«النقاط الهشة» في سيناء

يستغلها «داعش» في مهاجمة الجيش المصري

TT

«النقاط الهشة» في سيناء

يستغل تنظيم داعش «نقاطا هشة» لمهاجمة الجيش المصري في سيناء. ليست فقط نقاطا جغرافية على الأرض، كما قد يتخيل البعض، ولكنها تشمل كذلك التركيبة القبلية، وإرثا معقدا من علاقة كثير من شباب سيناء بنشاط وزارة الداخلية، حين كانت تطارد تجار المخدرات والسيارات غير المرخصة قبل ثورة 2011، إلى جانب مشكلة الأنفاق، الواصلة من تحت الحدود، بين سيناء وقطاع غزة، وتبادل السلع والأسلحة.
ومنذ ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013 ضد حكم جماعة الإخوان المسلمين، ازدادت وتيرة هجمات المتطرفين ضد قوات الجيش والشرطة، ما أدى إلى سقوط مئات الضحايا بين قتيل وجريح، كان آخرها العملية الإرهابية التي وقعت يوم الجمعة الماضي في منطقة «البرث» قرب الحدود مع غزة. وينظر اللواء محمد قشقوش، الذي شارك طوال سنوات مع الجيش المصري في محاربة الوجود الإسرائيلي، إلى الضفة الشرقية من قناة السويس، وهو يشعر بالمرارة مما آلت إليه أحوال سيناء، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يوجد كثير من النقاط الهشة التي تسهل لـ«داعش» العمل هنا، لأن «المنطقة في سيناء معقدة جغرافيا واجتماعيا».
لكن أشرف الحفني، منسق «اللجنة الإدارية للحركة الاشتراكية - يناير»، بمصر، والمقيم في سيناء، يشير إلى نقاط أخرى، ويتحدث لـ«الشرق الأوسط» بنغمة يملؤها الإحباط. فقد كان من بين المشاركين في ثورة 2013 لتحقيق أهداف بعينها، إلا أنه يرى أن عدم تحقيق كثير من المطالب التي تخص سيناء أسهم في استمرار أزمة التنظيمات المتطرفة وعلى رأسها تنظيم داعش. ومن أبرز النقاط الهشة التي يستغلها المتطرفون، كما يقول الحفني، الذي يشغل أيضا موقع «منسق اللجنة الشعبية لحقوق المواطن»، ابتعاد كثير من أجهزة الدولة عن أهل سيناء وحاجاتهم.
وشارك اللواء قشقوش، الذي يعطي حاليا استشارات لأكاديمية ناصر العسكرية العليا في القاهرة، في الحروب التي خاضتها مصر لتحرير سيناء من الوجود الإسرائيلي، منذ احتلالها عام 1967، وحصل على نوط الشجاعة من الطبقة الأولى لقيادته عمليات ضد الجيش الإسرائيلي في سيناء. ويقول إن المنطقة التي تشهد حاليا عمليات ضد الجيش في سيناء ومنها عملية الجمعة، تعد «مشكلة رئيسية»، وتبلغ مساحتها نحو ألف كيلومتر مربع (أي 50 كيلومترا في 20 كيلومترا).
وتقع هذه المنطقة في محافظة شمال سيناء الأكثر كثافة سكانية من محافظة جنوب سيناء ذات الطابع السياحي. وتضم «شمال سيناء» مدنا تعد ملتهبة منذ سنوات، بسبب نشاط المتطرفين، وهي رفح والشيخ زويد والعريش. ويوضح قشقوش قائلا: «ثلاثة أرباع سكان شمال سيناء يقيمون في هذه المنطقة التي أتحدث عنها (الألف كيلومتر مربع)... هذه كثافة سكانية مرتفعة، في منطقة جبلية، زراعية، وذات أحراش، بالإضافة إلى أنها ملاصقة لساحل البحر المتوسط وللحدود الفلسطينية، مع مشكلة الأنفاق التي نعرفها جميعا... هذه منطقة مثالية لعمل الإرهابيين».
ويقول مصدر من قبائل سيناء التي تشارك في الوقت الرهن في محاربة المتطرفين جنبا إلى جنب قوات الجيش، إن الفترة من عام 2011 إلى منتصف عام 2013، شهدت أكبر نشاط للمتطرفين القادمين من خارج مصر ومن محافظات مصرية، وإن «معظم هؤلاء أقاموا في سيناء واختلطوا بالقبائل وعملوا في تهريب الأسلحة القادمة من ليبيا، والمخدرات عبر الأنفاق، وكانوا يقاومون السلطات الأمنية تحت مزاعم الرغبة في إقامة الشريعة والحكم بالدين».
ويوضح اللواء قشقوش أن «هناك جزءا من الإرهابيين يعيشون اليوم في هذه المنطقة، منذ 4 أو 5 سنوات، وهناك بعضهم تزوج وأصبح لديه نسب ببعض القبائل، بينما كانت هناك قبائل ترفض مثل هذه الزيجات». وتابع قائلا: «أقصد أنه بالإضافة إلى الساتر البيئي، هناك ساتر سكاني، ساهم في إعطاء المتطرفين فرصة للحياة». ويضيف أنه من الصعب على الجهات الأمنية أن تعثر على المتطرف الذي «يعيش معك، (كقبيلة)، ويرتدي نوع ملابسك نفسه، ومظهره هو مظهرك، ويتحدث لغتك... إذا قامت السلطات الأمنية بتفتيش كل شخص وكل سيارة ستتوقف الحياة في سيناء».
ويوجد في مساحة الألف كيلومتر مربع صحراء وجبال ووديان وأحراش ومناطق غابات شجرية. ويصف قشقوش هذه البيئة بأنها «حاضنة ممتازة للإرهابيين». ويتابع موضحا: «لكي تتعامل مع الألف كيلومتر مربع المشار إليها في سيناء، ببطش عسكري قوي، ستكون نسبة الخسارة، فيمن ليس لهم ذنب، كبيرة للغاية. وهنا تكمن المشكلة. أنت الآن تقوم بفرز الأبرياء عن المتطرفين، وهذا ليس أمرا سهلا... تريد استخبارات؛ ليست استخبارات كأجهزة فقط، وإنما تريد معلومات من المكان... والمكان جزء يمكن أن يعطيك معلومات، وجزء ربما لن يعطيك، لأنه لا يريد أن يتعاون، أو أن الطرف الآخر (الإرهابيون) يهدده، ويُرهبه، أو يقتل له أحد أبنائه أو أشياء من هذا القبيل».
ويحمل كثير من أبناء سيناء ذكريات مؤلمة عن مطاردات الشرطة للمشتبه بهم، في آخر سنوات حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، خصوصا بعد أن تمكنت مجاميع متطرفة في بداية الألفية من التعاون مع أطراف من داخل غزة لاستهداف مواقع سياحية في شبه جزيرة سيناء. وجرى في ذلك الوقت احتجاز واستجواب أعداد كبيرة. ويبدو أن هذا الإرث يعد من النقاط الهشة التي ما زالت تبعاتها موجودة حتى اليوم.
من جانبه، يقول الحفني إن التراكمات في سيناء أوجدت كثيرا من النقاط الهشة التي أصبحت تساعد «داعش» على الوجود والتحرك وتنفيذ عملية كبيرة مثل تلك التي جرت يوم الجمعة. وهو يرى أنه كان ينبغي منذ ثورة 30 يونيو الاهتمام بالحياة المدنية والتنمية وسرعة تطوير الخطاب الديني والاستقلال الوطني، فأهل سيناء، كما يقول، يعانون من نقص الخدمات وتأخر التنمية، وعدم الاعتداد بملكية الأرض لواضعي اليد، وربطها بالإنتاج والتوطين، و«كل هذه نقاط خطيرة تؤدي لانتشار (داعش) وأمثاله». وتعد هذه المشكلات مستمرة منذ عقود.
من جانبه، يوضح اللواء قشقوش هذا الأمر بالقول إن «من أسباب تأخر التعاون من عدة قبائل في سيناء مع الدولة، أن الشرطة كانت في السابق هي التي تتعامل مع مشكلات تهريب الأسلحة والمخدرات في سيناء، وكانت دائرة الاشتباه واسعة إلى حد ما، وهذا قد يكون رصيدا غير طيب في التعامل مع أبناء سيناء، حيث إن كثيرا من الشباب الصغير دخل السجن في ذلك الوقت، أي منذ 10 سنوات... وبالتالي مَن كان عمره في العشرينات أصبح في الثلاثينات ومَن كان في الثلاثينات أصبح في الأربعينات».
لكنه يزيد موضحا أنه بعد تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم «فتح صفحة جديدة مع الجميع. وكل المواطنين سواء. ومن لا يثبت أن له علاقة يُفرج عنه، على عكس ما كان عليه الوضع في السابق. وفي الوقت نفسه مطلوب من الدولة اليوم أن تحارب الفقر وأن تزيد من وتيرة التنمية في سيناء».
وقتل الجيش أكثر من 40 من المهاجمين في تفجيرات يوم الجمع الماضي وعثر في مخازن للمتطرفين على أسلحة ومتفجرات. ويقول اللواء قشقوش: «الأسلحة التي عُثر عليها كانت أسلحة نوعية؛ جزء منها غربي الصنع، ومن المحتمل أن يكون قد وصل من تركيا، وجزء شرقي الصنع، ومن المحتمل أن يكون قد وصل من ليبيا أو من غزة»، مشيرا إلى أن «هذا التصعيد من جانب الإرهابيين، في سيناء وبعض المحافظات الأخرى، يعطي مؤشرا بأنه تم بأوامر خارجية وليست محلية»، خصوصا بعد «تمسك الدول العربية الأربع (مصر والسعودية والإمارات والبحرين) بموقفها من قطر».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.