الكنديان إيغويان وكروننبيرغ يتنافسان في المهرجان بأضعف عملين لهما

{الشرق الأوسط} في مهرجان «كان» السينمائي (6)

جوليان مور مع أبطال فيلمها «خريطة للنجوم» جون كوساك وميا واسيكوسكا (رويترز)
جوليان مور مع أبطال فيلمها «خريطة للنجوم» جون كوساك وميا واسيكوسكا (رويترز)
TT

الكنديان إيغويان وكروننبيرغ يتنافسان في المهرجان بأضعف عملين لهما

جوليان مور مع أبطال فيلمها «خريطة للنجوم» جون كوساك وميا واسيكوسكا (رويترز)
جوليان مور مع أبطال فيلمها «خريطة للنجوم» جون كوساك وميا واسيكوسكا (رويترز)

هناك مخرجان كنديان، كلاهما من خارج مقاطعة كوبيك ذات الثقافة الفرنسية، يحركان ما هو هامد في السينما الكندية. يكادان يكونان المتحرك الوحيد فيها. هذان هما أتوم إيغويان وديفيد كروننبيرغ. كلاهما اشترك في مهرجان «كان» أكثر من مرة. إيغويان (مواليد الإسكندرية سنة 1960) نال جائزة المهرجان الكبرى سنة 1997 عن «الخلود الجميل» The Sweet Hereafter وعاد هذا العام بفيلم «الأسيرة»، بينما عاد كروننبيرغ (الذي نال جائزة خاصة عن فيلمه «صدام» سنة 1996) بفيلم «خريطة للنجوم». كلاهما يشترك في المسابقة، وهناك نافذة واحدة لأي منهما ينفذ منها إلى السعفة أو إلى أي جائزة رئيسة، إذ لن يكون في المنظور المتوقع فوز كلا الفيلمين الكنديين معا.. هذا إذا ما فاز أحدهما أصلا.
«الأسيرة» يعمل على منوال تشويقي - لغزي يحيطه إيغويان بقدر من الأسلوبية في السرد بحيث لا يسقط في نهج الأفلام التشويقية الأخرى. سبق أن شاهدنا من مواطنه دنيس فيلنفيو فيلما مماثلا في موضوعه الأساسي، لكنه مختلف في قصته، وهو «سجناء» (2013). هذا الموضوع هو خطف الأطفال. في حالة «الأسيرة»، هناك ذلك الرجل المتزوج ماثيو (رايان رينولدز) الذي يتوقف عند محل ليشتري حلوى لابنته ذات السنوات التسع التي تركها في السيارة حين دخل المحل. لم يغب سوى دقيقتين أو ثلاث، وحين عاد وجدها اختفت، زوجته (ميراي إينوس) تثور عليه وتزدريه. بعض المحققين (سكوت سبيدمان) يرتاب فيه. لكن رئيسة المحققين نيكول (روزاريو دوسون) تصدقه.
ثماني سنوات تمر والأب لا يزال يبحث عن ابنته كاساندرا (أليكسيا فاست) التي أصبحت بالطبع شابة لا تزال حبيسة غرفة خاطفها ميكا (كفن دوراند). هنا يختار المخرج إبقاء السبب وراء قيام ميكا بخطف كاساندرا (أو كاس كما تُنادى اختصارا) مبهما. يطلب منها التواصل على الإنترنت مع فتيات في مثل عمرها، لكن لا برهان على أنه يستخدم ذلك على نحو خلاعي. خلال هذه السنوات تحول التحريان الرئيسان إلى عشيقين، لكنهما (وباقي عناصر الفرقة المتخصصة في البحث عن الأطفال المفقودين) لا يصلان إلى نتيجة.

* خريطة للنجوم
يختار إيغويان، كالعادة، الشتاء والأرض المغطاة بالثلج والسماء الرمادية طقوسا بصرية للكاميرا ويدفن الحكاية فيها باحثة عن دفء ما. وهو يستند إلى مدير تصويره بول ساروسي لتأمين ذلك، وكلاهما ينجح في مضمار منح الفيلم مستواه الحرفي الصحيح. المشكلة هي في أن الفيلم يسير في اتجاهات مختلفة سيرا غير واثق. إنه من عداد أسلوب المخرج الانتقال زمنيا، وخلط بعض الأوقات لتشكيل حس بالاغتراب، لكن الحكاية الحالية (كتبها ديفيد فرايزر عن فكرة للمخرج) لا تستحق ذلك اللعب التشكيلي. تبقى بسيطة في مفادها، يمكن مشاهدتها في حلقة من مسلسل بوليسي تلفزيوني، بعد تنظيفها من التعقيدات غير الضرورية لمثل ذلك الوسيط.
من ناحية أخرى، هناك تواصل المخرج مع أفكاره السابقة. لقد طرح موضوع الأولاد وموضوع الخطف والاحتجاز في أكثر من عمل، بما في ذلك عنصر قيام البعض بالتجسس على البعض الآخر، عبر كاميرات مراقبة (ورد ذلك في فيلميه السابقين «عشق» و«إكزوتيكا» مثلا). لكن كل ذلك لا يخلق هنا ارتباطا وثيقا بين المخرج وفيلمه.
لدى إيغويان حق تفضيل رسم مسافة واحدة من كل الشخصيات من دون تفضيل إحداها على الأخرى. بذلك لا أشرار ولا أخيار، لكن حدث يروى ويحاول المخرج أن يرويه بمعالجة أسلوبية فنية لائقة. هذا البعد عن كل الشخصيات معبر عنه بوضع شخصياته على شاشات الكومبيوتر والتلفزيونيات ليراقبها من بعد «أبعد». والفيلم يبدأ بحس هيتشكوكي ضئيل، ثم يختفي ذلك الحس ويختفي معه القدر التفاعلي المفترض بين المخرج وموضوعه.
الحال ليس أفضل كثيرا لدى ديفيد كروننبيرغ. قبل عامين قدم أحد أفضل أفلامه (أو بالنسبة لهذا الناقد أفضل أفلامه «كوزموبوليس») والمرء انتظر منه أن يكمل النقلة النوعية التي سادت ذلك الفيلم. فيه شاهدنا الممثل روبرت باتنسون يلعب دور ملياردير شاب تقوده سيارة الليموزين الخاصة به في شوارع المدينة المكتظة ويستقبل فيها كل معارفه في الحياة والعمل). في فيلم كروننبيرغ الجديد «خريطة للنجوم» روبرت باتنسون هو الآن سائق ليموزين يستأجرها النجوم في هوليوود. شاب يكتب في أوقات فراغه سيناريو، وله دور صغير في عمل تلفزيوني، آملا أن تقوده قدماه إلى الفرصة الكبيرة التي يتوخاها.
مثله في هذا الحلم أغاثا (ميا ووزيكوفسكا)، الفتاة التي غابت (ثماني سنوات أيضا) بعدما تسببت في احتراق بيت الأسرة حين كانت لا تزال طفلة. واحدها سافورد (جون كوزاك) يعمل مرشدا تأمليا للنجوم (عمل مجز يجنيه من الباحثين عن الراحة النفسية من دون الذهاب إلى الطبيب المختص) والأم كرستينا (أوليفيا ويليامز) تعمل مديرة أعمال، ومن بين من تدير أعمالهم ابنها الشاب ذو الـ13 عاما بنجي (إيفان بيرد)، وهو ممثل صغير خرج حديثا من المصحة بعد أن دخلها مدمنا. إنه ممثل فوق العتبة الأولى من الشهرة لكنه متعجرف وجاهل و(كما نرى لاحقا) قاتل.
إلى جانب هذه الزمرة هناك (وعلى نحو منفصل في معظم أحداثه) الممثلة هافانا (جوليان مور) التي بلغت من السن ما يجعلها تقلق على مستقبلها. هناك فيلم قيد الإنتاج يدور حول والدتها الراحلة، وهي تريد أن تلعب الدور، لكن الاختيار يرسو على ممثلة أخرى ثم يعود فيرسو عليها، بعدما تعرضت الممثلة الأخرى لمأساة موت طفلها. أغاثا تعمل لدى هافانا كمساعدة خاصة، وبما أنها شقيقة بنجي وابنة والدها الذي لا يريد أن يرى وجها، وأمها المريضة بالقلق عليها، فإن الخطين يلتقيان، خصوصا أن هافانا تنجح في سرقة السائق من أغاثا، التي كانت اعتقدت أنها وجدت العشيق المناسب.

* أتوم إيغويان: أرفض تقديم شخصيات من السهل الحكم عليها
* يعود تاريخك مع «كان» إلى نحو 25 سنة، قدمت فيها عشرة أفلام إلى اليوم. ما الذي يجعلك تختاره بين كل المهرجانات الدولية الأخرى لافتتاح أفلامك؟
- أعتقد أن الجواب واضح، لأن «كان» هو الأكثر عالمية وشهرة بينها. لا أقصد أن أقلل من شأن المهرجانات الأخرى، لكن «كان» دائما ما كان منصة جيدة لي ولآخرين. قبل 25 سنة عرضت هنا فيلما مبكرا لي هو «أدوار ناطقة»، ثم عدت وفي كل مرة يبدو لي المهرجان وقد وطد علاقته بالجميع على نحو أفضل.
* هذا الفيلم من إنتاجك أيضا.
- من إنتاجي ومن كتابتي وإخراجي وأنا سعيد بوجودي هنا بسببه.
* شخصياتك في هذا الفيلم مربوطة بحركة لولبية دائمة. ثماني سنوات من بحث الأب ومن معاناة الأم ومن أسر الفتاة التي في هذا الوقت نمت ولا تزال تأمل في أن يجري إطلاق سراحها.. هل هناك رسالة ما تنتظر منا أن نقرأها هنا؟ رسالة تتعلق بفعل الزمن في أنفس هذه الشخصيات؟
- نعم. الفترة الزمنية هي التي تشهد بقاء كل شيء على حاله باستثناء مرور سنوات العمر. الوضع غالبا لا يزال على حاله، وكل من عايش الأزمة التي عصفت بحياة هؤلاء ما زال تحت عبئها بلا ريب. إنه كما لو أن الزمن توقف لثماني سنوات عن الحركة مبتلعا مصائر كل هذه الشخصيات الرئيسة.
* أفلامك تتعامل عادة مع نوع من التشويق البوليسي بينها بالطبع هذا الفيلم وفيلمك الآخر الذي أنجزته أخيرا «عقدة الشيطان»، الذي عرض تلفزيونيا. هل من الصواب القول إنها أفلام تحقيقات بوليسية؟
- الفارق بين التسميتين تشويق بوليسي وتحقيق بوليسي عادة غير موجود. على الفيلم الذي يحمل مبدأ الجريمة أن يقدم التحقيق الذي يجريه المحقق، وهذا بدوره يدلف بالعمل صوب التشويق. ما رغبت دائما به هو الابتعاد عن سرد حكايات نمطية من أي نوع. أستطيع أن أقول إنني أحب الأفلام الغامضة، وإن الغموض مقرون بنجاح أكثر عندما يكون الموضوع بوليسيا. لكن كما ذكرت ما أنشده هو أن أكون قادرا على إضافة معالجات تبعد الفيلم الذي أقوم به عن النمط في السرد خصوصا.
* في أفلامك عموما أنت على بُعد واحد من كل الشخصيات، وهذا البعد يشي بأنك تحب أن تجلس وتراقب الذي يدور عوض أن تتعامل معه شريكا؛ هل توافق على هذا؟
- سؤال جيد، لكن الجواب أطول من هذا الوقت المحدد لنا، أحاول أن أكون ذا غرض (objective) بالفعل، وهذا ما تلاحظه عندما تقول إنني أرسم مسافة واحدة بيني وبين كل الشخصيات في الفيلم. هذا أيضا، بالمناسبة، موجود في فيلمي الآخر «عقدة الشيطان». لا أريد أن أكون متدخلا فيما أعرضه، وبالطبع أرفض تقديم شخصيات من السهل الحكم عليها. أساسا لا أحكم عليها بل أميل إلى استعراضها وأنظر إليها بموضوعية. هذا يمكّنني من فحص الحكاية وشخصياتها من وجهة نظر إنسانية. قبل أسابيع قليلة، مات بوب هوسكينز الذي مثل لي فيلم «رحلة فيليسيتا» (1999) وفيه لعب دورا شريرا لا خلاف عليه. لكن من خلال النظرة البعيدة والحيادية عليه تمكنا من فهمه بصورة أفضل. إنها في اعتقادي الطريقة الأفضل لفهم الحالة الإنسانية.
* في هذا الفيلم تبقى شخصية الخاطف مبهمة الأسباب؛ لماذا خطف؟
- هي غامضة لكنها ليست مبهمة. لا أعتقد ذلك. مرة أخرى التعامل معها يجري على منحها غطاء بشريا وليس عاطفيا. الدوافع عندي ليست بأهمية النتائج الصادرة عنها. تستطيع أن تقول ذلك وأفلامي ليست عن الدوافع التي تجعلنا نتصرف على هذا النحو أو ذاك، بل عما نحصده من نتائج، وما تتأثر به شخصيات أخرى حولنا تبعا لما أقدمنا عليه.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».