الثقافة السعودية 2025... الاستثمار والابتكار والانفتاح على العالم

تسخير التكنولوجيا الرقمية لتعزيز التجارب الثقافية

تدشين أكاديمية آفاق للفنون والثقافة بالتزامن مع تكريم الفائزين بمسابقة المهارات الثقافية
تدشين أكاديمية آفاق للفنون والثقافة بالتزامن مع تكريم الفائزين بمسابقة المهارات الثقافية
TT

الثقافة السعودية 2025... الاستثمار والابتكار والانفتاح على العالم

تدشين أكاديمية آفاق للفنون والثقافة بالتزامن مع تكريم الفائزين بمسابقة المهارات الثقافية
تدشين أكاديمية آفاق للفنون والثقافة بالتزامن مع تكريم الفائزين بمسابقة المهارات الثقافية

حمل تقرير «الحالة الثقافية في المملكة العربية السعودية»، الذي أصدرته وزارة الثقافة السعودية في سبتمبر (أيلول) 2025، عنوان: «الأثر الثقافي»، ويُسلّط التقرير الضوء على الحِراك الثقافي السعودي في العام السابق (2024)، مع رصدٍ لتطوراته، ومنجزاته، والتحديات التي واجهته خلال العام.

وضمّ التقرير ستة فصول، هي: الإدارة والصون، والإبداع والإنتاج الثقافي، والمعارف والمهارات، والمشاركة الثقافية، والاقتصاد الإبداعي، والأثر الثقافي.

وركز التقرير على قياس الأثر الثقافي واستعراض التجارب والممارسات العالمية في هذا الاتجاه، وأكد على أهمية بناء إطارٍ وطنيّ شامل لتقييم الأثر الثقافي؛ «يتجاوز النهج التقليدي، ويستند إلى مؤشّرات كمية ونوعية ترصد التغيّرات التي أحدثتها الثقافة في حياة الأفراد والمجتمع، وذلك في ظل اكتمال البناء المؤسسي للقطاع».

«الاستثمار الثقافي»

الحدث الأكثر بروزاً على الصعيد الثقافي، أيضاً، تنظيم مؤتمر الاستثمار الثقافي في دورته الأولى خلال الفترة من 29 إلى 30 سبتمبر في مركز الملك فهد الثقافي بالرياض، والذي يهتم ببحث التوجّهات المستقبلية للاستثمار الثقافي، والإنتاج الإبداعي المستدام، على المستويين المحلي والدولي.

ويُعدُّ هذا المؤتمر الأول من نوعه في المملكة مناسبةً سنويّة تفاعليّة بطابعٍ عالمي، حيث يجمع بشكل سنوي أطراف المنظومة الثقافية من جهات حكومية وخاصة، مع المستثمرين، والممارسين، والمبدعين، والمهتمين بالشأن الثقافي المحليين والدوليين.

«تحدي الابتكار الثقافي»

وفي 25 مايو (أيار) 2025، أطلقت وزارة الثقافة السعودية «تحدي الابتكار الثقافي (بوليسيثون)»، وهو حدثٌ تفاعلي يهدف إلى إشراك عموم المجتمع الثقافي في هاكاثون لتصميم السياسات الثقافية، بمشاركة نخبةٍ من الكفاءات الوطنية والخبراء العالميين؛ وذلك لدعم نمو القطاع الثقافي، وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة.

ويُعنى «تحدي الابتكار الثقافي» بتنمية مهارة تصميم السياسات الثقافية من خلال إشراك أبرز المبدعين والمواهب والمهتمين بالثقافة في منافسةٍ إبداعية تُركّز على تقديم حلولٍ وسياساتٍ قادرةٍ على حلِّ التحديات أو استغلال الفرص القائمة لدعم نمو القطاع الثقافي وازدهاره، وذلك بحضور نخبة من الكفاءات الوطنية وطلاب الجامعات، والخبرات المحلية والدولية، حيث تركز التجربة على زيادة الوعي بأسس تصميم السياسات الثقافية، وفهم منهجية صناعة سياساتٍ مبتكرة ونوعية حسب أبرز الممارسات في المجال.

وخصصت الوزارة جوائز مالية بقيمة تتجاوز الـ500 ألف ريال سعودي، يتم توزيعها على الفائزين.

«حاضنة الثقافة»

وفي 28 مايو 2025 أطلقت وزارة الثقافة مبادرة «حاضنة الثقافة»، وهي مبادرة تسهِم في تمكين المنظمات الثقافية غير الربحية والمبادرات الثقافية الاستراتيجية؛ لتواكب التطوّر في القطاع الثقافي وقطاع الأعمال بما يتوافق مع مستهدفات الاستراتيجية الوطنية للثقافة، ولتفتح آفاقاً جديدة للقطاع الثقافي.

وصُمّمت الحاضنة لتكون محركاً للتمكين، ووسيلةً لتسريع نمو الكيانات الثقافية، وقد استهدفت في دفعتها الأولى الجمعيات المهنية الثقافية، والتي يُتوقع تخرّجها في يناير (كانون الثاني) 2027، وذلك ضمن مجالات تركيزها التي تغطي الكيانات الفاعلة كافة في قطاع الأعمال بالمنظومة الثقافية والمنظمات غير الربحية، وتقدم لها الدعم والإرشاد اللازم، بينما تقع مسؤولية التقدّم والاستفادة على الكيانات المشاركة.

«إنترفيجن» للموسيقى

في 21 سبتمبر 2025، فازت السعودية باستضافة النسخة الثانية من المسابقة الموسيقية الدولية الكبرى (إنترفيجن)، التي من المقرر أن تُقام العام المقبل، وتُمثّل منصةً عالمية تحتفي بالتنوع الفني، وتعزز التبادل الثقافي عبر الموسيقى، وتبرز المواهب الغنائية والإبداعية في سياقٍ دولي يجمع شعوب العالم تحت مظلة الفن.

وتُعدّ «إنترفيجن» العالمية التي أُقيمت نسختها الأولى لهذا العام مسابقةً موسيقيّةً دوليّةً كبرى، تسعى إلى إبراز المواهب الغنائية والموسيقية من مختلف أنحاء العالم؛ لتعزيز التبادل الثقافي الدولي عبر الفن. وتجمع سنوياً عدداً من الدول المشاركة لتقديم عروض فنية حيّة أمام جمهورٍ عالميٍّ واسع؛ ما يجعلها منصة رائدة للاحتفاء بالتنوع الموسيقي والتقارب بين الشعوب.

«الثقافة من أجل الصحة»

شهد الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، إطلاق وزارة الثقافة سياسةَ «الثقافة من أجل الصحة»، وهي أحد مخرجات مختبر السياسات الثقافية، وذلك في خطوةٍ تعكس توجُّه الوزارة نحو تعزيز آليات التعاون بين قطاعات الثقافة والرعاية الاجتماعية والصحية، عبر إدماج العروض الثقافية في المنشآت الصحية، والاستفادة من الأثر الإيجابي للفنون والثقافة في تحسين الصحة العامة والنفسية للمرضى.

«مهرجان الدرعية للرواية»

وفي منتصف نوفمبر 2025، أُقيم «مهرجان الدرعية للرواية» الذي يجمع كتّاباً ومؤلفين محليين وعرباً وأجانب، في تظاهرة تحتفي بالرواية والفنون السّردية بمختلف أشكالها، لتلتقي الرّواية بالموسيقى والفنون البصرية في أمسيات تفاعلية، تتناول فن السّرد بوصفه أحد أهم أشكال التعبير الإنساني، وتربط بين الإرث الرّوائي الشفهي العريق وأدوات السرد الحديثة.

ويُعدّ المهرجان أحد أبرز برامج موسم الدرعية (2025 - 2026) ملتقى للكتّاب والرواة والقرّاء من المملكة والعالم، حيث يحتفي بالكلمة والسرد. ويجمع المهرجان بين العروض القصصية والقراءات الأدبية وورش العمل والحوارات الثقافية؛ ليُبرز دور الحكاية في صون الهوية السعودية ونقلها للأجيال.

رئيس تنفيذي للمجمع الملكي للفنون

وفي 9 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الثقافة عن تعيين دوغلاس غوتييه رئيساً تنفيذياً للمجمع الملكي للفنون بحديقة الملك سلمان بالرياض، حيث سيتولى غوتييه مهام إدارة وتشغيل المجمع وتطوير برامجه الثقافية انطلاقاً من خبراته الواسعة في إدارة الأصول الثقافية على مستوى العالم.

وشغل غوتييه منصب الرئيس التنفيذي والمدير الفني لمركز مهرجان أديلايد للفنون في أستراليا، حيث أسس مهرجان أوز آسيا، الذي أصبح اليوم من المنصات الرائدة للتبادل الثقافي بين أستراليا وآسيا. وعُرف بشغفه في توسيع نطاق الفنون ليصل إلى جمهور أوسع من خلال برامج ثقافية مبتكرة ترتكز على التنوع والإبداع، إلى جانب جهوده في تعزيز الشراكات الدولية لدعم الحراك الثقافي العالمي، كما يشغل منصب رئيس رابطة مراكز الفنون الأدائية لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ (AAPPAC) منذ عام 2013.

جسور للتواصل الثقافي

على الصعيد الرسمي، عززت الثقافة السعودية في عام 2025 حضورها الدولي، وأبرمت عدداً كبيراً الشراكات الثقافية مع دول من أنحاء العالم. وتسعى وزارة الثقافة التي تقود العمل الثقافي في المملكة من خلال هذه الاتفاقيات التي شهدت طفرة واسعة خلال العام؛ لمدّ جسور التواصل الثقافي مع مختلف الشعوب، وتمكين الثقافة السعودية من الحضور على الساحة الدولية، إلى جانب تعزيز التبادل الثقافي بصفته أحد أهداف الاستراتيجية الوطنية للثقافة.

وزير الثقافة السعودي يشارك في الدورة 43 للمؤتمر العام لمنظمة اليونسكو في أوزبكستان

الحق في الثقافة

ففي 12 فبراير (شباط) 2025، تسلّمت المملكة رئاسة المؤتمر الثالث عشر لوزراء الثقافة في العالم الإسلامي 2025، بعد أن عُقد في جدة مؤتمر وزراء الثقافة في العالم الإسلامي، تحت شعار: «أثر الثقافة على التنمية الاجتماعية والاقتصادية»، بمشاركة وزراء الثقافة في دول العالم الإسلامي ورؤساء المنظمات الإقليمية والدولية. وكان أبرز أعمال المؤتمر بحث مبادرة «إيسيسكو» للحقوق الثقافية والحق في الثقافة بدول العالم الإسلامي، ووثيقة تحليلية حول قائمة مواقع التراث العالمي المعرضة للخطر في العالم الإسلامي، بالإضافة إلى الوثائق المقدمة من قِبل السعودية والتي شملت وثيقة رقمنة المعاجم الثنائية اللغة في دول العالم الإسلامي، والمعجم التاريخي المصوَّر لفن الخط العربي ووثيقة تعزيز استرداد الممتلكات الثقافية في العالم الإسلامي.

المعجم التاريخي المصوَّر

وبهذه المناسبة، وقّعت وزارةُ الثقافة السعودية برنامجاً تنفيذِيّاً مع منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)؛ للتعاون في المعجم التاريخي المصوَّر لفن الخط العربي.

وتضمّن البرنامج التنفيذي مجالاتٍ عدة للتعاون بين الوزارة والمنظمة، من أبرزها التعاون في ترشيح خُبراء فن الخط العربي من شتى المؤسسات والمعاهد المعنيّة بالخط العربي في العالم الإسلامي للمساهمة في المعجم التاريخي المصوّر لفن الخط العربي كتابةً، وتحريراً، ومراجعة. بالإضافة إلى التعاون بين وزارة الثقافة و«إيسيسكو» في إعداد تصوّرٍ لأشهَر مصادر الخط العربي من مخطوطاتٍ، ونقوشٍ كتابية، ولوحاتٍ فنيّة وغيرها في العالم الإسلامي. كما وقّعت وزارةُ الثقافة السعودية برنامجاً تنفيذِيّاً مع «إيسيسكو» للتعاون في دعم المثقفين والأدباء والفنانين من الدول العربية والإسلامية.

واشتمل البرنامجُ التنفيذيُّ على مجالاتٍ عدة للتعاون بين الوزارة والمنظمة تُسهِمُ في دعم المثقفين، والأدباء، والفنانين من الدول العربية والإسلامية، ومن أبرزها التعاون بين وزارة الثقافة و«إيسيسكو» في مجال بناء القدرات للفنانين والأدباء من الدول العربية والإسلامية ودعمهم، إلى جانب تضافر الجهود بينهما في المشاركات الدولية.

«إكسبو 2025 أوساكا»

وضمن الحضور الدولي للثقافة السعودية، افتتح وزير الثقافة السعودي في 13 أبريل 2025 جناح السعودية المشارك في معرض «إكسبو 2025 أوساكا»، الذي يعدّ ثاني أكبر جناح بعد جناح اليابان، تحت شعار «اكتشف السعودية»، حيث يسلّط الضوء من خلال تصميمه على الكثير من الصفات المشتركة والتناغم بين المملكة واليابان. وقدم الجناح السعودي في «إكسبو 2025 أوساكا»؛ تجربةً متعددة الحواس تُرّكز على رحلة المملكة التحولية في إطار «رؤية السعودية 2030»؛ لتسليط الضوء على التزامها بتعزيز جودة الحياة من خلال الابتكار، والتحديث التقني، بالإضافة إلى تجربةٍ مكانية تعكس استكشاف المُدن والقرى السعودية، وتُجسّد التراث الثقافي الغني للمملكة.

التكنولوجيا من أجل الثقافة

وفي خطوةٍ تهدف لدعم وتمكين القطاع الثقافي والفني السعودي، وقّعت وزارة الثقافة في 21 أبريل 2025 اتفاقية تعاون مع شركة «تيك توك» لتعزيز التعاون في مختلف المجالات، وتسعى الاتفاقية إلى تسخير التكنولوجيا الرقمية لتعزيز التجارب الثقافية، وزيادة الوعي المجتمعي حول القيم الثقافية والتراثية.

ويُظهر أحدث تقرير لنا أن 39 في المائة من مستخدمي «تيك توك» في السعودية يتفقون بشدة على أن المنصة ساعدتهم في «التعبير عن هويتهم الثقافية».

السينما السعودية في البندقية الإيطالية

واستضافت وزارة الثقافة ضمن فعالياتها الثقافية التي تُقدمها في مبنى «أبازيا» بمدينة البندقية الإيطالية، معرض «تعرَّف على السينما السعودية: إرث السينما السعودية وحاضرها» خلال الفترة من 28 أغسطس (آب) إلى 6 سبتمبر 2025، الذي يشهدُ عرضاً لتسعةِ أفلامٍ سعودية قصيرة، بالإضافة إلى تنظيم جلساتٍ حواريّةٍ لصُنّاع هذه الأفلام، وندوة حواريّة بعنوان: «صناعة السينما السعودية: صياغة النجاح السينمائي» بالتعاون مع هيئة الأفلام، لتسليط الضوء على تطوّر السينما السعودية، وإبداعات المواهب المحلية في هذا المجال.

أبحاث ثقافية مع الصين

وتفعيلاً للبرنامج التنفيذي بين وزارة الثقافة السعودية والمركز الصيني - العربي لدراسات التعاون الثقافي والسياحي ولدعم البحث العلمي المتخصص في العلاقات الثقافية بين السعودية والصين وتعزيز الحوار الأكاديمي أعلنت وزارة الثقافة18 السعودية في 18 سبتمبر 2025 نتائج منحة «أبحاث العلاقات الثقافية بين المملكة العربية السعودية وجمهورية الصين الشعبية»، التي أطلقتها، ضمن مبادرة العام الثقافي السعودي - الصيني (2025).

وارتكزت الأبحاث المشارِكة على دراسة أبعاد العلاقات الثقافية المشتركة بين المملكة والصين، من خلال المجالات البحثية الخمسة، التي غطتها المنحة، وهي: التاريخ والتراث الثقافي، والفنون البصرية والأدائية، والأدب والترجمة، والاقتصاد الثقافي والصناعات الإبداعية، إضافةً إلى دور المنصات الرقمية في التبادل الثقافي المعاصر.

الثقافة في قمة العشرين

في 30 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 شاركت وزارة الثقافة في الاجتماع السادس لوزراء الثقافة لدول مجموعة العشرين، الذي عُقد في مدينة ديربان بجنوب أفريقيا.

وخلال الاجتماع، أُعلن عن استضافة المملكة مؤتمر «يونيسكو» العالمي للسياسات الثقافية والتنمية المستدامة (موندياكولت 2029)، بما يجسّد التزام المملكة باستكمال الإنجازات المحققة في المكسيك وإسبانيا، والهادفة إلى تحويل الثقافة محركاً اقتصادياً مستداماً يخدم المجتمع الدولي ويعزز التنوع الثقافي والحوار الحضاري.

• التعاون مع «يونيسكو»

وفي الأول من أكتوبر 2025، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) استضافة السعودية الدورة المقبلة لمؤتمر «يونيسكو» العالمي للسياسات الثقافية والتنمية المستدامة (موندياكولت)، التي ستنعقد في عام 2029، ويعدّ هذا المؤتمر تجمعاً دولياً يهدف إلى تعزيز الحوار حول الثقافة ودعم السياساتٍ الثقافيّة، إذ عُقد المؤتمر الأول في المكسيك عام 1982، وأسهمت المملكة في إعادة إحياء مؤتمر «موندياكولت» من خلال دعم الولايات المتحدة المكسيكية لاستضافة المؤتمر في عام 2022، وترؤس المملكة للمشاورات الإقليمية للمنطقة العربية في تلك الدورة.

وفي 4 أكتوبر 2025، شاركت السعودية ممثلة وزارة الثقافة في الدورة الـ43 للمؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو)، في مدينة سمرقند بأوزبكستان.

وفي 5 أكتوبر 2025، زار وزير الثقافة السعودي معرض «بينالي بُخارَى» للفن المُعاصر في مدينة بُخارَى بأوزبكستان، حيث قام بجولة في أجنحة البينالي الذي يُعدّ منصةً جديدة للفن المُعاصر في آسيا الوسطى، ويجمع أكثر من 200 مشاركٍ من 39 دولةً في دورته الأولى، ويعدّ بينالي بخارى موقعاً يُجسّد اندماج الفن المعاصر في عمق التاريخ والحِرف التقليدية، حيث تتزين هذه المواقع بالفنون المتعددة مثل اللوحات، والمنحوتات، والفنون الأدائية التقليدية، والحِرف اليدوية.

• حضور دولي

وفي 8 مايو التقى وزير الثقافة في مدينة البندقية، أليساندرو جولي، وزير الثقافة الإيطالية، وذلك ضمن مشاركة وزارة الثقافة في معرض بينالي البندقية للعمارة 2025، نسخته التاسعة عشرة للعمارة.

وفي 29 يونيو (حزيران) 2025 وقّعت وزارة الثقافة برنامجاً تنفيذياً مع المركز الصيني - العربي لدراسات التعاون الثقافي والسياحي في الصين؛ لتأطير سُبل التعاون الثقافي بين الجانبين تزامناً مع العام الثقافي السعودي - الصيني 2025، ولتعزيز التعاون المشترك في عددٍ من المجالات الثقافية.

وفي 24 يوليو (تموز) 2025، شاركت وزارة الثقافة في الدورة الـ39 من مهرجان جرَش للثقافة والفنون 2025 في الأردن. وتضمنت المشاركة تنظيم حفل موسيقي لفرقةٍ موسيقية سعودية على مسرح الساحة الرئيسية بجرَش، يُقدم من خلاله مقطوعات من الموسيقى العربية الأصيلة، يجتمع فيها نُخبة من العازفين على آلات العود، والقانون، والكمان، والناي، والإيقاع.

كما وقَّعت وزارة الثقافة 28 أغسطس 2025 برنامجاً تنفيذياً للتعاون الثقافي مع «خدمة التراث الكوري» وذلك في إطار توطيد أواصر العلاقات الثقافية مع كوريا الجنوبية، وتفعيل بنود مذكرة التفاهم الموقعة سابقاً بين الجانبين في مدينة سيول خلال عام 2019.

في 2 سبتمبر 2025 أجرى مسؤولون في وزارة الثقافة السعودية ونظراؤهم البريطانيون مباحثات في لندن للتعاون الثقافي في مختلف المجالات الثقافية، كما أجرى وزير الثقافة في 5 سبتمبر مع وزيرة الثقافة الفرنسية رشيدة داتي، مباحثات لتعزيز التعاون الثقافي بين البلدين، وتمّ اللقاء على هامش إقامة حفل روائع الأوركسترا في قصر فيرساي في العاصمة الفرنسية باريس.

وافتُتح في سبتمبر الماضي في العاصمة الألبانية تيرانا الأسبوعَ الثقافي السعودي الذي نظمته وزارة الثقافة، في مبنى الكونغرس «قصر المؤتمرات».

وفي 9 نوفمبر، تمّ توقيع مذكرة تفاهمٍ بين وزارة الثقافة في السعودية ووزارة الثقافة في الهند، للتعاون والتبادل الثقافي في عددٍ من المجالات الثقافية، من بينها التراث، والمتاحف، والمسرح والفنون الأدائية، والأفلام، والأزياء، والموسيقى، وفنون الطهي، والفنون البصرية، والعمارة والتصميم، والمكتبات، والأدب والنشر والترجمة، والفنون التقليدية والحرفية، وتعليم اللغة العربية. إضافةً إلى تبادل الخبرات في المشاريع المتعلقة بالمحافظة على التراث بجميع أنواعه، وتبادل المشاركات في المهرجانات والفعاليات الثقافية في البلدين.


مقالات ذات صلة

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كتب كاثرين جيزير-مورتون

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر

ندى حطيط
كتب «حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»

«الشرق الأوسط» (عمّان)
يوميات الشرق الأدب الكلاسيكي عائد بقوَّة من خلال الأفلام والمسلسلات (إنستغرام) p-circle 01:30

من «الأوديسة» إلى «شرق عدن»... كيف فتحت شهيَّة هوليوود و«نتفليكس» على الأدب الكلاسيكي؟

أكثر من أي وقت تلجأ كبرى استوديوهات الإنتاج إلى الروايات الكلاسيكية القديمة، لصناعة أفلام ومسلسلات منها. فما مردُّ هذه الظاهرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟

شوقي بزيع

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.


رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي
TT

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

رواية أردنية تستعيد ذاكرة الماضي

يصحبنا الكاتب الأردني هاشم غرايبة في روايته «البحّار... حي ولا أخاف»، في رحلة لاستكشاف الذاكرة الإنسانية، وما تختزنه من تفاصيل صغيرة تبدو عابرة، لكنها تظل حاضرة في الوجدان، عاكساً في أحداثها سيرة الإنسان عبر تحولات المجتمع، والانتقال بين الطفولة والفقر والشيخوخة، وخوض التجارب الشخصية والعامة التي تطرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والحياة والمصير.

تحمل الرواية التي صدرت طبعتها الثانية عن «الآن ناشرون وموزعون» (2026) في ثناياها عالماً روائياً قائماً على الاعتراف واستعادة الذاكرة، من خلال شخصية «سليم الناجي»، الذي تظهر مسيرته الحياتية بوصفها تجربة إنسانية بسيطة، بعيدة عن صورة الأبطال التقليديين.

تبدأ الرواية التي جاءت فيما يقارب 130 صفحة، من الفصل الأول «على الرصيف»، حيث يجد الراوي نفسه في المدينة، بعد انتهاء التحقيق معه، لتبدأ رحلة استعادة الماضي والبحث في تفاصيل حياة امتدت عبر عقود. ومنذ الصفحات الأولى، تتشكل علاقة وتتوطد تدريجياً بين الذاكرة والكتابة؛ إذ يقرر الراوي أنْ يكتب كل ما يعرفه، وكل ما عاشه وقرأه وسمعه، لتصبح الأوراق وسيلة لاستعادة ما غاب من حياته.

ويستعيد الكاتب مجموعة من الصور والروائح والأصوات التي بقيت عالقة في الذاكرة، من صلاة الأم في غبشة الفجر، إلى مذاق «الكردوش» (خبز الشعير) الساخن، وهطول الشهب في ليالي الحصاد، ومذاق العسل مع السمسم، ورائحة فتّة الشاي بالخبز، والمرور بميناء هامبورغ في ألمانيا، ورذاذ المياه عند شلالات نياغارا، وقمر سبتمبر (أيلول) على درب مهرّبي البضائع على الحدود.

وتنتقل الرواية بين هذه التفاصيل الحميمة وبين أسئلة أكثر قسوة، تتعلق بالفقر والمرض والحروب والتحولات السياسية والاجتماعية. ويظهر ذلك بوضوح في الفصل الثاني المسمى «زمن الخسارات»، الذي يستعيد فيه الراوي طفولة قاسية، منذ وُلد «بين حربين عالميتين»، في زمنٍ لم يكن تسجيل المواليد فيه أمراً شائعاً، في حين كان الفقر والجوع والأمراض ومخاطر الحياة اليومية تحاصر الناس.

ويروي البطل جانباً من تلك الطفولة، فيقول إن من ينجو من الإسهال والحصبة والجدري قد يموت بعضّة أفعى أو رفسة بغل أو انهيار سقف، قبل أن يذكر حادثة الشقيق الرضيع الذي خطفته «الشُّوحة» (طائر الحدأة الجارح) عن البيدر، في حين كانت الأم منشغلة بفك حِمْل القش عن الناقة.

كما يتناول النص علاقة الأجيال الجديدة بالمجتمع والوطن، عادَّاً أن جيلاً كاملاً نشأ وسط غياب المشاريع الكبرى التي تستثمر طاقات الشباب، وأن هناك ضعفَ اهتمام بالثقافة والفنون والبحث العلمي، وهو ما يربطه الراوي بالتحولات التي دفعت حفيده «أحمد» إلى مسار مختلف تماماً.

وهكذا تجمع «البحّار... حي ولا أخاف» بين السيرة والذاكرة والرواية، وتستعيد عبر تفاصيل الحياة اليومية عالماً تتجاور فيه الطفولة مع الشيخوخة، والفقر مع السفر، والخسارة مع الأمل، لتقدم في النهاية تأملاً في قدرة الإنسان على الاستمرار رغم ما يحيط به من خسارات وتحولات.

من إصدارات الروائي الأردني: «هموم صغيرة»، و«قلب المدينة»، و«عدوى الكلام»، و«حبة قمح»، «بيت الأسرار»، «المقامة الرملية»، «الشهبندر»، وغيرها.