السعودية تقود تحول السياحة العالمية باستثمارات تتجاوز 200 مليار دولار

افتتاح «تورايز 2025» بهدف توحيد جهود القطاعين العام والخاص

وزير السياحة السعودي متحدثاً في «تورايز 2025» (الشرق الأوسط)
وزير السياحة السعودي متحدثاً في «تورايز 2025» (الشرق الأوسط)
TT

السعودية تقود تحول السياحة العالمية باستثمارات تتجاوز 200 مليار دولار

وزير السياحة السعودي متحدثاً في «تورايز 2025» (الشرق الأوسط)
وزير السياحة السعودي متحدثاً في «تورايز 2025» (الشرق الأوسط)

إيماناً منها بأهمية السياحة بوصفها من أهم محركات النمو الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل، تواصل السعودية بناء المشاريع العملاقة في هذا القطاع باستثمارات ضخمة يتوقع أن تتجاوز الـ200 مليار دولار في السنوات الخمس المقبلة، ولعل أبرز تلك الوجهات «نيوم»، و«البحر الأحمر»، وغيرهما من المشاريع الجديدة التي تعمل البلاد على تنفيذها حتى 2030.

هذا الرقم طرحه وزير السياحة السعودي، أحمد الخطيب، خلال كلمته الافتتاحية لفعاليات منتدى «تورايز» (TOURISE 2025)، في العاصمة السعودية، الثلاثاء، تحت رعاية الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وبمشاركة واسعة من قادة السياحة وصُنّاع القرار من أكثر من 120 دولة حول العالم.

ويهدف «تورايز» إلى توحيد الحكومات، والقطاع الخاص، والمنظمات غير الحكومية لقيادة النمو المستدام والابتكار في الصناعة. كما يسعى إلى جمع المكونات الداخلة في القطاع للمرة الأولى سنوياً، لتوجيه الاستراتيجيات وتشكيل الشراكات ومواءمة الاستثمارات.

وأصبحت الحاجة إلى مثل هذه المنصة أكثر إلحاحاً بسبب النمو السريع في السفر العالمي. ففي عام 2023، سافر 1.5 مليار شخص دولياً، ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى ما بين 2.5 و 3 مليارات مسافر بحلول عام 2035.

هذا النمو يتطلب استثماراً رأسمالياً ضخماً، حيث تتوقع السعودية وحدها استثمار أكثر من 200 مليار دولار في السياحة على مدى السنوات الخمس المقبلة، لدعم وجهات ناشئة مثل «نيوم» و«البحر الأحمر» وغيرهما.

ويُسهم قطاع السياحة حالياً بنحو 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (نحو 11 تريليون دولار). ويهدف «تورايز 2025» إلى ترسيخ مكانة السياحة بوصفها صناعة استراتيجية تتطلب تعاوناً عالمياً منظماً.

كذلك، تهدف الرياض إلى أن يصبح «تورايز» مركزاً عالمياً منتظماً للحوار حول السياسات، وتسهيل الاستثمار، ودفع الابتكار، مؤكداً التزام المملكة بقيادة نموذج سياحي أكثر استدامة وشمولية للأجيال القادمة.

منصة عالمية

وأكد الخطيب في كلمته أن الحدث يمثل منصة عالمية تجمع القطاعين العام والخاص لمناقشة مستقبل السياحة والاستثمار، مشيراً إلى رؤية المملكة لتطوير القطاع، مع التركيز على دعم القيادة ضمن مستهدفات «رؤية 2030»، التي جعلت السياحة من أهم محركات النمو الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل.

وأوضح أن السياحة السعودية تعدّ محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي وفرص الشباب، مؤكداً أن المملكة منذ عام 2019 شاركت في المؤتمرات والفعاليات العالمية، و«كشفت التجارب عن وجود فجوة بين القطاع الخاص والحكومات والمنظمات غير الحكومية؛ ما دفع إلى إطلاق (تورايز 2025) منصةً تجمع جميع عناصر المنظومة السياحية، بما في ذلك وكالات السفر، والمنصات الرقمية، وشركات الطيران، والمطارات، ووسائل النقل والإقامة، وقطاعات التجزئة، والأغذية والمشروبات، والتقنيات الداعمة».

الخطيب ورئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغي برينده يتصافحان بعد الإعلان عن مبادرة «ما وراء السياحة» (إكس)

«ما وراء السياحة»

وأطلق الخطيب مبادرة «ما وراء السياحة» بالشراكة مع المنتدى الاقتصادي العالمي، التي هي مبادرة جديدة متعددة القطاعات لمستقبل السفر والسياحة ترتكز على عشرة مبادئ أساسية، وتُبرز دور القطاع بوصفه جسراً للتواصل بين الثقافات، وتمكين المجتمعات، وخلق الفرص للأجيال القادمة.

وأوضح الخطيب في هذا الإطار، أن قطاع السياحة سيحظى بتركيز أكبر خلال المنتدى الاقتصادي العالمي.

كما تناول التحديات المستقبلية للقطاع عالمياً، بما فيها «ارتفاع عدد المسافرين المتوقع، وفجوة الوظائف، واستثمارات الضيافة الضخمة، وأهمية التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على التواصل الإنساني، ودور القطاع في خلق فرص عمل للنساء والشباب»، مؤكداً أن «تورايز 2025» منصة عالمية لمناقشة مستقبل القطاع ووضع حلول عملية لتعزيز استدامته.

وتابع الخطيب أن المشاركة الواسعة في الحدث «جاءت بعد أيام مكثفة من العمل مع 160 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة»، مشيراً إلى وجود وزراء وشركاء دوليين يسهمون في دعم مسار تطوير القطاع.

وأكمل أن المنظومة السياحية تتجاوز فكرة السفر، «لتشمل وكالات السفر، والمنصات الرقمية، وشركات الطيران، والمطارات، ووسائل النقل والإقامة، وقطاعات التجزئة، والأغذية والمشروبات، والتقنيات الداعمة، بوصفها جميعاً جزءاً أساسياً من التجربة السياحية».

وأشار الخطيب إلى أن نحو 1.5 مليار شخص سافروا خلال العام الماضي، «رغم أن 20 في المائة فقط من سكان العالم يسافرون»، متوقعاً ارتفاع العدد إلى 2.5 أو 3 مليارات بحلول عام 2035.

ولفت إلى التحديات التي تواجه القطاع عالمياً، ومنها «قدرة شركات تصنيع الطائرات على تلبية الطلب، إلى جانب التوسع الكبير في استثمارات الضيافة، حيث تجاوزت الاستثمارات في السعودية خلال السنوات الخمس الماضية والمقبلة 200 مليار دولار لبناء وجهات ومدن جديدة مثل (نيوم) و(البحر الأحمر)».

العاملون بالملايين

وسلّط الخطيب الضوء على التحديات المستقبلية للقطاع، مشيراً إلى أن 357 مليون شخص يعملون حالياً في السياحة عالمياً، وأنه من المتوقع أن يضيف القطاع 90 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2034، وأوضح أنه جرت مناقشة «فجوة الوظائف» والحاجة إلى إيجاد حلول عملية لها خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وفي حديثه عن التكنولوجيا، أكد أن «الذكاء الاصطناعي مقبل ولا يمكن الهروب منه»، لكنه شدد على ضرورة استخدامه بحذر في القطاعات التي تعتمد على العنصر البشري، مؤكداً أن التواصل الإنساني في صناعة السياحة والضيافة يظل «عنصراً أساسياً لا يمكن استبدال التقنيات به»، خصوصاً أن نسبة 40 في المائة من وظائف القطاع تشغلها النساء، و80 في المائة يشغلها الشباب؛ ما يجعل السياحة من أفضل القطاعات لخلق فرص عمل مستدامة.

وزير الاستثمار السعودي متحدثاً خلال جلسة حوارية في «تورايز 2025» (الشرق الأوسط)

استقطاب تدفقات استثمارية

من جهته، ذكر وزير الاستثمار السعودي، المهندس خالد الفالح، أن السياحة في المملكة حققت قفزات كبيرة، إذ ارتفعت مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي إلى أكثر من 200 مليار ريال (53 مليار دولار)، أي ما يعادل نحو 5 في المائة، وهو المستوى المتوسط المستهدف بحلول عام 2030.

وبحسب الفالح، هذا النمو يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاستثمار، حيث زادت الأصول المستثمرة في قطاع السياحة بمقدار خمسة أضعاف منذ إطلاق «رؤية 2030». كما تضاعفت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى المملكة ثلاث مرات، في حين ارتفعت الاستثمارات الأجنبية في قطاعات الضيافة والفنادق والسكن السياحي بمقدار ثمانية أضعاف، مضيفاً أن بلاده أضافت نحو 400 ألف غرفة فندقية منذ بدء تنفيذ استراتيجية السياحة.

ولفت إلى أن السياحة قطاع مرن ومتداخل لا تحده خطوط فاصلة، إذ يؤثر في جودة الحياة والسفر والترفيه والثقافة والرياضة، وغيرها من المجالات، مشيراً إلى أن دولاً لا تمتلك موارد طبيعية غنية استطاعت أن ترسخ مكانتها على خريطة السياحة العالمية من خلال تهيئة بيئة استثمارية جاذبة، واستقطاب تدفقات استثمارية متزايدة.

وأكد العلاقة بين السياحة والاستثمار، لكونهما يشكلان دائرة إيجابية متكاملة، قائلاً إن «الاستثمار يجلب السياحة، والسياحة بدورها تجذب مزيداً من الاستثمار، في دورة تدعم التنمية الاقتصادية المستدامة في المملكة».

وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي متحدثاً خلال جلسة حوارية في «تورايز 2025» (الشرق الأوسط)

قيمة اقتصادية متراكمة

بدوره، ذكر وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي، فيصل الإبراهيم، أن السياحة تمثل مسرّعاً رئيسياً لتنويع الاقتصاد الوطني، مشيراً إلى أن أثرها يمتد عبر قطاعات متعددة، ما يخلق قيمة اقتصادية متراكمة داخل المملكة.

وطبقاً للإبراهيم، فإن السياحة بطبيعتها تسهم في اللامركزية في النمو، إذ تتيح للزوار التعرف على مختلف مناطق المملكة وليس فقط المدن الكبرى الثلاث، الأمر الذي يفتح المجال أمام المدن الصغيرة للارتباط بالطلب العالمي، ويوفر فرصاً للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والأعمال العائلية والحرف والفنون والثقافة وقطاع الضيافة لتتطور وتتحول إلى لاعبين أكبر جذباً للاستثمار.

وأضاف أن السياحة تسهم كذلك في الانتقال من التصور إلى الشراكة، لافتاً إلى أن تجربة أي زائر في المملكة قد تقوده إلى اتخاذ قرارات اقتصادية طويلة المدى.

وأشار إلى أن عدد السياح المحليين والدوليين ارتفع من 80 مليوناً في عام 2019 إلى 116 مليوناً خلال خمس سنوات، بزيادة تبلغ 45 في المائة، وهو ما يعكس حجم النمو والأثر الاقتصادي المتحقق.

وبيّن الإبراهيم أن الزخم الحالي في القطاع يأتي نتيجة الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية التي أُنجزت في السنوات الماضية، إلى جانب مشاريع جديدة جارية ستدعم الطلب على الخدمات العامة والسياحية خلال السنوات السبع إلى العشر المقبلة.

واختتم قائلاً إن السياحة تعد محركاً أساسياً لاستدامة الزخم الاقتصادي، ولتطور هيكل الاقتصاد السعودي على المدى الطويل نحو تنويع منتج قائم على الإنتاجية، يخلق فرصاً لجميع أبناء وبنات الوطن في مختلف مناطق المملكة.

رئيسة مجلس إدارة «مجموعة العليان» خلال جلسة حوارية في «تورايز 2025» (الشرق الأوسط)

التحديات العالمية

من ناحيتها، أفادت رئيسة مجلس إدارة «مجموعة العليان»، لبنى العليان، بأن قانون الاستثمار الجديد في السعودية يهدف أساساً إلى ضمان المساواة بين المستثمرين المحليين والأجانب، مشيرة إلى أهمية الشفافية وتهيئة بيئة متكافئة لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر ودفع عجلة نمو الاقتصاد السعودي.

وواصلت حديثها بأن متانة الاقتصاد السعودي وتنويعه بعيداً عن النفط، كانا أساسيين لمواجهة الصدمات الأخيرة، مبينةً أن المملكة تتمتع بأدنى نسبة دين إلى الناتج المحلي الإجمالي بين دول مجموعة العشرين، ما يعكس قوة الدولة وقدرتها على الصمود أمام التحديات الاقتصادية العالمية.


مقالات ذات صلة

مسؤولو شركات طيران يقرّون بصعوبة التصدي لطيار «مارق»

العالم طائرة تابعة لشركة «دلتا إيرلاينز» أثناء اقترابها من الهبوط في سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأميركية يوم 12 ديسمبر 2022 (رويترز)

مسؤولو شركات طيران يقرّون بصعوبة التصدي لطيار «مارق»

أقرّ رؤساء شركات طيران بصعوبة اتخاذ تدابير وقائية ضد طيار «مارق»، مؤكدين ارتفاع معايير السلامة رغم محاولة مساعد طيار إسقاط طائرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا صورة من أمام لوحة معلومات في محطة زفوله في هولندا... 15 سبتمبر 2026... توقفت حركة القطارات في أجزاء من البلاد بسبب أعطال طرأت على سكك حديدية (إ.ب.أ)

تعطّل كبير لحركة قطارات هولندا جراء «عمل تخريبي محتمل»

تسببت مواد وُضعت عمداً على خطوط السكك الحديدية في هولندا بتعطيل حركة القطارات، فيما تحقق السلطات في احتمال وقوع عمل تخريبي.

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
أوروبا المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا (رويترز- أرشيفية)

روسيا: على ساسة الغرب تقييم مخاطر السفر إلى أوكرانيا

قالت روسيا، اليوم (الثلاثاء)، إنه يتعيَّن على السياسيين والدبلوماسيين الغربيين أن يقيِّموا «بجدية» مخاطر السفر إلى أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مهاجرون على متن قارب ينتظرون المساعدة من قارب إنقاذ في المياه الدولية جنوب لامبيدوزا بالبحر المتوسط 24 يوليو 2025 (رويترز) p-circle

ما أبرز مسارات الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا؟

تتعدد طرق الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، وتتغير حركة المهاجرين عبرها باستمرار وفقاً للأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم العربي مصريون يستعدون للسفر من مطار القاهرة الدولي (شركة «ميناء القاهرة الجوي»)

لماذا تراجع جواز السفر المصري في التصنيف العالمي؟

أثار تراجع ترتيب جواز السفر المصري في أحدث تصنيف عالمي لقوة جوازات السفر، تساؤلات حول الأسباب، والتأثيرات المرتقبة على المصريين خلال سفرهم.

عصام فضل (القاهرة)

الذهب يهبط لأدنى مستوى في أكثر من شهرين... والفضة تتراجع بنحو 5 %

صائغ مجوهرات يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)
صائغ مجوهرات يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)
TT

الذهب يهبط لأدنى مستوى في أكثر من شهرين... والفضة تتراجع بنحو 5 %

صائغ مجوهرات يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)
صائغ مجوهرات يعرض سبائك الذهب والفضة في متجره بوسط مدينة الكويت (أ.ف.ب)

تراجعت أسعار الذهب والفضة، الخميس، مع تصاعد المخاوف من التضخم بفعل ارتفاع أسعار النفط، ما عزّز التوقعات ببقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وسط ترقب المستثمرين اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الأسبوع المقبل.

وفي أحدث التعاملات، تراجع الذهب بنحو 2 في المائة إلى 4063.86 دولار للأوقية، في حين هبطت الفضة بنحو 5 في المائة إلى 55.17 دولار للأوقية.

كان الذهب قد تراجع في المعاملات الفورية 1.4 في المائة إلى 4084.25 دولار للأوقية، بحلول الساعة 13:11 بتوقيت غرينتش، بعدما سجل أدنى مستوى له منذ الرابع من أغسطس (آب) الماضي، في وقت سابق من الجلسة. كما هبطت العقود الأميركية الآجلة للذهب، تسليم ديسمبر (كانون الأول)، 1.2 في المائة إلى 4100.30 دولار للأوقية.

وجاء تراجع المعدنين النفيسين مع صعود أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ مايو (أيار) الماضي، على أثر هجمات جديدة للحوثيين في السعودية، ما أثار مخاوف من اتساع نطاق التصعيد في الشرق الأوسط وزيادة الضغوط التضخمية.

قال ديفيد ميغر، مدير تداول المعادن لدى «هاي ريدج فيوتشرز»، إن ارتفاع أسعار الطاقة أدى إلى تنامي المخاوف بشأن الضغوط التضخمية، وهو ما عزز القلق من احتمال مواصلة مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي رفع أسعار الفائدة.

وعلى الرغم من أن الذهب يُعد تقليدياً أداة للتحوط من التضخم، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يقلّص جاذبيته؛ نظراً إلى أنه لا يدر عائداً.

وتعززت التوقعات بتشديد السياسة النقدية بعدما جاءت بيانات التضخم الاستهلاكي والإنتاجي في الولايات المتحدة، الأسبوع الماضي، أعلى من المتوقع، رغم استمرار التوقعات بأن يُبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير، خلال اجتماعه المقرر يوميْ 27 و28 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

وتُظهر أداة «فيد ووتش»، التابعة لمجموعة «سي إم إي»، أن المتعاملين يُسعّرون احتمالاً يبلغ 86 في المائة لرفع أسعار الفائدة في ديسمبر. كما يترقب المستثمرون بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركية، المقرر صدورها في 29 أكتوبر؛ بحثاً عن مؤشرات إضافية بشأن مسار السياسة النقدية.


الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العمالة المصرفية

أحد فروع بنك «باركليز» أحد أكبر المصارف البريطانية (د.ب.أ)
أحد فروع بنك «باركليز» أحد أكبر المصارف البريطانية (د.ب.أ)
TT

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العمالة المصرفية

أحد فروع بنك «باركليز» أحد أكبر المصارف البريطانية (د.ب.أ)
أحد فروع بنك «باركليز» أحد أكبر المصارف البريطانية (د.ب.أ)

في خطوة تعكس التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع المصرفي بفعل التطور التكنولوجي المتعلق بالذكاء الاصطناعي، يعتزم مصرف «باركليز» البريطاني الاستغناء عن نحو 5 آلاف موظف، بالتزامن مع توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي في عملياته.

وتأتي هذه الخطوة ضمن خطة أوسع لتحديث أنشطة المصرف وخفض التكاليف التشغيلية، وسط تزايد المخاوف بشأن تأثير التقنيات الجديدة على الوظائف في القطاع المالي.

وأعلن «باركليز» إلغاء نحو ألف وظيفة بالفعل، متوقعاً استكمال خفض 4 آلاف وظيفة إضافية بحلول نهاية العام الحالي، ليصل إجمالي الوظائف المستهدفة إلى نحو 5 آلاف، أي ما يعادل قرابة 5 في المائة من إجمالي قوته العاملة على مستوى العالم.

وتركز إجراءات خفض التكاليف على قطاع الخدمات المصرفية للأفراد في المملكة المتحدة، غير أن بعض الوظائف الإدارية والمساندة الخاصة بالسوق البريطانية تُنفذ من الهند، حيث يُتوقع أن تتحمل نسبة كبيرة من تخفيضات الوظائف.

وأوضح المصرف أن هذه التغييرات تأتي في إطار خطة مستمرة لتحديث عملياته، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل «إضافة مكملة» لاستراتيجيته، وليس الأساس الوحيد لخفض الوظائف.

إعادة تشكيل القطاع المصرفي

«حي المال» قلب العاصمة البريطانية لندن (رويترز)

ومع أن الاستغناء عن الموظفين لا يعود في مجمله إلى استخدام الذكاء الاصطناعي، فإن حجم التخفيضات يعيد تسليط الضوء على التداعيات المحتملة لهذه التكنولوجيا على سوق العمل.

وتتزايد استثمارات الشركات في الذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع توقعات بأن تتيح الأدوات الجديدة أتمتة بعض المهام الأساسية التي يؤديها الموظفون حالياً، بما في ذلك الأعمال الإدارية والبرمجة.

ولم يقتصر التوجه على «باركليز»، إذ أشارت مصارف «إتش إس بي سي» و«ستاندرد تشارترد» و«دانسك بنك» أيضاً، خلال العام الحالي، إلى تخفيضات في الوظائف مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وقال روس مولد، محلل الاستثمار لدى شركة «إيه جيه بيل»، لهية الإذاعة البريطانية «بي بي سي» إن الموضوع بات «قضية شديدة الحساسية والاهتمام»، لكنه أشار إلى أن المصارف لم تقدم حتى الآن على خطوات واسعة النطاق في تعميم استخدام الذكاء الاصطناعي، موضحاً أنها ستأخذ في الحسبان تداعياته على أمن العمليات وجودة خدمة العملاء قبل الاعتماد عليه لتحقيق وفورات مالية.

وأضاف مولد أن «أي شركة، في أي وقت، تحتاج إلى مراقبة قاعدة تكاليفها والتحكم فيها»، معرباً عن اهتمامه بما ستعلنه المصارف الأخرى في نتائجها المالية خلال الأسابيع المقبلة.

خطة لخفض التكاليف

يقترب «باركليز» من استكمال برنامج لخفض التكاليف يمتد لثلاث سنوات، ويركز بصورة رئيسية على قطاع الخدمات المصرفية للأفراد في المملكة المتحدة، مع امتداد تأثيره أيضاً إلى أنشطة الخدمات المصرفية الاستثمارية.

وكشف المصرف عن تحقيق أرباح بلغت 2.3 مليار جنيه إسترليني خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في سبتمبر (أيلول)، متجاوزة مستويات الفترة نفسها من العام الماضي، لكنها جاءت أقل قليلاً من توقعات المحللين.

وقال سي إس فينكاتاكريشنان، الرئيس التنفيذي لمجموعة «باركليز»، إن تخفيضات الوظائف تأتي نتيجة الاستثمارات الكبيرة التي يضخها المصرف في التكنولوجيا بهدف تبسيط أعماله وتحسين كفاءتها.

وأضاف لـ «بي بي سي» أن الذكاء الاصطناعي يؤدي دوراً مهماً في هذه العملية، وقد تزداد أهميته مستقبلاً، مشيراً إلى أن المصرف يعتزم توسيع استخدامه على نطاق واسع، لكنه شدد على أن الذكاء الاصطناعي ليس سوى عنصر مكمل للخطة، موضحاً أن الاستفادة الكاملة من إمكاناته تتطلب أولاً بناء البنية التحتية التكنولوجية اللازمة.

وذكر المصرف أن نحو 60 في المائة من الوظائف المستهدفة بالإلغاء ستتركز في وظائف الدعم والمساندة، بما في ذلك بعض وظائف تطوير البرمجيات.

عدد أقل من الموظفين

«بنك إنجلترا» المركزي في الحي المالي بلندن (إ.ب.أ)

من جهته، قال روس مولد إن «باركليز» يتجه إلى توظيف الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة لخفض التكاليف، متوقعاً تقليص جزء من قوته العاملة مع توسيع استخدام هذه التكنولوجيا، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن النتائج المالية للمصرف لم ترقَ إلى مستوى توقعات السوق.

وقال ويل هاوليت، محلل القطاع المالي لدى شركة «كويلتر تشيفيوت»، إن تخفيضات الوظائف توضح مدى التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي والأتمتة في إعادة تشكيل الصناعة المصرفية خلال السنوات القليلة المقبلة.

وأضاف أن المصارف أنفقت مبالغ كبيرة على التكنولوجيا على مدى سنوات، لكنها تقترب الآن من مرحلة تتحول فيها هذه الاستثمارات إلى نتائج تشغيلية ملموسة، من بينها انخفاض عدد الموظفين اللازمين لإدارة الأعمال. وفي هذا السياق، أعلن «باركليز» أنه يتوقع تحقيق وفورات إضافية تبلغ 1.1 مليار جنيه إسترليني خلال عام 2027، بفضل إجراءات تحسين الكفاءة وخفض التكاليف.


«المركزي التركي» يخفّض سعر الفائدة إلى 36 % للمرة الأولى منذ 9 أشهر

البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)
البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)
TT

«المركزي التركي» يخفّض سعر الفائدة إلى 36 % للمرة الأولى منذ 9 أشهر

البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)
البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)

خفّض ‌البنك المركزي التركي سعر الفائدة على إعادة الشراء لمدة أسبوع (الريبو) المعتمد معياراً أساسياً لأسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس إلى 36 في المائة للمرة الأولى منذ 9 أشهر.

كما خفّض البنك سعر الفائدة على الإقراض بالليرة التركية لليلة واحدة من 40 إلى 39 في المائة، وسعر الفائدة على الاقتراض بالليرة لليلة واحدة من 35.5 إلى 34.5 في المائة.

وجاء القرار، الذي اتخذته لجنة السياسات النقدية بالبنك في اجتماعها الخميس، متماشياً مع ​التوقعات السابقة، وذلك بعد إبقائه عند 37 في المائة في 5 اجتماعات سابقة بسبب تقلبات أسعار الطاقة نتيجة حرب إيران، ما تسبب في ضغط على التضخم.

وأبقى البنك المركزي التركي على سعر 37 في المائة منذ اندلاع حرب إيران في فبراير (شباط) الماضي، واتخذ في الوقت ذاته إجراءات أخرى لتعزيز السيولة، ورفع سعر الفائدة على الإقراض بالليرة التركية لليلة واحدة إلى الحد الأقصى البالغ ⁠40 في المائة حتى أغسطس (آب) الماضي، في مسعى ‌للحد من تأثير حرب إيران على ‌الاقتصاد.

مراقبة التضخم

وقال البنك في بيان صدر عقب اجتماع اللجنة إن أرقام ‌التضخم في سبتمبر (أيلول) الماضي وبيانات النشاط الاقتصادي تُشير إلى التأثير المحدود لصدمات العرض على الأسعار المحلية، إلى جانب استمرار ضعف الطلب المحلي، ومن جهة أخرى، لا تزال مخاطر ارتفاع أسعار الطاقة، الناجمة عن التوترات الجيوسياسية المستمرة، قائمة على توقعات التضخم.

شجّع التراجع في التضخم خلال سبتمبر الماضي «المركزي التركي» على البدء بتيسير نقدي للمرة الأولى منذ 9 أشهر (أ.ف.ب)

وسجّل التضخم السنوي في أسعار المستهلكين في تركيا في سبتمبر الماضي أكبر تراجع له في نحو 5 سنوات، مسجلاً 29.73 في المائة، فيما سجّل التضخم الشهري زيادة بنسبة 1.48 في المائة دون تغيير عن شهر أغسطس.

وأكد البيان أنه سيتم تحديد الخطوات اللازمة بشأن سعر الفائدة بما يتوافق مع الأهداف المرحلية، مع مراعاة أرقام التضخم واتجاهه العام والتوقعات، وضمان التشديد اللازم لخفضه عند الضرورة.

وأوضح أنه سيتم تحديد حجم هذه الخطوات وتوقيتها بحذر، من خلال اجتماعات دورية، مع التركيز على توقعات التضخم.

وشدد على أنه سيتم استخدام جميع أدوات السياسة النقدية بشكل حاسم، وسوف تتخذ اللجنة قراراتها ضمن إطار متوقع ومستند إلى البيانات وشفاف، وسيتم تشديد السياسة حال حدوث انهيار مفاجئ لتوقعات التضخم.

تحقيقات «صناديق الاستثمار»

في الوقت نفسه، اعتقلت قوات الأمن التركية، بموجب قرار صادر من النيابة العامة في إسطنبول، 88 شخصاً في إطار «فضيحة التلاعب بأموال صناديق الاستثمار»، والتلاعب في عمليات سوق رأس المال، والحصول على أرباح غير قانونية.

بورصة إسطنبول (الموقع الرسمي)

وجرى في إطار التحقيقات، التي انطلقت في 17 سبتمبر (أيلول) الماضي، توقيف 404 أشخاص، وإقامة دعاوى قضائية ضد المتهمين، بينهم الموقوفون حالياً و26 آخرون يخضعون للاستجواب، ضمن حملة موسعة للتصدي للعمليات المشبوهة التي تستهدف استقرار الأسواق المالية التركية.

ووقعت أزمة في قطاع صناديق الاستثمار في تركيا خلال سبتمبر الماضي، بعد صدور قرار بتصفية 131 صندوقاً، تجاوزت أصولها 20 مليار دولار خلال 3 سنوات فقط، وشهدت عمليات تلاعب تضرر منها أكثر من 455 ألف مستثمر ونحو 500 ألف مواطن.

وزاد البنك المركزي التركي تمويل إعادة الشراء، ورفع حدود اقتراض البنوك إلى 10 أمثال، لدعم السيولة.

إردوغان تعهد بالاستمرار في تحقيقات فضيحة صناديق الاستثمار حتى استئصالها ومنع تكرارها (الرئاسة التركية)

وأكد رئيس البنك، فاتح كاراهان، أن البيانات لا تُشير إلى وجود مخاطر لامتداد تداعيات أزمة الصناديق، مشيراً إلى أن البنك سيتدخل مجدداً إذا اقتضت الضرورة.

وشدد الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، الأربعاء، على استمرار التحقيقات تحت إشراف ديوان المحاسبة الحكومي، مؤكداً أن كل مَن يثبت تورطه في الأزمة سيُحاسب، أياً كان منصبه.

وتأتي التحقيقات والملاحقات الجارية في إطار جهود أوسع لتعزيز النزاهة في أسواق المال التركية، وسط مخاوف من تداعيات الأزمة على ثقة المستثمرين.

وتعكس الاعتقالات وتزايد أعداد الموقوفين حجم الشبكات المشتبه في تورطها، التي تستهدفها التحقيقات.

وتنتقد المعارضة غياب الشفافية وعدم الكشف عن أسماء كبار المتورطين في فضيحة الصناديق، بدعوى قربهم من الحكومة. في المقابل، هاجم إردوغان المعارضة، متهماً إياها باستغلال الأزمة لتشويه صورة الحكومة وإثارة الذعر بين المواطنين.

وشدد إردوغان على أن التحقيقات ستتواصل حتى معالجة الأزمة من جذورها وضمان عدم تكرارها.

وتوقع خبراء اقتصاديون أن يواصل البنك المركزي سياسة التيسير النقدي خلال اجتماعه الأخير هذا العام، والمقرر عقده في ديسمبر (كانون الأول) المقبل.