مجلات ومواقع رائدة للأدب العربي... بالإنجليزية

ثلاث شخصيات مضحية غامروا بإصدارها ونجحوا

صموئيل شمعون - مارسيا لينكس
صموئيل شمعون - مارسيا لينكس
TT

مجلات ومواقع رائدة للأدب العربي... بالإنجليزية

صموئيل شمعون - مارسيا لينكس
صموئيل شمعون - مارسيا لينكس

قبل عشرين سنة، أمضى كاتب أميركي، مدة من الزمان، في القاهرة، ثم أخرى في عمان، وانتقل إلى تونس والجزائر، والمغرب، درس العربية في كل هذه البلدان بين شهر وثلاثة أشهر، وحينما رجع إلى شيكاغو، وجد نفسه لم يفهم إلا أقل من القليل، ثم نصحه صديق عربي أن يتصل بسيدة لبنانية رائعة، تسكن قريباً منه، فأمضى معها نحو ثلاث سنوات، تدرسه أسبوعياً ساعتين مجاناً. تعلم منها العربية، وأصبح يقرأ بشكل جيد، ويترجم من العربية بشكل أجود. قال لي «بعربية نصف فصحى، ونصف لبنانية»، عندما التقيته، بعد إنهائه التعلم بنحو سنة، وهو يبدي استغرابه لكوننا لا مجلة لنا في أميركا، تورد أخبار أدبنا، وكان استغرابه في محله، ففي شيكاغو مجلة أو جريدة لكل فئة وافدة، تصدر يومياً للهنود، والباكستانيين، وأسبوعياً، وشهرياً للفئات الأخرى، أما العرب فلا.
طبعاً، كان يوجد آنذاك بضع عشرة جريدة أسبوعية أرخص من ورق المرافق، تدعي أنها عربية ولا يقرأ لغتها الأمية إلا صاحبها، وأصدقاؤه، لكن صديقي كان يأمل أن يرى ما يعيد إلى ذهنه جبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي، وأمين الريحاني، وميخائيل نعيمة، وميشيل معلوف، وسليم الخوري، وخليل مطران وغيرهم، فضلاً عن تصفح ما يغنيه عنهم، فأعطيته آخر عدد من مجلة الجديد: «Aljadid» التي يصدرها إيلي شلالا، في لوس أنجلس. وعندما تصفحها، هتف معجباً: نعم، هذا ما كنت أبحث عنه. وظللت أزوده بما يصلني منها، متى يشاء، وعندما صدرت «بانيبال» في لندن، شاركني في قراءة ما يتيسر لي منها، لكن ما استحدثته Marcia Lynx Qualey في صفحتها الإلكترونية «الأدب العربي في الإنجليزية» جعلته يستكمل رضاه؛ لأنه يتصفح الموقع يومياً.
الخدمة التي يقدمها هؤلاء الثلاثة للأدب العربي فريدة من نوعها. كان في أميركا عشرات من دارسي الأدب العربي، وآخرون أساتذة يدرسونه، وكان هناك أيضاً نشاطات واجتماعات سنوية وفصلية، كانت وما زالت مستمرة، لكن الزائر العربي لأميركا، والمقيم فيها منعزل على نفسه لا يكاد يسمع بهذه النشاطات قط، ولا يعرف عنها شيئا إلا عن طريق المصادفة، وبمبادرة من قبل إيلي شلالا، وبتعبه، وسماحته، وبذله من دون مساعدة جهة حكومية عربية أو غير عربية، برزت مجلة الجديد «Aljadid» لتقدم للقارئ باللغة الإنجليزية، عربياً أو أميركياً، شيئا ملخصاً، ناضجاً جاداً، حديثاً، معاصرا يقنعه، ويعجبه، ويشده ويجعله متابعاً دائماً. ضحى إيلي شلالا (وأنا أعرفه حق المعرفة)، لا بوقته، ولا بماله، ولا بسعادته العائلية، لكن حتى بصحته. كان عليه أن يوائم بين واجبه بصفته أستاذا في جامعة لوس أنجلس، وبنشاطه في مجلته المدهشة الجامعة، ولعل من مارس التعليم في الجامعات الأميركية يقف على كثب من الجهد الهائل الذي يبذله المدرس هنا، ويتملى بإعجابٍ سلوكه في قاعة درسه، وحرصه على إعداد كل صغيرة وكبيرة، وتسجيله حتى الأسئلة المهمة التي يلقيها في ثنايا الدرس، فليس في التدريس الجامعي، هنا ما يمت بصلة إلى الوساطات والثرثرة، والانفلات الذي تشاهده في بعض الدول، وإلا ما وصلت بعض الجامعات إلى القمة في العالم. هذا النشاط أثر على صحة إيلي، جعلته زبوناً دائماً لعمليات القلب، والشرايين، وضغط الدم العالي، وو.
بعد إيلي جاء صموئيل شمعون من العراق، وصل إلى لندن، وحيداً، فريداً، لا منصب، لا عم، لا خال، لا يجيد أي حرفة، وصل إلى بلد غربي غريباً وحده مع حلم أن يكتب رواية، ويمثلها في فيلم: «صورة كاريكاتيرية ليست غير واقعية، حسب بل لا تحدث حتى في الأحلام!». صورة تضحك الثكلى، وتثير سخرية القريب قبل الغريب، صورة فكاهية لا حد لها. هناك الكثير جاء ليدرس على معونة حكومية ففشل، وجاء الكثير معتمداً على أهله يمدونه بلقمة أفواههم المتواضعة، فضاع في الزحام، متشرداً أو شبه متشرد، وعمل الكثير منهم بعد فشله في كنس الشارع، أو لم القمامة، أو التقاط ما يمكن تدويره، أو مصلحاً للسيارات، أو عاملا في بقالة، وأهله يأملون أن يصبح مهندساً معمارياً، أو طبيب قلب، تستقبله الجماهير وترفع سمعته إلى أعلى السماوات، أو في الأقل يصبح كما يقول إخوتنا المصريون «أد الدنيا». أما صموئيل فوطأ أرض لندن وليس عنده سوى حلم مستحيل «فيلم لقصة هو يكتبها»، أمثل هذا ينجح؟ ويدير الرؤوس؟ ويجعل مئات العيون تتجه نحوه. نعم، جاء كثيرون ونجحوا منهم من أصبح موسيقياً، أو مغنياً، أو ناشر كتب، أو مسؤولاً في مؤسسة، لكن من يقترب منهم يصاب بقرف رائحة فساد تلتصق بأنفه ولا تغادره حتى الموت. لكن صموئيل رغم كل شيء نجح، وبرز، وفرض نفسه، أما الأهم فقد نجح في كتابة قصته التي لم تمثل، لكنه عوض عن التمثيل بنجاح لا مثيل له، عوضه بنجاح مجلته الرائعة.
إن أهم صفات إيلي وشمعون الشخصية تعود إلى خلقيهما الطبيعيين، هما متواضعان جداً، وهذه صفة لا تجدها عند من يشتغل بصناعة الأدب قط، فمما أعرفه طيلة حياتي، وأنا بدأت في سن السادسة عشرة أكتب وأنشر، أي بعد أكثر من ستة عقود، لحظت عن بعد وعن قرب أن من يعمل بالأدب، ناقداً، شاعراً، قاصاً، كاتباً، ناشراً، محرراً الخ، عنده قدر من النرجسية يتفاوت طولاً وعرضاً ومساحة وعقلية مع إنجازه، فالناجح منهم يعيش في السموات، أما نصف الناجح، فيمتلك سفينة فضاء تطوف في الكون. عجرفة، وتعالٍ، وعظمة كاذبة، وصدود، وشموخ زائف. اللهم إلا نسبة لا تزيد على 10 في المائة إن لم أكن متشائماً. هذان الرجلان الناجحان يردان على رسائل الجميع، ويركزان على جميع المبدعين، إن تصفحت المجلتين لا ترى شعراً وقصة ونقداً وبحثاً حسب، بل حتى فناً تشكيلياً، وعرضاً لفيلم، وتلخيصاً لمسلسلة، لا، بل أخباراً عمن نشر ولو مقالة مميزة خلال الفترة التي غابت فيها المجلة الفصلية.
أما الشخصية الثالثة فهي الآنسة «ماريكا لينكس كويلي Marica Lynx Qualey». عندما أنشأت ماريكا موقعها الإلكتروني: «الأدب العربي بالإنجليزية»، لم يكن أحد يتصور أنها ستنجح هذا النجاح المنقطع النظير، أنشأته كما أنشأ عشرات الآلاف، لا بل مئات الآلاف من الأشخاص مواقعهم الإلكترونية، فلماذا تبرز هذه الصفحة، وبماذا تبز غيرها، ومثلها الآلاف؟
إن أول ما يلفت الأنظار في «الأدب العربي بالإنجليزية»، تنوعه وشموله الوطن العربي كله، نعم هناك مواقع إلكترونية عراقية ناجحة، وهناك مصرية، وأخرى سورية...إلخ، لكن لن تجد موقعاً عربياً يشمل الوطن العربي كله، ولأنها غير عربية، وتعرف عن الأدب الإنجليزي ما لا نعرفه، ومما تعرفه ماذا يمكن أن ينجح، أو ماذا يثير القارئ الأجنبي، الأميركي بشكل خاص، فهي تختار لما تترجم الأمور الجيدة التي ستعكس رأياً حسناً، وإعجاباً حقيقياً، وانطباعاً ثابتاً؛ لذا استطاعت أن تستلفت الأنظار وتستقطبها بسرعة هائلة تستحق الإعجاب.
هؤلاء الثلاثة كرّسوا وقتهم كله، وحسبما أعرف عن إيلي لأني قريب منه، وأظن أن الآخرين يشاركانه به، هو ماله، وما يملكه، إضافة إلى صحته.
هؤلاء الثلاثة فعلوا ما لا يفعله غيرهم، أبداً، أنهم أعطوا كل ما يملكون، ومنحوا غيرهم وجودهم وراحتهم وصحتهم.



التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.


رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي
TT

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

يصحبنا الكاتب الأردني هاشم غرايبة في روايته «البحّار... حي ولا أخاف»، في رحلة لاستكشاف الذاكرة الإنسانية، وما تختزنه من تفاصيل صغيرة تبدو عابرة، لكنها تظل حاضرة في الوجدان، عاكساً في أحداثها سيرة الإنسان عبر تحولات المجتمع، والانتقال بين الطفولة والفقر والشيخوخة، وخوض التجارب الشخصية والعامة التي تطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والحياة والمصير.

تحمل الرواية التي صدرت طبعتها الثانية عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026) في ثناياها عالماً روائياً قائماً على الاعتراف واستعادة الذاكرة، من خلال شخصية «سليم الناجي»، الذي تظهر مسيرته الحياتية بوصفها تجربة إنسانية بسيطة، بعيدة عن صورة الأبطال التقليديين.

تبدأ الرواية التي جاءت فيما يقارب 130 صفحة، من الفصل الأول «على الرصيف»، حيث يجد الراوي نفسه في المدينة، بعد انتهاء التحقيق معه، لتبدأ رحلة استعادة الماضي والبحث في تفاصيل حياة امتدت عبر عقود. ومنذ الصفحات الأولى، تتشكل علاقة وتتوطد تدريجياً بين الذاكرة والكتابة؛ إذ يقرر الراوي أنْ يكتب كل ما يعرفه، وكل ما عاشه وقرأه وسمعه، لتصبح الأوراق وسيلة لاستعادة ما غاب من حياته.

ويستعيد الكاتب مجموعة من الصور والروائح والأصوات التي بقيت عالقة في الذاكرة، من صلاة الأم في غبشة الفجر، إلى مذاق «الكردوش» (خبز الشعير) الساخن، وهطول الشهب في ليالي الحصاد، ومذاق العسل مع السمسم، ورائحة فتّة الشاي بالخبز، والمرور بميناء هامبورغ في ألمانيا، ورذاذ المياه عند شلالات نياغارا، وقمر سبتمبر (أيلول) على درب مهرّبي البضائع على الحدود.

وتنتقل الرواية بين هذه التفاصيل الحميمة وبين أسئلة أكثر قسوة، تتعلق بالفقر والمرض والحروب والتحولات السياسية والاجتماعية. ويظهر ذلك بوضوح في الفصل الثاني المسمى «زمن الخسارات»، الذي يستعيد فيه الراوي طفولة قاسية، منذ وُلد «بين حربين عالميتين»، في زمنٍ لم يكن تسجيل المواليد فيه أمراً شائعاً، في حين كان الفقر والجوع والأمراض ومخاطر الحياة اليومية تحاصر الناس.

ويروي البطل جانباً من تلك الطفولة، فيقول إن من ينجو من الإسهال والحصبة والجدري قد يموت بعضّة أفعى أو رفسة بغل أو انهيار سقف، قبل أن يذكر حادثة الشقيق الرضيع الذي خطفته «الشُّوحة» (طائر الحدأة الجارح) عن البيدر، في حين كانت الأم منشغلة بفك حِمْل القش عن الناقة.

كما يتناول النص علاقة الأجيال الجديدة بالمجتمع والوطن، عادَّاً أن جيلاً كاملاً نشأ وسط غياب المشاريع الكبرى التي تستثمر طاقات الشباب، وأن هناك ضعفَ اهتمام بالثقافة والفنون والبحث العلمي، وهو ما يربطه الراوي بالتحولات التي دفعت حفيده «أحمد» إلى مسار مختلف تماماً.

وهكذا تجمع «البحّار... حي ولا أخاف» بين السيرة والذاكرة والرواية، وتستعيد عبر تفاصيل الحياة اليومية عالماً تتجاور فيه الطفولة مع الشيخوخة، والفقر مع السفر، والخسارة مع الأمل، لتقدم في النهاية تأملاً في قدرة الإنسان على الاستمرار رغم ما يحيط به من خسارات وتحولات.

من إصدارات الروائي الأردني: «هموم صغيرة»، و«قلب المدينة»، و«عدوى الكلام»، و«حبة قمح»، «بيت الأسرار»، «المقامة الرملية»، «الشهبندر»، وغيرها.