراكات التي تسهم في رفع مستوى الممارسة وتوسيع أثرها، لافتاً إلى أن تطوير قطاع إدارة المرافق مسؤولية مشتركة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات ومراكز المعرفة والخبراء.

وأكمل أن المؤتمر والمعرض الدولي الثالث لإدارة المرافق 2026 يستهدف الانتقال من تبادل الأفكار إلى شراكات ومشروعات وحلول قابلة للتوسع، بما يعزز تطور القطاع ويرفع جاهزيته للمرحلة المقبلة.

المدن الذكية

واختتم وزير البلديات والإسكان كلمته بالتأكيد على أن المدن الذكية تُبنى بقدرتها على تحويل البيانات إلى قرار، والقرار إلى خدمة، والخدمة إلى قيمة يشعر بها الإنسان، مبيناً أن مستقبل إدارة المرافق في المملكة يقوم على التقنية بوصفها أداة، والبيانات كونها أساساً، والاستثمار بصفته محركاً، والكفاءة كونها معياراً، والإنسان اعتباره غاية.

وشهد المؤتمر، الذي تنظمه جمعية إدارة المرافق السعودية، مشاركة أكثر من 200 جهة حكومية وخاصة في نسخة 2026، إلى جانب حضور دولي من خبراء ومتخصصين وأساتذة جامعات، يناقشون مستقبل قطاع إدارة المرافق، ويستعرضون أبرز التجارب والممارسات والحلول والتقنيات الحديثة في هذا المجال.


«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.