عبد المجيد تبون: الأمن مع الجوار والاقتصاد في الداخل

رئيس وزراء الجزائر الجديد أمام تحديين رئيسيين

عبد العزيز بلخادم - أحمد أويحيى - بن يوسف بن خدّة - فرحات عباس
عبد العزيز بلخادم - أحمد أويحيى - بن يوسف بن خدّة - فرحات عباس
TT

عبد المجيد تبون: الأمن مع الجوار والاقتصاد في الداخل

عبد العزيز بلخادم - أحمد أويحيى - بن يوسف بن خدّة - فرحات عباس
عبد العزيز بلخادم - أحمد أويحيى - بن يوسف بن خدّة - فرحات عباس

فاجأ الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، الأوساط السياسية والإعلامية أخيراً، بتعيين وزير السكن والعمران والمدينة عبد المجيد تبون، رئيسا للوزراء خلفا لعبد المالك سلاّل الذي تولّى المنصب لمدة 5 سنوات تقريباً. إذ كان سلاّل بصدد إجراء مشاورات مع الأحزاب، التي أفرزتها نتائج انتخابات البرلمان التي جرت مطلع مايو (أيار) الماضي؛ ما يعني أنه كان مرجحاً أن يستمر في مهامه. غير أن كثيرين لم يفاجئهم أن يقع اختيار الرئيس على تبون، ليكون «منسَقاً» لعمل الحكومة (بحسب وصف الدستور لوظيفة رئيس الوزراء). ذلك أن تبون أمضى فترة طويلة في العمل الحكومي، معظمها كان في قطاع السكن والبناء الذي يعدَ أولوية لدى الرئيس الحالي، وأيضا الرؤساء السابقين، وذلك لسببين: الأول أن الجزائر كانت ولا تزال تعاني ضعفا في المرافق والمنشآت الحكومية. والآخر أن الطلب على السكن في البلاد يتزايد من سنة إلى أخرى، بينما الدولة عجزت عن الوفاء به، ويرجح أن عجزها سيستمر باستمرار شح الموارد المالية، بسبب انخفاض أسعار النفط.

يبلغ رئيس وزراء الجزائر الجديد عبد المجيد تبون، من العمر 72 سنة، وهو من مواليد منطقة المشرية بجنوب غربي البلاد. ولقد درس في «المدرسة الوطنية للإدارة» العريقة، بتخصّص اقتصاد ومالية وذلك عام 1969، ومن ثَم تولّى مسؤوليات عدة في أجهزة الدولة، منها إطار في وزارة الجماعات المحلية عام 1992؛ وأمين عام لولايات أدرار وباتنة والمسيلة، ثم عيذن والياً للجلفة فأدرار، ثم تيارت، ثم تيزي وزو.
تبون، شغل بعد ذلك بين عامي 1991 و1992 منصب وزير منتدب بالجماعات المحلية. وفيما بعد عيَنه الرئيس بوتفليقة في أعقاب توليه الحكم عام 1999 وزيرا للسكن والعمران. وإثر تمضية تبون فترة قصيرة على رأس وزارة الإعلام (2000)، عاد إلى وزارة السكن (2001 - 2002)، قبل أن يغادر الحكومة ليعود إليها بعد 10 سنوات وزيراً للسكن من جديد، وظل في هذا المنصب إلى غاية اختياره رئيسا للوزراء في 24 مايو الماضي.
* قضية «الخليفة»
ولقد استغرب مراقبون عودة تبوَن إلى واجهة الحكومة عام 2012 بعد فترة طويلة نسبياً أمضاها بعيداً عن دوائر السلطة وأوساطها. والشائع أنه غادر السلطة بينما عاشت الجزائر فضيحة فساد كشفت عنها الصحافة ارتبطت باختلاسات ورشى وقعت في أكبر بنك خاص، يسمى «بنك الخليفة». إذ اتهمت وثيقة مسرَبة من المحكمة العليا (أكبر هيئة في القضاء المدني) يومذاك 20 مسؤولاً حكومياً مدنياً وعسكرياً بالاستفادة من مبالغ كبيرة بالدولار الأميركي بواسطة بطاقات ائتمان «ماستر كارد»، حصلوا عليها هدية من عبد المؤمن رفيق خليفة، مالك البنك، لإنفاق ما توفره من أموال في سفرياتهم إلى الخارج.
في حينه تضمنت قائمة الأشخاص، التي أعدها منصف بادسي، مصفّي بنك الخليفة بعد حلَه، اسمي عضوين في الحكومة هما عبد المجيد تبون ووزير الصناعة وعبد السلام بوشواب (جرى إبعاده في التعديل الحكومي الأخير)، ووزير سابق وابن ضابط كبير في الجيش ومسؤول بارز سابقاً في رئاسة الجمهورية. غير أن مصادر مطلعة تفيد بإسقاط هيئة من القضاة تهمة الفساد عن تبون وكذلك بوشوارب، في حين اتهمت تنظيمات معارضة الرئيس بوتفليقة بأنه وفَر الحماية لتبون وبوشوارب وجنَبهما المتابعة القضائية، بينما تُسلّط أقسى العقوبات على متهمين بأفعال أقل خطورة.
* تقليص فاتورة الاستيراد
تبون صرّح في اليوم الموالي لتعيينه في المنصب، بأن «تقليص فاتورة الاستيراد سيكون من أولويات الحكومة في الفترة المقبلة، ولكن من دون المساس بالقدرة الشرائية للمواطن». وقال مخاطبا وزير التجارة الجديد «مهمتك هي الحفاظ على الاقتصاد والإنتاج الوطني، من خلال الحد من استيراد المواد التي يتم إنتاجها وطنيا، ولكن من دون إحداث ندرة أو خلل في السوق الوطنية، أو الإخلال باتفاقيات وتعهدات الجزائر الدولية». وهنا كان رئيس الوزراء الجديد يشير إلى اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، الذي تقول الجزائر إنه في مصلحة دول أوروبا وإنها لم تجن منه فوائد. والسبب، بحسب خبراء، أن المنتَج الجزائري عاجز عن دخول الأسواق الأوروبية بسبب رداءته، في حين أزيلت التعرفة الجمركية عن كل المواد التي تدخل من أوروبا إلى الجزائر.
من ناحية أخرى، أعلن رئيس الوزراء الجديد أن «البلاد شرعت في سياسة تقليص الواردات، التي بلغت سقفاً لا يطاق. فقد كانت في حدود 60 مليار دولار خلال السنتين الماضيتين، وهي اليوم نحو 46 مليار دولار. ونهدف إلى خفض هذه الفاتورة بنحو 10 مليارات أخرى هذه السنة، ولا سيما من خلال التقليل من استيراد الكماليات بنحو 6 أو 7 مليارات». وأضاف تبون «ينبغي اتخاذ قرارات جريئة، لن نستورد الكماليات حتى لا نضطر إلى الاستدانة من الخارج. إن وتيرة الاستيراد الحالية لا يقبلها لا المنطق ولا السيادة الوطنية (...). لا ينبغي أن نقع في فخ استيراد الكماليات، في حين نواجه ضغوطا لتمويل قطاعات حساسة واستراتيجية»، مشيرا باستغراب، إلى أن «فاتورة استيراد الهاتف الجوَال فاقت 600 مليون دولار في 2016». كذلك، شدد تبون على «ضرورة الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن وصحته، من خلال تكثيف عمليات الرقابة على المنتجات الاستهلاكية بهدف حماية المواطن، من ناحية الجودة والأسعار، بالإضافة إلى مكافحة المضاربة».
غير أن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، ليست التحدي الوحيد الذي سيواجه عبد المجيد تبون. فالاضطرابات الأمنية في كل من مالي وليبيا، وتسريب السلاح عبر حدود البلدين، تشكل صداعاً يؤرق جيش البلاد ويفرض على سلطاتها بذل مجهودات مضنية للحؤول دون العودة إلى الحرب الأهلية في تسعينات القرن الماضي. وكما هو معروف، دفعت الجزائر في تلك الحقبة فاتورة باهظة تمثلت في مقتل 150 ألف شخص، ودمار في البنية التحتية قيمته 20 مليار دولار. وما زالت جراح ما يسمى «مأساة وطنية» مفتوحة، برغم سياسات التهدئة التي نفذها الرئيس بوتفليقة، ومنها «الوئام المدني» و«المصالحة الوطنية».
* قضية بن عقون
ولكن لسوء طالع عبد المجيد تبون، أن فضيحة كبيرة وقعت في طاقمه، ولمّا تمرّ ساعات قليلة على توليه المسؤولية؛ إذ أنهت الرئاسة مهام وزير السياحة والصناعات التقليدية الجديد مسعود بن عقون بذريعة أنه ضالع في قضايا فساد، وأن الأجهزة الأمنية لم تتفطن لذلك قبل أن تمنح له الوزارة بصفته ممثلا عن حزب «الحركة الشعبية الجزائرية»، الموالي للرئيس. وأوضح تبون لمقرّبين منه، أنه لا يعرف الوزير المقال شخصياً، وبالتالي، فهو غير مسؤول عن تعيينه في الوزارة.
بخصوص اختيار تبون لرئاسة الوزراء، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر شريف إدريس، لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه «أعتقد أن الاختيار يعود إلى قربه من المحيط الرئاسي. ورأيي أن الطاقم التنفيذي الجديد أشبه بحكومة انتقالية، يبدو أنها مكلفة بتسيير المرحلة التي تسبق انتخابات الرئاسة، المنتظرة في 2019».
ولاحظ إدريس أن «بعض الوزراء جرى إبعادهم بموجب التغيير الحكومي الأخير، بهدف تهدئة الأوضاع على الصعيد الاجتماعي، مثل عبد السلام بوشوارب (وزير الصناعة) وعبد المالك بوضياف (وزير الصحة) وحميد قرين (وزير الإعلام)، الذي كان سبباً في توتر علاقة الحكومة بالصحافة، بينما السلطات في حاجة إلى وسائل إعلام ذات نبرة انتقاد حادة، حتى تمر الفترة الانتقالية بسلام». وأردف «أكبر تحد يواجه السيد تبون يتمثل في تهدئة الجبهة الاجتماعية»، و«الجبهة الاجتماعية» لفظ يطلق على سخط قطاعات واسعة من المجتمع بسبب سوء المعيشة وتدني مستوى الخدمة في المرافق. وحالياً تشهد قطاعات الصحة والصناعة أزمة في أوساط العمال، بسبب إجراءات حكومية تهدد وظائف الآلاف منهم.
وتابع إدريس «السلطة في حاجة إلى رجل يحمل معه التهدئة، وهو ما سعى إليه في وزارته بفضل مشروعات السكن (في الجزائر يوجد طلب ضخم على السكن)، فضلا عن ذلك فالسيد تبون لا يملك طموحاً في الرئاسة»، في إشارة ضمنية، إلى سلفه عبد المالك سلاّل، الذي تزعم جهات جزائرية أنه يطمح لخلافة الرئيس بوتفليقة، وأن هذا «الطموح» كان سبباً في تنحيته عن الحكومة.
* «ثقة» الرئيس
من جهة ثانية، ذكر قوي بوحنية، الخبير في الشؤون الاستراتيجية، أن «تعيين عبد المجيد تبون رئيساً للوزراء يأتي بمثابة تثبيت لفكرة الرئيس في اختيار الرجال الذين يثق فيهم ليكونوا مساعدين له. ذلك أنه تربط بين بوتفليقة وتبون صلة قوية. إنها علاقة عمل ومسار ليس بالقصير». وحسب رأي بوحنية «يعكس تبون رؤية تكنوقراطية أكثر منها رؤية حزبية، فالرجل حمل ونفذ مشروعاً اقتصاديا واعدا لا يمكن إنكاره، وهي برامج السكن الاجتماعي الذي طوّر مقاربته عبر مدة تجاوزت العقد».
وأضاف الخبير «يمكن التعامل مع تولي تبون رئاسة الوزراء في إطار سياسة تغيير الوجوه السياسية، خصوصاً أن من تابع الحملة الانتخابية لاستحقاق البرلمان، لاحظ حجم التراشق السياسي الذي بلغ درجاته القصوى»، في إشارة إلى ملاسنات حادة وقعت بين قادة أحزاب. وتابع بوحنية «وسط هذه الأجواء، الرجل (تبون) ظل محافظاً على هدوئه ورزانته، ونأى بنفسه عن التصريحات والتصريحات المضادة خلال حملة الانتخابات؛ لذلك أرى أنه الأصلح لقيادة حكومات في المستقبل».
في المقابل، حمل نجيب بلحيمر، الصحافي المعروف بحدة انتقاده للحكومة، بشدة على تبون، قائلا: «الحكومة الجزائرية لا هي سياسية، ولا هي تكنوقراطية، إنها حكومة العصبة أو الشلة... المناصب الحسّاسة لأهل الولاء، والمتمرسين من أبناء النظام. ثم هناك المناصب التي لا يطلب من شاغلها أي شيء، هي مجرد «برستيج» – وفق تعبيره – وهذه تُمنح كمكافآت لمَن يقدمون خدمات للجماعة الحاكمة، أو لمقرّبيهم، وبعد ذلك تبقى الوزارات المستعصية على التسيير، وهي عبارة عن مستنقعات لا يمكن الخروج منها إلا بسمعة غير قابلة للترميم... وهذه وزارات تسند إلى بعض الكفاءات لتزيين الواجهة، ولتحميل مسؤولية الفشل للكفاءة».
أما عبد الرزاق مقري، رئيس حزب «حركة مجتمع السلم» الإسلامي، الذي رفض عرضاً من الرئيس بوتفليقة الانضمام إلى الحكومة، فقال عند تعيين تبون «نعتبر أن الحصائل الحكومية السابقة، من حيث البرنامج والقرارات والأداء، كانت في مجملها سلبية على حاضر الجزائر ومستقبلها... بالنظر لعجزها عن استغلال فرص التمويل الضخمة والظروف السياسية والمجتمعية الرائعة التي أتيحت للسلطات القائمة. إذ أصبحنا اليوم أمام أزمة كبيرة قد تكون آثارها صعبة على الشعب الجزائري واستقرار البلد لا قدر الله». ودعا مقري إلى «اطلاع الرأي العام على الحصائل السابقة بمصداقية ومسؤولية وشفافية».
وتابع مقري «إن الأزمة الجزائرية القائمة، وحالة الإخفاق الواضحة لا تعالج بتغيير الأشخاص فقط، بل تعالج - خصوصاً - بتغيير طريقة الحكم وثقافة الحاكم، وبوجود رؤية قادرة على تحقيق الانتقال الاقتصــــادي والانتقال الســـــياسي، كالذي عرضتــــــــه حركة مجتمع السلم في برنامجها الانتخابي... ولا يحقـــــق هذا إلا التـــــــدافع الديمقـــــراطي الذي يضمن الرقابة على الشأن العام».
وأنهى القيادي الإسلامي الجزائري كلامه بالقول: «ندعو الحكومة الجديدة إلى اعتماد الحوار مع الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين والسياسيين، لتجاوز الأزمة القائمة والأزمات المتوقّعة بدل القرارات الفوقية وفرض الأمر الواقع.
وفي كل الأحوال نهنئ رئيس الوزراء الجديد السيد عبد المجيد تبون ونتمنى له التوفيق».
* رؤساء الحكومات الجزائرية
كان للجزائر، وهي لا تزال تحت الاستعمار الفرنسي، حكومة مؤقتة أسست في القاهرة سبتمبر (أيلول) 1958، وترأسها المناضل السياسي الكبير فرحات عباس (19 سبتمبر– 27 أغسطس/آب 1961). وخلفه المناضل الكبير أيضاً بن يوسف بن خدّة (27 أغسطس 1961 - 27 سبتمبر 1962).
بعد ذلك جمع الرئيس أحمد بن بلة، مباشرة بعد الاستقلال في 5 يوليو (تموز) 1962، بين منصبي رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة، إلى غاية الإطاحة به من الحكم في الانقلاب العسكري الذي وقع يوم 19 يونيو (حزيران) 1965 بقيادة وزير دفاعه العقيد هواري بومدين على رأس مجموعة من المسؤولين البارزين منهم وزير الشباب والرياضة، آنذاك، عبد العزيز بوتفليقة.
ومن ثم، احتكر الرئيس بومدين كل السلطات المدنية والعسكرية، وطبّق الاشتراكية أسوة بمعسكر الاتحاد السوفياتي سابقاً، الذي انضمت إليه الجزائر. واستمر هذا الوضع إلى غاية وفاته عام 1978.
بعد وفاة هواري بومدين دخلت الجزائر عهدا جديدا مع الرئيس الشاذلي بن جديد، الذي اختار محمد بن أحمد عبد الغني رئيساً للحكومة (8 مارس/آذار 1979 - 22 يناير/كانون الثاني 1984). ولقد خلفه عبد الحميد إبراهيمي (22 يناير 1984- 5 نوفمبر/تشرين الثاني 1988)، واشتهر هذا السياسي المحنَك اللاجئ حاليا ببريطانيا، بما سمي «فضيحة اختلاس 26 مليار دولار»، التي اتهم فيها مسؤولون مدنيون وعسكريون. وأطلق الرئيس بن جديد تحقيقا في هذه القضية، لا تعرف نتائجه إلى اليوم.
الخلاف السياسي بين الشاذلي وإبراهيمي انتهى برحيل الثاني عن السلطة، فوَضه في المنصب قاصدي مرباح، مدير المخابرات العسكرية و«الرجل القوي» في النظام مطلع ثمانينات القرن الماضي، وذلك بين 5 نوفمبر 1988 و9 سبتمبر 1989. وأنهى الشاذلي مهامه في ظروف غامضة، ونقلت صحف حينها عن قاصدي أنه «سينتقم لتنحيته». وتعرّض قاصدي مرباح لعملية اغتيال عام 1993. لم يعرف أبدا من نفذها. وكان يومها رئيسا لحزب معارض، أسسه كقرار طلاق مع النظام الذي كان جزءا مهماً منه.
ودخلت الجزائر بعد ذلك مرحلة التعددية الحزبية، وقاد أول حكومة في ما سمّي «عهد الانفتاح السياسي» مولود حمروش (9 سبتمبر 1989-5 يونيو 1991). غير أن حمروش تعرض للإبعاد بعد ضغط كبير فرضه الإسلاميون على الرئيس. وتولى المنصب بعده سيد أحمد غزالي (5 يونيو 1991- 8 يوليو 1992)، ثم بلعيد عبد السلام (8 يوليو 1992 - 21 أغسطس 1993)، فـ«رجل الثورة» المخضرم رضا مالك (21 أغسطس 1993- 11 أبريل/نيسان 1994). وكل رؤساء الحكومات السابقين يتحدرون من «جبهة التحرير الوطني» التي كانت «حزب الدولة».
مقداد سيفي الذي أسندت إليه رئاسة الحكومة بين 11 أبريل 1994 و31 ديسمبر 1995، كان أول «مستقل» عن «الجبهة» يتولّى المنصب، وذلك تحت إشراف رئيس جديد هو الجنرال اليمين زروال. وعرف عهد حكومة سيفي بشح الموارد المالية ومعاناة البلاد من إرهاب مدمر.
وانتقلت رئاسة الحكومة إلى أحمد أويحيى وهو دبلوماسي شاب (31 ديسمبر 1995- 15 ديسمبر 1998). وجاء بعده إسماعيل حمداني (15 ديسمبر 1998-23 ديسمبر 1999). وورث بوتفليقة حمداني عندما وصل إلى رئاسة الدولة (15 أبريل 1999)، وأنهى مهامه، واستخلفه بالدكتور أحمد بن بيتور الذي استقال من رئاسة الحكومة بعد ثمانية أشهر فقط احتجاجاً على قرارات في مجال الاقتصاد، أصدرها الرئيس دون علمه.
على الأثر عيّن القاضي علي بن فليس رئيسا للحكومة (27 أغسطس 2000- 5 مايو/أيار 2003)، وغادر السلطة أيضا بسبب خلاف حاد مع بوتفليقة. وعاد أحمد أويحيى إلى رئاسة الحكومة من جديد (5 مايو 2003-24 مايو 2006)، ليخلفه رجل ثقة الرئيس ووزير خارجيته عبد العزيز بلخادم (24 مايو 2006-23 يونيو 2008). ثم عاد أويحيى مجدداً ليمسك بالحكومة مرة ثالثة إلى خريف 2012. وتميزت كل الفترات التي قاد فيها أويحيى الجهاز التنفيذي بالصرامة والتقشّف في تسيير الإنفاق العمومي.
واختار بوتفليقة وزير الموارد المائية عبد المالك سلاّل، كخليفة لأويحيى (3 سبتمبر 2012- 25 مايو 2017)، ثم عيَن وزير السكن عبد المجيد تبون في المنصب.



تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.


احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
TT

احتشاد دولي تقوده السعودية لإسناد خطط حكومة الزنداني

السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)
السعودية تقود الجهود الدولية لإسناد الحكومة اليمنية وضمان استقرار الاقتصاد والأمن (إكس)

في خطوة يمكن أن ينظر إليها على أنها استكشاف مبكر لقدرة الحكومة اليمنية الجديدة على تحويل التعهدات الدولية إلى مسارات تنفيذية واضحة، انعقد اجتماع مجموعة شركاء اليمن بمشاركة واسعة من ممثلي الدول والمنظمات الأممية والدولية المانحة، في إطار حشد دولي تقوده السعودية لدعم خطة الحكومة برئاسة شائع الزنداني.

الاجتماع، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي، جاء في سياق تحولات سياسية وأمنية شهدها اليمن منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط رهانات على إعادة ترتيب المشهدين السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية أكثر صلابة.

وأكد رئيس الوزراء وزير الخارجية، شائع الزنداني، في كلمته الافتتاحية، أن الحكومة الجديدة «تمضي في مرحلة مفصلية لإعادة ترتيب الوضع السياسي والعسكري وتوحيد القرار الوطني ضمن أطر مؤسسية واضحة».

وشدد على أن ذلك «يعزز قدرة الدولة على إدارة المرحلة المقبلة ويمنحها ثقلاً حقيقياً في أي مسارات مقبلة للتعامل مع ميليشيا الحوثي، سواء عبر التفاوض أو غيره من الخيارات التي تفرضها تطورات الميدان».

جانب من اجتماع مجموعة شركاء اليمن حيث يظهر الزنداني عبر الاتصال المرئي (إكس)

الزنداني رأى أن اجتماع مجموعة شركاء اليمن «يمثل محطة مهمة للانتقال إلى مرحلة أكثر تركيزاً على النتائج وأكثر انسجاماً مع الأولويات الوطنية»، بما يضمن، حسب تعبيره، «توظيف الموارد المتاحة بأعلى كفاءة لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية التي يستحقها الشعب اليمني».

وأشار إلى أن التحولات التي شهدها اليمن منذ ديسمبر الماضي، وما رافقها من قرارات وصفها بـ«الحاسمة» من قِبَل مجلس القيادة الرئاسي، أسهمت في «إعادة ضبط المسار الوطني، وإنهاء حالات الازدواج والتشظي في القرار السياسي والعسكري»، وتهيئة الأرضية لتشكيل حكومة «أكثر وحدة وتماسكاً وشمولاً في تمثيلها الجغرافي وإشراكها للمرأة والشباب».

برنامج متكامل

في الشق الاقتصادي، أعلن رئيس الوزراء اليمني أن حكومته شرعت في تنفيذ برنامج عمل متكامل يستند إلى خطة التعافي الاقتصادي وبرنامج الإصلاحات المالية ومكافحة الفساد، مؤكداً «الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء التعافي المستدام عبر استعادة التوازن المالي والنقدي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتحفيز النشاط الاقتصادي وخلق فرص العمل، والارتقاء بالخدمات الأساسية، لا سيما الكهرباء والمياه والصحة والتعليم».

حكومة الزنداني تنتظرها ملفات معقدة على صعيد الأمن والخدمات والاقتصاد (سبأ)

كما لفت إلى اعتماد وثيقة سياسة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعمل على إنشاء وحدة متخصصة للشراكة وطرح مشاريع البنية التحتية وفق معايير دولية شفافة، بهدف تعزيز ثقة المستثمرين وتشجيع تدفق الاستثمارات، بالتوازي مع إعطاء أولوية لإصلاح نظام التقاعد وإعادة هيكلة المؤسسات العامة وضخ كفاءات شابة وفق أسس مهنية.

وجدد الزنداني التزام الحكومة الكامل بدعم جهود الأمم المتحدة والمبادرات الإقليمية والدولية للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتخفف المعاناة الإنسانية وتؤسس لسلام عادل ومستدام، مع الاستمرار في تعزيز الأمن الإقليمي والدولي ومكافحة الإرهاب وترسيخ سيادة القانون.

تنسيق الأولويات

في الاجتماع الدولي المساند للحكومة اليمنية، شدد محمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن، والمشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، على أهمية استمرار العمل المشترك لتذليل العقبات أمام جهود السلام والتنمية في اليمن بقيادة الحكومة اليمنية.

وقال إن الاجتماع يمثل فرصة مهمة «للتعرف على أولويات الحكومة اليمنية والبنك المركزي اليمني»، بما يعزز التنسيق المشترك لضمان توجيه الدعم التنموي والمالي بكفاءة وفاعلية، ومساندة الجهات المانحة والمنظمات الدولية في مواءمة تدخلاتها وفق أولويات الحكومة.

وتعكس تصريحات آل جابر توجهاً سعودياً يركز على ربط الدعم المالي والفني بخطط تنفيذية واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس، في سياق دعم استقرار سعر الصرف، والمساهمة في دفع الرواتب، وتوفير المشتقات النفطية لمحطات الكهرباء، إلى جانب المشاريع التنموية طويلة الأمد التي ينفذها البرنامج السعودي في قطاعات البنية التحتية والطاقة والمياه والصحة.

وفي السياق ذاته، استعرض محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أولويات البنك، مؤكداً الالتزام بمبدأ الشفافية ومحاربة التضخم، ومشيراً إلى أهمية التنسيق والدعم الدولي لمواجهة التحديات النقدية والمالية، في ظل ضغوط مستمرة على العملة الوطنية وتراجع الموارد العامة.

حضور أممي

بدوره، أكد المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، أهمية ما تقدمه السعودية من مشاريع تنموية في هذه المرحلة، لافتاً إلى وجود «مؤشرات إيجابية حالياً في اليمن خصوصاً مع تحسن استقرار قطاع الطاقة».

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في ظل ارتباط استقرار الكهرباء والخدمات الأساسية بتهيئة بيئة مواتية لأي مسار سياسي أو اقتصادي، فضلاً عن انعكاسها المباشر على الوضع الإنساني.

كما تطرق المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية، جوليان هارنيس، إلى التحديات الإنسانية المستمرة، مؤكداً الحاجة إلى دعم مستدام يواكب الإصلاحات الحكومية ويعزز قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة الملف الإنساني بكفاءة.

ويعكس الاجتماع، وفق مراقبين، سعياً لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة اليمنية وشركائها الدوليين على أساس شراكة قائمة على الأولويات الوطنية، وتنسيق التدخلات، والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى مسار تعافٍ مؤسسي طويل الأمد، في ظل استمرار تعقيدات المشهد الميداني والسياسي.