«النقاط الهشة» في سيناء

يستغلها «داعش» في مهاجمة الجيش المصري

TT

«النقاط الهشة» في سيناء

يستغل تنظيم داعش «نقاطا هشة» لمهاجمة الجيش المصري في سيناء. ليست فقط نقاطا جغرافية على الأرض، كما قد يتخيل البعض، ولكنها تشمل كذلك التركيبة القبلية، وإرثا معقدا من علاقة كثير من شباب سيناء بنشاط وزارة الداخلية، حين كانت تطارد تجار المخدرات والسيارات غير المرخصة قبل ثورة 2011، إلى جانب مشكلة الأنفاق، الواصلة من تحت الحدود، بين سيناء وقطاع غزة، وتبادل السلع والأسلحة.
ومنذ ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013 ضد حكم جماعة الإخوان المسلمين، ازدادت وتيرة هجمات المتطرفين ضد قوات الجيش والشرطة، ما أدى إلى سقوط مئات الضحايا بين قتيل وجريح، كان آخرها العملية الإرهابية التي وقعت يوم الجمعة الماضي في منطقة «البرث» قرب الحدود مع غزة. وينظر اللواء محمد قشقوش، الذي شارك طوال سنوات مع الجيش المصري في محاربة الوجود الإسرائيلي، إلى الضفة الشرقية من قناة السويس، وهو يشعر بالمرارة مما آلت إليه أحوال سيناء، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه يوجد كثير من النقاط الهشة التي تسهل لـ«داعش» العمل هنا، لأن «المنطقة في سيناء معقدة جغرافيا واجتماعيا».
لكن أشرف الحفني، منسق «اللجنة الإدارية للحركة الاشتراكية - يناير»، بمصر، والمقيم في سيناء، يشير إلى نقاط أخرى، ويتحدث لـ«الشرق الأوسط» بنغمة يملؤها الإحباط. فقد كان من بين المشاركين في ثورة 2013 لتحقيق أهداف بعينها، إلا أنه يرى أن عدم تحقيق كثير من المطالب التي تخص سيناء أسهم في استمرار أزمة التنظيمات المتطرفة وعلى رأسها تنظيم داعش. ومن أبرز النقاط الهشة التي يستغلها المتطرفون، كما يقول الحفني، الذي يشغل أيضا موقع «منسق اللجنة الشعبية لحقوق المواطن»، ابتعاد كثير من أجهزة الدولة عن أهل سيناء وحاجاتهم.
وشارك اللواء قشقوش، الذي يعطي حاليا استشارات لأكاديمية ناصر العسكرية العليا في القاهرة، في الحروب التي خاضتها مصر لتحرير سيناء من الوجود الإسرائيلي، منذ احتلالها عام 1967، وحصل على نوط الشجاعة من الطبقة الأولى لقيادته عمليات ضد الجيش الإسرائيلي في سيناء. ويقول إن المنطقة التي تشهد حاليا عمليات ضد الجيش في سيناء ومنها عملية الجمعة، تعد «مشكلة رئيسية»، وتبلغ مساحتها نحو ألف كيلومتر مربع (أي 50 كيلومترا في 20 كيلومترا).
وتقع هذه المنطقة في محافظة شمال سيناء الأكثر كثافة سكانية من محافظة جنوب سيناء ذات الطابع السياحي. وتضم «شمال سيناء» مدنا تعد ملتهبة منذ سنوات، بسبب نشاط المتطرفين، وهي رفح والشيخ زويد والعريش. ويوضح قشقوش قائلا: «ثلاثة أرباع سكان شمال سيناء يقيمون في هذه المنطقة التي أتحدث عنها (الألف كيلومتر مربع)... هذه كثافة سكانية مرتفعة، في منطقة جبلية، زراعية، وذات أحراش، بالإضافة إلى أنها ملاصقة لساحل البحر المتوسط وللحدود الفلسطينية، مع مشكلة الأنفاق التي نعرفها جميعا... هذه منطقة مثالية لعمل الإرهابيين».
ويقول مصدر من قبائل سيناء التي تشارك في الوقت الرهن في محاربة المتطرفين جنبا إلى جنب قوات الجيش، إن الفترة من عام 2011 إلى منتصف عام 2013، شهدت أكبر نشاط للمتطرفين القادمين من خارج مصر ومن محافظات مصرية، وإن «معظم هؤلاء أقاموا في سيناء واختلطوا بالقبائل وعملوا في تهريب الأسلحة القادمة من ليبيا، والمخدرات عبر الأنفاق، وكانوا يقاومون السلطات الأمنية تحت مزاعم الرغبة في إقامة الشريعة والحكم بالدين».
ويوضح اللواء قشقوش أن «هناك جزءا من الإرهابيين يعيشون اليوم في هذه المنطقة، منذ 4 أو 5 سنوات، وهناك بعضهم تزوج وأصبح لديه نسب ببعض القبائل، بينما كانت هناك قبائل ترفض مثل هذه الزيجات». وتابع قائلا: «أقصد أنه بالإضافة إلى الساتر البيئي، هناك ساتر سكاني، ساهم في إعطاء المتطرفين فرصة للحياة». ويضيف أنه من الصعب على الجهات الأمنية أن تعثر على المتطرف الذي «يعيش معك، (كقبيلة)، ويرتدي نوع ملابسك نفسه، ومظهره هو مظهرك، ويتحدث لغتك... إذا قامت السلطات الأمنية بتفتيش كل شخص وكل سيارة ستتوقف الحياة في سيناء».
ويوجد في مساحة الألف كيلومتر مربع صحراء وجبال ووديان وأحراش ومناطق غابات شجرية. ويصف قشقوش هذه البيئة بأنها «حاضنة ممتازة للإرهابيين». ويتابع موضحا: «لكي تتعامل مع الألف كيلومتر مربع المشار إليها في سيناء، ببطش عسكري قوي، ستكون نسبة الخسارة، فيمن ليس لهم ذنب، كبيرة للغاية. وهنا تكمن المشكلة. أنت الآن تقوم بفرز الأبرياء عن المتطرفين، وهذا ليس أمرا سهلا... تريد استخبارات؛ ليست استخبارات كأجهزة فقط، وإنما تريد معلومات من المكان... والمكان جزء يمكن أن يعطيك معلومات، وجزء ربما لن يعطيك، لأنه لا يريد أن يتعاون، أو أن الطرف الآخر (الإرهابيون) يهدده، ويُرهبه، أو يقتل له أحد أبنائه أو أشياء من هذا القبيل».
ويحمل كثير من أبناء سيناء ذكريات مؤلمة عن مطاردات الشرطة للمشتبه بهم، في آخر سنوات حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، خصوصا بعد أن تمكنت مجاميع متطرفة في بداية الألفية من التعاون مع أطراف من داخل غزة لاستهداف مواقع سياحية في شبه جزيرة سيناء. وجرى في ذلك الوقت احتجاز واستجواب أعداد كبيرة. ويبدو أن هذا الإرث يعد من النقاط الهشة التي ما زالت تبعاتها موجودة حتى اليوم.
من جانبه، يقول الحفني إن التراكمات في سيناء أوجدت كثيرا من النقاط الهشة التي أصبحت تساعد «داعش» على الوجود والتحرك وتنفيذ عملية كبيرة مثل تلك التي جرت يوم الجمعة. وهو يرى أنه كان ينبغي منذ ثورة 30 يونيو الاهتمام بالحياة المدنية والتنمية وسرعة تطوير الخطاب الديني والاستقلال الوطني، فأهل سيناء، كما يقول، يعانون من نقص الخدمات وتأخر التنمية، وعدم الاعتداد بملكية الأرض لواضعي اليد، وربطها بالإنتاج والتوطين، و«كل هذه نقاط خطيرة تؤدي لانتشار (داعش) وأمثاله». وتعد هذه المشكلات مستمرة منذ عقود.
من جانبه، يوضح اللواء قشقوش هذا الأمر بالقول إن «من أسباب تأخر التعاون من عدة قبائل في سيناء مع الدولة، أن الشرطة كانت في السابق هي التي تتعامل مع مشكلات تهريب الأسلحة والمخدرات في سيناء، وكانت دائرة الاشتباه واسعة إلى حد ما، وهذا قد يكون رصيدا غير طيب في التعامل مع أبناء سيناء، حيث إن كثيرا من الشباب الصغير دخل السجن في ذلك الوقت، أي منذ 10 سنوات... وبالتالي مَن كان عمره في العشرينات أصبح في الثلاثينات ومَن كان في الثلاثينات أصبح في الأربعينات».
لكنه يزيد موضحا أنه بعد تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكم «فتح صفحة جديدة مع الجميع. وكل المواطنين سواء. ومن لا يثبت أن له علاقة يُفرج عنه، على عكس ما كان عليه الوضع في السابق. وفي الوقت نفسه مطلوب من الدولة اليوم أن تحارب الفقر وأن تزيد من وتيرة التنمية في سيناء».
وقتل الجيش أكثر من 40 من المهاجمين في تفجيرات يوم الجمع الماضي وعثر في مخازن للمتطرفين على أسلحة ومتفجرات. ويقول اللواء قشقوش: «الأسلحة التي عُثر عليها كانت أسلحة نوعية؛ جزء منها غربي الصنع، ومن المحتمل أن يكون قد وصل من تركيا، وجزء شرقي الصنع، ومن المحتمل أن يكون قد وصل من ليبيا أو من غزة»، مشيرا إلى أن «هذا التصعيد من جانب الإرهابيين، في سيناء وبعض المحافظات الأخرى، يعطي مؤشرا بأنه تم بأوامر خارجية وليست محلية»، خصوصا بعد «تمسك الدول العربية الأربع (مصر والسعودية والإمارات والبحرين) بموقفها من قطر».



مصر: تغيير حكومي أمام مجلس النواب الثلاثاء

رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)
TT

مصر: تغيير حكومي أمام مجلس النواب الثلاثاء

رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري خلال بيان أمام البرلمان المصري في يوليو 2024 (مجلس الوزراء)

تستعد مصر لإجراء تعديل وزاري على حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، هذا الأسبوع، بعد سلسلة من التكهنات بالتزامن مع انطلاق مجلس النواب الجديد وبدء جلساته.

ودعا مجلس النواب (الغرفة الرئيسية للبرلمان) لاجتماع مهم، الثلاثاء المقبل، لمناقشة التعديل الوزاري الجديد... ويقول برلمانيون إن «الدعوة العاجلة تأتي لمناقشة برنامج الحكومة».

ولن تشهد الحكومة المصرية تغييراً كاملاً، حيث سيستمر رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي، في منصبه، وفق مصدر مطلع، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «نسبة التغيير في الحقائب الوزارية تتراوح ما بين 9 إلى 12».

وأدّى مدبولي اليمين رئيساً للوزراء في يونيو (حزيران) 2018؛ وبعد عام ونصف عام تقريباً، حصل التعديل الأول على تشكيل الحكومة، وانضم 6 وزراء جدد إليها. وبعد إعادة انتخاب الرئيس عبد الفتاح السيسي في ديسمبر (كانون الأول) 2023، أعاد تكليف مدبولي بتشكيل الحكومة، وفي 3 يوليو (تموز) 2024، أدّت حكومته اليمين الدستورية لآخر حركة تعديل، شملت حقائب وزارية جديدة.

وبعد انعقاد مجلس النواب المصري بتشكيله الجديد، في 12 يناير (كانون الثاني) الماضي، زادت التوقعات والتكهنات لدى وسائل الإعلام المحلية، بشأن «التغيير الوزاري وطبيعة التعديلات المنتظرة».

ووجَّه مجلس النواب أعضاءه لاجتماع طارئ، الثلاثاء المقبل، وذلك «للنظر في أمر هام»، وفق إفادة صادرة عن الأمين العام للمجلس، أحمد مناع.

وربط عضو مجلس النواب مصطفى بكري، بين الدعوة ومناقشة التعديل الوزاري، وقال عبر حسابه الشخصي على منصة (إكس)، إن «البرلمان سيناقش في جلسة الثلاثاء التعديل الوزاري، برئاسة مصطفى مدبولي، بعد اعتماده من رئيس الجمهورية».

وتحدث بكري عن 4 مفاجآت في التغيير المقبل، مشيراً إلى ارتباطه «بمستوى الأداء وتحقيق الإنجاز في إطار برنامج الحكومة السابق، كما أن هناك تصعيداً لبعض الشخصيات التي أثبتت قدرتها على النجاح في أعمالها السابقة، واسم أحد المحافظين يبرز بقوة»، متوقعاً إجراء حركة محافظين عقب التغيير الحكومي.

وتأتي مناقشة البرلمان للتعديل الوزاري قبل أداء الوزراء اليمين أمام رئيس الجمهورية، تنفيذاً للمادة 147 من الدستور، التي نصت على أن «لرئيس الجمهورية، إجراء تعديل وزاري، بعد التشاور مع رئيس الوزراء، وموافقة مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة للحاضرين، وبما لا يقل عن ثلث أعضاء المجلس».

ورجح عضو مجلس النواب، ونائب رئيس حزب «المؤتمر»، مجدي مرشد، أن «يشمل التعديل الوزاري 9 حقائب أو أكثر قليلاً»، وقال: «من المقرر أن يناقش البرلمان برنامج الحكومة بالكامل، بما في ذلك الأسماء الجديدة المرشحة لحقائب وزارية»، مشيراً إلى أن «أعضاء البرلمان سيصوتون على برنامج الحكومة، بتشكيلها الجديد، دون مناقشة الأسماء المرشحة».

وتنص المادة 146 من الدستور المصري على أنه «يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء يقوم بتشكيل الحكومة وعرض برنامجه على مجلس النواب؛ فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال 30 يوماً على الأكثر، يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء بترشيح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد مجلس النواب. فإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال 30 يوماً، عُدّ المجلس منحلاً، ويدعو رئيس الجمهورية لانتخاب مجلس نواب جديد خلال 60 يوماً من تاريخ صدور قرار الحل».

ولا يمانع مرشد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، من استمرار مدبولي في رئاسة الحكومة، وقال إن «رئيس الوزراء الحالي أثبت جدية في ممارسة مهامه خلال السنوات الأخيرة»، مشيراً إلى أنه «يواجه تحدياً يتعلق بعدم شعور المصريين بثمار الإصلاح الاقتصادي»، ونوه إلى «ضرورة اختيار نائب رئيس وزراء للمجموعة الاقتصادية، من أجل مواصل الإصلاح».

لا يختلف في ذلك، عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، عصام خليل، الذي قال: «يجب أن تعطي الحكومة الجديدة أولوية لملف الاقتصاد، بتخصيص حقيبة وزارية للاقتصاد، بسياسات جديدة»، مشيراً إلى أن «التغيرات العالمية سياسياً واقتصادياً، تفرض وضع هذا القطاع في أولوية العمل الحكومي».

ودعا خليل، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى ضرورة أن «يشمل التعديل الوزاري تعديلاً موازياً في السياسات، سواء بدمج وزارات أو استحداث أخرى»، وقال إن «القضية ليست في تغيير الأشخاص، لكن في تغيير المنهج الحكومي في القطاعات التي لم تؤت ثمارها، خصوصاً القطاعات الخدمية التي ترتبط بشكل مباشر بالمواطن في الشارع».


مصرع 4 أشخاص جراء الفيضانات في شمال المغرب

سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)
سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)
TT

مصرع 4 أشخاص جراء الفيضانات في شمال المغرب

سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)
سيول جارفة بالمغرب (أ.ف.ب)

أعلنت السلطات المغربية، الأحد، مصرع 4 أشخاص بعدما جرفتهم سيول قوية في اليوم السابق في شمال البلاد، نتيجة هطول أمطار غزيرة غير مسبوقة.

وبحسب بيان صادر عن السلطات المحلية في تطوان، فقد باغتت فيضانات مفاجئة سيارة تقل 5 أشخاص على طريق يقع بالقرب من أحد الأنهار الرئيسية في المنطقة، قبل أن تجرفها المياه، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت في بيان: «أسفرت عمليات التمشيط والبحث، خلال ليلة السبت (إلى الأحد)، عن انتشال جثتي ضحيتين» هما فتاة تبلغ 14 سنة وطفل يبلغ سنتين.

وأضافت أنه تم، صباح الأحد، «العثور على جثتين أخريين» لطفل يبلغ 12 سنة ورجل ثلاثيني، موضحة أن «عمليات البحث متواصلة للعثور على الشخص الخامس».

منذ الأسبوع الماضي، تم إجلاء أكثر من 150 ألف شخص في شمال غربي البلاد بسبب الأمطار الغزيرة والفيضانات التي أدت إلى إصدار تحذيرات جوية في مناطق عدة.

وتتوقع المديرية العامة للأرصاد الجوية استمرار سوء الأحوال الجوية حتى الثلاثاء.


مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
TT

مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024
صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

شددت مصر، الأحد، على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل، وذلك خلال لقاء جمع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في القاهرة مع بيدرو أروخو أجودو، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالحق في مياه الشرب النظيفة وخدمات الصرف الصحي.

وأكد الوزير المصري، خلال اللقاء، رفض بلاده «الإجراءات الأحادية في أعالي النهر»؛ إذ إنها ووفق تعبيره تمثل «تهديداً مباشراً لقدرة دول المصب على تلبية احتياجاتها المائية».

وتأتي هذه المواقف، بحسب مراقبين، في سياق تأكيدات مصرية متواصلة بشأن ملف النزاع حول سد «النهضة» الإثيوبي، الذي افتتحته أديس أبابا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وتنظر إليه دولتا المصب، مصر والسودان، بقلق بالغ منذ بدء إنشائه عام 2011، نظراً لتداعياته المحتملة على حصتيهما التاريخيتين من مياه النيل.

وزير الخارجية المصري لدى استقباله المقرر الأممي الخاص المعني بالحق في المياه في القاهرة (الخارجية المصرية)

النهج الدبلوماسي المصري نفسه الذي بدا خلال اتصال هاتفي بين عبدالعاطي ونظيره الكيني موساليا مودافادي، الأحد، أعاد التأكيد على «رفض الإجراءات الأحادية في حوض النيل»، مشدداً على التمسك بـ«روح التوافق والأخوة بين الدول الشقيقة في حوض النيل الجنوبي»، وضرورة استعادة الشمولية داخل مبادرة حوض النيل، بما يضمن مصالح جميع الأطراف.

ويعتقد دبلوماسيون أن هذه التحركات تمثل «رسالة واضحة تعكس ثبات الدبلوماسية المصرية والتزامها باحترام القواعد والاتفاقيات الدولية المنظمة لاستخدام وإدارة الأنهار والمجاري المائية المشتركة»، رغم حالة الجمود التي تشهدها المفاوضات حتى الآن.

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير جمال بيومي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا النهج يضمن مبدأ الاستخدام العادل والمنصف للمياه المشتركة، دون الإضرار بحقوق أي دولة من دول الحوض، ويعزز موقف مصر الدبلوماسي أمام المجتمع الدولي».

ويبرز بيومي أن «التحركات الدبلوماسية المصرية المتواصلة، سواء على مستوى دول حوض النيل أو عبر المحافل واللقاءات الدولية، تأتي في إطار الحرص على حماية الحقوق المائية لمصر في ظل قضية سد (النهضة)، رغم تعثر المسار التفاوضي وغياب مفاوضات مباشرة مع الجانب الإثيوبي منذ عام 2023»، لافتاً، إلى أن بلاده «تواجه فقراً مائياً متزايداً يمثل تحدياً وجودياً».

وتعتمد مصر، التي يبلغ عدد سكانها نحو 110 ملايين نسمة، على نهر النيل لتأمين قرابة 98 في المائة من احتياجاتها من المياه العذبة، بينما تبلغ حصتها التاريخية المقررة 55.5 مليار متر مكعب سنوياً. وتعارض القاهرة بناء السد منذ البداية، معتبرة أنه ينتهك المعاهدات المنظمة لتقاسم مياه النيل، ويمثل تهديداً مباشراً لأمنها المائي.

وخلال لقائه المسؤول الأممي، سلط عبد العاطي الضوء على حالة ندرة المياه في مصر، مشيراً إلى أن نصيب الفرد انخفض إلى أقل من 490 متراً مكعباً سنوياً، أي أقل من نصف حد الفقر المائي وفقاً لمعايير الأمم المتحدة.

واستعرض، بحسب بيان لوزارة الخارجية، حزمة الإجراءات التي اتخذتها الدولة خلال السنوات الماضية لسد الفجوة المائية، من بينها إعادة استخدام المياه أكثر من مرة، وإنشاء محطات لتحلية المياه، وتحسين جودة الخدمات المائية، إلى جانب التوسع في استخدام التكنولوجيا الحديثة في نظم الري.

وعلى نحو أوسع، يربط محللون هذه المشاورات المصرية بتطورات إقليمية ودولية متزامنة، معتبرين أن هذا الحراك يهيئ المناخ لانخراط أميركي مرتقب في ملف سد «النهضة» بعد تأكيد الرئيس دونالد ترمب عزمه جمع زعيمي مصر وإثيوبيا لمحاولة التوصل إلى حل للأزمة.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)

ويرى الباحث السياسي وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور حامد فارس أنه «لا يمكن فصل التحركات الدبلوماسية المصرية الأخيرة عن الجهود السابقة للدولة المصرية للتوصل إلى حل»، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن إدارة ترمب تبدو أكثر انخراطاً في هذا الملف مقارنة بمراحل سابقة.

وكان ترمب قد أرسل، في يناير (كانون الثاني) الماضي، خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أعرب فيه عن استعداد واشنطن للوساطة واستئناف مفاوضات سد «النهضة»، بهدف التوصل إلى حل نهائي وعادل، وهو ما قوبل بترحيب مصري، رغم تعثر المفاوضات منذ عام 2023.

كما أكد كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، أن الولايات المتحدة تنخرط لإيجاد حل سلمي، معتبراً أن الأزمة قابلة للحل من الناحية التقنية.

ورغم هذه المؤشرات، لم يسجَّل أي تقدم ملموس حتى الآن، وسط مخاوف من تكرار سيناريو الولاية الأولى لترمب، حين تعثرت الجهود الأميركية بعد انسحاب إثيوبيا من الجولة الختامية ورفضها التوقيع على الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطن مطلع عام 2020.

لكن فارس يرى أن «الأمور تبدو مختلفة هذه المرة»، في ظل ما وصفه بـ«وجود إرادة أميركية حقيقية لحسم الملف»، محذراً من «مخاطر إطالة أمد المفاوضات إلى ما لا نهاية، لا سيما في حال تعرض المنطقة لسنوات جفاف».

وتوقع أن تمارس واشنطن ضغوطاً مباشرة على أديس أبابا للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، مؤكداً أن أي نكوص إثيوبي عن التفاهمات قد يفتح الباب أمام فرض عقوبات، مذكّراً بقيام وزارة الخزانة الأميركية سابقاً بتعليق مساعدات لإثيوبيا بنحو 100 مليون دولار عقب فشل مفاوضات سابقة.