ربما مثل أي شخص آخر الآن، غالباً ما أفكر فيما يحدث في أوكرانيا وما يدور حولها. بالنسبة لي كخبير في شؤون الشرق الأوسط، شارك في عديد من مبادرات السلام، وله معرفة جيدة بتاريخ عدد كبير من النزاعات الإقليمية، دائماً تراودني عدة أسئلة: لماذا فعلت القيادة الأوكرانية كل ما في وسعها للتخلي عن الحلول البسيطة الواضحة التي تضمن لها السلام والاستقرار؟ ولماذا سمحت بانتشار العصابات النازية المنفلتة التي أدَّت جرائمها ضد السكان الروس في البلاد إلى مأساة كبيرة؟
في الأسابيع الأخيرة، كان هناك تصعيدٌ حادٌّ في التوتر في العلاقات بين روسيا من جهة والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) من جهة أخرى، ناجم عن رفضهما القاطع للرد على مقترحات موسكو بتزويدها بضمانات أمنية رسمية وبالتالي ملزمة.
المطالب الرئيسية لموسكو هي ضمانات موثقة لمنع المزيد من التوسع نحو الشرق لحلف «الناتو»، والامتناع عن نشر أسلحة هجومية بالقرب من الحدود الروسية، وإعادة القدرات العسكرية والبنية التحتية للحلف في أوروبا إلى الوضع الذي كان عليه في 1997 عندما تمَّ التوقيع على القانون التأسيسي للعلاقات المشتركة والتعاون والأمن بين روسيا وحلف الناتو.
كنت على وشك التوقف عن العودة إلى التاريخ في مقالاتي، بيد أن الرسائل التي تلقيتها من الكثير من القراء بعد نشر مقال بعنوان «التاريخ يجعلنا نفكر مليّاً» جعلتني أفكر في العودة إلى هذا الموضوع مرة أخرى.
في محاولة لفهم خصوصيات السياسة الخارجية لتركيا الحديثة، توصلت إلى استنتاج مفاده أنها تتميز بنوع من الثنائية القطبية. سأشرح ما أعنيه.
الموضوع يكمن في أن الرئيس التركي لا يضع أبداً، كما يقال، كل البيض في سلة واحدة. بمعنى آخر، عندما يُكتشف في نظام أنقرة للسياسة الخارجية والتوجهات الاقتصادية الخارجية ميل ملحوظ لصالح هذا الشريك أو ذاك، فإنه يوازنه بخطوات نحو الخصوم.
إردوغان حِرَفي يحاول تحقيق التوازن. فهو يسعى من خلال موازنة وتنويع منظومة علاقاته الخارجية، لإظهار استقلاليته أمام الجميع، ولا يخضع لضغوط أي جهة.
يدفع الوضع الدولي الحالي الجهات الفاعلة الإقليمية والعالمية إلى التمعن من جديد في الفترة السوفياتية من تاريخ علاقات روسيا مع الغرب في الشرق الأوسط، والتفكير مليّاً في دروسها.
سأسمح لنفسي بالعودة بالتاريخ إلى النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي، عندما خطط الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف لخلخلة الكتل العسكرية السياسية المعارضة لـ«المعسكر الاشتراكي» بمساعدة (كما عبر عن ذلك لاحقاً في إحدى الجلسات العامة للجنة المركزية للحزب الشيوعي) «طريقة خاصة لتنفيذ السياسة الخارجية، من خلال تهديد الإمبرياليين بالحرب».
بدت الأحداث التي وقعت في كازاخستان في بداية هذا الشهر مفاجأة للجميع، إذ إنَّ هذا البلد كان يُعدُّ الأكثر استقراراً وازدهاراً بين جمهوريات آسيا الوسطى. مع ذلك، بدا الأمر كما لو أنَّ زيادة سعر الغاز الطبيعي المسال إلى أكثر من الضعف كانت هدفاً متعمداً لإثارة الاحتجاجات الجماهيرية، التي تحولت فيما بعد إلى أعمال شغب هزت البلاد وأدت إلى وقوع ضحايا، بما في ذلك بين عناصر إنفاذ القانون والجيش. وأصبحت العاصمة الاقتصادية للبلاد، ألماتي، مركز الأحداث التي جرى خلالها نهب وتخريب عشرات المباني والمواقع.
إنَّ تفاقم الأزمة بين روسيا من جهة، والولايات المتحدة مع حلفائها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) من جهة أخرى، بسبب المشكلات الأمنية، له تأثير كبير على نظام العلاقات الدولية برُمَّته. ومن دون شك؛ فإنَّ صدى التطور اللاحق لهذه الأزمة سيصل إلى الشرق الأوسط.
يُعدُّ الوضع في أوكرانيا وما حولها إحدى المشكلات الرئيسية الكامنة وراء هذا التفاقم. ويتَّهم سياسيون غربيون روسيا بالتحضير لغزو أوكرانيا، في إشارة إلى تحرك جزء من القوات الروسية في المناطق الغربية من البلاد إلى الحدود الروسية الأوكرانية، وهو ما نفته القيادة الروسية بشكل قاطع، باعتباره ادعاءً ليس له معنى وخالياً من الأدلة.
رغم أن التركيز تقليدياً في النظام متعدد الاتجاهات للعلاقات الخارجية لروسيا مع دول العالم الإسلامي كان على العلاقات الثنائية، إلا أن الوضع بدأ يتغير منذ عام 2005، عندما أصبحت روسيا دولة عضو مراقب في منظمة التعاون الإسلامي. منذ ذلك الوقت، تحول العالم الإسلامي إلى كيان بحد ذاته يتفاعل مع موسكو. لقد تعززت العلاقات بين هذين الكيانين، وازدادت مشاركة روسيا في جدول أعمال «العالم الإسلامي»، وبات نمو ثقل الأمة الإسلامية الروسية، وتأثيرها في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للبلاد وفي سياستها الخارجية، يسرع عملية التقارب.
من منا لم يسمع عن «سفارة أحمد بن فضلان» الشهيرة.
قبل ثمانين عاماً، هاجمت ألمانيا الفاشية الاتحاد السوفياتي، وانغمست جمهورياته، التي تحولت بعد مرور 50 عاماً على تلك المرحلة إلى دول مستقلة، في دوامة أكثر الحروب دموية ضد معتدٍ استمرت أربع سنوات، كلف النصر فيها روسيا وباقي جمهوريات الاتحاد السوفياتي تضحيات ضخمة.
هذه الحرب الوطنية العظمى كانت جزءاً من الحرب العالمية الثانية التي بدأت في 1 سبتمبر (أيلول) 1939 في أوروبا، وامتدت لتطال دول الشرق الأوسط، التي كان جزء كبير منها يرزح تحت وطأة التبعية الاستعمارية. للأسف، أن هناك دوائر معينة في عدد من الدول اليوم تحاول إعادة النظر في نتائج الحرب العالمية الثانية.
لقد عزز التأثير الذي أحدثته جائحة فيروس «كورونا» على حياتنا القناعة بأن مسار الأحداث، التي ظهرت خلال التحولات العالمية غير المتوقعة في العقدين الأولين من هذا القرن، لا يمكن التنبؤ به.
من بين تلك الأحداث التي لم يستطع السياسيون والعلماء توقعها في الشرق الأوسط، كانت على وجه الخصوص، أحداث الربيع العربي. بيد أنه وبعد ثوران القلق العام، بزغ، مع ظهور اللقاحات، نور فجر في نهاية النفق المظلم. لكن الأحداث الأخيرة أظهرت أن التفشي العالمي للوباء لا ينحسر، وربما دخلنا في عصر الجائحات المتتالية، المحكوم علينا بمكافحتها بدرجات متفاوتة من النجاح.