رئيس هيئة الأدب والنشر لـ«الشرق الأوسط»: المملكة تتحول لمركز جذب مهني للناشرين والمؤلفين

الهيئة تعمل على بناء علاقات نشر عالمية ووكالات أدبية لتسويق المحتوى السعودي

معارض الكتاب في السعودية شهدت طفرة نوعية مع تنوع المعروض (الشرق الأوسط)
معارض الكتاب في السعودية شهدت طفرة نوعية مع تنوع المعروض (الشرق الأوسط)
TT

رئيس هيئة الأدب والنشر لـ«الشرق الأوسط»: المملكة تتحول لمركز جذب مهني للناشرين والمؤلفين

معارض الكتاب في السعودية شهدت طفرة نوعية مع تنوع المعروض (الشرق الأوسط)
معارض الكتاب في السعودية شهدت طفرة نوعية مع تنوع المعروض (الشرق الأوسط)

تقود هيئة الأدب والنشر والترجمة حراكاً للخروج بالقطاع إلى مساحات أكبر وأشمل تتجاور فيها سلاسل الإمداد مع جماليات النص، والحقوق مع أثر الترجمة، والاستثمار مع حضور القارئ.

وتعتمد استراتيجية الهيئة على التطوير والتحفيز والتنظيم للقطاعات الثلاثة، وفقاً للدكتور عبد اللطيف الواصل، الذي أكد أن الهيئة استحدثت مؤشرات أداء لقياس ما الذي تغير فعلياً في بنية القطاع وسلوكه تبعاً لتأسيس الهيئة، موضحاً أن الرهان الأساسي كان على الانتقال من التدخلات المؤقتة إلى بناء منظومة مستدامة؛ لذلك صُممت البرامج والمبادرات لتعمل على مستويات متعددة «الفرد، والمؤسسة، والسوق، والبيئة التنظيمية».

وفي حوار مع «الشرق الأوسط»، قال الرئيس التنفيذي لهيئة الأدب والنشر والترجمة إن الهيئة تعتمد على مجموعة من المؤشرات الكمية والنوعية لقياس الأثر، منها حجم السوق في القطاعات الثلاثة وأعداد الوظائف المستحدثة، وتحليل استدامة المشاريع المدعومة، وتتبع استبيانات رضا المستفيدين وتحولهم إلى نماذج عمل مستقلة قادرة على التوسع. إضافة إلى متابعة معدلات المشاركة في المعارض المحلية والدولية، ونمو عدد دور النشر الفاعلة، وحجم العناوين الصادرة والمترجمة، مؤكداً أنه على الرغم من أهمية المؤشرات فإنها لا تكفي وحدها.

الندوات الأدبية والحضور المتنوع من الداخل والخارج لمعارض الكتاب عزز مكانة السعودية في النشر والترجمة (الشرق الأوسط)

تحول تدريجي

وتابع الواصل أن الهيئة تتبع الأثر النوعي، مثل تحسن جودة النص ونضج الممارسة المهنية ومدى نمو وعي المترجم والناشر بحقوقه ومساراته، موضحاً أن الرصد كشف عن تحول تدريجي في الذهنية، «من طلب الدعم إلى بناء نموذج عمل، ومن الإنتاج الفردي إلى التفكير المؤسسي، ومن النشر المحلي إلى التفكير في الحقوق والترجمة والتوزيع العالمي، ونعتقد أن هذا التحول هو المقياس الحقيقي لنجاح طويل المدى».

لاعب مؤثر دولياً

وعن مدى التحول الإقليمي والدولي، أشار الواصل إلى أن صناعة النشر السعودية تشهد نقلة نوعية ونمواً لافتاً في المنطقة، مدعومة ببيئة تنظيمية حديثة وحراك ثقافي متسارع، ويظهر ذلك في ارتفاع الحضور السعودي في معارض الكتاب العالمية، وتزايد اتفاقيات الحقوق والترجمة، ودخول ناشرين سعوديين في شراكات خارجية، إضافة إلى الاهتمام الدولي المتنامي بالمحتوى السعودي.

وأكد أن الصناعة السعودية ليست «الوافد الجديد»، لكنها أيضاً لا تدعي أنها وصلت إلى الذروة، «نحن في منطقة وسطى حالياً، نملك طموحاً واضحاً، وحضوراً متنامياً، ووعياً بما ينقصنا».

وأضاف الرئيس التنفيذي لهيئة الأدب والنشر والترجمة: «إقليمياً، أصبحت المملكة نقطة جذب للناشرين والمؤلفين والمهنيين، ليس فقط بسبب حجم السوق، بل أيضاً بسبب جدية التنظيم، وتطور البنية التحتية، ووضوح الرؤية»، مشدداً على أن معارض الكتاب السعودية باتت منصات مهنية حقيقية، تُعقد فيها الصفقات، وتُبنى الشراكات، وتُختبر فيها الاتجاهات الجديدة.

وعلى المستوى الدولي، بات المحتوى السعودي يُقرأ بوصفه محتوى يحمل سرديات مختلفة، لا بوصفه «تمثيلاً جغرافياً» مع ارتفاع اتفاقيات الحقوق، وتزايد الاهتمام بالأدب السعودي في اللغات الأخرى، ودخول ناشرين سعوديين في شراكات خارجية، كلها مؤشرات على أننا ننتقل من مرحلة التعريف إلى مرحلة التأثير.

حظيت المطابع بدعم كبير ورفع المقابل المالي لزيادة انتشارها (الشرق الأوسط)

نموذج مختلف

ويؤكد الرئيس التنفيذي أن السعودية لا تسعى لمنافسة العواصم التقليدية بنسخ نماذجها، بل تسعى إلى بناء نموذج مختلف، يستفيد من التجارب العالمية دون أن يفقد خصوصيته، مضيفاً: «استراتيجيتنا تقوم على بناء منظومة متكاملة، تبدأ بالتشريع ولا تنتهي بالمنتج، حيث نعمل على تحديث الأنظمة، وتحسين بيئة الأعمال، وتسهيل الإجراءات؛ لأن النشر صناعة قبل أن يكون نشاطاً ثقافياً. بالتوازي مع هذا، نطور سلاسل الإمداد، والخدمات اللوجيستية، والطباعة عند الطلب، والتوزيع الذكي، بما يرفع كفاءة السوق ويقلل المخاطر، كما نولي أهمية كبيرة لربط النشر بالصناعات الإبداعية الأخرى «السينما، والكومكس، والمانجا، والمحتوى الرقمي؛ لأن النص اليوم لا يعيش في كتاب فقط، بل في منظومة سردية أوسع».

وشرح الواصل هذا الحراك بقوله: «نعمل على إعادة تعريف دور معارض الكتاب لتكون منصات مهنية، لا موسمية، تخلق قيمة اقتصادية ومعرفية مستدامة، كما نعمل على المراجعة الدورية للأنظمة واللوائح بهدف تسهيل إجراءات الدخول إلى السوق ورفع التنافسية والجودة في المعروض».

وأضاف أن الهيئة تعمل على تمكين الوكلاء والوكالات الأدبية باعتبارهم عنصراً محورياً في تنظيم الحقوق وتوسيع فرص الترجمة، وربط المحتوى السعودي بالأسواق الإقليمية والعالمية بشكل احترافي، كذلك العمل مع المطابع المحلية على تخفيض تكاليف الطباعة، ورفع كفاءة التشغيل، مستفيدين من الدعم الحكومي الموجه للقطاع الصناعي بشكل عام، الذي شمل اعتماد إلغاء المقابل المالي المقرر على العمالة الوافدة في المنشآت الصناعية المرخصة، الأمر الذي سيسهم في خفض التكاليف التشغيلية، وتعزيز تنافسية المطابع وصناعة النشر داخل المملكة.

الندوات الأدبية والحضور المتنوع من الداخل والخارج لمعارض الكتاب عزز مكانة السعودية في النشر والترجمة (الشرق الأوسط)

الشركات الدولية

وتولي هيئة الأدب والنشر والترجمة أهمية كبيرة للعلاقات الدولية والشركات وفقاً للواصل، الذي أوضح أن الهيئة تسعى إلى بناء علاقات نشر عالمية ووكالات أدبية، بهدف تسويق المحتوى السعودي وترخيصه بلغات متعددة، وفتح قنوات توزيع جديدة تعزز حضوره في الأسواق العالمية.

وشدد على أن «الشراكات الدولية بالنسبة لنا ليست علاقات عامة، بل أدوات استراتيجية نحرص على أن تكون عادلة للمؤلف والناشر والمترجم السعودي، وتحفظ حقوق الملكية الفكرية، وتُراعي الفروق الثقافية، بحيث يكون المحتوى السعودي حاضراً في العالم بسياقه الكامل».

ولا يقتصر دور الهيئة على بناء الشراكات على مستوى الجهات، بل العمل على التمكين الفعلي للعاملين في المنظومة كما يقول الواصل، وذلك من خلال تسهيل ارتباط دور النشر السعودية والجمعيات المهنية بنظرائها دولياً من خلال المشاركة في معارض الكتاب والفعاليات الثقافية الدولية، كذلك دعم شراكات دور النشر مع الوكلاء والوكالات الأدبية، ومع المؤلفين ودور النشر العالمية والمحلية، إلى جانب تمكين الجمعيات المهنية من بناء علاقات مع الاتحادات والجمعيات الدولية، وفتح قنوات تعاون مع مؤلفين يمكن نشر أعمالهم محلياً، ومع مكاتب ترجمة متخصصة تسهم في نقل المحتوى السعودي إلى المتلقي العالمي باحترافية.

الرئيس التنفيذي لهيئة الأدب والنشر والترجمة عبد اللطيف الواصل

قيادة الترجمة

تنسق هيئة الأدب الجهود في مجال الترجمة من خلال مبادرات مؤسسية ذات بعد إقليمي ودولي، فقد أنشأت الهيئة، وفقاً للواصل، المرصد العربي للترجمة بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) بوصفه منصة تنسيقية ومعرفية تهدف إلى توثيق ورصد حركة الترجمة في العالم العربي.

الاستثمار الأجنبي

في هذا السياق، قال الواصل إن الاستثمار الأجنبي في القطاع خطوة واعدة، خاصة في مجالات الطباعة المتقدمة، والتوزيع، والنشر الرقمي، وتُعد فرص دخول الشركات التقنية الدولية، لا سيما في منصات المحتوى الرقمي، والكتب الإلكترونية، والحلول التقنية الداعمة لصناعة النشر من أهم الفرص التي تعمل الهيئة باستمرار على دعمها.

وأكد أن القطاع اليوم أكثر جاهزية من أي وقت مضى لاستقبال الاستثمار الأجنبي، «لا نبحث عن رأس المال فقط، بل نبحث عن المعرفة، ونقل التقنية، وبناء القدرات المحلية». وشدد على أن دخول الشركات التقنية الدولية إلى السوق السعودية يمثل فرصة لبناء نماذج مشتركة، تُختبر محلياً، ثم تتوسع إقليمياً عبر مساحات نمو حقيقية.

ويتعزز هذا التوجه في ظل البيئة الاستثمارية الداعمة التي تعمل عليها الدولة؛ حيث أسهمت القرارات الحكومية الأخيرة، قائلاً إن ذلك يعزز ثقة المستثمر الأجنبي، ويجعل السوق السعودية أكثر تنافسية لاستقطاب الشركات الدولية الباحثة عن بيئة مستقرة، وواضحة التنظيم، وقابلة للنمو.

معارض الكتاب في السعودية شهدت طفرة نوعية مع تنوع المعروض (الشرق الأوسط)

تطوير الحلول

وعن هيمنة الشركات التكنولوجية الكبرى عالمياً، أكد الواصل أن الهيئة تعي تماماً حجم التحولات التي تقودها الشركات التقنية الكبرى، «ندرك مخاطر أن تكون الأسواق الثقافية مجرد مستهلكة لهذه التقنيات؛ لذلك تتجه الهيئة إلى أن تكون شريكاً في تطوير الحلول، لا مجرد مستخدم لها، كما ندرس شراكات في مجالات الابتكار والذكاء الاصطناعي الداعم للترجمة والتحرير، مع التأكيد على الجودة، والسياق الثقافي، والأخلاقيات المهنية».

الكتب الصوتية

وتولي الهيئة اهتماماً خاصاً بسوق الكتب الصوتية، ليس فقط بوصفه سوقاً نامية، بل كوسيط ثقافي جديد يعيد تعريف علاقة الجمهور بالنص، وهذا ما دعا الهيئة إلى إطلاق مبادرة «رقمنة الكتب لدور النشر السعودية» لتعمل على توسيع قاعدة القراء بطرق لم تكن ممكنة سابقاً.

معاهدة مراكش

وفي هذا السياق، تقوم الهيئة السعودية للملكية الفكرية بدورها في تفعيل «معاهدة مراكش» بما يحقق تيسير النفاذ إلى المصنفات المنشورة لفائدة ذوي الإعاقة البصرية ضمن إطار يحفظ حقوق المؤلفين والناشرين، وبالتوازي عملت هيئة الأدب والنشر والترجمة بالتعاون مع هيئة رعاية الأشخاص ذوي الإعاقة على إطلاق «منصة قارئ» كحل تقني عملي يتيح الوصول إلى المحتوى المقروء والمسموع لهذه الفئة، ويعكس تكامل الأدوار بين التنظيم والتنفيذ.

مبادرات مشتركة

تتجه الهيئة إلى تعزيز حضورها القيادي في المعارض الدولية الكبرى، ليس فقط عبر الأجنحة الوطنية، بل من خلال مبادرات مهنية مشتركة، حددها الواصل بـ«برامج تبادل، ومنصات حوار تسهم في ترسيخ صورة المملكة كشريك ثقافي فاعل على الساحة العالمية»، وتساعد على وصول المبدع والمنتج السعودي إلى قاعدة جماهيرية واستهلاكية أوسع، مؤكداً أن وجود المملكة في هذه المعارض هو وجود شريك مبادر، يضيف قيمة، ويقترح أفكاراً، ويشارك في صياغة مستقبل الصناعة، لا الاكتفاء بالتمثيل الرمزي.

نجحت هيئة الأدب في استقطاب شرائح المجتمع المختلفة بتنوع برامجها وفعالياتها في جميع المدن السعودية (الشرق الأوسط)

أدوات الربط

يرى رئيس هيئة الأدب أن ما يربط القارات عبر المملكة منظومة تجمع الإنسان المؤهل، والمعيار المهني، والاقتصاد القوي وحين تجتمع يعبر المحتوى وحده بثقة، موضحاً: «نراهن في استراتيجيتنا القادمة على حزمة من المشاريع النوعية كمنظومة التدريب التخصصي والاعتماد المهني في مجالات الأدب والنشر والترجمة، التي تهدف إلى تأهيل ممارسين سعوديين بمعايير عالية ومعترف بها، بما يجعل الكفاءة المحلية قادرة على العمل بثقة في الأسواق الدولية، فالمحتوى لا يعبر العالم ما لم يُنتج باحتراف، ويُدار بمنطق مهني مستدام».

وتسعى الهيئة لإدارة الحراك الترجمي بوصفها سياسة معرفية، تسد فجوات حقيقية، وتربط العربية بلغات آسيا وأفريقيا وأوروبا بجودة ومعايير موحدة، مع تمكين المترجم السعودي ليكون جزءاً من هذا التدفق لا وسيطاً خارجياً عنه.



أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور
TT

أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور

كان مقدّراً لهذه المقالة أن تكون مخصصة بالكامل للحديث عن أحمد قعبور الذي لم يكن رحيله، وسط الدخان الكثيف الذي يغطي سماء لبنان والمنطقة، شأناً من شؤون المصادفات المجردة، بل بدا بمنزلة احتجاج صارخ على فساد العالم ووحشيته المطلقة، أو نزول متعمد عن خشبة المسرح الفظ الذي يسمى الحياة. غير أن ما عدّل في وجهة الكتابة لتشمل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور، هو خلطٌ بينه وبين المغني اللبناني، غالباً ما تسبب فيه التشابه في الأسماء. وهو ما حدث للشاعر الفلسطيني عبد السلام العطاري، حين ظل يخلط دون قصد بين الاسمين، في حوار أجرته معه إحدى الفضائيات، بما حوّل الحوار برمته إلى تأبين للشاعر والمغني على حد سواء.

وقد قادتني الحادثة تلك إلى التذكير بأن مثل ذلك الخلط لم يكن غائباً عن بال قعبور ذاته، وهو الذي أخبرنا في إحدى جلسات المقهى التي واكبت فترة مرضه القاسية، بأن العديد من أصدقائه قد اتصلوا به مستنكرين وفاته دون إعلامهم، إثر رحيل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور! ثم تابع على طريقته في الدعابة بأن زوجته إيمان بكداش قد اضطرت إلى نفي نبأ رحيله عبر أكثر من مكالمة هاتفية، وقد ظن البعض أنه هو نفسه المتوفى، ليضيف مبتسماً أن ما حدث له ذكّره برائعة جورج أمادو الروائية «كانكان العوام الذي مات مرتين».

أحمد دحبور

وإذا كان الكلام عن أحمد قعبور يستدعي مروحة واسعة من الأفكار والذكريات، فإن أكثر ما ميّزه عن سواه هو نقاء سريرته، وصدقه مع نفسه في كل ما يفعل، بحيث نستطيع أن نرى أي نغمة حزن أو لمعة فرح وهي تتلألأ في مياه أعماقه المشمسة. ولم تكن سمات أحمد الأخلاقية، التي ورثها عن والديه العصاميين، لتقتصر على البشاشة وخفة الظل والقدرة اللامتناهية على الحب فحسب، بل إنه اشتغل بدأب المحاربين على ألا يكون التواضع عنده اتضاعاً، والحاجة تضحيةً بالكرامة، محاولاً في الوقت ذاته أن يوائم قدر استطاعته بين صلابة الموقف وليونة التعبير عنه.

وقد بذل أحمد الشاب، وهو نجل عازف الكمان البيروتي محمود قعبور، جهوداً حثيثة لجعل الفن خط تماس شديد الحساسية بين الحياة والتعبير، ومحاولة شاقة للتوفيق بين الالتزام بشروط الواقع، والالتزام بشروط الجمال. إضافة إلى محاولات مماثلة لتكييف موسيقاه مع روح العصر وإيقاعه المتسارع، دون أن يقطع الصلة في المقابل مع الجذور الأم للموروث الموسيقي العربي. كما أن إلحاحه الدؤوب على أن يستقي أعماله وأغانيه من الهموم اليومية للبشر العاديين، وتحويل المناسبات الاجتماعية والدينية إلى أغنيات وأهازيج، لم يقلل من حرصه الموازي على إيلاء الجوانب الفنية في أعماله ما تستحقه من الاهتمام.

وقد تكون المزايا والسمات التي وفرت لتجربة قعبور سبل البقاء والانتشار الواسع، هي نفسها التي وفرت لتجربة مرسيل خليفة، على ما بين التجربتين من اختلاف، عناصر توهجها الداخلي وثرائها الخلّاق، في حين أن معظم التجارب المماثلة قد آلت إلى الوهن والضمور. كما أن ما منح أحمد قدرته الملحوظة على ردم الهوة مع الجمهور، هو ذلك الدفء الإنساني المنقوع بالألم الذي كانت تبثه حنجرته الراعشة في أوصال مستمعيه، لتصلهم رغم نحول الصوت بما أضاعوه من حيواتهم على غير انتباه. كما أن ذلك الدفء بالذات، متحداً مع ذكاء فطري وبراءة طفولية المنشأ، قد مكّن قعبور من شد انتباه الأطفال وملامسة قلوبهم اليانعة.

وحيث كان قعبور قادراً على تحويل كل ما يقاربه من يوميات العيش وتفاصيله إلى فن حقيقي، فإن الكثيرين يذكرون كيف أنه صنع من بعض «الفلاشات» والبرقيات الدعائية السريعة التي كانت تُبث في تلفزيون «المستقبل» في تسعينيات القرن المنصرم، مثل «لعيونك» و«البلد ماشي»، برقيات ولقى ذكية حفظها الناس عن ظهر قلب، وتجاوزت بُعدها السياسي الضيق لتدمغ بظُرفها اللماح مرحلة بكاملها. ولعل أكثر ما آلم أحمد يومذاك هو تلك السهام السياسية الحادة التي سددها نحوه الكثير من المتربصين به، وبينهم أقرب أصدقائه، والتي تركت في قلبه جراحاً عصيّة على الاندمال.

على أن من الصعب الحديث عن أحمد قعبور دون الإشارة إلى أن النجاح غير العادي الذي أصابته أغنيته «أناديكم»، التي كتبها الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، كان المحصلة الطبيعية للتحالف الوثيق بين جمال النص وبراعة اللحن، مضافاً إليهما الصوت الخارج من الأحشاء، بكامل حرقته وتمرده ونشيجه. كما أن الهوة الفاصلة بين صوت المنادي، الشبيه بما تبقى من صارية سفينة غارقة، وبين أسماع البشر المعنيين بالنداء، هي التي منحت الأغنية طابعها الطقوسي، وحوّلتها إلى تعويذة رمزية في وجه الموت.

أما أحمد دحبور، فلعل أكثر ما يتشاركه مع قعبور هو الصدق والعذوبة واقتطاع التعبير من المنابت التراثية الجمعية، التي أعاد كل منهما تجديدها على طريقته. وهو ما عكسه عند دحبور إلحاحه الدائم على محاورة الماضي واستنهاضه، كمثل قوله: «أضاعوني وأيَّ فتى أضاع الأهل والخلانْ». إضافة إلى استخدام صيغ النداء نفسها التي استخدمها المغني؛ إذ تتكرر عبارات من مثل: «يا كربلاء تلمّسي وجهي بمائكِ تلمسي عطش القتيل»، أو «ويا جَمل المحاملِ دربنا شوكُ»، وغير ذلك. كما تفصح البساطة واللغة الأليفتان عن نفسَيهما، عبر قول دحبور في إحدى قصائده الغزلية:

تبدأ القصة بالوجه المضيء الساحليْ

شعرها الأسود من ليل المخيمْ

فُتْحةُ العينين «يا دين النبيْ»!

والواقع أن هذه الميزة لدى الشاعر أكثر ما بدت واضحة في أعماله الأولى «حكاية الولد الفلسطيني» و«طائر الوحدات» و«بغير هذا جئت»، قبل أن تخلي مكانها في وقت لاحق لخلطة أكثر تعقيداً من الكتابة الحرَفية والحذق التأليفي. ففي تلك الأعمال بالذات بدا دحبور وكأنه يشحذ لغته على سكين الألم والمكابدة والانبثاق التلقائي من باطن الذات، كقوله في إحدى قصائده:

حين يكتمل الحزن تكتمل القنبلة

والدم المتربصُ يفتح ذاكرةً في الحجارةِ:

إن فلسطين ممتدةٌ من دمٍ عالقٍ بقماطي

إلى حقل رزٍّ يقاوم في عمق «فيتنام»

لكنها حين ينقصني خبزها تتجمّع في سنبله

كما أن أكثر ما ميّز دحبور في مختلف أعماله هو أسلوبه الجدلي الدرامي الحافل، الذي كان يشحن اللغة بطاقة عالية من الحيوية والتوتر. ومع أنه كان يعدّ شاعراً غنائياً بامتياز، فإنها ليست الغنائية الرخوة التي تتوسل التطريب الصوتي سبيلاً لدغدغة المشاعر، بل الغنائية المشحونة بقلق النفس، وأسئلة الهوية المحاصرة، والجموح العاصف للكلمات.

ولم تكن فلسطين وحدها هي التي وفرت لدحبور ما يحتاجه من مناجم الكتابة ومساقط الحنين إلى المكان الأول، بل إن نشأته وإقامته في حمص، مسقط رأس ديك الجن الحمصي وحبيبته ورد، قد زودتاه من جهتهما بقدر غير قليل من الرقة، حيث الهبوب المتواصل للرياح المحيطة بالمدينة لم يجبر الشجر وحده على الانحناء، بل تعهد بأنينه المكسور قصائد الحب، وقلوب العشاق، وبحة الأسى الدهري.

ولن تفوتني الإشارة، أخيراً، إلى أن ما جمع بين الطرفين من تشابهات لم يكن يقتصر على الجناس الناقص بين الاسمين، ولا على المزايا الإبداعية والإنسانية فحسب، بل إن من المفارقات الغريبة أن يكون أحمد دحبور المولود عام 1946 والمتوفى عام 2017م، وأحمد قعبور المولود عام 1955 والمتوفى عام 2026م، قد تقاسما العمر ذاته، بحيث أمكن لكل منهما المكوث واحداً وسبعين عاماً لا أكثر، فوق سطح الأرض. كما أن المفارقات نفسها قد تدخلت مرة أخرى لتجعل من موعد نشر هذه المقالة في «الشرق الأوسط»، اليوم الثامن من نيسان (أبريل) الحالي، هو الموعد نفسه الذي رحل فيه أحمد دحبور، أحد أكثر الأصوات الفلسطينية براءة ونقاء، عن هذا العالم.


تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
TT

تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية

ازدهرت خلال الحقبة الأموية حِرَف الزينة المعمارية، وشكّل نتاجها المبتكر أساساً لجمالية الفن الإسلامي بأقاليمه المتعدّدة على مدى قرون من الزمن. تجلّت هذه الحِرَف بنوع خاص في اعتماد تقنية الجص الجيري المنحوت في تزيين العناصر المعمارية الخاصة بالمباني التي عُرفت بـ«قصور البادية»، كما في صناعة لوحات مستقلّة داخل هذه المباني بأشكال مختلفة. تجلّى هذا الفن في مجموعات من اللقى عُثر عليها بين أطلال هذه القصور، منها مجموعة صغيرة خرجت في السنوات الأخيرة من مبنى كبير، شكّل ملحقاً من ملحقات قصر، ويُعدّ أكبر المنشآت الأموية وأضخمها في البادية السورية، ويُعرف بـ«قصر الحير الشرقي».

جال عالم الآثار الأميركي جورج فورسيث خلال عام 1956 في نواح عدة من الشرق الأوسط لاختيار مواقع جديرة بالمسح، ورافقه في هذه الجولة زميله الفرنسي أوليغ غرابار المختص في الفنون الإسلامية. شملت هذه الجولة موقع «قصر الحير الشرقي» الذي جذب غرابار، فقصده ثانية عام 1962 في مهمة تمهّد لاستكشافه، وعاد إليه في 1964 على رأس بعثة ضمت عدداً من كبار العلماء، وأشرف على حملة مسح وتنقيب استمرت شهرين. تجددت هذه الحملة في 1966، وتبعتها حملة ثالثة بين عامي 1967 و1968، ثم حملة رابعة في 1969، وخامسة في 1970، وكانت خاتمتها حملة سادسة في 1971. شملت هذه الحملات الميدانية المعمّقة مجمل مساحة «قصر الحير الشرقي»، ورافقها صدور تقارير توثيقية خاصة بها تناولت نتائج أبحاثها. تُوّج هذا العمل المتواصل أخيراً في 1978 بنشر كتاب شكّل دراسة جامعة لهذه الأبحاث، حمل عنوان «مدينة في الصحراء».

شيّد هذه المدينة التي تقع إلى الشمال الشرقي من تدمر، الخليفة هشام بن عبد الملك عامي 728 و729 كما يؤكّد نقش عُثر عليه في الموقع، ويقابلها قصر آخر، شيّده كذلك هذا الخليفة في عام 727، ويقع إلى الجنوب الغربي من تدمر، ويُعرف باسم «قصر الحير الغربي». يتكوّن «القصر الشرقي» من مجمّعين مربّعين متجاورين يُعرفان بـ«القصر الكبير» و«القصر الصغير»، في إشارة إلى حجميهما. ويتميّز في المقام الأوّل بطابعه المعماري الضخم، وتبدو أطلاله أكبر من أطلال نظيره «الغربي». في المقابل، يتميّز «القصر الغربي» بثراء حلله الزينية، وتبدو حلل نظيره «الشرقي» متواضعة للغاية أمام هذا الثراء الاستثنائي.

لم تشكّل الحملات الأميركية نهاية لاستكشاف «القصر الشرقي»؛ إذ توسّعت الدائرة خارج حدود الحرمين المتجاورين، وبلغت سلسلة من المساكن تقع في شمال هذا الموقع، أهمها مسكن ضخم يحمل طابعاً أميرياً كما تشهد اللقى التي خرجت منه، خلال سلسلة جديدة من الحملات أجرتها بعثة سويسرية - سورية مشتركة بين عامَي 2007 و2010. يتألف هذا المسكن الضخم من مجمّعين متلاصقين تتوسّط كلاً منهما ساحة داخلية، ويمتدّان على مساحة يبلغ طولها 65.5 متر، وعرضها 44.5 متر. يبدو هذا البناء معاصراً للحرمين الرئيسيين اللذين يتكوّن منهما الموقع، ويمكن القول إن تشيّيده مهّد في الأصل لبناء هذه المدينة، أو أنّه شكّل ملحقاً توسّعياً لها.

حافظ هذا المسكن على بعض من حلله المنقوشة، وبدت مشابهة من حيث التكوين والأسلوب لما نراه في حرمَي «القصر الشرقي» المجاورين. هنا وهناك، نقع على عواميد تزينها نقوش منجزة بتقنية الجص المنحوت. تعلو هذه العواميد تيجان كبيرة، تشكّل أساساً لأقواس منقوشة تتبنى أطرزة شاعت في العالم المتوسّطي، تجمع بين التقاليد الرومانية والساسانية، وتشكّل امتداداً لميراث محلّي انتشر في بقاع واسعة من بلاد الشام.

إلى جانب هذه الشواهد المعمارية، تحضر مجموعة من الألواح تعتمد كذلك تقنية الجص المنقوش، وصلت للأسف بشكل مجتزأ. يصعب تحديد وظيفة هذه الألواح الأصلية بدقّة، غير أن ما بقي من مكوّناتها يشهد لرهافة بالغة في تأليف الشبكات الزخرفية المتنوّعة. تعتمد هذه الشبكات صياغة تجريدية شاملة، إلا إنها لا تمنع ظهور العناصر التصويرية ضمن هذه القوالب، وأبرزها العناصر النباتية المحوّرة. تظهر هذه العناصر في شواهد كثيرة، منها 3 ألواح تختزل هذا النسق الذي طبع الميراث الفني الأموي بشكل واسع. عُثر على أحد هذه الألواح عام 2008، ويبلغ طوله في الأصل على الأرجح 64 سنتيمتراً، وعرضه 42 سنتيمتراً، وقوامه مساحة مزخرفة يحدها إطار مستطيل بسيط. تبدو هذه المساحة لأول وهلة هندسية بشكل خالص، غير أن التأمل فيها يُظهر تبنيها عنصراً وحيداً جامعاً يتمثل في زهرة ذات 6 بتلات طويلة متساوية، تلتفّ حول ثقب دائري يشكّل برعماً لتفتّحها. تستقرّ هذه الزهرة داخل إطار يتكوّن من 6 أضلاع، وتؤلّف وحدة هندسية ثابتة، تتشابك وتتداخل مع أطر مماثلة لها. ويشكّل هذا التشابك مساحة زخرفية متناسقة متقنة ومحكمة تعتمد تأليفاً هندساً صارماً.

يتغيّر هذا النسق في لوح ثانٍ يعود اكتشافه إلى عام 2010، طوله في الأصل تقديرياً 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. ما تبقّى من هذا اللوح يُظهر مجموعة من 6 ورود متماثلة، تحضر وسط أغصان لولبية مورقة تلتفّ من حولها بشكل دائري. تتألف كل وردة من 6 بتلات صغيرة، تحيط بقرص مماثل لها من حيث الشكل والحجم. تحيط بهذه الورود أغصان تخرج منها أوراق، يظهر بعضها بشكل جانبي، ويظهر البعض الآخر بشكل منبسط ومواجه. في القسم الأسفل من هذا اللوح، تظهر أغصان مورقة أخرى تمتد عمودياً بشكل حر، واللافت أن وريقات هذه الأغصان تخرج عن القالب الجامع؛ إذ تختلف في الحجم والتكوين. في قطعة صغيرة تشكّل جزءاً من هذا التأليف، موقعها على الأرجح الطرف الأيسر من اللوح، نقع على وردة كبيرة تتلاحم بتلاتها الكثيفة، وتبدو أشبه بعنقود من العنب.

يتكرّر هذا القالب الزخرفي الحر في لوح ثالث يصعب تقدير حجمه الأصلي، وفيه تحضر أغصان نباتية من الفصيلة التي تُعرف باسم «الأقنثا»، وتبدو أوراق هذه الأغصان المحوّرة هندسياً أشبه بكوز يتكوّن من 4 مساحات هلالية. يشكّل كل من هذه الأكواز كتلة دائرية تلتف من حولها أغصان لولبية، تخرج منها أوراق جانبية مسنّنة، يمتد بعض منها عمودياً، ويمتدّ البعض الآخر أفقياً. ينصهر هذا التأليف في قالب منفلت، يُسبِغ على هذه الشبكة الزخرفية طابعاً حياً.


دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ
TT

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش» الذي يعني، حرفياً، الغلظة وقلة تهذيب والخروج عن اللائق، كما يدل أحياناً على المصارع والمقاتل.

وظهر لفظ «الحرافيش» في بداية عصر المماليك، حيث أطلقه المؤرخون على المصريين سكان القاهرة من الطبقات الشعبية التي يملك الواحد فيها صنعة أو حرفة.

هذا ما تلاحظه الباحثة حنان راضي محمود في كتابها «صور التقابل في رواية الحرافيش»، الصادر ضمن سلسلة «كتابات نقدية» عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، مشيرةً إلى أن «ملحمة الحرافيش» تعد واحدة من روائع نجيب محفوظ، تسلط الضوء على تلك الفئة من الشعب ليس باعتبارها طبقة كادحة فحسب بل طبقة ذات طابع إنساني، حيث أكسبتها المعيشة القاسية صفات من الغلظة والخشونة.

ويتناول محفوظ هؤلاء البشر باعتبارهم «المستضعفين من الناس»، فحياتهم الفقيرة لم تحرمهم من الحلم والسعي وراء العدالة والحرية التي ينتظرون أن تأتي مع البطل الملحمي القادر على أن يملأ الأرض عدلاً بعد أن امتلأت ظلماً. هذا ما تجسد بالفعل في أحداث «ملحمة الحرافيش» على يد عاشور الناجي الجد مروراً بـ«الفتوات» الذين ساروا على نهجه، وصولاً إلى عاشور الحفيد الذي اختتم الملحمة.

وتعتقد الكاتبة أن المشهد الأول في الرواية يحظى بأهمية خاصة حيث يوثق بداية ظهور البطل عاشور الناجي من خلال العثور عليه رضيعاً وسط المقابر، وقد عثر عليه الشيخ «عفرة زيدان» وأخذه لزوجته، وقاما على تربيته رغم عدم معرفة أصله، ثم تتطور الأحداث حين ينمو ويكبر عاشور ويصبح شاباً ثم يتزوج وينجب ثلاثة أبناء.

يأتي الحدث الثاني، وهو الحدث الفاصل في بلورة الأحداث التالية في الرواية، وهو حدث «الشوطة»، أو الوباء، الذي حل على الحارة وأخذ الأخضر واليابس، كما اكتسح الموت كل معالم الحياة. وتكتمل وحدة الحدث بإحدى «كرامات عاشور» الناجي برحيله عن الحارة قبل أن تصيبه «الشوطة» عبر حلم تحول به مصيره، فقد نجا من الوباء هو وزوجته «فلة» و«شمس الدين»، نجله، ومنذ ذلك الوقت لُقّب بـ«الناجي»، وأصبح اسمه «عاشور الناجي» وكأن أسرته التي كونها قبل الوباء لم تكن.

وتشير المؤلفة إلى سمة فنية تتجلى في معظم نهايات أحداث الحكايات الأخرى من «الحرافيش» وتشكلت معها جماليات أسلوبية في الحكي عبر النهايات الحزينة ذات الطابع المأساوي، التي يأتي فيها الموت مصيراً محتوماً، وهي نهاية تشير إلى طبيعة الاتجاه الرومانسي الذي تغلب عليه مشاعر الحزن والقلق ومشاهد الضعف الإنساني.

وعلى سبيل المثال، نجد في الحكاية الثالثة «شمس الدين» أن النهاية تعلن عن رحيله، فقد عاش خائفاً من الضعف والمرض أكثر من الموت نفسه، فلُقّب بـ«قاهر الشيخوخة»، كما تحل النهاية المأساوية مجدداً عبر الحكاية السادسة «شهد الملائكة» بمقتل «زهيرة» على يد طليقها في مشهد صادم.