فورد: الأكراد سيدفعون ثمن ثقتهم بالأميركيين... وأوباما لم يترك لترمب الكثير من الخيارات

قال في حديث إلى «الشرق الأوسط» إن إيران و«حزب الله» أنقذا الأسد... ويريدان سحق المعارضة السورية

فورد: الأكراد سيدفعون ثمن ثقتهم بالأميركيين... وأوباما لم يترك لترمب الكثير من الخيارات
TT

فورد: الأكراد سيدفعون ثمن ثقتهم بالأميركيين... وأوباما لم يترك لترمب الكثير من الخيارات

فورد: الأكراد سيدفعون ثمن ثقتهم بالأميركيين... وأوباما لم يترك لترمب الكثير من الخيارات

قال آخر سفير اميركي لدى سوريا روبرت فورد في حديث إلى «الشرق الأوسط» في لندن، إن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لم يترك الكثير من الخيارات للرئيس دونالد ترمب كي يغير قواعد اللعبة لتقليص نفوذ إيران في سوريا، لافتا إلى أن الإيرانيين سيدفعون الأميركيين إلى الانسحاب من شرق سوريا كما انسحبوا من بيروت العام 1983 والعراق.
وقال فورد إن الأكراد سيدفعون غالياً ثمن ثقتهم بالأميركيين، وإن الجيش الأميركي يستخدمهم فقط لقتال «داعش» ولن يستعمل القوة للدفاع عنهم ضد قوات النظام السوري أو إيران وتركيا. وقال: «ما نفعله مع الأكراد غير أخلاقي وخطأ سياسي». وكان فورد غادر دمشق في 2012، لكن بقي مبعوث أميركا إلى سوريا إلى أن استقال في 2014 وأصبح باحثاً في «مركز الشرق الأوسط» للأبحاث في واشنطن ومدرساً في جامعة ييل. وهنا نص الحديث الذي أجري في لندن أول أمس:
* لنبدأ بنقطة مفصلية، هي زيارتك إلى حماة في يونيو (حزيران) 2011. لماذا ذهبت؟ هل تعتقد أن القرار كان حكيماً؟
- السؤالان مشروعان. لماذا ذهبت؟ الجواب سهل. توفرت لدينا معلومات أن حماة محاصرة والجيش يطوق المدينة وكنا قلقين من حصول عنف في المظاهرة في اليوم التالي. ذهبت الخميس كي أكون شاهداً على العنف إذا حصل كي أعرف من بدأه لأن السؤال في واشنطن سيكون: من بدأ العنف؟ المتظاهرون أم الحكومة؟ في حال سألوني من واشنطن وقلت إني لا أعرف لأني في دمشق لن يقبلوا جوابي. كما أني اعتقدت أنه لو أرسلت دبلوماسيين من السفارة لن يكون ذلك مؤثراً كما لو أني ذهبت بنفسي.
كما أن زيارتي تتضمن رسالة إلى الحكومة السورية أننا نأخذ المسألة جدياً ويجب ألا ترسلوا الجيش إلى المدينة. لحماة تاريخ مأساوي كما هو معروف. لم أطلب موافقة من الخارجية الأميركية. فقط قلت إنني ذاهب. أرسلت إلى جيفري فيلتمان (مساعد الوزير) الأربعاء وقلت إنني ذاهب إلى حماة الخميس والمظاهرات يوم الجمعة.
* أبلغت الحكومة السورية؟
- أرسلنا مذكرة قلنا فيها إننا سنرسل سيارة دبلوماسية مع أربعة دبلوماسيين. لم نقل إنني سأكون بين الدبلوماسيين. والترتيبات مع الخارجية السورية، تتضمن وجوب إبلاغهم قبل 48 ساعة وفي حال لم تعترض نمضي في تنفيذ ما قلنا. لذلك، سافرت مع أني لم أتوقع أن يسمح لنا بالدخول إلى حماة.
* أيضا كان هناك السفير الفرنسي اريك شوفالييه؟
- نعم في سيارة مختلفة.
* هل كان قراراً حكيماً؟
هناك جانبان. إيجابي وسلبي. إيجابي، زيارتي أظهرت للسوريين أننا مهتمون بقضايا حقوق الإنسان. إلى الآن، عندما ألتقي بسوريين يقولون لي: ذهبت إلى حماة، شكراً. أيضاً، عرفت الكثير عن المعارضة من الزيارة. قبل ذلك، لم نكن نعرف كم هم منظمون. لديهم أمنهم الخاص، قيادة موحدة، وهيئة إغاثة اقتصادية للعائلات. هذا لم يكن سبب ذهابنا، لكني تعلمت.
وهناك سلبيتان لذهابي. الأولى، الحكومة السورية استعملت زيارتي لدعم دعايتها أن الثورة السورية مؤامرة خارجية. الثانية، أحد طلابي في جامعة ييل يكتب أطروحة عنها: زيارتي وأعمالي الأخرى في سوريا في 2011. شجعت الحركة الاحتجاجية لتنمو، لكن الأميركيين لم يكونوا على استعداد لإرسال الجيش لمساعدة السوريين. ما يعني، أننا أعطينا السوريين أملاً زائفاً.
* أمل زائف؟
- هل تعرف قصة هنغاريا في 1956؟ في الحرب الباردة. (الرئيس دوايت) أيزنهاور والرئيس السوفياتي (نيكيتا) خرتشوف. وقتذاك، تظاهر الهنغاريون في بودابست. قبل ذلك، كانت هناك دعاية أميركية لمساعدة الشعوب والتظاهر ضد الشيوعية في أوروبا الشرقية بما فيها هنغاريا. الغرب كان متعاطفاً معهم. الهنغاريون انتفضوا في نوفمبر (تشرين الثاني) في 1956 خلال أزمة قناة السويس. بالطبع، الأميركيون لم يقوموا بأي شيء. الهنغاريون سحقوا بالجيش السوفياتي وكان هناك ضحايا واعتقالات واختفاء. بالنسبة إلى الهنغاريين، كانت تجربة مريعة. بعض الناس يقولون إن الزيارة التي قمت بها و(السفير) شوفالييه، كانت كما حصل في هنغاريا: أعطينا الناس أملا ثم تركناهم. لم تكن أبدا نياتنا. وكما تعرف أنني كنت أقول دائما في دمشق، إن الجيش الأميركي لم يأت. تناقشت كثيراً مع معارضين. قلت للجميع: بعد حرب العراق، لن يأتي الجيش الأميركي لمساعدتكم. قلت للناس في حماة: ابقوا سلميين. لو حصل عنف لن يأتي الجيش الأميركي.
بعض الناس سمع رسالتي، لكن ليس كل شخص. ما يعني كان هناك تشجيع حتى لو لم يكن مقصودا. جوابي، لا أظن أن السوريين تظاهروا وانتفضوا لأنهم أرادوا مساعدة أميركا بل خروج الأسد من السلطة. تظاهروا في الشوارع ليس بسبب أميركا، بل بسبب ما شاهدوه في مصر وتونس.
* بعد ذلك وفي أغسطس (آب) حصل نقاش في البيت الأبيض، ثم أعلن الرئيس باراك أوباما أنه على الأسد أن يتنحى. ماذا حصل؟
- لم أتأكد في اللقاء، لكن اتصلوا بي من واشنطن لإبلاغي في دمشق. النقاش استمر أسابيع قبل ذلك. وكنت ضد تصريح أوباما.
* لماذا؟
- إذا ذهبت إلى السجلات، تجد أن آلان جوبيه وزير الخارجية الفرنسي كان في واشنطن في نهاية يوليو (تموز) بداية أغسطس، وعقد مؤتمرا صحافياً مع نظيرته الأميركية هيلاري كلينتون. فيلتمان أبلغني بالإيميل أن كلينتون ستعلن أنه على الأسد أن يتنحى. قلت: لا تقوموا بذلك. لن يغير أي شيء هنا في دمشق، وسيعقد عملي في دمشق الذي هو معقد بما يكفي، أيضا أن المتظاهرين سيعتقدون أن الأميركيين سيقومون بشيء وهم لن يقوموا بشيء. قلت له: رجاء أبلغ الوزيرة بعدم قول ذلك. وفعلاً، لم تقل ذلك. غيروا خطابها قبل ساعة من المؤتمر الصحافي.
لكن الضغط السياسي على أوباما في واشنطن كان رهيباً. كان هناك انتقاد من الجمهوريين والديمقراطيين، وانتقاد من السوريين الأميركيين، انتقاد من دول عربية ودول أوروبية ومن الإعلام الأميركي. فيكتوريا نولاند الناطقة باسمه، كانت تسأل يومياً: هل الأسد شرعي؟
كان هناك عشرات اللقاءات. أرسلوا لي في دمشق جدول أعمال اللقاء عشية خطاب أوباما. بعد اللقاء، مسؤول رفيع المستوى في البيت الأبيض اتصل بي. حاول الاتصال على التليفون الآمن، لكن لم يكن يعمل في دمشق. كان معطلاً. ثم اتصل بي على هاتف عادي غير آمن. قال: روبرت، تتذكر الموضوع الذي كنا نناقشه في شكل منتظم؟ قلت: نعم. قال: أجرينا لقاءات أخرى ونعتقد أن الموضوع حول القرار الخاص سنقوم به. هل تعرف عن ماذا أتحدث؟ قلت: نعم. قال: ماذا تعتقد؟ قلت: لن يغير أي شيء هنا في الحكومة. قد يغير الحركة الاحتجاجية، لكن قطعاً لن يؤدي إلى تغييرات كبيرة سياسيا. لم أستطع القول: إن الأسد لن يتنحى لأني أعرف أن المخابرات السورية تسمع اتصالي.
قال: هل ستكون في وضع آمن لو قمنا بالفعل؟ قلت: أكيد سأكون على ما يرام. كرر قوله: هل أنت متأكد. قلت: بسبب حق النقض (الفيتو) الروسي، لن تكون هناك مشكلة ولن تتعرض حياتي لخطر. أضفت: أنت تعرف أن هذا الموقف سيعقد في النهاية تحقيق الهدف الذي جئت إليه، أي الحديث مع الحكومة. قال: نحن نفهم ذلك.
هذا الخطأ الذي قمت به. كان يجب أن أقول: لا، يجب ألا يقول أوباما ذلك. لكن لأني أعرف أن هناك ضغطاً سياسيا في واشنطن، قلت له: نعم سأكون في وضع آمن، امضِ بالقرار.
* مسؤول أميركي قال لي إنه كان في الاجتماع وعارض أن يقول أوباما إن على الأسد تنفيذ قراره عسكرياً بوجوب التنحي؟
- كان يجب أن أقول للمسؤول الرفيع: إذا لم تكونوا قادرين على تنفيذ التصريح، يجب التزام الصمت.
* بعد ست سنوات، هل توقعت أن يبقى الأسد في الحكم رغم كل ما جرى وحصل في البلاد؟
- نهاية 2013. كنت أعتقد أن حرب الاستنزاف ستكون قاسية على النظام وسيفاوضون على صفقة. بعضهم سيطلبون عفواً ويذهبون إلى الجزائر أو روسيا أو كوبا وسيكون هناك حكومة ائتلافية تضم ربما (رئيس مكتب الأمن القومي) علي مملوك أو (رئيس المخابرات العامة) محمد ديب زيتون تحت قيادة شخص مثل (نائب الرئيس السابق) فاروق الشرع مع المعارضة والمستقلين.
لكن، لأن الجيش النظامي السوري سيكون ضعيفاً، فإن النظام سيقبل بإنقاذ نفسه مقابل التخلي عن عائلتي الأسد ومخلوف.
* هل كنت فعلاً تعتقد أن النظام سيفاوض على نهايته؟
- نعم. هذا أكبر خطأ سياسي ارتكبته. لم أكن أتوقع أن ترسل إيران و«حزب الله» آلاف المقاتلين. لم أكن أتوقع أن يضحي «حزب الله» بسمعته في العالم العربي لأجل الأسد. كنت أعتقد أنهم سيفاوضون على ائتلاف سياسي أولا. هذا أكبر خطأ سياسي ارتكبناه. لم نكن نتوقع ذلك مطلقاً.
* هل كنت تظن أن عسكرة الحراك كان قراراً صحيحاً؟
- إلى حين تركت دمشق في مارس (آذار) كنت أطالب بالحوار السياسي. بل إنني كنت أعتقد أنه بسبب موقفي في خريف 2011، سأتعرض لمشاكل في الكونغرس. سأقول لك كيف بدأ الحديث عن العسكرة. حتى عندما أغلقت السفارة وعدت إلى واشنطن في مارس 2012، كنا نقول: الحوار والحوار ولا عنف. وكنا نتمسك بمبادرة كوفي أنان (المبعوث الدولي الأسبق) ذات النقاط الست. وهي لم تكن تدعو للعنف وقف التفاوض. طبعاً، فشلت.
ثم، فريد (هوف المبعوث الأميركي) ذهب إلى الكونغرس لتقديم شهادته. في ذاك النقاش بينما كان يتحدث، سئل من عضو في الكونغرس عن العنف: هل تعتقد أنه مبرر للسوريين والحركة الاحتجاجية والمعارضة استخدام العنف؟ فريد قال: عندما يأتي شخص إلى منزلكم ليعتقلك ثم ستعذب وتقتل، الأمر الطبيعي أن تستخدم العنف ضد الهجوم على عائلتك. هذا أمر مفهوم.
كانت تلك المرة الأولى لمسؤول أميركي ليقول: إنه «أوكي» لاستخدام العنف ضد النظام. فوجئنا عندما سمعناه يقول ذلك. بدا أننا تجاوزنا خطاً أحمر. هذا جعل الكونغرس سعيداً لأنهم سمعوا ما أرادوا سماعه. لكن، من جهة أخرى، لم يكن ممكنا الاستمرار بالقول: لا للعنف، فقط الحوار خصوصاً مع استمرار التصعيد و«البراميل المتفجرة» والكيماوي. هذا بعض حمص التي دمرت.
* استقلت من منصبك في نهاية فبراير (شباط) 2014. قبل ذلك كان هناك نقاش في واشنطن حول تسليح المعارضة و«الجيش الحر» في نهاية 2012؟
- عندما تجاوز فريد هوف الخط، بدا لي أنه علينا القيام بما يمكن به للضغط على النظام وخصوصاً بعد فشل خطة أنان. وفي مايو (أيار) فشلت بعثة المراقبين الدوليين روبرت مود. وقتذاك، ذهبت إلى واشنطن وزرت (مدير وكالة الاستخبارات المركزية) ديفيد بترايوس في مايو 2012. كنت أعرفه من العراق وعملنا سوية. قلت: يجب بذل جهد أكبر في سوريا ويجب الانتباه إلى تسلل الإرهابيين من العراق. ويجب أن نفكر بمساعدة المعتدلين والضغط على النظام ووقف تقدم المتطرفين. هذا يعني، يجب مساعدة المعتدلين. بترايوس نظر إلي. هو ذكي وليس غبياً. لم يقل الكثير، فقط قال: دعني أتحدث إلى جماعتي في «سي أي إيه» حول هذا الأمر.
* ثم قدم اقتراحا لتسليح المعارضة؟
- بعد شهرين تحدثت إلى كلينتون وأجريت لقاءات مع «وكالة الاستخبارات الأميركية» (سي أي إيه). وكان هناك اتفاق حول ما يجب فعله. يجب مساعدة المعتدلين.
* بالسلاح؟
- نعم، بالسلاح. في يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) تحدثت إلى كلينتون حول الأمر. توقعت أن ترفض ذلك ولن نسلح المعارضة لأن هذا تغيير كبير في سياستنا ونريد الحوار و«بيان جنيف» وحل تفاوضي وهيئة انتقالية وطنية. كنت أتوقع أن يكون اللقاء صعباً مع كلينتون، لكن الواقع أنها وافقت فوراً لوضع حد لـ«جبهة النصرة» ودعم المعتدلين بالسلاح والمساعدات لدعم المواطنين كي نضغط على النظام ليقبل «بيان جنيف».
تعرف ماذا قالت؟
* ماذا؟
- قالت أيضا: سيكون لنا نفوذ أكثر على المعارضة لقبول حل تفاوضي سياسي. كان الاجتماع مع كلينتون سهلاً. لم أكن أعرف التفاصيل. هناك صحافي أميركي قال: كلينتون التقت بترايوس في يونيو وتحدث معها عن الأمر قبل أن تلتقي به. إذن، لم يخبرني أي منهما عن الأمر.
* أوباما رفض توصية كلينتون وبترايوس بتسليح المعارضة؟
- لم يرفض، بل وضع التوصية في الدرج. في الثقافة الأميركية يعني ذلك الرفض.
* البرنامج السري لـ«سي أي إيه» بدأ بعد ذلك؟
- يجب أن أكون حذرا. لا أستطيع التحدث عن البرنامج السري. ما يمكن قوله: النقاش استمر في مناسبات عدة في الأشهر اللاحقة إلى العام 2013. وقتذاك، ظهرت تقارير أن النظام استعمل السلاح الكيماوي بكميات صغيرة في محافظة حلب وريف دمشق. وكانت هناك تقارير أن «القاعدة» و«النصرة» تزداد انتشاراً. و(جون) كيري حصل على موافقة أوباما في 2013. أول لقاء له كان عن سوريا. وتحدثت معه حول تسليح المعارضة ورفض أوباما. كيري قال: يجب القيام بذلك. قلت: الرئيس لم يوافق. ذهب إلى أوباما وتحدث عن الأمر. وعاد وقال لي: لدي موافقة من أوباما لتقديم مساعدات غير قاتلة للمعارضة. غذاء واتصالات ودواء ولباس، لكن ليس سلاحاً. سألت: ماذا عن السلاح؟ كيري قال: السلاح، لا. لكن طلب مني البدء فوراً. ثم أعلن كيري في اجتماع لـ«أصدقاء سوريا» في روما مع رئيس «الائتلاف» معاذ الخطيب. أول دفعة وصلت في نهاية مارس (آذار) وجاءت من الكويت.
* ماذا عن التسليح؟ متى بدأ؟
- أول تقرير صحافي في «واشنطن بوست» حول برنامج «سي أي إيه» ظهر في سبتمبر (أيلول) 2013. سأقول فقط إن مصادري الصحافية كانت ممتازة. لم أقرأ في المقال شيئا بدا خطأ بالنسبة إلي. ثم المقالات بدأت تظهر بعد سبتمبر. ثم بن رودس (مسؤول البيت الأبيض) قال بعد استخدام الكيماوي في 2013، إن الرئيس أوباما قرر «اتخاذ خطوات إضافية» من دون تحديدها.
* لكن الأسد بقي إلى 2017؟
- لا، توقعت أن الجيش (النظامي) سينكمش ويعود إلى خطوط دفاعية ثم في حرب الاستنزاف، فإن بعض الجنود سيترك ثم سيحصل التفاوض. حصل بعض الشيء. بل إنهم تركوا الحدود في 2012. كنا نعتقد أنه كلما زاد سوء الوضع العسكري، فإن بعض الناس ضمن النظام سيقولون: دعونا نبدأ بالتفاوض.
* هل وضعتم قائمة بالمقبولين بأي حل؟
- وضعنا قائمة، لثلاث دوائر في النظام: الحلقة الضيقة، الدائرة الثانية، والدائرة الثالثة. طلبت من المعارضة إعداد قائمة. ليس مهماً إذا كان للأميركيين قائمة. المهم هو أن يكون للمعارضة قائمة. تحدثت لمعارضين لتقديم «قائمة سوداء» لأشخاص تعتقدون بوجوب رحيلهم. انزعجت كثيرا، لأن المعارضين يسافرون كثيرا وعندما نطلب القائمة، كانوا يقولون: نريدكم أن تتدخلوا ونريد حظراً جوياً. كنت أقول: نحن لا نتحدث عن حظر جوي، بل حل تفاوضي مع النظام.
* لم تكن واشنطن تريد تغيير النظام بل حلاً تفاوضياً؟
- في 2013، قلت للمعارضة السورية: يجب أن تكونوا منفتحين إزاء الأسد. إذا أقنعتم الأسد بتغيير رئيس المخابرات الجوية والعسكرية والأمن السياسي والاستخبارات العامة. إذا تغير رئيس المصرف المركزي ووزير المال، ثم يُعين مستقلون بدلاً منهم من دون سيطرة الأسد يمكن قبول بقائه. يا إلهي!. كانوا يقولون: هذا مستحيل.
* إذن، كانت واشنطن تقبل بقاء الأسد في 2013 على عكس التصريحات؟
- نعم. لأن مفاوضات جنيف كانت لا تحقق أي تقدم. توقعت أن مفاوضات جنيف محكومة بالفشل خصوصاً بسبب الدعم الإيراني. لم أكن أتوقع الدعم الروسي. ومع الدعم الإيراني توقعت بقاء الأسد، لذلك تركت منصبي.
* في سبتمبر 2013، شاركت في مفاوضات كيري مع نظيره الروسي سيرغي لافروف في جنيف حول الاتفاق الكيماوي. هل كانت صفقة: الأسد يبقى مقابل تخليه عن الكيماوي؟
- لا، بالعكس. حصل لقاء بين كيري ولافروف حول الكيماوي وكنت حاضراً. الموضوع لم يكن الكيماوي بل مفاوضات جنيف والانتقال السياسي. نحن طلبنا اللقاء وقبل الروس حصول اللقاء. كيري قال: لا نريد انهيار الدولة. هذا ليس هدفنا. فقط نريد حكومة انتقالية ومستعدون للتفاوض. لافروف قال بطريقة مهينة وعامل كيري كطفل: جون، ما نريد للجيش السوري والجيش الحر أن يعملوا سوية لمحاربة الإرهابيين مثل «النصرة» والإرهابيين. كيري قال: سيرغي. هذا ما نريده أيضا. لافروف: إذن متفقون. كيري: لكن لا يمكن فعل ذلك بوجود الأسد ويجب أن تكون هناك هيئة انتقالية عبر التفاوض. لكن لا يمكن توقع «الجيش الحر» أن يضم الجيش السوري من دون تغيير في الحكومة. هذا مستحيل. لافروف: إذا حاولت تغيير الأسد، فإن كل النظام سينهار. قلنا: حسنا، هذا الأمر يخص التفاوض بحيث نحقق الهدف من دون ذلك. لافروف: إذا كنت تعتقد أننا سنأخذ الأسد ونعرض اللجوء، أنت مخطئ. كيري قال: لا نريد ذلك بل نريد حلا تفاوضيا وانتقالياً.
* هل اعتقدت أن لافروف كان يستخدم كيري؟
- نعم. قلت لكيري بعد توقيع الاتفاق الكيماوي: الحكومة السورية ستغش. أنت تعرف أنهم سيخدعوننا. هم (في دمشق) ليس نزيهين، ودائما يغشون. كيري قال: هذا يعود للروس. إن الروس سيمنعون النظام وأهم شيء هو نظام التحقيق والرقابة. وكيري قال: الروس وافقوا على عملية شفافة للتحقيق. قلت لكيري: تفاصيل التحقق أمر مهم لأن النظام السوري سيغش.
* ماذا تغير؟
- في بداية 2013 توقعت ذهاب الأسد ثم حصلت معركة القصير ودخل «حزب الله» في شكل كبير وغير دينامية الحرب ثم استعملوا الكيماوي وهي إشارة للضغط العسكري. وفي نهاية 2013، ماذا حصل؟ رئيس أركان «الجيش الحر» سليم إدريس والأركان تلاشوا وظهرت «أحرار الشام» و«النصرة». و«الجيش الحر» في الجنوب لم يحقق أي تقدم. والكيماوي استعمل. والإيرانيون يرسلون ميليشيات أكثر. والعراقيون يأتون إلى سوريا. كان هناك ركود كبير.
في المقابل، لم يكن هناك تصعيد أميركي. لذلك، فإن الموقف الإيراني سيتقدم. قد يتراجع الأسد، لكن سيبقى في دمشق والساحل. كنا نعتقد أن في وضع الركود فإن الأسد سيحتفظ بدمشق والساحل وحمص وحماة، لكنه لن يأخذ حلب ولن يذهب شرقاً. أي، كنا نتوقع تقسيم أمر واقع. الذي لم نكن نتوقعه، في 2014 و2015. المزيد من الإيرانيين والعراقيين والأفغان و«حزب الله» ثم روسيا ترسل قواتها الجوية.
* خطأ بالحسابات؟
- نعم كان علينا توقع ذلك. كان خطأ جسيماً. لم نكن نتوقع الركود لأنه لصالح الأسد.
* لماذا لم تغير واشنطن حالة الركود؟
- الأسد ربح. إنه منتصر، أو هو يعتقد ذلك. ربما خلال عشر سنوات سيأخذ كل البلاد. لن يحاسب النظام على السلاح الكيماوي والقتال والتعذيب و«البراميل المتفجرة» واللاجئين والنازحين. لا محاسبة. ربما الأسد لن يزور باريس أو لندن، لكن لن يذهب أحد إلى دمشق لأخذ مسؤولي النظام إلى (محاكمة في) لاهاي؟ لا أحد. ربما سيأخذ النظام بعض الوقت كي يستعيد درعا. عاجلا أو آجلا سيذهب إلى إدلب. سيساعده الروس وسيذهب إلى القامشلي ويعقد اتفاقا مع إيران وتركيا لتدمير الأكراد.
* ماذا عن الأميركيين؟ لن يحموا الأكراد؟
- هل تعتقد أن الأميركيين سيحاربون في القامشلي؟
* الأميركيون يدعمون الأكراد لتحرير الرقة من «داعش»؟
- هل سمعت مسؤولا أميركيا أو قرأت تصريحا أميركيا يقول: سندافع عن «غرب كردستان» بعد هزيمة «داعش»؟
* لا؟ ماذا يعني؟
- هل هذا بالصدفة؟ لن يدافعوا عن الكرد ضد قوات الأسد.
* يستخدمون الكرد لتحرير الرقة من «داعش» فقط؟
- نعم. لذلك، أعتقد أن ما نقوم به مع الأكراد ليس فقط غباء سياسيا، بل غير أخلاقي. الأميركيون استخدموا الأكراد لسنوات طويلة خلال حكم صدام حسين. هل تعتقد أن الأميركيين سيعاملون «الاتحاد الديمقراطي» و«وحدات حماية الشعب» في شكل مختلف عما عامل (وزير الخارجية الأسبق) هنري كيسنجر الأكراد العراقيين (عندما تخلى عنهم). بصراحة، مسؤولون أميركيون قالوا لي ذلك. الأكراد السوريون يقومون بأكبر خطأ لدى ثقتهم بالأميركيين.
* تعتقد أن المسؤولين الأميركيين يستخدمون الكرد؟
- نعم بطريقة تكتيكية ومؤقتة ولن يستخدموا الجيش الأميركي للدفاع عن «غرب كردستان» كإقليم مستقل في مستقبل سوريا.
* لكن لأول مرة الجيش الأميركي دافع عن حلفائه في «البادية السورية» ومعسكر التنف ضد حلفاء إيران؟
- لماذا فعلوا ذلك؟ ليس لدفع الأسد للوصول إلى حل سياسي وتفاوضي بل للدفاع عن مقاتلي المعارضة الذين يقاتلون «داعش». هناك فرق بين محاربة «داعش» والسعي للحصول على تنازل من الأسد حول مستقبل سوريا. الأمر الأخير، إدارة ترمب لن تقوم بذلك.
* قيل إن لإدارة ترمب أولويتين: محاربة «داعش» وتقليص نفوذ إيران وإن السيطرة على شرق سوريا ستحقق الأمرين؟
- هناك بعض المسؤولين في واشنطن يعتقدون بذلك، لكن الأميركيين سيعرفون قريبا أن إيران ستصعد وأن أميركا لن يكون لديها الصبر والقوة العسكرية للقيام بتصعيد مقابل.
* ماذا يعني؟
- سينسحب الأميركيون. كما تعرف انسحبنا من بيروت في 1983 وانسحبنا من العراق أيضا.
* هل تعتقد أن «الهلال الإيراني» سيتراجع؟
- هناك «هلال إيراني» وهو موجود ولا يمكن هزيمته شرق سوريا. النفوذ الإيراني يأتي في سوريا من غرب سوريا ومطار دمشق والعلاقة بين طهران ودمشق والدعم الذي تقدمه إيران إلى النظام في دمشق.
* كيف يمكن هزيمة «الهلال الإيراني»؟
- عبر فرض حل تفاوضي على الأسد والمعارضة. لكن إيران وروسيا تقدمان الدعم للنظام وهو أخذ حلب وتدمر. لأول مرة منذ 2012، قوات الأسد على حدود العراق وليس الأكراد.
* إنها قوات تابعة لإيران؟
- صحيح، أفغانيون وإيرانيون وعراقيون....
* ما هو هدف إيران؟
- الإيرانيون يريدون إنهاء المعارضة السورية مرة واحدة وللأبد. الحل العسكري فقط. هم يفضلون طريقاً يمر بغرب كردستان والرقة ثم حلب ثم إلى لبنان. إذا استسلم الأكراد السوريون سيكون الأمر مقبولاً. لكن شرط الاستسلام الكامل وأخذ التعليمات من دمشق وإلا فإن الأكراد سيدمرون وسيكون الأتراك سعيدين بذلك ويتعاونون مع إيران ضد الأكراد.
* ما هو الهدف النهائي لترمب؟
- يريد تقليص النفوذ الإيراني هكذا سمعت من أحد مستشاري ترمب قبل أسابيع، لكن لا يعرف أن اللعبة انتهت. تأخروا كثيراً. أوباما لم يترك لإدارة ترمب الكثير من الخيارات لتحقيق هدفها.



اليمن يواجه موجة غلاء وسط هشاشة اقتصادية

يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)
يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)
TT

اليمن يواجه موجة غلاء وسط هشاشة اقتصادية

يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)
يمنية في أحد مخيمات النزوح تحمل بكفيها حفنة من الدقيق لإعداد الطعام لعائلتها (أ.ب)

لا تزال حياة اليمنيين محكومة بالضغوط المعيشية، وسط تحذيرات من موجة جديدة من الغلاء واستمرار الضغط على أسعار الغذاء والطاقة والشحن نتيجة الاضطرابات في المنطقة.

تزامن ذلك، مع تصنيف دولي للبلاد وضعها بين الأعلى عربياً في تكلفة المعيشة، مع بقاء مستويات الدخل والقوة الشرائية عند حدودها المتدنية، رغم الإشادات بالإصلاحات الاقتصادية.

التحذيرات صدرت من منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) التي قالت إن تداعيات الاضطرابات الإقليمية لن تتوقف بانتهاء الأزمة العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، ومضيق هرمز تحديداً، وإن انعكاسات الأزمة على أسعار الغذاء وقطاع النقل ستستمر لفترة أطول؛ نتيجة الاضطرابات الواسعة التي شهدتها سلاسل الإمداد العالمية لأكثر من 100 يوم.

وحسب تقرير «أونكتاد»، فإن إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف الملاحة البحرية قد يخففان الضغوط على أسواق الطاقة العالمية، إلا أن آثار الاضطراب ستظل قائمة لفترة أطول، بما يهدد الاقتصادات الهشة، وفي مقدمتها اليمن، بمزيد من تقلبات أسعار الوقود والحبوب وارتفاع تكاليف النقل، وهو ما قد ينعكس على أسعار السلع الأساسية ويزيد من معدلات الفقر وسوء التغذية.

جاءت هذه التحذيرات في وقت أظهر فيه تصنيف حديث لمنصة «نومبيو»، وهي أكبر قاعدة بيانات عالمية تعتمد على المستخدمين لمقارنة تكلفة المعيشة وجودة الحياة بين مدن ودول العالم، أن اليمن يحتل المرتبة الـ46 في مؤشر تكلفة المعيشة لعام 2026، والثانية عربياً.

وتعكس هذه النتيجة استمرار ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية، دون أن يُقابل ذلك تحسن مماثل في مستويات الأجور والمداخيل أو القوة الشرائية؛ ما يجعل الأعباء المعيشية أكثر ثقلاً على السكان.

غلاء دائم

يعدّ التناقض في اليمن مفارقة لافتة، فالمؤشر يقيس أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية مقارنة بمدينة نيويورك الأميركية بوصفها معياراً مرجعياً؛ إذ ارتفع مؤشر تكلفة المعيشة في اليمن هذا العام مقارنة بسابقه، عندما سجل 48.4 نقطة؛ ما يعكس زيادة في مستويات الأسعار خلال العام الحالي، رغم تراجعه في الترتيب العالمي.

رغم الإشادات الدولية بالإصلاحات الحكومية لا يزال اليمنيون يعانون ضيق المعيشة (أ.ف.ب)

ويقتصر المؤشر على قياس أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية ويغطي أسعار المواد الغذائية والمطاعم ووسائل النقل والخدمات الأساسية، ولا يشمل الأجور أو جودة الخدمات أو القوة الشرائية، في حين تُحتسب إيجارات السكن ضمن مؤشر مستقل.

واشتكى سكان العاصمة اليمنية المؤقتة عدن من ارتفاعات جديدة في الأسعار، ورغم أنه اقتصر على سلع محدودة، فإنه أثار مخاوف من أن يكون مؤشراً على موجة غلاء جديدة مقبلة.

جانب من مخيم لنازحين يمنيين من الحديدة (غرب) إلى محافظة أبين (جنوب) (أ.ب)

ففي حين تشهد أسواق الأسماك زيادة في أسعار «الثمد» (سمك التونة)، وهو النوع الأكثر استخداماً في الأطباق الشعبية في عدن، ارتفعت أسعار بعض الأدوية الضرورية للأمراض المزمنة إلى جانب شحها في الصيدليات.

ويقول الصيادون وبائعو الأسماك إن تأثير الأحوال الجوية المتمثلة بقدوم رياح الشمال على حركة الصيد تسبب في تراجع كميات الأسماك التي يمكن اصطيادها ونقلها إلى الأسواق في ظل الطلب الدائم عليها؛ ما أدى إلى ارتفاع أسعارها.

ورغم التوقعات أن يكون هذا الارتفاع مؤقتاً، فإن ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية ضاعف المخاوف في أوساط الأهالي.

إصلاحات مطلوبة

في ضوء هذه المعطيات، تشكو عائلات المرضى وكبار السن من زيادات جديدة في أسعار أدوية ارتفاع ضغط الدم والسكر. ويذكر عبد الكريم غانم، وهو مهندس، ويعاني السكر والضغط، لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر قبل أسبوعين إلى شراء أدوية بديلة للأدوية التي أوصاه الأطباء باستخدامها بسبب ارتفاع الأسعار، قبل أن يفاجأ بارتفاع أسعار الأدوية البديلة، مع اختفاء الأدوية الأخرى من الصيدليات بشكل واسع.

ومنذ قرابة شهرين، حملت مشاورات المادة الرابعة التي أجراها صندوق النقد الدولي مع الحكومة اليمنية للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، إشارات أكثر تفاؤلاً؛ إذ أشاد الصندوق بتحسن القدرات المؤسسية، وعدّ أن الاقتصاد بدأ يسجل تعافياً تدريجياً بعد سنوات من الركود، مع تراجع وتيرة الانكماش، واستمرار جهود الإصلاح المالي والنقدي.

غير أن الصندوق ربط هذا التعافي بجملة من الشروط، أبرزها مواصلة الإصلاحات المالية، وتحسين الحوكمة، واعتماد سياسات نقدية أكثر مرونة، إلى جانب استمرار الدعم الخارجي، محذراً في الوقت نفسه من أن التوترات الإقليمية والأزمة الإنسانية ما زالتا تمثلان أبرز المخاطر التي قد تعرقل أي تحسن اقتصادي خلال الفترة المقبلة.

طفلة يمنية نازحة تتناول قطعة خبز مع الشاي (أ.ب)

ويرى الباحث الاقتصادي اليمني فؤاد المقطري، في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن التراجع المستمر في القدرة الشرائية لليمنيين يعود إلى توقف صادرات النفط التي كانت تمثل المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية، واتساع عجز الموازنة، وتراجع الاحتياطيات الخارجية، والانقسام النقدي بين عدن وصنعاء، فضلاً عن تمويل العجز بطباعة المزيد من العملة.

ويؤكد أن أي تعافٍ مستدام يتطلب استعادة مصادر الدخل الخارجي، وتوحيد السياسة النقدية، وتعزيز الاستقرار المالي، موضحاً أن التصدي لغلاء المعيشة لن يكون كافياً بزيادة الأجور فقط، بل وبضبط الأسواق، وتحفيز الإنتاج المحلي لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن السكان وزيادة إيرادات الدولة وتحسين سعر صرف العملة المحلية أمام العملات الأجنبية بالأداء الاقتصادي المتوائم مع القرار السياسي.


100 مليون دولار لدعم التغذية وسبل العيش في اليمن

تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)
تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)
TT

100 مليون دولار لدعم التغذية وسبل العيش في اليمن

تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)
تراجع التمويل الدولي في اليمن أثار تحذيرات من بؤر للمجاعة (إعلام محلي)

حصل اليمن على منحة جديدة بقيمة 100 مليون دولار من البنك الدولي لدعم جهود الحد من سوء التغذية وتعزيز سبل كسب العيش، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات الأممية من اتساع رقعة الجوع وظهور بؤر جديدة للمجاعة، بالتزامن مع التراجع الحاد في تمويل خطة الاستجابة الإنسانية، الأمر الذي يفاقم أوضاع ملايين السكان الذين يعتمدون على المساعدات للبقاء.

وتأتي المنحة في ظل مؤشرات مقلقة بشأن الأمن الغذائي، إذ أكدت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) أن نحو 53 في المائة من سكان اليمن سيواجهون أزمة أو مستويات أشد من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، بينما يتحمل اليمن أعلى عبء عالمي للسكان المصنفين في المرحلة الرابعة (حالة الطوارئ)، وهي المرحلة التي يصبح فيها خطر الوفاة بسبب الجوع وسوء التغذية مرتفعاً بصورة كبيرة.

وأوضح البنك الدولي أن مجلس المديرين التنفيذيين وافق على المنحة المقدمة لليمن من المؤسسة الدولية للتنمية لتمويل مشروع «النقد مقابل التغذية وسبل كسب العيش»، الذي ستنفذه منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) بالشراكة مع الصندوق الاجتماعي للتنمية.

اليمن يواجه تحديات غير مسبوقة وسط اتساع أزمة الجوع (إعلام محلي)

ويهدف المشروع إلى الحد من سوء التغذية وتعزيز قدرة الأسر الأكثر ضعفاً على مواجهة الظروف الاقتصادية، مع التركيز بصورة خاصة على الأمهات والأطفال دون سن الثانية، باعتبار الألف يوم الأولى من عمر الطفل المرحلة الأكثر أهمية في بناء صحته ونموه.

ووفق البنك الدولي، سيستفيد من المشروع نحو 1.8 مليون شخص في 15 محافظة يمنية تعد الأكثر تضرراً من سوء التغذية، على أن تمثل النساء ما لا يقل عن نصف المستفيدين، في إطار توجه يركز على حماية الفئات الأكثر هشاشة وتعزيز رأس المال البشري في البلاد.

مصادر تمويل صغيرة

لا يقتصر المشروع الدولي الجديد في اليمن على تقديم تحويلات نقدية، بل يشمل برامج لتعزيز سبل كسب العيش، من بينها إشراك نحو 55 ألف شخص في جمعيات الادخار والإقراض القروية، بما يتيح لهم الوصول إلى مصادر تمويل صغيرة تساعدهم على إنشاء أنشطة مدرة للدخل أو توسيع مشاريعهم القائمة، وتقليل اعتمادهم على المساعدات الإنسانية.

كما يتضمن المشروع مساعدة أكثر من 675 ألف يمني في الحصول على بطاقات الهوية الوطنية وشهادات الميلاد، بما يسهل وصولهم إلى الخدمات المالية والاجتماعية، ويعزز اندماجهم في الأنشطة الاقتصادية الرسمية.

مشروع دولي يستهدف 15 محافظة يمنية متضررة من سوء التغذية (إعلام محلي)

وفي جانب آخر، يستهدف المشروع الدولي الجديد في اليمن تنفيذ برنامج للعمل الرقمي متناهي الصغر يستفيد منه نحو ألفي شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و35 عاماً، مع تخصيص نصف الفرص على الأقل للنساء. وسيحصل المشاركون على تدريب في المهارات الرقمية والعمل عبر المنصات الإلكترونية، إضافة إلى أجهزة لوحية وخدمات إنترنت، بما يمكنهم من تنفيذ أعمال رقمية لصالح جهات في الأسواق العالمية وتحقيق مصادر دخل جديدة.

وأكد المدير الإقليمي لمصر واليمن وجيبوتي في البنك الدولي ستيفان جيمبرت أن المشروع يجمع بين الاستجابة الإنسانية العاجلة والاستثمار في بناء القدرات الاقتصادية للمجتمعات المحلية، مشيراً إلى أن الاستثمار في رأس المال البشري يمثل أحد أهم مرتكزات تعافي اليمن على المدى الطويل.

تحذيرات من تفاقم الجوع

تأتي المنحة الدولية لليمن في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تدهور الوضع الإنساني نتيجة الانخفاض غير المسبوق في التمويل الدولي. وكانت الأمم المتحدة قد حذرت خلال الأشهر الماضية من أن تقليص المساعدات الإنسانية يهدد بظهور جيوب للمجاعة في عدد من المناطق، مع اضطرار وكالات الإغاثة إلى تقليص برامجها الغذائية والصحية بسبب نقص التمويل.

ويؤكد البنك الدولي أن اليمن ما زال يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم، إذ يعاني أكثر من 18.3 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينما يعيش نحو 74 في المائة من السكان تحت خط الفقر، ويعاني نحو نصف الأطفال دون سن الخامسة من التقزم، وهو أحد أخطر مؤشرات سوء التغذية المزمن.

وأشار البنك إلى أن المشروع سيستمر حتى يونيو (حزيران) 2029، ضمن محفظة عمليات نشطة في اليمن تضم 12 مشروعاً بإجمالي تمويل يبلغ 2.4 مليار دولار، إضافة إلى تمويل من الصندوق الاستئماني متعدد المانحين للصمود والتعافي وإعادة الإعمار.

مأرب في واجهة الاحتياجات

في موازاة ذلك، جددت الحكومة اليمنية دعوتها للمجتمع الدولي إلى توفير دعم عاجل لتلبية احتياجات أكثر من 1.6 مليون شخص في محافظة مأرب، التي تستضيف أكبر تجمع للنازحين داخلياً في البلاد، ويقدر عددهم بنحو 65 في المائة من إجمالي النازحين.

وأكدت الحكومة أن المحافظة تشهد مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، في ظل استمرار موجات النزوح وتراجع التمويل الإنساني، الأمر الذي يضع مئات الآلاف من الأسر أمام أوضاع معيشية بالغة الصعوبة، ويزيد من الحاجة إلى تدخلات عاجلة للحفاظ على الخدمات الأساسية وضمان استمرار برامج الغذاء والتغذية.

ويرى مراقبون أن المنحة الجديدة تمثل دفعة مهمة لدعم الفئات الأكثر ضعفاً، لكنها تبقى غير كافية لمعالجة اتساع الأزمة الإنسانية، في ظل استمرار النزاع وتدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع حجم التمويل الدولي مقارنة بالاحتياجات الفعلية، ما يجعل ملايين اليمنيين عرضة لمزيد من الجوع والفقر ما لم تتعزز الاستجابة الإنسانية خلال الفترة المقبلة.


الحدود مع مصر... مزاعم إسرائيلية متكررة تفاقم التوترات

صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)
صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)
TT

الحدود مع مصر... مزاعم إسرائيلية متكررة تفاقم التوترات

صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)
صورة عامة لجزء من الحدود بين قطاع غزة ومصر (رويترز)

لا يكاد الحديث الإسرائيلي عن ضرورة تأمين الحدود مع مصر يخبو حتى يطفو على السطح من جديد، مع مزاعم متكررة عن وجود عمليات تهريب، نفتها القاهرة مراراً، وسط توتر بالعلاقات، خصوصاً منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

أحدث هذه المزاعم جاءت على لسان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي قال في مقابلة مع «القناة 14» العبرية المقربة منه، مساء الثلاثاء، إن إسرائيل بحاجة إلى حماية حدودها مع مصر، وإنه أجرى مناقشات مع الجانب المصري، وأخبرهم بما يتوقع القيام به.

وأضاف أن «جزءاً من ذلك يجري تنفيذه بالفعل، التزاماً بالاتفاقيات بين مصر وإسرائيل».

ويأتي حديث نتنياهو بعد تقرير إسرائيلي مطول، نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» قبل أيام، زعم أنه «منذ عام 2020، يطرأ ارتفاع مستمر في عمليات التهريب عبر الحدود المصرية والأردنية، وقد دخلت المسيّرات الصغيرة على الخط، وهو ما أسهم في رفع كمية الأسلحة المُهرَّبة ونوعيتها».

«خطاب دعائي»

مدير «الشؤون المعنوية» الأسبق بالجيش المصري والخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، يرى في تلك المزاعم «مجرد خطاب مستهلك ورسائل للداخل قبل الانتخابات المقبلة في إسرائيل».

وأضاف، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «نتنياهو يعيش حالة إخفاقات على جميع المستويات، سواء في غزة أو إيران أو لبنان، ويريد بهذه البروباغندا أن يدرك نفسه سياسياً قبل سقوطه انتخابياً».

وشدّد على أن مصر «تصون حدودها، وقادرة على فرض ذلك، وناجحة في ذلك على كل المستويات».

واستطرد قائلاً: «مصر ملتزمة باتفاقية السلام، ولا تقبل بخرقها أو المساس بحدودها مهما كان»، مؤكداً أن المنطقة بحاجة إلى استقرار، وليس حملة شائعات، تهدد وتزيد من التوترات بالمنطقة.

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

ويلفت عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن حديث نتنياهو جاء مع قناة تُعَد من أبرز أذرعه الإعلامية التي تروج له انتخابياً.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن نتنياهو «يحاول أن يضخم الدعاية، ولا يراعي أن حديثه يزيد التوتر مع مصر، ويخلق مزيداً من الأزمات».

وتابع: «رئيس الوزراء الإسرائيلي يبحث عن إنقاذ نفسه ومصالحه السياسية ووجوده السياسي عبر مزاعم لا أساس لها من الصحة».

«هروب من المأزق»

وبين الحين والآخر، يخرج الجيش الإسرائيلي ببيانات رسمية، يشير فيها إلى أنه «أسقط طائرة مُسيَّرة كانت تُهرّب أسلحة من الأراضي المصرية إلى إسرائيل». وحدث ذلك أكثر مرة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قبل قرار تحويل الحدود إلى «منطقة عسكرية مغلقة».

وأكدت «الهيئة العامة للاستعلامات» في مصر وقتها أن اتهامات إسرائيل «خطاب مستهلك»، وقالت إن مصر «سئمت هذه الادعاءات التي تُستخدم لإلقاء المسؤولية على أطراف خارجية كلّما واجهت الحكومة الإسرائيلية مأزقاً سياسياً أو عسكرياً».

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، تحدث نتنياهو عن مخاوفه من حشد مصر قواتها العسكرية في سيناء، وردّت «الهيئة العامة للاستعلامات» بتأكيدها على أن انتشار القوات المسلحة «جاء بموجب تنسيق كامل مع أطراف معاهدة السلام». وأشارت الهيئة حينها إلى أن «القوات الموجودة في سيناء في الأصل تستهدف تأمين الحدود المصرية ضد كل المخاطر، بما فيها العمليات الإرهابية والتهريب».

نقطة مراقبة أمنية مصرية (رويترز)

وكانت صحيفة «إسرائيل هيوم» العبرية قد نقلت في أبريل (نيسان) 2025، عمن وصفته بأنه مسؤول أمني إسرائيلي رفيع المستوى، أن البنية التحتية العسكرية المصرية في سيناء تمثل «انتهاكاً كبيراً» للملحق الأمني في اتفاقية السلام، وأن المسألة تحظى بأولوية قصوى على طاولة وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس.

وفي فبراير (شباط) 2025، قال الجيش الإسرائيلي إنه أحبط محاولة لتهريب أسلحة عبر الحدود مع مصر. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، أعلن الجيش المصري في إفادة رسمية أنه «أحبط محاولة لتهريب المواد المخدرة جنوب منفذ العوجة على الحدود الشمالية الشرقية مع إسرائيل».

ويؤكد الدكتور أنور أن مصر ملتزمة باتفاقية السلام، ودائماً تحافظ على الاستقرار، «لكن لا تسير وفق ما تريد إسرائيل».

وأضاف: «مصر صاحبة رؤية، وقادرة على فرض الأمن والاستقرار وحماية حدودها، وتدرك أن نتنياهو يريد مزيداً من الفوضى على الحدود؛ وهي لديها سيناريوهات مسبقة للتعامل مع أي تهديد وفق محددات أمنية وقانونية لا قبول بالخروج عنها».