بريطانيا أمام منعطف سياسي جديد... والجنيه والسندات يواجهان عدم اليقين

تكهنات استقالة ستارمر تضع البلاد أمام سابع رئيس وزراء في عقد

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع سكان محليين خلال زيارة لمشروع سكني في شمال غرب لندن 19 يونيو الحالي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع سكان محليين خلال زيارة لمشروع سكني في شمال غرب لندن 19 يونيو الحالي (أ.ف.ب)
TT

بريطانيا أمام منعطف سياسي جديد... والجنيه والسندات يواجهان عدم اليقين

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع سكان محليين خلال زيارة لمشروع سكني في شمال غرب لندن 19 يونيو الحالي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث مع سكان محليين خلال زيارة لمشروع سكني في شمال غرب لندن 19 يونيو الحالي (أ.ف.ب)

تراجع الجنيه الإسترليني يوم الاثنين مع تصاعد التكهنات بشأن مستقبل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وسط تقارير إعلامية أشارت إلى أنه يدرس الإعلان قريباً عن جدول زمني لمغادرة منصبه، في خطوة قد تمهد الطريق أمام السياسي العمالي البارز آندي بورنهام لتولي قيادة الحزب والحكومة، لتصبح بريطانيا أمام احتمال تغيير سابع رئيس وزراء خلال عقد واحد فقط منذ استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وانخفض الجنيه الإسترليني بنسبة 0.2 في المائة إلى 1.321 دولار، مواصلاً خسائره التي قاربت 3 في المائة منذ فبراير (شباط) الماضي، عندما بدأت الضغوط السياسية تتصاعد على ستارمر نتيجة تراجع شعبيته وتزايد الانتقادات لأدائه الاقتصادي.

أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)

وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه المملكة المتحدة تحديات مالية واقتصادية كبيرة، إذ تسجل أعلى تكاليف اقتراض بين دول مجموعة السبع الكبرى، في ظل ارتفاع مستويات الدين العام ومدفوعات الفائدة، واستمرار ضعف النمو الاقتصادي، وصعوبة خفض الإنفاق الحكومي، إلى جانب الحاجة المتزايدة لتمويل استثمارات استراتيجية في مجالات مثل الدفاع والبنية التحتية.

وتعززت الضغوط على ستارمر يوم الجمعة الماضي بعد فوز آندي بورنهام، عمدة مانشستر الكبرى السابق، بفارق كبير في الانتخابات الفرعية، مما أتاح له العودة إلى مجلس العموم البريطاني ومهَّد الطريق أمام تحدٍ محتمل لزعامة حزب العمال.

ويرى المستثمرون أن أي انتقال للسلطة قد يفتح الباب أمام تغييرات في التوجهات الاقتصادية والمالية للحكومة. وقال جورج باكلي، الخبير الاقتصادي لدى «نومورا»، إن السؤال الأساسي بالنسبة للأسواق لا يتعلق بشخص بورنهام فحسب، بل بموقفه من السياسة المالية، واختياراته لفريقه الاقتصادي، ومدى التزامه بالقواعد المالية الصارمة التي تتبعها الحكومة الحالية.

وتعكس أسواق المال هذا القلق المتزايد، إذ أظهرت بيانات سوق الخيارات أن المتعاملين أصبحوا أكثر استعداداً لدفع علاوات أعلى للتحوط من تقلبات الجنيه الإسترليني خلال الأسابيع المقبلة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل أيام قليلة فقط.

سوق السندات في دائرة القلق

ويولي المستثمرون اهتماماً خاصاً لسوق السندات الحكومية البريطانية، التي تعد مؤشراً أساسياً على الثقة في الاقتصاد البريطاني والمالية العامة للدولة.

وتبلغ عوائد السندات الحكومية البريطانية لأجل عشر سنوات نحو 4.85 في المائة، وهي مستويات تقترب من أعلى معدلاتها منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، مما يعني أن الحكومة البريطانية تضطر إلى دفع تكاليف مرتفعة لتمويل احتياجاتها من الاقتراض مقارنة بمعظم الاقتصادات المتقدمة الأخرى.

وقد جعلت حالة عدم الاستقرار السياسي المتكررة، إلى جانب المخاوف بشأن الأوضاع المالية العامة، المستثمرين أكثر حذراً تجاه الأصول البريطانية، خصوصاً السندات طويلة الأجل التي باتت أكثر عرضة لتقلبات حادة، مقارنة بنظيراتها في العديد من الدول المتقدمة.

ويُنظر إلى بورنهام على أنه أكثر ميلاً إلى اليسار مقارنة بستارمر، ورغم تأكيده مراراً التزامه بالقواعد المالية التي وضعتها وزيرة المالية راشيل ريفز، فإن الأسواق لا تزال تنتظر دلائل عملية تثبت قدرته على الجمع بين الإنفاق الحكومي والانضباط المالي.

وقال موهيت كومار، كبير الاستراتيجيين في «جيفريز»: «أكد بورنهام احترامه للقواعد المالية، لكن السؤال الجوهري يتمثل في كيفية تمويل أي إنفاق إضافي محتمل. الضرائب بلغت مستويات تجعل رفعها أكثر صعوبة، في حين أن الحديث عن وفورات الكفاءة يبدو جيداً نظرياً لكنه غالباً ما يواجه عقبات عند التطبيق».

وأضاف: «لقد تجنبنا الاستثمار في السندات الحكومية البريطانية طويلة الأجل، وفضلنا زيادة تعرضنا للسندات ذات العوائد المرتفعة، كما خفضنا مراكزنا في الجنيه الاسترليني. وما زلنا نتوقع استمرار التقلبات في سوق السندات البريطانية طويلة الأجل خلال الفترة المقبلة».

وأشار إلى أن الاستراتيجية المفضلة حالياً تتمثل في تفضيل السندات قصيرة الأجل على حساب السندات طويلة الأجل، نظراً لتنامي المخاوف بشأن الوضع المالي البريطاني على المدى البعيد.

تكهنات متزايدة بشأن مستقبل ستارمر

وفي موازاة القلق الاقتصادي، تتسارع التطورات السياسية في لندن. وأكد عدد من الوزراء أن زعيم حزب العمال أمضى عطلة نهاية الأسبوع في دراسة خياراته السياسية ومستقبله في قيادة الحكومة.

وبينما احتشد الصحافيون صباح الاثنين أمام مقر رئاسة الوزراء في «10 داونينغ ستريت»، لم يكن واضحاً ما إذا كان ستارمر قد حسم قراره النهائي، بينما امتنع مكتبه عن تأكيد ما إذا كان سيعقد مؤتمراً صحافياً خلال اليوم.

يقف الصحافيون خارج «داونينغ ستريت» بانتظار تصريح محتمل لرئيس الوزراء كير ستارمر 22 يونيو (رويترز)

وقالت وزيرة الدولة للتعليم جاكي سميث لشبكة «سكاي نيوز»: «لا أعرف ما إذا كان قد اتخذ قراره، لكنني أعلم أنه يفكر بعمق فيما هو الأفضل للبلاد.» وأضافت: «أثق بأنه سيتخذ القرار الصحيح».

بورنهام... المنافس الأقوى

كان ستارمر، البالغ من العمر 63 عاماً، قد أكد مراراً أنه سيقاوم أي محاولة لإقصائه من السلطة، لكن فوز بورنهام الكاسح في دائرة ماكرفيلد الانتخابية يبدو أنه دفعه إلى إعادة تقييم موقفه خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وذكرت صحيفة «الغارديان» أن رئيس الوزراء يواجه ضغوطاً هائلة من نواب حزب العمال للتنحي وإفساح المجال أمام بورنهام.

كما أشارت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إلى أن المؤشرات على قرب إعلان ستارمر خطة للاستقالة تتزايد، في وقت تصدرت فيه الصحف البريطانية عناوين مثل «انتهت اللعبة».

حتى الرئيس الأميركي دونالد ترمب دخل على خط الأزمة السياسية البريطانية، إذ كتب على منصته «تروث سوشيال» يوم الأحد: «كير ستارمر سيستقيل».

وأضاف ترمب أن رئيس الوزراء البريطاني أخفق في إدارة ملفات الهجرة والطاقة، في إشارة إلى تراجع العلاقات بين الرجلين خلال الأشهر الأخيرة على خلفية التوترات المرتبطة بالحرب الإيرانية.

فرصة أخيرة لحزب العمال

من جانبه، لم يخفِ آندي بورنهام، الذي يشغل منصب عمدة مانشستر الكبرى منذ عام 2017، رغبته في خوض سباق زعامة الحزب، محذراً في خطاب فوزه بالانتخابات الفرعية من أن حزب العمال يواجه «فرصته الأخيرة للتغيير».

آندي بورنهام النائب الجديد عن حزب العمال في ماكرفيلد يتحدث بعد فوزه في الانتخابات الفرعية في 19 يونيو الحالي (أ.ف.ب)

وبفضل الأغلبية البرلمانية الكبيرة التي يتمتع بها حزب العمال، فإن فوز بورنهام بزعامة الحزب قد يضعه تلقائياً على رأس الحكومة ما لم يظهر منافسون أقوياء داخل الحزب.

وتفيد تقارير إعلامية بأن بورنهام يدرس إجراء تعديلات واسعة على الفريق الاقتصادي في حال وصوله إلى السلطة، بما في ذلك استبدال وزيرة المالية راشيل ريفز، مع الإبقاء على وزيرة الداخلية شبانة محمود.

ضغوط داخلية متصاعدة

ووفقاً للتقارير، أمضى ستارمر عطلة نهاية الأسبوع في مقر الإقامة الريفي لرؤساء الوزراء في تشيكرز، حيث عقد سلسلة من الاجتماعات مع مقربين ومستشارين لبحث الخيارات المتاحة.

وقال وزير الأعمال بيتر كايل إن رئيس الوزراء «يخصص وقتاً للتأمل في الحقائق السياسية والتحديات والفرص التي تواجهه».

كما أفادت صحيفة «الغارديان» بأن ستارمر وفريقه المقرب بدأوا بالفعل العمل على مسودة خطاب استقالة محتمل، مشيرة إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في بقائه حتى نهاية الصيف قبل تسليم القيادة إلى خليفة جديد خلال مؤتمر حزب العمال في سبتمبر (أيلول).

وأشارت تقارير إعلامية إلى أن أكثر من 100 نائب من أصل 403 نواب لحزب العمال باتوا يدعون إلى رحيله، فيما تُعد وزيرة الخارجية إيفيت كوبر من بين أبرز الشخصيات الحكومية التي تطالب بإجراء تغيير في القيادة.

ويأتي ذلك بعد أشهر من التراجع السياسي المتواصل لحكومة ستارمر، التي واجهت انتقادات حادة بسبب سلسلة من الأخطاء السياسية والتراجعات في السياسات العامة والاستقالات الوزارية، فضلاً عن الجدل الذي أثاره تعيين بيتر ماندلسون سفيراً للمملكة المتحدة في واشنطن.

كما شكلت النتائج الضعيفة التي حققها حزب العمال في الانتخابات المحلية والإقليمية الأخيرة في إنجلترا واسكوتلندا وويلز عاملاً إضافياً في تأجيج الدعوات إلى تغيير القيادة.


مقالات ذات صلة

مخاوف التضخم تتجدد... وتباطؤ النمو يثير قلق الأسواق

الاقتصاد شاشة تعرض بيانات سوق الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)

مخاوف التضخم تتجدد... وتباطؤ النمو يثير قلق الأسواق

تُلقي حالة عدم اليقين بشأن آفاق النمو الاقتصادي، والتوقعات باستمرار ارتفاع التضخم خلال العام المقبل، بظلالها على الأسواق العالمية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد متداول في العقود الآجلة والخيارات يعمل في قاعة التداول ببورصة نيويورك (رويترز)

خسائر أسهم التكنولوجيا تربك صناديق التحوط وتمحو مكاسبها السنوية

أدت موجة بيع عالمية حادة في أسواق الأسهم، قادتها أسهم شركات التكنولوجيا، إلى محو المكاسب المحققة منذ بداية العام لدى العديد من صناديق التحوط.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ )
الاقتصاد رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

الأسهم الأوروبية تهبط 1.6 % مع تسارع موجة البيع في قطاع التكنولوجيا عالمياً

افتتحت الأسهم الأوروبية تعاملات الجمعة على انخفاض، وسط تراجعات شملت مختلف القطاعات، مع تسارع موجة البيع في الأسواق العالمية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد نحاس في مصنع شركة «أوروبيس» لصهرج وصهر النحاس في هامبورغ ألمانيا (رويترز)

النحاس يتجه لأكبر خسارة أسبوعية منذ مارس مع موجة بيع أسهم التكنولوجيا

تراجعت أسعار النحاس، الجمعة، متجهة إلى تسجيل أكبر انخفاض أسبوعي لها في بورصة لندن للمعادن منذ مارس (آذار)، في ظل موجة بيع حادة لأسهم شركات التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد ورقة نقدية من الروبية الهندية في صورة توضيحية (رويترز)

السندات الهندية تتفوق آسيوياً... والروبية تبلغ أعلى مستوى في 6 أشهر

تصدرت السندات الحكومية الهندية أداء الأسواق الناشئة في آسيا خلال الأسبوع الحالي، فيما استعادت الروبية جاذبيتها بين عملات الأسواق الناشئة.

«الشرق الأوسط» (مومباي)

مسؤول أميركي: الاقتصاد يتسم بالمتانة لكن التضخم لا يزال أعلى من اللازم

امرأة تتسوق في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
امرأة تتسوق في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

مسؤول أميركي: الاقتصاد يتسم بالمتانة لكن التضخم لا يزال أعلى من اللازم

امرأة تتسوق في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
امرأة تتسوق في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)

قال جون وليامز رئيس بنك الاحتياطي الاتحادي (المركزي الأميركي) في نيويورك، الجمعة، إن النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة ظل يتسم بالمتانة بشكل ملحوظ رغم الصدمات المتتالية، لكن التضخم لا يزال أعلى من اللازم، ومن الضروري إعادته إلى المستوى المستهدف البالغ 2 في المائة.

وأضاف وليامز خلال مؤتمر للبنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت: «معدل التضخم أعلى بالقطع من اللازم. هو مرتفع للغاية منذ فترة طويلة جداً».

وتابع قائلاً: «من الضروري للغاية أن نعيد التضخم إلى هدفنا البالغ اثنين في المائة في الوقت المناسب وعلى أسس مستدامة».


«الفاو»: تراجع أسعار الغذاء العالمية في أكتوبر رغم ارتفاعها 5.9 % سنوياً

تُعرض منتجات طازجة في أحد أكشاك بيع الفاكهة والخضراوات في شارع بورتوبيلو بلندن (رويترز)
تُعرض منتجات طازجة في أحد أكشاك بيع الفاكهة والخضراوات في شارع بورتوبيلو بلندن (رويترز)
TT

«الفاو»: تراجع أسعار الغذاء العالمية في أكتوبر رغم ارتفاعها 5.9 % سنوياً

تُعرض منتجات طازجة في أحد أكشاك بيع الفاكهة والخضراوات في شارع بورتوبيلو بلندن (رويترز)
تُعرض منتجات طازجة في أحد أكشاك بيع الفاكهة والخضراوات في شارع بورتوبيلو بلندن (رويترز)

تراجعت أسعار الغذاء العالمية بشكل طفيف خلال أكتوبر (تشرين الأول)، مع مساهمة ضعف الطلب على الواردات في انخفاض الأسعار الشهرية للحبوب ومنتجات الألبان واللحوم، لكنها ظلت أعلى بنحو 6 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفقاً لما أعلنته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، الجمعة.

وبلغ متوسط مؤشر «الفاو» لأسعار الغذاء، الذي يتتبع التغيرات الشهرية في الأسعار الدولية لسلة من السلع الغذائية، 133.9 نقطة في أكتوبر، مقارنة مع 135.6 نقطة بعد المراجعة في سبتمبر (أيلول).

وسجل المؤشر ارتفاعاً بنسبة 5.9 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لكنه ظل أقل بنسبة 16.4 في المائة من ذروته المسجلة في مارس (آذار) 2022.

وانخفض مؤشر «الفاو» لأسعار الحبوب بنسبة 4.5 في المائة مقارنة بسبتمبر، وبنسبة 12.6 في المائة على أساس سنوي، مع تراجع أسعار القمح والذرة.

وتراجعت أسعار القمح بفعل ضعف الطلب على الواردات وتحسن آفاق الإنتاج، ولا سيما في الأرجنتين.

وقالت «الفاو» في بيان: «أسهمت التوقعات بتخفيف القيود المفروضة على تدفقات الصادرات عبر البحر الأسود في زيادة الضغوط النزولية على الأسعار، رغم أن استمرار الاضطرابات اللوجستية في المنطقة حدّ من هذا التراجع».

كما انخفضت أسعار الذرة بعد بلوغها أعلى مستوى لها في ثلاث سنوات خلال سبتمبر، متأثرة بموسم الحصاد في الولايات المتحدة، والتوقعات بوفرة الإمدادات في أميركا الجنوبية، وتجدد الآمال بتخفيف التوترات في منطقة البحر الأسود.

وفي المقابل، ارتفعت أسعار الزيوت النباتية بنسبة 0.3 في المائة؛ إذ عوّض ارتفاع أسعار زيتَي الصويا ودوّار الشمس تراجع أسعار زيت بذور اللفت.

وصعدت أسعار السكر بنسبة 6.6 في المائة، مسجلة الزيادة الشهرية الرابعة على التوالي، لتبلغ أعلى مستوياتها منذ ديسمبر (كانون الأول) 2024، بعدما أدت الأمطار إلى تعطيل عمليات الحصاد في البرازيل. وبذلك أصبحت الأسعار أعلى بنسبة 28.8 في المائة مقارنة بمستوياتها قبل عام.

وانخفض مؤشر أسعار منتجات الألبان بنسبة 1.1 في المائة، مع تجاوز أثر تراجع أسعار الزبدة والأجبان، نتيجة وفرة المعروض وضعف الطلب، مكاسب أسعار مسحوق الحليب.

كما تراجع مؤشر أسعار اللحوم بنسبة 1.2 في المائة، رغم بقائه أعلى قليلاً من مستواه قبل عام، مع انخفاض أسعار لحوم الخنازير والأغنام والأبقار.


مخاوف التضخم تتجدد... وتباطؤ النمو يثير قلق الأسواق

شاشة تعرض بيانات سوق الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض بيانات سوق الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

مخاوف التضخم تتجدد... وتباطؤ النمو يثير قلق الأسواق

شاشة تعرض بيانات سوق الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)
شاشة تعرض بيانات سوق الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)

تُلقي حالة عدم اليقين بشأن آفاق النمو الاقتصادي، والتوقعات باستمرار ارتفاع التضخم خلال العام المقبل، بظلالها على الأسواق العالمية، رغم الآمال بأن يؤدي احتمال خفض التصعيد في الحرب الإيرانية إلى تراجع أسعار النفط.

وارتفعت تكاليف الاقتراض الحكومي بشكل حاد هذا العام، في حين سجل مؤشر «ناسداك»، الذي تهيمن عليه شركات التكنولوجيا، الخميس، أكبر انخفاض يومي له منذ موجة البيع التي أعقبت إعلان «يوم التحرير» في أبريل (نيسان) 2025. كما أظهرت البيانات الاقتصادية الأوروبية مزيداً من الضعف، وفق «رويترز».

ويعزز تضافر هذه العوامل المخاوف من استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، حتى مع تباطؤ النمو الاقتصادي. في المقابل، أثار فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الأميركية آمالاً بإمكانية التوصل في نهاية المطاف إلى إنهاء الحرب الإيرانية.

النفط لا يزال مرتفعاً

تراجعت أسعار النفط بنحو 15 في المائة خلال الأسبوع الحالي، لتستقر دون مستوى 100 دولار للبرميل بقليل. لكن محللين يحذرون من أن التوصل إلى تسوية للحرب الإيرانية لا يزال غير مؤكد؛ ما يبقي المجال مفتوحاً أمام عودة الأسعار إلى الارتفاع.

ورغم التراجع الأخير، لا تزال أسعار النفط أعلى بنسبة 64 في المائة منذ بداية العام، في حين تستقر أسعار الغاز الطبيعي عند نحو ثلاثة أمثال مستوياتها المسجلة مطلع عام 2026.

وتُبقي هذه الظروف توقعات التضخم على المدى القريب مرتفعة، وتعزز المخاوف من استمرار الضغوط السعرية بالتزامن مع تباطؤ النمو؛ الأمر الذي قد يدفع البنوك المركزية إلى مواصلة رفع أسعار الفائدة.

وارتفع مؤشر جامعة ميشيغان لقياس توقعات التضخم في الولايات المتحدة خلال عام واحد بشكل طفيف إلى 4.7 في المائة في أكتوبر (تشرين الأول)، مقارنة مع 4.6 في المائة في سبتمبر (أيلول)، و3.4 في المائة في فبراير (شباط).

ولا تزال المؤشرات السوقية لتوقعات التضخم على المدى الطويل أعلى من 2 في المائة في كل من منطقة اليورو والولايات المتحدة، وتتجاوز 3 في المائة في بريطانيا.

وتؤدي زيادة تكاليف الطاقة إلى تفاقم التضخم، في الوقت الذي تضغط فيه على النمو الاقتصادي من خلال رفع نفقات النقل والتصنيع والإنفاق الأسري.

وقال إينيغو فريزر جينكينز، كبير استراتيجيي الاستثمار في شركة «أليانس برنشتاين»، إن التوترات الجيوسياسية واضطرابات الإمدادات التي تغذي الضغوط التضخمية ستستمر حتى بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية.

وأضاف: «اليوم يتعلق الأمر بالنفط، لكن في المرة المقبلة قد يكون الكوبالت أو الليثيوم أو شيئاً آخر، وعلينا أن نعتاد على ذلك»، مشيراً إلى أن هذه التطورات ستنعكس في صورة تضخم أعلى وتقلبات أكبر.

متسوقون بأحد المتاجر الكبرى في هونغ كونغ (رويترز)

أسعار الغذاء تزيد الضغوط

لا تزال أسعار الغذاء، التي ارتفعت بفعل الظروف المناخية القاسية واضطرابات الشحن وارتفاع تكاليف الطاقة، أحد أبرز مصادر القلق بشأن التضخم.

وسجل مؤشر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) لأسعار الغذاء أعلى مستوى له منذ نحو أربع سنوات.

وقد ترتفع التكاليف أكثر، في ظل تحذيرات أطلقتها شركات كبرى للسلع الاستهلاكية والأغذية من زيادات سعرية لتعويض ارتفاع النفقات، في حين أبدت الهيئة التجارية الرئيسية لقطاع التجزئة في بريطانيا مخاوف مماثلة.

وقال هانك كالينتي، استراتيجي الأسواق العالمية لدى بنك «إس إم بي سي»، إن تضخم أسعار الغذاء قد يؤدي أيضاً إلى اتساع الضغوط الاقتصادية.

وأوضح أن ارتفاع أسعار الغذاء يدفع المستهلكين إلى الاعتقاد بأن التضخم أصبح واقعاً مستمراً؛ ما قد يجعلهم يطالبون بوظائف أفضل أو بأجور أعلى، مضيفاً أن ذلك يؤدي إلى ظهور ما يُعرف بـ«آثار الجولة الثانية» للتضخم، عندما تنتقل الزيادات السعرية إلى الأجور وتكاليف الإنتاج.

تشديد الأوضاع التمويلية

يرى محللون أن تشديد الأوضاع المالية يمثل سبباً إضافياً للحذر بشأن آفاق النمو الاقتصادي.

فقد ارتفعت تكاليف الاقتراض الحكومي في الولايات المتحدة بمقدار 85 نقطة أساس خلال الربع الثالث، في حين زادت بأكثر من 100 نقطة أساس في كل من فرنسا وإيطاليا. ورغم تراجع عوائد السندات منذ ذلك الحين، فإنها لا تزال أعلى بكثير مما كانت عليه في بداية العام.

ومن شأن الطلب على السندات الألمانية، التي تُعدّ ملاذاً آمناً، أن يساعد في احتواء تكاليف الاقتراض في أنحاء منطقة اليورو. لكن اتساع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية قد يؤدي إلى تشديد الأوضاع التمويلية، حتى من دون أي تغيير في سياسة البنك المركزي الأوروبي.

وأظهرت تقديرات للبنك المركزي الأوروبي، جرى تداولها قبل اجتماعه الأخير للسياسة النقدية الخميس الماضي، أن الارتفاع الأخير في عوائد السندات سيؤدي إلى خفض النمو الاقتصادي التراكمي بمقدار 100 نقطة أساس خلال عامي 2027 و2028، مقارنة بتوقعات سبتمبر (أيلول).

تداعيات موجة بيع التكنولوجيا

يشكل تراجع الأصول عالية المخاطر، ولا سيما الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مؤشراً آخر على تشديد الأوضاع المالية.

ولا تزال المؤشرات الرئيسية للأسهم قريبة من مستوياتها القياسية، لكن المستثمرين بدأوا يشككون في قوة طفرة الذكاء الاصطناعي، خصوصاً بعدما عزز فوز الديمقراطيين التوقعات بفرض رقابة أكثر صرامة على هذا القطاع.

وقد أدت موجة البيع، الخميس، إلى محو تريليونات الدولارات من القيمة السوقية لمؤشر «ناسداك».

ومن شأن استمرار التراجعات أن يقلص ثروات الأسر، ويرفع تكاليف التمويل أمام الشركات، ويحدّ من استعداد المستثمرين لتحمل المخاطر، بما قد ينعكس سلباً على الاستثمارات المستقبلية.

وقالت مجموعة «سيتي» في مذكرة إن الأوضاع المالية شهدت تشديداً خلال الأسبوع الماضي، مع اتساع فروق العوائد في أسواق الائتمان وتراجع أسعار الأسهم، لكنها أشارت إلى أن مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي قد لا يكونون مستعدين بعد للاستنتاج بأن الأوضاع أصبحت مقيدة بالقدر الكافي.

أفق مدينة نيويورك ومبنى «إمباير ستيت» في مدينة ويهاوكن بولاية نيوجيرسي (رويترز)

مؤشرات اقتصادية أكثر ضعفاً

تباطأ النمو الاقتصادي في منطقة اليورو بشكل حاد خلال أكتوبر (تشرين الأول)، مع اقتراب الطلب من حالة الركود، في حين ضغط ارتفاع التكاليف على الشركات وتراجعت الثقة إلى أدنى مستوياتها في خمسة أشهر، وفقاً لبيانات صدرت الأربعاء.

كما يشير مؤشر «سيتي» للمفاجآت الاقتصادية في أوروبا، الذي يقيس مدى تجاوز البيانات للتوقعات أو تخلفها عنها، إلى مسار تنازلي.

في المقابل، لا يزال النمو الاقتصادي الأميركي متماسكاً، مدعوماً جزئياً بالاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وحذَّر آر جيه غالو، كبير مسؤولي الاستثمار في أدوات الدخل الثابت العالمية لدى «فيديريتد هيرميس»، من الإفراط في استخدام مصطلح «الركود التضخمي»، الذي يصف اجتماع التضخم المرتفع وضعف النمو وزيادة البطالة.

وأشار إلى أن الاقتصاد الأميركي يواصل النمو بوتيرة قوية، وأن معدل البطالة البالغ 4.2 في المائة لا يزال منخفضاً وفق المعايير التاريخية، مضيفاً أن «التضخم لا يزال مصدر القلق الرئيسي لمجلس الاحتياطي الفيدرالي».