تتجه أنظار الأوساط المالية والاستثمارية حول العالم، هذا الأسبوع، إلى مدينة سنترا البرتغالية، التي تحتضن أعمال المنتدى السنوي للبنك المركزي الأوروبي من 29 يونيو (حزيران) إلى 1 يوليو (تموز). وتكتسب هذه القمة النقدية أهمية استثنائية هذا العام؛ كونها تشهد أول ظهور دولي لرئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الجديد، كيفين وارش، الذي يواجه أسبوعاً مصيرياً قد يرسم ملامح قيادته، بالتزامن مع ترقب حكم تاريخي من المحكمة العليا الأميركية، بشأن قانونية إقالة الرئيس دونالد ترمب عضوة مجلس المحافظين ليزا كوك؛ وهي القضية التي تحولت إلى اختبار دستوري لاستقلالية البنك المركزي.
وفي وقت يسعى فيه وارش لترسيخ نهج يتجنب «التوجيه المستقبلي» المسبق لأسعار الفائدة، تحاول الأسواق العالمية في «منتدى سنترا» التقاط المؤشرات حول مستجدات التضخم ومسار التيسير أو التشديد النقدي، لا سيما في ظل التهدئة الأخيرة بين واشنطن وطهران وهبوط أسعار النفط، والتحولات السياسية في بريطانيا.

سنترا... بوصلة النقد
يركز منتدى سنترا بشكل أساسي على تشكيل مستقبل أوروبا من حيث الابتكار، والنمو، والاستقرار. ويرى محللون أن الأسواق ستراقب من كثب كيف ستتعامل البنوك المركزية مع آثار صدمات الطاقة السابقة وعملية التمرير السعري، وسط توقعات بنبرة حذرة من صُنَّاع السياسات للتحقق من التبعات غير المباشرة لتلك الصدمات.
وتفتتح رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، المنتدى، بكلمة رئيسية مساء الاثنين. وتركز جلسات اليوم الأول (الثلاثاء) على معضلات نمو الإنتاجية في أوروبا، والتعقيدات التنظيمية للمصارف بعد الأزمات، إلى جانب تخصيص مساحة واسعة لملف «الذكاء الاصطناعي والاستقرار المالي» عبر حلقة نقاشية بمشاركة خبراء من صندوق النقد الدولي وبنك إنجلترا، تليها محادثة خاصة مع كبير اقتصاديي شركة «أوبن إيه آي» آرون تشاترجي.
أما اليوم الختامي (الأربعاء)، فيتطرق إلى أثر الهجرة على الإنتاجية والنمو في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والتحديات الرقمية لـ«ترميز الأصول» بناءً على دروس مشروع «هانغانغ» الكوري الجنوبي؛ وهو مشروع رائد يقوده بنك كوريا المركزي على تقنية «الدفتر الموحد» لدمج العملات الرقمية السيادية بالودائع التجارية، لتسهيل التسويات الفورية دون وسيط.
مواجهة قمة السياسات المنتظرة
وستتوَّج كل هذه الملفات المعقدة الأربعاء المقبل، في «جلسة السياسات النقدية» الكبرى التي تختتم أعمال منتدى سنترا، والتي تجمع في مواجهة مباشرة كلاً من وارش، ولاغارد، ومحافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي، وحاكم مصرف كندا المركزي تيف ماكليم.
وتترقب الأسواق ما إذا كان وارش سيتمسك بتقليص رسائله الموجهة لأسواق المال العالمية، في وقت تترقب فيه منطقة اليورو بالتزامن بيانات التضخم الأولية لشهر يونيو HICP))، وسط توقعات خبراء «إتش إس بي سي» بتباطؤها بفضل تراجع أسعار الطاقة الناتجة عن الاتفاق الأميركي الإيراني، رغم متانة أسعار الأغذية في ألمانيا.
معركة الاستقلالية في واشنطن
يأتي هذا الزخم النقدي بالتزامن مع ترقب حسم المحكمة العليا لأزمة إقالة ليزا كوك، التي أقصاها ترمب في أغسطس (آب) الماضي بدعوى مخالفات في بيانات طلب قرض عقاري، واستمرت في منصبها بحكم محاكم أدنى رأت فرصة نجاح طعنها مرتفعة. وينص القانون على عدم عزل المحافظين إلا لـ«سبب مشروع».
ويرى خبراء أن المحكمة تميل لحماية استقلالية «الفيدرالي»، ما سيعزز موقف وارش نفسه ضد أي ضغوط سياسية مستقبلية؛ خصوصاً مع تنامي توقعات اضطرار «الفيدرالي» لرفع الفائدة مجدداً بكبح تضخم مايو (أيار) الذي تجاوز ضعف مستهدف البنك البالغ 2 في المائة، وهو ما يتقاطع مع رغبة ترمب المعلنة بخفض الفائدة.
ورغم هجوم ترمب السابق على جيروم باول، فإنه أبدى لهجة مهادنة تجاه وارش، معرباً عن ثقته به. في المقابل، يتبنى وارش سياسة تواصل متحفظة؛ حيث حذف «الفيدرالي» الإشارات الاستشرافية لأسعار الفائدة من بيان يونيو، مؤكداً أن القرارات ستعتمد على البيانات اللحظية لكل اجتماع، وهو توجه يراه اقتصاديون مبرراً لمنح البنك مرونة أسرع، وإن كانت الأسواق ستظل تبحث عن الإشارات بأي وسيلة، من خلال رصد بيانات الوظائف غير الزراعية لشهر يونيو المرتقبة هذا الخميس.

تحولات سياسية بريطانية
ولا تقتصر إشارات الأسواق على واشنطن؛ ففي بريطانيا تترقب الأوساط المالية الخطاب المرتقب للمرشح الأبرز لرئاسة الوزراء، أندي بيرنهام، والمتوقع أن يخلف كير ستارمر المستقيل، للوقوف على خططه للإنفاق الحكومي والسياسات المالية، بالتزامن مع صدور بيانات التمويل العقاري والناتج المحلي الإجمالي للربع الأول.
وفي المعسكر الآسيوي، تترقب الأسواق مؤشرات مديري المشتريات في الصين لشهر يونيو، وسط توقعات بمرونة في الصادرات وضعف في الطلب المحلي بسبب الأمطار الغزيرة. بينما يركز المستثمرون في اليابان على مسح «تانكان» للشركات والخطط الاستثمارية الضخمة لرئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي البالغة 370 تريليون ين حتى عام 2041.
وتقود كوريا الجنوبية طفرة إقليمية عبر توقعات بتحقيق فائض تجاري تاريخي يتجاوز 30 مليار دولار بدعم من صادرات أشباه الموصلات، رغم ضغوط التضخم التي قد تدفع بنك كوريا لرفع الفائدة في يوليو؛ وهو ما يؤكد رؤية خبراء «إتش إس بي سي» بأن نمو قطاع التصنيع الآسيوي بات مدفوعاً بشكل شبه كامل بطلب أجهزة الذكاء الاصطناعي، مما يخدم أسواقاً محددة، ويخفي وراءه ركوداً نسبياً في القطاعات التقليدية.
