حرب إيران تُدخل الطيران العالمي منطقة اضطراب

أزمة وقود ومسارات مكلفة تهدد أرباح الشركات

طائرة تابعة للخطوط الجوية البريطانية لدى هبوطها في العاصمة البلجيكية بروكسل (أ.ف.ب)
طائرة تابعة للخطوط الجوية البريطانية لدى هبوطها في العاصمة البلجيكية بروكسل (أ.ف.ب)
TT

حرب إيران تُدخل الطيران العالمي منطقة اضطراب

طائرة تابعة للخطوط الجوية البريطانية لدى هبوطها في العاصمة البلجيكية بروكسل (أ.ف.ب)
طائرة تابعة للخطوط الجوية البريطانية لدى هبوطها في العاصمة البلجيكية بروكسل (أ.ف.ب)

دخلت صناعة الطيران العالمية مرحلة جديدة من الاضطراب، مع اتساع تداعيات الحرب الإيرانية على أسواق الطاقة وحركة الملاحة الجوية وسلاسل الإمداد، في أزمة باتت تهدد شركات الطيران بارتفاعات حادة في التكاليف وخسائر تشغيلية متزايدة، في وقت كان فيه القطاع يحاول التعافي الكامل من آثار الجائحة والتباطؤ الاقتصادي العالمي.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تحولت الحرب في الشرق الأوسط من أزمة جيوسياسية بعيدة نسبياً عن القطاع، إلى عامل ضغط مباشر على شركات الطيران والمطارات وموردي الوقود، بعدما أدت التوترات المتصاعدة إلى اضطراب إمدادات الوقود النفاث، وارتفاع أسعار النفط، وإعادة رسم مسارات الرحلات الجوية العالمية، خصوصاً بين أوروبا وآسيا.

ومع استمرار المخاوف بشأن أمن الملاحة في المنطقة، بدأت شركات الطيران العالمية تواجه واقعاً تشغيلياً أكثر تعقيداً وتكلفة، وسط تحذيرات متزايدة من أن الأزمة الحالية قد تتحول إلى واحدة من أصعب الفترات التي يمر بها القطاع منذ الحرب الروسية - الأوكرانية.

وفي أحدث مؤشر على خطورة الوضع، أبلغ الاتحاد الأوروبي شركات الطيران والمطارات، بأنه لا توجد «عقبات تنظيمية» أمام استخدام نوعية «جيت إيه» من وقود الطائرات؛ الشائع في الولايات المتحدة، بوصف ذلك بديلاً لوقود «جيت إيه-1»؛ المستخدم تقليدياً في أوروبا، وذلك لتجنب نقص محتمل في الإمدادات نتيجة اضطراب الأسواق المرتبط بالحرب الإيرانية.

تخوف أوروبي

وقالت المفوضية الأوروبية إن شركات الطيران يمكنها استخدام الوقود البديل شريطة إدارة العملية بحذر والتنسيق الكامل عبر سلسلة التوريد، بينما دعت وكالة سلامة الطيران الأوروبية (إياسا) إلى اتخاذ احتياطات تشغيلية إضافية عند التحول بين النوعين.

كما أكدت بروكسل أن الأزمة الحالية لا تبرر تعليق حقوق المسافرين، أو التخفف من التزامات التعويضات تجاه الركاب، معتبرة أن اضطراب سوق الوقود لم يصل بعد إلى مستوى «القوة القاهرة» الكاملة.

وتكشف هذه الخطوة حجم القلق داخل أوروبا من احتمال حدوث اختناقات في سوق الوقود النفاث، خصوصاً أن جزءاً مهماً من الإمدادات العالمية يمر عبر الشرق الأوسط، أو يعتمد على خامات ومنشآت مرتبطة بالمنطقة.

وتُعدّ صناعة الطيران من أكثر القطاعات حساسية تجاه تقلبات أسعار الطاقة؛ إذ يشكل الوقود ما بين 25 و35 في المائة من إجمالي تكاليف التشغيل لدى معظم شركات الطيران. ولذلك، فإن أي ارتفاع مستمر في أسعار النفط أو اضطراب في الإمدادات، ينعكس سريعاً على أسعار التذاكر وهوامش الأرباح وخطط التوسع.

ومنذ اندلاع الحرب، ارتفعت أسعار الوقود النفاث بشكل متسارع، بينما اتسعت الفجوة السعرية بين مناطق التوريد المختلفة، ما دفع شركات الطيران إلى إعادة تقييم استراتيجيات الشراء والتحوط. كما بدأ بعض الشركات الأوروبية والآسيوية بالفعل في البحث عن مصادر وقود بديلة، أو زيادة المخزونات الاحتياطية، تحسباً لمزيد من التدهور.

إعادة رسم المسارات

لكن أزمة القطاع لا تتوقف عند الوقود وحده؛ فالحرب الإيرانية أعادت أيضاً رسم خريطة المسارات الجوية العالمية، بعدما اضطرت شركات عديدة إلى تجنب أجزاء واسعة من المجال الجوي في الشرق الأوسط، سواء لأسباب أمنية أو نتيجة ارتفاع مخاطر التأمين.

وأدى ذلك إلى زيادة زمن الرحلات بين أوروبا وآسيا، وارتفاع استهلاك الوقود، وتراجع كفاءة الجداول التشغيلية. كما تسبب في ضغوط إضافية على الطواقم الجوية والمطارات، خصوصاً مع اضطرار بعض الرحلات إلى تنفيذ توقفات فنية للتزود بالوقود، أو تعديل المسارات بصورة مستمرة.

وتواجه شركات الطيران الأوروبية تحديداً، وضعاً معقداً، لأنها تكبدت بالفعل خسائر إضافية خلال السنوات الماضية، نتيجة إغلاق الأجواء الروسية بعد الحرب في أوكرانيا. ومع تعقد المسارات عبر الشرق الأوسط أيضاً، تجد الناقلات الأوروبية نفسها أمام شبكة تشغيل أكثر تكلفة وأقل مرونة، مقارنة ببعض المنافسين الآسيويين أو الخليجيين.

ضغوط متزامنة

أما شركات الطيران الآسيوية فتواجه بدورها ضغوطاً متزايدة، بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة وضعف الطلب في بعض الأسواق، خصوصاً مع تباطؤ الاقتصاد الصيني وتراجع حركة الشحن الجوي العالمية، مقارنة بذروة ما بعد الجائحة.

وفي الولايات المتحدة، تتابع شركات الطيران التطورات بحذر، خصوصاً مع ارتفاع أسعار النفط محلياً، وتزايد المخاوف من تأثير الأزمة على التضخم والإنفاق الاستهلاكي.

وقد بدأ بعض الشركات الأميركية بالفعل في التحذير من ضغوط محتملة على الأرباح خلال النصف الثاني من العام، إذا استمرت أسعار الوقود عند مستوياتها الحالية، أو ارتفعت أكثر.

ويخشى المستثمرون من أن تتحول الأزمة إلى دورة جديدة من الضغوط المالية على القطاع، بعدما كانت شركات الطيران قد بدأت أخيراً، في استعادة مستويات الربحية التي فقدتها خلال جائحة «كوفيد - 19»؛ فكثير من الشركات لا يزال مثقلاً بالديون التي تراكمت خلال سنوات الإغلاق، ما يجعل هذه الشركات أكثر هشاشة أمام أي صدمة جديدة في التكاليف.

كما أن قدرة الشركات على تمرير ارتفاع الأسعار إلى المستهلكين، تبدو محدودة نسبياً هذه المرة، بسبب تباطؤ الطلب العالمي وارتفاع حساسية المسافرين تجاه أسعار التذاكر بعد موجة التضخم الأخيرة.

زيادة التأمين

في هذا السياق، بدأت شركات طيران بالفعل في تقليص توقعاتها المالية، أو مراجعة خطط التوسع، فيما يراقب القطاع بقلق احتمال امتداد الأزمة إلى موسم السفر الصيفي، الذي يمثل الفترة الأكثر ربحية لشركات الطيران في أوروبا وأميركا الشمالية.

وتبرز هنا معضلة إضافية تتعلق بالتأمين وإدارة المخاطر؛ فالحرب رفعت تكلفة التأمين على الطائرات والرحلات العابرة للمناطق القريبة من النزاع، كما زادت المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسواق وأسعار العملات والطاقة. وهذا الوضع يضع ضغوطاً، خصوصاً على الشركات منخفضة التكلفة التي تعتمد على هوامش ربح ضيقة، ونماذج تشغيل عالية الكفاءة.

وفي المقابل، قد يستفيد بعض شركات الطيران نسبياً من إعادة توجيه الحركة الجوية العالمية عبر مراكزها التشغيلية، لكن حتى هذه الشركات تواجه تحديات مرتبطة بارتفاع الوقود والمخاطر الإقليمية، واحتمال تراجع الطلب إذا توسعت الحرب.

أما قطاع الشحن الجوي فيبدو من أكثر القطاعات تعرضاً للتقلبات الحالية، نظراً لاعتماده الكبير على استقرار سلاسل الإمداد العالمية. وقد بدأت تكاليف الشحن ترتفع بالفعل على بعض الخطوط، فيما تواجه الشركات صعوبة متزايدة في الحفاظ على جداول التسليم المعتادة.

ويرى محللون أن الأزمة الحالية تعكس هشاشة صناعة الطيران أمام الصدمات الجيوسياسية، رغم كل محاولات القطاع خلال السنوات الماضية، لبناء نماذج تشغيل أكثر مرونة؛ فالحروب لا تؤثر فقط على حركة الطائرات، بل تمتد آثارها إلى الوقود والتأمين والتمويل والطلب والسياحة وسلاسل التوريد في آن واحد.

كما تكشف الأزمة عن التداخل المتزايد بين أمن الطاقة وأمن النقل العالمي؛ فاضطراب إمدادات الوقود في الشرق الأوسط لا ينعكس فقط على أسعار النفط، بل يمتد مباشرة إلى تكاليف السفر والتجارة العالمية والنمو الاقتصادي.

وفي الوقت الراهن، تبدو الأسواق مقتنعة بأن الأزمة لن تكون قصيرة أو محدودة التأثير. ولذلك، تتجه شركات الطيران والحكومات إلى التركيز على «إدارة الأزمة»، بدلاً من انتظار نهاية سريعة للحرب.

ومع استمرار حالة عدم اليقين، يبقى السؤال الأهم بالنسبة للقطاع: إلى أي مدى تستطيع شركات الطيران تحمل موجة جديدة من ارتفاع التكاليف والاضطرابات التشغيلية بعد سنوات من الأزمات المتلاحقة؟

وحتى الآن، لا توجد إجابة واضحة؛ لكن المؤكد أن الحرب الإيرانية أعادت وضع صناعة الطيران العالمية في قلب العاصفة الاقتصادية، في وقت كان فيه القطاع يأمل أخيراً في العودة إلى مسار الاستقرار والنمو.


مقالات ذات صلة

دعوات أميركية تطالب ترمب بعدم فتح الباب أمام السيارات الصينية

الاقتصاد آلاف السيارات الصينية المعدة للتصدير في ميناء «يانتاي» شرق الصين (أ.ف.ب)

دعوات أميركية تطالب ترمب بعدم فتح الباب أمام السيارات الصينية

يدعو قطاع صناعة السيارات الأميركي والمشرعون من كلا الحزبين، في رسالة واضحة، ترمب إلى ألا يمنح الصين أي منفذ إلى سوق السيارات الأميركية...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي مؤتمر صحافي عقب اجتماع منتدى الشراكة مع سوريا في بروكسل شاركت فيه المفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط دوبرافكا شويكا ووزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني الاثنين (رويترز)

الشيباني: سوريا تدخل الشراكة مع الاتحاد الأوروبي «بأعلى درجات الجدية»

شدد وزير الخارجية أسعد الشيباني، خلال مؤتمر صحفي على هامش منتدى الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وسوريا ببروكسل، على أن سوريا تدخل اليوم لتأسيس مسار مؤسسي ومستدام.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد ناقلة نفط في ميناء طوكيو (رويترز)

اليابان تستقبل أول شحنة نفط من آسيا الوسطى منذ بدء حرب إيران

قالت اليابان إن ناقلة تحمل نفطاً خاماً أذربيجانياً ستصل في وقت مبكر من يوم الثلاثاء، حاملةً أول شحنة نفط من آسيا الوسطى منذ بدء حرب إيران...

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد كير ستارمر يلقي كلمة في مركز «كوين ستريت» المجتمعي بمنطقة واترلو في لندن (د.ب.أ)

السندات البريطانية تتراجع مع تصاعد الشكوك بشأن مستقبل ستارمر

تفاقمت خسائر السندات الحكومية البريطانية طويلة الأجل يوم الاثنين؛ بعد أن عجز خطاب رئيس الوزراء، كير ستارمر، عن تبديد شكوك المستثمرين بشأن بقائه السياسي...

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد متسوقون في أحد المتاجر بمدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)

تضخم المصانع الصينية يقفز لذروة 45 شهراً مع صدمة أسعار الطاقة

تجاوزت أسعار المنتجين في الصين التوقعات لتسجل أعلى مستوى لها في 45 شهراً أبريل الماضي

«الشرق الأوسط» (بكين)

ترمب لشركات الطيران: لا خطط إنقاذ... وتوجه لتعليق ضريبة البنزين مؤقتاً

ترمب يلقي كلمة في فعالية حول الرعاية الصحية للأمهات في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يلقي كلمة في فعالية حول الرعاية الصحية للأمهات في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

ترمب لشركات الطيران: لا خطط إنقاذ... وتوجه لتعليق ضريبة البنزين مؤقتاً

ترمب يلقي كلمة في فعالية حول الرعاية الصحية للأمهات في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يلقي كلمة في فعالية حول الرعاية الصحية للأمهات في البيت الأبيض (أ.ب)

صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين برغبته في تعليق الضريبة الفيدرالية على البنزين البالغة 18 سنتاً لفترة من الزمن، لكنه استبعد أي إمكانية لتقديم مساعدات لشركات الطيران التي تواجه ارتفاعاً في أسعار وقود الطائرات، وذلك وفقاً لما ذكرته شبكة «سي بي إس نيوز»، في ظل استمرار ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة وسط الحرب مع إيران.

وقال ترمب لشبكة «سي بي إس»: «سنلغي ضريبة البنزين لفترة من الزمن، وعندما تنخفض أسعار البنزين، سنسمح بإعادة فرضها تدريجياً». وأضاف أنه لم يتم «تقديم خطة إنقاذ لشركات الطيران بشكل فعلي»، وأن «وضع شركات الطيران ليس سيئاً».

يوم الأحد، صرّح وزير الطاقة كريس رايت لبرنامج «ميت ذا برس» على قناة «إن بي سي نيوز» بأن إدارة ترمب منفتحة على تعليق الضريبة الفيدرالية على البنزين.

وتفرض الولايات الأميركية ضرائب على البنزين أيضاً، حيث اتخذت إنديانا وكنتاكي وجورجيا خطوات لخفضها لتخفيف العبء على المستهلكين عند محطات الوقود.

وقد ارتفعت أسعار البنزين منذ بدء الحرب في إيران في 28 فبراير (شباط)، حيث بلغ متوسط سعر الغالون الواحد في الولايات المتحدة 4.52 دولار يوم الاثنين، وفقاً لجمعية السيارات الأميركية.


العقود الآجلة للغاز الطبيعي الأميركي تصعد 3 % مع تراجع الإنتاج

منشأة غاز طبيعي مسال كما تُرى من ميناء آرثر بولاية تكساس الأميركية (رويترز)
منشأة غاز طبيعي مسال كما تُرى من ميناء آرثر بولاية تكساس الأميركية (رويترز)
TT

العقود الآجلة للغاز الطبيعي الأميركي تصعد 3 % مع تراجع الإنتاج

منشأة غاز طبيعي مسال كما تُرى من ميناء آرثر بولاية تكساس الأميركية (رويترز)
منشأة غاز طبيعي مسال كما تُرى من ميناء آرثر بولاية تكساس الأميركية (رويترز)

ارتفعت العقود الآجلة للغاز الطبيعي الأميركي بنحو ثلاثة في المائة لتصل إلى أعلى مستوياتها في أسبوع واحد، وذلك بسبب انخفاض الإنتاج خلال الأسابيع القليلة الماضية.

وجاء صعود الأسعار رغم التوقعات بانخفاض الطلب الأسبوع المقبل مقارنة بالتقديرات السابقة وفي ظل وفرة كميات الغاز المخزنة.

وارتفعت العقود الآجلة للغاز تسليم يونيو (حزيران) في بورصة نيويورك التجارية 8.4 سنت أو ثلاثة في المائة إلى 2.841 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، متجهة لتسجيل أعلى إغلاق منذ الرابع من مايو (أيار).

وفي السوق الفورية، بلغ متوسط أسعار البيع في مركز واها منذ بداية 2026 نحو سالب 2.29 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، مقارنة بمتوسط 1.15 دولار في 2025، و2.88 دولار خلال متوسط السنوات الخمس السابقة من 2021 إلى 2025.

وقالت مجموعة بورصات لندن إن متوسط إنتاج الغاز في الولايات الأميركية الـ48 السفلى استقر عند 109.6 مليار قدم مكعبة يومياً حتى الآن في مايو، وهو المستوى نفسه المسجل في أبريل (نيسان)، مقارنة بذروة قياسية شهرية 110.6 مليار قدم مكعبة يومياً في ديسمبر (كانون الأول) 2025.

وانخفض الإنتاج في الأسابيع القليلة الماضية، إذ تسببت أسعار السوق المنخفضة في قيام بعض شركات الطاقة، مثل «إي كيو تي»، ثاني أكبر منتج للغاز في الولايات المتحدة، بخفض الإنتاج في انتظار ارتفاع الأسعار في المستقبل.


الرياض وموسكو… خطوة استراتيجية للتنقل الحر ودعم الاستثمار والسياحة

اجتماع سابق للجنة السعودية-الروسية المشتركة (واس)
اجتماع سابق للجنة السعودية-الروسية المشتركة (واس)
TT

الرياض وموسكو… خطوة استراتيجية للتنقل الحر ودعم الاستثمار والسياحة

اجتماع سابق للجنة السعودية-الروسية المشتركة (واس)
اجتماع سابق للجنة السعودية-الروسية المشتركة (واس)

في خطوة استراتيجية مهمة نحو تعزيز الانفتاح الاقتصادي والسياحي بين البلدين، دخل الإعفاء المتبادل من تأشيرات الزيارة حيز التنفيذ بدءاً من يوم الاثنين، وهو ما يُسهم في اختصار الوقت والإجراءات، ومن شأنه أن يخفّض التكلفة على رجال الأعمال والمستثمرين والسياح، مما يرفع وتيرة التنقل المباشر ويزيد فرص بناء الشراكات التجارية والاستثمارية.

وعلى صعيد الأعمال، فإن تسهيل الدخول دون تأشيرة لمدة تصل إلى 90 يوماً يمنح الشركات السعودية والروسية مرونة أكبر لعقد الاجتماعات، واستكشاف الفرص، والمشاركة في المعارض والفعاليات الاقتصادية دون تعقيدات بيروقراطية، خصوصاً في قطاعات مثل الطاقة، والصناعة، والتقنية، والسياحة، والخدمات اللوجستية. كما يعزز ذلك ثقة القطاع الخاص، ويشجع على زيادة التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة.

ومن المعلوم أن حجم التبادل التجاري بين روسيا والسعودية قد ارتفع أكثر من 60 في المائة خلال 2024، ليصل إلى 3.8 مليار دولار، وهناك تحركات متسارعة من البلدين لتوسيع هذه التجارة وزيادة حجم الاستثمارات.

أما سياحياً فالقرار يفتح الباب أمام نمو حركة السفر بين البلدين، خصوصاً مع تنامي اهتمام السياح الروس بالوجهات السعودية الجديدة ضمن «رؤية 2030»، مثل العلا والبحر الأحمر، بالإضافة إلى الفعاليات الترفيهية والثقافية والمواسم السياحية.

وفي المقابل، يمنح السعوديين سهولة أكبر لاستكشاف المدن الروسية والوجهات الثقافية والطبيعية هناك.

تسهيل حركة الأفراد

كما تحمل الاتفاقية بُعداً دبلوماسياً مهماً، إذ تعكس تطور العلاقات السعودية-الروسية واتجاهها نحو شراكة أكثر عمقاً على المستويات الاقتصادية والسياحية والثقافية، بما يواكب التحولات العالمية نحو تسهيل حركة الأفراد وتعزيز التعاون الدولي.

ويرى مختصون أن الإعفاء المتبادل من تأشيرات الزيارة بين البلدين يمثّل تحولاً مهماً في طبيعة العلاقات، إذ لم تعد تقتصر على التنسيق السياسي والطاقة، بل أصبحت تتجه نحو تعزيز التواصل الاقتصادي والسياحي المباشر بين الشعوب وقطاع الأعمال.

ويقول المختصون، خلال حديثهم إلى «الشرق الأوسط»، إن هذه الخطوات عادةً ما تنعكس سريعاً على حركة المستثمرين والشركات، كونها تقلّل العوائق الإجرائية وتمنح مرونة أكبر لعقد الاجتماعات واستكشاف الفرص التجارية، خصوصاً في القطاعات التي تشهد اهتماماً مشتركاً مثل السياحة والطاقة والتقنية والخدمات اللوجستية.

التبادل التجاري

وذكر أستاذ الاقتصاد في جامعة الملك عبد العزيز، الدكتور سالم باعجاجة، لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطوة ستفتح باب الاستثمار وترفع حجم التبادل التجاري بين البلدين، وهي تفتح لرجال الأعمال المجال في اكتشاف الفرص التجارية والاستثمارية سواء في روسيا أو السعودية.

ومن الجانب السياحي، تأتي الاتفاقية في توقيت مهم مع تسارع تطور القطاع السياحي السعودي ضمن «رؤية 2030»، حيث تسعى المملكة إلى استقطاب مزيد من السياح الدوليين وتنويع الأسواق المستهدفة. وفقاً لأستاذ الاقتصاد في جامعة الملك عبد العزيز.

وأكد باعجاجة، أن السائح الروسي يُعد من أكثر السياح إنفاقاً واهتماماً بالوجهات الجديدة، مما يمنح المدن والمشروعات السياحية السعودية فرصة أكبر للنمو.

وفي المقابل، سيستفيد المواطن السعودي من سهولة الوصول إلى الوجهات الروسية، وهو ما يعزز التبادل الثقافي والسياحي ويرفع مستوى التقارب بين البلدين على المدى الطويل، حسب باعجاجة.

الشراكات التجارية

بدورها، أوضحت الباحثة الاقتصادية فدوى البواردي، لـ«الشرق الأوسط»، أن دخول اتفاقية الإعفاء المتبادل من تأشيرات الزيارة بين المملكة وروسيا حيز التنفيذ يُعدّ خطوة استراتيجية مهمة لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين على جميع المستويات.

وتأتي الاتفاقية في إطار سعي البلدين لتسهيل حركة المواطنين ورجال الأعمال، وتعزيز التبادل الثقافي والاقتصادي، خصوصاً في ظل التطلعات لتحقيق تنمية مستدامة وتقوية الروابط الاقتصادية بين الجانبين، وفق لفدوى البواردي.

وأفادت بأنه من الناحية الاقتصادية تتيح الاتفاقية لرجال الأعمال والمستثمرين التنقل بحرية أكبر بين المملكة وروسيا، وهذا يسهل إقامة الشراكات التجارية وتنفيذ المشروعات الاستثمارية المشتركة في وقت أسرع ومرونة أكبر.

تسهيل حركة السياح

ومن المتوقع أيضاً أن يُسهم ذلك في زيادة حجم الاستثمارات الثنائية، ويعزّز المشاركة في الفعاليات الاقتصادية والمعارض التجارية، وهو ما ينعكس بشكل إيجابي على نمو القطاعات الاقتصادية المختلفة في البلدين.

وطبقاً لفدوى البواردي، من منظور تعزيز السياحية، فإن تسهيل حركة السياح والزوار يعزّز نمو القطاع بين البلدين، ويفتح آفاقاً جديدة للتبادل الثقافي والتفاهم بين الشعبين، مما يرسخ العلاقات الشعبية ويعزز صورة الدولتين على الساحة الدولية.

وأضافت: «كما أن تعزيز السياحة يُسهم في خلق فرص عمل جديدة وتحفيز الاقتصاد المحلي في البلدين، من خلال زيادة الإنفاق السياحي وتطوير البنية التحتية السياحية».